المقام الثاني من اللمعة الرابعة عشرة
التنقل
5. صفحة
المقام الثاني
لـ"اللمعة الرابعة عشرة"
حول "ستة أسرار" من آلاف الأسرار في "بسـم الله الرحمن الرحيم"
تنبيه:
لقد تراءى لعقلي الخامد من بعيد نور ساطع من أنوار البسملة من حيث الرحمة، وأحببت أن أسجله لنفسي في صورة مذكرات، أردت أن أصطادَه وأقيده بإحاطة دائرةٍ حوله، بأسراره التي تبلغ عشرين أو ثلاثين سرًّا، ولكن مع الأسف لم أوفق لرغبتي هذه توفيقًا تامًّا في الوقت الحاضر، فنـزلت من عشرين أو ثلاثين سرًّا إلى خمسة أو ستة أسرار فقط.
وعندما أقول "أيها الإنسان" فإنما أريد به نفسي، ومع أن هذا الدرس خاص بي؛ فإنني أُحِيل إدراجَه ليكون "المقام الثاني" من "اللمعة الرابعة عشرة" إلى الآراء الصائبة لإخواني المدققين عسى أن يكون مدار استفادة لمن ارتبط بي بالروح، ولمن نفسه أكثر انتباهًا ويقظة من نفسي.
هذا الدرس يتوجه إلى القلب أكثر من توجهه إلى العقل، وينظر إلى الذوق أكثر منه إلى الدليل.
بســم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ _ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ
وَإِنَّهُ بِسْـمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (النمل:29-30)
سيُبيّن في هذا المقام "بضعة أسرار".
السرّ الأول: لقد رأيت أنا الفقير العاجز تجليًّا من تجليات "بسـم الله الرحمن الرحيم" كالآتي:
6. صفحة
إن هناك "ثلاثة أختام للربوبية" على وجه الكون، وعلى وجه الأرض، وعلى وجه الإنسان، متداخل بعضها في بعض، ويُري بعضُها نماذج بعضها الآخر.
أحدها: وهو ختم الألوهية الأكبر الذي يَظهرُ مما في الكون كله من التعاون والتساند والتعانق والتجاوب، بحيث يتوجه "بسـم الله" إليه.
ثانيها: ختم الرحمانية الأكبر الذي يظهر من التشابه والتناسب والانتظام والانسجام واللطف والرحمة التي في تدبير النباتات والحيوانات على سيماء الأرض وتربيتها وإدارتها.
ثالثها: وهو ختم الرحيمية العالي السامي الذي يظهر مما في سيماء ماهية الإنسان الجامعة من لطائف الرأفة ودقائق الشفقة وشعاعات الرحمة الإلهية، حيث يتوجه إليه اسم "الرحيم" الذي في "بسـم الله الرحمن الرحيم".
إذن فـــ "بسـم الله الرحمن الرحيم" عنوان قدسي وخيط قوي وخط ساطع لامع لما في الأحدية من أختام ثلاثة تُشكِّل سطرًا نورانيًّا في صحيفة العالم، أي إن "بسـم الله الرحمن الرحيم" نازل من الأعلى يتصل طرفه بالإنسان الذي هو ثمرة الكون ونسخة مصغرة للعالم، ويربط الفرش بالعرش، ويكون وسيلة لعروج الإنسان إلى العرش.
السر الثاني: إن القرآن المعجز البيان يُري ويبيِّن دومًا تَجلِّيَ الأحدية ضمنَ الواحدية التي تتجلى على كثرة المخلوقات غير المحدودة؛ حتى لا يغرق العقل في الواحدية، أي كما أن الشمس -مثلا- تحيط بضيائها بما لا حد له من الأشياء؛ إذ يجب أن يكون هناك تصور واسع جدًّا ونظر محيط لملاحظة ذات الشمس في ضيائها كله؛ فمن أجل ذلك تُظهِر الشمس نفسها في كل شيء لامع بواسطة انعكاسها لكيلا تُنسِي ذاتَها، ويُظهِر كلُّ شيء لامع حسب قابليته خاصيات الشمس من ضياء وحرارة فضلا عن التجلي الذاتي للشمس، وكما أن كل شيء لامع يُظهِر الشمس بجميع خصائصها حسب قابليته؛ فكذلك تشمل كل صفة من صفات الشمس كالحرارة والضياء والألوان السبعة في ضيائها جميعَ ما يقابلها من الأشياء.
ولله المثل الأعلى، ولا مشاحّة في الأمثال، فكما أن لله تعالى الأحد الصمد تجلِّيًا بجميع أسمائه الحسنى في كل شيء، ولاسيما الأحياء، وبخاصة في مرآة ماهية الإنسان؛
7. صفحة
كذلك فكل اسم من أسمائه المرتبطة بالموجودات يحيط بالموجودات من حيث الوحدة والواحدية.
وهكذا يجذب الأنظار دومًا إلى ختم الأحدية ضمن الواحدية؛ حتى لا يُغرِق العقول في الواحدية، ولا تنسى القلوبُ الذاتَ الأقدس تعالى فيها، فـ"بسم الله الرحمن الرحيم" يري ويبين ثلاث عُقَد مهمة لهذا الختم.
السر الثالث: إن ما يُبهج ويعمّر هذا الكون الواسع الشاسع غير المحدود هو الرحمة بالمشاهدة، والذي ينوّر هذه الموجودات الغارقة في الظلمات هو الرحمة بالبداهة، والذي يربي المخلوقات التي تتقلب فيما لا حد له من الاحتياجات هو الرحمة بالبداهة، والذي جعل جميع الكائنات تتوجه إلى الإنسان في كل الكون وتسعى لمعاونته كتوجه الشجرة بكليتها إلى ثمرتها هو الرحمة بالبداهة، والتي ملأت هذا الفضاء الكبير غير المتناهي والعالم الخالي الفارغ، ونورته، وعمّرته هي الرحمة بالمشاهدة، والتي رشَّحت هذا الإنسان الفاني للأبد وجعلته مخاطبًا وخليلا للذات الأزلية الأبدية هي الرحمة بالبداهة.
فيا أيها الإنسان، بما أن الرحمة حقيقةٌ محبوبةٌ وقوية وجذابة وذات إمداد وإغاثة وعون إلى هذا الحد، فقل "بسم الله الرحمن الرحيم"، واستمسك بهذه الحقيقة واعتصم بها، وتخلص من الوحشة المطلقة، ومن آلام الاحتياجات غير المحدودة، واقترب من عرش سلطان الأزل والأبد، وكن مخاطبًا وخليلا وحبيبًا لذلك السلطان بشفقة هذه الرحمة وشفاعتها وشعاعاتها.
أجل؛ إن جَمْعَ أنواع الكون حول الإنسان ضمن دائرة الحكمة، وجَعْلَها تسعى إلى تحقيق جميع حاجاته بكمال الانتظام والعناية يتم بالبداهة بإحدى حالتين:
إما أن كل نوع من أنواع الكون يعرف بذاته الإنسانَ ويطيعه، ويسعى إلى معاونته، وهذا بعيد عن العقل كل البعد، كما أنه ينتج محالات كثيرة، ويقتضي أن يكون في الإنسان العاجز عجزًا مطلقًا قدرةُ أقوى سلطان مطلق السلطنة.
وإما أن يكون هذا التعاون يتم بعلم القدير المطلق وراء ستار هذه الكائنات.
إذن فأنواع الكون لا تعرف الإنسان، بل هي دلائل على معرفة من يعرف الإنسان ويرحمه.
8. صفحة
أيها الإنسان، عد إلى رشدك، أمن الممكن ألا يعرفك ولا يراك الرحيم ذو الجلال الذي جعل جميع أنواع المخلوقات تمد يد العون إليك وتلبي حاجاتك؟ وبما أنه يَعرفك، ويُشعرك بواسطة رحمته أنه يعرفك، فاعرفه أنت أيضًا، وأعلن بالاحترام أنك تعرفه، واعلم يقينًا أن الحقيقة التي سخرت كل هذا الكون الكبير لمخلوق صغير جدًّا فانٍ مثلك، ضعيفٍ ضعفًا مطلقًا، وعاجزٍ عجزًا مطلقًا، وفقيرٍ فقرًا مطلقًا، والتي أرسلته لعونه ومعاونته؛ إنما هي الرحمة التي تتضمن الحكمة والعناية والعلم والقدرة، ولاشك أن رحمة كهذه تتطلب منك شكرًا كليًّا خالصًا، وتعظيمًا وإجلالا جادًّا صادقًا، فقل "بسـم الرحمن الرحيم" التي هي ترجمان ذلك الشكر الخالص والإجلال الصادق وعنوان لهما، واجعلها وسيلة لوصول تلك الرحمة، وشفيعًا في عتبة الرحمن.
نعم؛ إن وجود تلك الرحمة وتحققها ظاهر كالشمس؛ إذ كما أن النقش المنسوج في مركز يحصل من تناسق لُحمته وسَدَاته الممتدتين من كل جهة ومن أوضاعهما؛ فكذلك اللُّحَم والسَّدى النورانية الممتدة من تجلي ألف اسم واسم من الأسماء الإلهية في دائرة الكون الكبرى تحيك على سيماء الكون ضمن خاتم الرحمة خاتمَ الرحيمية ونقشَ الشفقة، وتنسج خاتمَ العناية نسجًا تُظهِر به نفسها للعقول أوضح من الشمس.
أجل؛ إن الرحمن ذا الجمال الذي نظَّم الشمسَ والقمر والعناصر والمعادن والنباتات والحيوانات بشعاعات ألف اسم واسم من أسمائه كنسج خيوط اللُّحمة لنقشه الأعظم، وسخَّرها جميعًا للحياة، وأظهر شفقته بما لجميع الوالدات الحيوانية والنباتية من شفقة حلوة ذات تضحية وفداء، وسخَّر الأحياء لحياة البشر، وأظهر بذلك نقشًا عظيمًا جميلا حلوًا من نقوش الربوبية الإلهية، وبيَّن أهمية الإنسان، وأظهر أسطع أنواع رحمته؛ لاشك أن ذلكم الرحمن ذا الجمال قد جعل رحمته شفيعًا مقبولا إزاء غناه المطلق للأحياء والإنسان المفتقرين إليها افتقارًا مطلقًا، فيا أيها الإنسان، إذا كنت إنسانًا حقًّا فقل "بسـم الله الرحمن الرحيم"، وجِدْ ذلك الشفيع.
أجل؛ إن الذي يربِّي أربعمائة ألف طائفة من طوائف النباتات والحيوانات المختلفة المتنوعة ويديرها على وجه الأرض في الوقت المناسب بكمال الانتظام والحكمة والعناية،
9. صفحة
ومن غير أن ينسى، ومن دون أن يخطئ أحدًا منها، والذي يضع على وجه الكرة الأرضية ختم الأحدية؛ إنما هو الرحمةُ بالمشاهدة وبالبداهة، فوجود هذه الرحمة ثابت قطعًا كثبوت وجود الموجودات التي على وجه الكرة الأرضية، كما أن هناك دلائلَ على وجودها بعدد الموجودات.
نعم؛ وكما أن على وجه الأرض خاتمَ رحمة وأحدية؛ فكذلك على سيماء ماهية الإنسان المعنوية خاتم رحمة، وهو ليس بأقل من خاتم الرحمة المشاهَد على سيماء الأرض، ولا أقل من خاتم الرحمة الأعظم المتجلي على وجه الكون، فكأن لها جامعيةً هي بمنزلة النقطة المركزية والبؤرة لتجليات ألف اسم واسم لله تعالى.
فيا أيها الإنسان، أمن الممكن لمن وهب لك هذه السيماء ووضع عليها خاتم الرحمة والأحدية أن يتركك سدى، وألا يبالي بك، ولا يهتم ولا يراقب حركاتك؟! وأن يجعل جميع الكون المتوجه إليك عبثًا، وأن يجعل شجرة الخلقة شجرةً تافهة فاسدة الثمار؟! وهل من الممكن أن يجعل رحمته التي لا تقبل الشبهة بأي وجه من الوجوه، وليس فيها أي نقص بأي وجه من الوجوه والتي هي ظاهرة كالشمس، وحكمتَه المشاهَدة كالضياء؛ موضعَ إنكار؟! حاشاه!
أيها الإنسان؛ اعلم أن هناك معراجًا للبلوغ إلى عرش تلك الرحمة، أما ذلك المعراج فهو "بسم الله الرحمن الرحيم"، فإذا أردت أن تدرك مدى أهمية ذلك المعراج فانظر إلى مستهل سور القرآن المعجز البيان البالغة مائة وأربع عشرة سورة، وانظر أيضًا إلى بداية جميع الكتب المباركة، وإلى مبدأ جميع الأمور المباركة.
ثم إن الحجة القاطعة لعظمة قدر البسملة هي ما قاله المجتهدون العظماء مثل الإمام الشافعي: إن البسملة نزلت في القرآن مائة وأربع عشرة مرة مع أنها آية واحدة.
السر الرابع: إن تجلي الواحدية في الكثرة غير المحدودة للمخلوقات لا يكفي لجميع الناس بقول ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ إذ الفكر يتشتت؛ لذا فلابد من قلب بسعة الكرة الأرضية حتى يلاحِظ الأحدَ تعالى وراء وحدة مجموع المخلوقات كلها، ويقولَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
10. صفحة
وبناء على هذا السرّ فكما أن الله سبحانه وتعالى يُظهِر خاتم الأحدية في الجزئيات إظهارًا واضحًا؛ فإنه يظهر كذلك خاتم الأحدية في خاتم الرحمانية من أجل إظهار خاتم الأحدية في كل نوع، ولتذكير العباد بالأحد تعالى، حتى يقول كل واحد في كل مرتبة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بلا صعوبة ولا مشقة، ويتوجهَ إلى الذات الأقدس مخاطبًا إياه مباشرة.
ولبيان هذا السر العظيم فإن القرآن الحكيم عندما يبحث عن خلق السماوات والأرض في دائرة الكون العظمى -مثلا- يبحث فجأة عن أصغر دائرة من دوائر الكون، وأدق الجزئيات؛ حتى يُظهِر خاتم الأحدية بصورة واضحة، فمثلا يبحث ضمن بحثه عن خلق السماوات والأرض عن خلق الإنسان وصوته ودقائق النعمة والحكمة في وجهه حتى لا يتشتت الفكر ولا يغرق القلب، وتجدَ الروح معبودها مباشرة، فهذه الآيةُ مثلا ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ (الروم:22) تبين الحقيقة المذكورة بيانًا معجزًا.
أجل؛ إن لأختام الوحدة في المخلوقات غير المحدودة وفي الكثرة غير المتناهية أنواعًا ومراتب من أكبر الأختام إلى أصغرها كالدوائر المتداخلة، ولكن مهما كانت هذه الوحدة فإنها في النهاية وحدة في الكثرة، ولا تستطيع أن تؤدي الخطابَ الحقيقي حق الأداء، فينبغي إذن وجود ختم الأحدية وراء الوحدة حتى لا يُذكِّر الأذهانَ بالكثرة، فيفتحَ أمام القلب طريقًا إلى الذات الأقدس مباشرة، ولكي يصرف الأنظار ويجلب القلوب إلى ختم الأحدية فقد وضع الله سبحانه وتعالى على ختم الأحدية ختمَ الرحمة وختم الرحيمية اللذين هما نقش جذاب جدًّا، ونور ساطع جدًّا، وحلاوة لطيفة جدًّا، وجمال محبوب جدًّا، وحقيقة قوية جدًّا.
أجل؛ إن قوة تلك الرحمة هي التي تجلب أنظار ذوي الوعي والإدراك إليها، وتوصِل وتؤدي إلى ختم الأحدية، وتُشعر بوجود الأحد، ومِن ثَمّ تجعل الإنسان ينال الخطاب الحقيقي في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وحيث إن "بسم الله الرحمن الرحيم" فهرس للفاتحة، وخلاصة مجملة للقرآن؛ فقد صار عنوانًا لهذا السر العظيم المذكور، وترجمانًا له.
11. صفحة
فالذي يملك هذا العنوان يستطيع أن يتجول في طبقات الرحمة، والذي يُنطِق هذا الترجمان يتعلم أسرار الرحمة، ويرى أنوارَ الرحيمية والشفقة.
السر الخامس: قد ورد في الحديث الشريف "إن الله خَلَقَ الإنْسانَ عَلَى صُورَةِ الرّحمن([1])" أو كما قال، وقد فسر هذا الحديث بعض من أهل الطريقة الصوفية بتفسيرات عجيبة لا تليق بالعقائد الإيمانية، بل إن بعضًا من أهل العشق منهم نظروا إلى السيماء المعنوي للإنسان وكأنه صورة الرحمن، ولما كانت الحالة الغالبة في أكثر أهل الطريقة هي السُّكْرُ، وفي أغلب أهل العشق هي الاستغراق والالتباس، فربما يُعذَرون في فهمهم المخالف للحقيقة، ولكن أهل الصحو لا يمكنهم أن يقبلوا عقلاً تلك المعاني المنافية لأسس العقائد، وإن قبلوا ذلك فإنهم مخطئون.
أجل؛ إن الذات الأقدس الإلهي الذي يدير الكون كلَّه إدارةً متقَنة منتظمة كإدارة قصر أو بيت، ويسيِّر النجوم ويدوِّرها كالذرات بحكمة وسهولة، ويستخدم الذرات كالموظفين المنتظمين؛ كما أنه لا شريك له ولا نظير ولا ضد ولا ند؛ فكذلك لا يمكن أن تكون له صورة أو مثل أو مثال أو شبيه بسرّ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى:11)، إلا أنه يُنظَر إلى شئونه وصفاته وأسمائه بسر ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم:27) وبالتمثيل، إذن فالْمَثَل والتمثيل هما من حيث الشئون فحسب.
إن أحد المقاصد الكثيرة لهذا الحديث الشريف المذكور هو أن الإنسان على صورةٍ تُظهِر اسم "الرحمن" إظهارًا تامًّا.
[1])) عَن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم: " لا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ فإن ابن آدَمَ خُلِقَ على صُورَةِ الرحمن تَعَالَى". رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم 13580 والحارث في مسنده برقم872، وللحديث شواهد أخرى، انظر صحيح البخاري 5873، وصحيح مسلم 2612و 2841، وصحيح ابن حبان 5605 و5710 و6162 ومسند أبي عوانة 464، ومسند الإمام أحمد 7319و 7414 و7414 و8274 و9602 و9963 و10743، ومصنف عبد الرزاق 7414، ومسند الحميدي 1120.
12. صفحة
أجل؛ كما أنه يُرَى ويشاهد على سيماء الكون اسم "الرحمن" الذي ينبعث ويظهر من شعاعات ألف اسم واسم كما بيَّنا سابقًا، وكما يُرَى على سيماء وجه الأرض اسم "الرحمن" الذي يظهر بالتجليات غير المحدودة للربوبية الإلهية المطلقة؛ فكذلك يُرَى على صورة الإنسان الجامعة التجلي الأتم لاسم "الرحمن" بمقياس صغير كما يُرَى على سيماء الكون والأرض.
وفي الحديث الشريف إشارةٌ إلى أن دلالة الأحياء التي هي دلائل ومرايا على وجود الرحمن الرحيم، ودلالةَ المظاهر كالإنسان على واجب الوجود؛ قاطعةٌ وواضحة وظاهرة، بحيث إنه كما يقال عن المرآة الساطعة التي تعكس صورة الشمس إنها شمس إشارةً إلى سطوعها ووضوح دلالتها على الشمس؛ فكذلك قيل في الحديث "إن في الإنسان صورةَ الرحمن" إشارةً إلى وضوح دلالته عليه Y وكمال مناسبته له، ويمكن أن يقال كذلك، وبناء على هذا السر فقد قال بعض المعتدلين من أهل وحدة الوجود "لا موجود إلا هو" عنوانًا لوضوح هذه الدلالة، وكمال هذه المناسبة.
اللّهُمّ يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ بِحَقِّ "بِسْـمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ارْحَمْنَا كَمَا يَلِيقُ بِرَحِيمِيَّتِكَ،
وَفَهِّمْنَا أَسْرَارَ "بِسْـمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" كَمَا يَلِيقُ بِرَحْمَانِيَّتِكَ، آمِين.
السرّ السادس: أيها الإنسان المسكين المتقلب في عجز لا حدّ له وفقر لا نهاية له،
اعلم بما يأتي كيف أن الرحمة هي أثمن وأغلى وسيلة وأرجى شفيع:
إن تلك الرحمة هي وسيلة للوصول إلى سلطانٍ ذي جلال، تخدم النجوم في جيشه مع الذرات بكمال الانتظام والطاعة، وذلكم السلطان ذو الجلال سلطان الأزل والأبد له غِنًى ذاتي، وهو في الغِنَى المطلق، وهو غَنِىّ على الإطلاق، لا يحتاج إلى الكائنات أو الموجودات بأي وجه من الوجوه، وهذا الكون وهذه الكائنات في منتهى الطاعة له، وتحت أمره وإدارته وهيبته وعظمته، وفي خضوع وتذلل أمام جلاله، فالرحمة أيها الإنسان ترفعك إلى حضرة الغني على الإطلاق والسلطان السرمدي، وتجعلك خليلا ومخاطبًا له، وتجعلك عبدًا محبوبًا لديه، فكما أنك لا تستطيع أن تبلغ الشمس، وتبعد عنها بعدًا كبيرًا، ولا تستطيع أن تقترب منها أبدًا، ولكن ضياء الشمس يضع في يدك انعكاس الشمس وتجليها بواسطة مرآتك؛ فكذلك ضياء رحمة الذات الأقدس وشمس
13. صفحة
الأزل والأبد، يجعله جل جلاله قريبًا منا مع أننا بعيدون عنه بعدًا مطلقًا، ولا نستطيع أن تقترب منه.
فيا أيها الإنسان،
إن من وجد هذه الرحمة وجد كنزَ نورٍ أبدي لا يفنى، أما وسيلة الظفر بهذا الكنز فهي سنّةُ الرسول الأكرم الموصوف في القرآن الكريم بـ"رحمة للعالمين" عليه الصلاة والسلام، الذي هو أسطع مثالٍ وممثلٍ للرحمة، وأبلغ لسان وداعٍ إليها، واتّباعه r، وأما الوسيلة إلى هذه الرحمة المجسمة التي هي رحمة للعالمين فهي الصلاة عليها.
أجل؛ إن معنى الصلاة عليه: الرحمةُ، والصلاة التي هي دعاء بالرحمة لتلك الرحمة المجسمة الحيّة هي وسيلة للوصول إلى من هو رحمة للعالمين، إذن فاجعل الصلاة عليه وسيلةً لك للبلوغ إلى من هو رحمة للعالمين، واجعله r وسيلةً إلى رحمة الرحمن، فصلاة جميع الأمة على الرسول الأكرم r الذي هو رحمة للعالمين -صلاةً بكثرة لا حد لها، بمعنى: الدعاء له- تثبت إثباتًا واضحًا ساطعًا مدى كون الرحمة هديةً إلهية عظيمة غالية، ومدى سعة دائرتها.
الحاصل: كما أن أعظم دُرَّة في خزانة الرحمة وأجلَّ حاجب لها هو الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام؛ فإن أول مفتاح لها هو "بسم الله الرحمن الرحيم"، وإن أسهل مفتاح لها هو الصلاة على الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام.
اللّهُمّ بِحَقِّ أَسْرَارِ "بِسْمِ اللهِ الرّحمَنِ الرّحِيمِ" صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ أَرْسَلْتَهُ رَحْمَةً للعَالَمِينَ كَمَا يَلِيقُ بِرَحْمَتِكَ وَبِحُرْمَتِهِ
وَعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْحَمْنَا رَحْمَةً تُغْنِينَا بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ مِنْ خَلْقِكَ، آمِين آمِين آمِين.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ.


