المقصد الثاني من الكلمة الثلاثين
التنقل
153. صفحة
المقصد الثاني
للكلمة الثلاثين
حول
تحولات الذرات
وهو سيشير إلى ذرة من خزانة هذه الآية:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَٰلِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَۤ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَۤ أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ﴾(سبأ:٣)
يُظهر هذا المقصد مثقال ذرة من الجوهر الموجود في الخزانة الكبرى لهذه الآية؛ أي يشير إلى الجوهر الكامن في صنيديق الذرة، ويتناول نبذة عن حركة الذرة ووظيفتها.
فهذا المقصد عبارة عن مقدمة وثلاث نقاط.
المقدمة:
إن تحولات الذرات هي اهتزازاتُ قلمِ قدرة النَّقَّاش الأزلي، وجولانه في أثناء كتابته الآيات التكوينية في كتاب الكون، وليست بلعبة تصادف كما يتوهمها الماديون والطبيعيون، وليست بحركة عشوائية بلا معنى؛ إذ إن الذرة الواحدة تقول “باسم الله” عند بدء حركتها - كما تقولها جميع الموجودات والذرات- لأنها تحمل أثقالاً تفوق قوتها إلى درجة لا نهاية لها، كحمل بذرة - بقدر حبة القمح - ثقلاً بقدر شجرة الصنوبر على عاتقها، وتقول في ختام وظيفتها “الحمد لله”.
154. صفحة
لأن جمال الصنعة المليء بالحكمة المحير المبهر جميعَ العقول يظهر ويبرز أثرًا كقصيدة مدح في الثناء على الصانع ذي الجلال بإظهاره حسن نقش مفيد. فأمعن النظر مثلاً في ثمرتي الرمّان والذُّرة الشامية.
نعم؛ إن تحولات الذرات([1]) عبارة عن اهتزازات ذات مغزى، وعن حركة ناشئة عن
[1])) حاشيةٌ لما ورد في المقصد الثاني من جملة طويلة حول تعريف تحولات الذرات: لقد ذُكر “إمام مبين” و“كتاب مبين” في القرآن الحكيم في أماكن كثيرة، وقال أهل التفسير: إنهما بمعنى واحد، وقال بعض منهم إنهما مختلفان، وإيضاحاتهم حول حقيقتهما مختلفة، وخلاصة ما قالوه: إنهما عنوانان للعلم الإلهي، إلا أنه قد حصلت عندي قناعة بفيض القرآن الكريم، هي: أن “الإمام المبين” هو عنوان لنوعٍ من العلم الإلهي وأمرِه، حيث ينظر ويتوجه إلى عالم الغيب أكثر من عالم الشهادة؛ أي إنه ينظر ويتوجه إلى الزمن الماضي والمستقبل أكثر من الزمن الحالي؛ أي ينظر ويتوجه إلى أصل كل شيء ونسله وجذوره وبذوره أكثر من كيانه الظاهري، وهو سجلٌّ للقدر الإلهي، وقد أُثبِت وجود هذا السجلِّ في “الكلمة السادسة والعشرين” وفي “حاشية الكلمة العاشرة”.
أجل؛ إن “الإمام المبين” هذا عنوان لنوع من العلم الإلهي وأمره، أي إن إنتاجَ مبادِئِ الأشياء وجذورِها وأصولِها كيانَ الأشياء بكمال الانتظام وبغاية الإبداع والصنعة يدل بلاشك على أن هذه الأمور تُنظَّم وفق سجلٍّ لدساتير العلم الإلهي، وإن تضَمُّن نتائجِ الأشياء ونسلِها وبذورِها برامجَ الموجوداتِ القادمةِ وفهارسها يخبر -بلاشك- عن وجود سجلّ صغير للأوامر الإلهية، فمثلا يمكن أن يقال إن بذرة واحدة هي عبارة عن البرامج والفهارس التي تنظم أنظمة الشجرة كلها، وهي بمنزلة مجسَّم مصغَّر للأوامر التكوينية التي تُعيِّن وتحدد تلك الفهارس والبرامج.
الحاصل: بما أن “الإمام المبين” هو في حكم برنامج وفهرست لشجرة الخلقة التي أرسلت فروعها وأغصانَها حول الماضي والمستقبل وعالم الغيب، فهو بهذا المعنى سجل القدر الإلهي ومجموعة دساتيره، فبإملاء تلك الدساتير وبِحُكمها تساق الذرات إلى خدماتها وحركاتها في أجسام الأشياء.
أما “الكتاب المبين” فهو ينظر ويتوجه إلى عالم الشهادة أكثر من نظره وتوجهه إلى عالم الغيب، أي يتوجه إلى الزمن الحاضر أكثر من توجهه إلى الماضي والمستقبل، وهو عنوانٌ للقدرة الإلهية وإرادتِها وسِجِلٌّ وكتاب لها أكثر من كونه عنوانًا للعلم الإلهي وأمره، فإن كان “الإمام المبين” سجل القدر فـ “الكتاب المبين” هو سجل القدرة، أي ظهور كمال الصنعة والانتظام الكامن في كيان كل شيء وماهيته وصفاته وشئونه يدل على أنه إنما يُلبَسُ كلُّ شيء الجسمَ بدساتير القدرة الكاملة وقوانين الإرادة النافذة، وتُعيَّنُ وتُشخَّص صورها، فيعطى شكلا خاصا ومقدارا معيَّنا، إذن إن لتلك القدرة والإرادة سجلاًّ كبيرًا ومجموعة قوانين كلية وعامة بحيث يفصَّل ويخاط الجسم الخاص بكل شيء ويلبس عليه ويعطى له صوره المخصوصة له، فقد أُثبِت وجودُ هذا السجل في مباحث القدر والاختيار الجزئي كما أثبت فيها “الإمام المبين”، وانظر إلى حماقة أهل الغفلة والضلالة والفلسفة حيث أحسوا بذلك اللوح المحفوظ للقدرة الفاطرة وشعروا بذلك الكتاب البصير للحكمة والإرادة الربانية وتجليهما في الأشياء وانعكاسهما ومثالهما، وأطلقوا عليه - حاشا - اسم الطبيعة، فجعلوه خامدًا عقيمًا.
فهكذا؛ إن القدرة الإلهية عند خلق الأشياء تَكتُب وتُوجد في الصحيفة المثالية للزمان التي تسمى “لوح المحو والإثبات” سلسلةَ الموجودات التي كل منها آية بإملاء “الإمام المبين” أي بحكم القدر ودستوره، وتُحرِّك الذرات؛ أي إن حركات الذرات هي حركة واهتزاز من تلك الكتابة وذلك الاستنساخ عند انتقال الموجودات من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ومن العلم إلى القدرة.
أما لوح المحو والإثبات فهو سجل متبدل، ولوحة كتابةٍ ومحوٍ للَّوح المحفوظ الأعظم الثابت الدائم في دائرة الممكنات، أي في الأشياء المعرضة دائمًا للموت والحياة، والوجود والفناء، فحقيقة الزمان هي ذلك.
نعم؛ فكما أن لكل شيء حقيقة؛ فإن حقيقة النهر العظيم الذي يجري في الكون والذي نسميه بالزمان هي في حكم صحيفة ومداد لكتاب القدرة الذي في “لوح المحو والإثبات، لا يعلم الغيب إلا الله.
155. صفحة
كتابة ورسم كلمات القدرة في “لوح المحو والإثبات” الذي هو حقيقة الزمان السيال، وصحيفته المثالية بالاستنساخ من “الكتاب المبين” - الذي هو محور التصرف في خلق الأشياء وإيجادها من الزمن الحاضر وعالم الشهادة، والذي هو عنوان القدرة الإلهية وإرادتها - وتحت إملاء ودستور “الإمام المبين” الذي هو محور انتظام الأصل الماضي والنسل القادم لكل شيء آتٍ من عالم الغيب، والذي هو عنوان العلم الإلهي وأمرِه.
النقطة الأولى
وهي مبحثان.
المبحث الأول:
إن في كل ذرة - في حركتها وسكونها - نورين يلمعان للتوحيد كشمسين؛ لأنه كما أثبت إجمالاً في “الإشارة الأولى” من “الكلمة العاشرة” وتفصيلاً في “الكلمة
156. صفحة
الثانية والعشرين” فإن كل ذرة إن لم تكن موظَّفًا إلهيًّا، ولم تتحرك وفق إذنه وتصرفه، ولم تتحول بعلمه وقدرته، فينبغي أن يكون لكل ذرةٍ عِلم مطلق وقدرةٌ غير محدودة، وعينٌ ترى كل شيء، ووجهٌ ينظر إلى كل شيء، وكلمة نافذة في كل شيء؛ لأن كل ذرة من ذرات العناصر تعمل - أو تستطيع أن تعمل - بانتظام في جسم كل كائنٍ حي، وحيث إن أنظمة الأشياء وقوانين تشكلاتها يختلف بعضها عن بعض؛ فإن لم تُعرف أنظمتُها لا يمكن العمل فيها، ولو عُمل فيها فلن يخلو العمل من الخطأ، والحال أن الأعمال تُنجَز بلا خطأ، إذن إن تلك الذرات التي تقوم بذلك العمل إما أن تعمل بإذن صاحب علم محيطٍ وأمره وعلمه وإرادته، وإما أن يكون لها في ذاتها علمٌ محيطٌ وقدرةٌ مطلقةٌ.
أجل؛ إن كل ذرة من ذرات الهواء تستطيع أن تدخل جسم كل كائن حي، وثمرةَ كلِّ زهرةٍ، وبناءَ كل ورقة في كلِّ شجرةٍ، وتستطيع أن تعمل فيها، بَيْدَ أن تشكلات كل منها مختلفةُ الطراز، ولكل منها أنظمةٌ مختلفةٌ ومتباينةٌ.
فإذا افتُرِض أن مصنع ثمرة تين هو بمثل ماكينة نسيج، فيكون مصنع ثمرة الرمان كماكينة للسكر، وهكذا؛ فبرامج هذه الأبنية والأجسام مختلف بعضها عن بعض؛ بحيث إن ذرة الهواء تدخلها جميعًا أو تستطيع أن تدخلها، وتعمل فيها بلا خطأ، وبحكمة فائقة، وبمهارة عالية، وكأنها أستاذ معلم، وتتخذ أوضاعًا متناسبةً معها، وعندما تنتهي وظيفتها تتركها وتمضي إلى شأنها.
وكما ينبغي أن تعلم الذرات المتحركة للهواء المتحرك كيفيةَ وتصاميمَ الصور والمقادير التي تُخْلع على الحيوانات أو النباتات، بل حتى على ثمارها وأزهارها، أو أن تكون الذرات مأمورات تحت إمرة عليم وإرادته؛ كذلك فإنّ أيَّةَ بذرة دخلت في التراب تجد مصنعًا خاصًّا لها، وتجد كلَّ الأجهزة اللازمة لجميع لوازمها، ولجميع تشكلاتها في تلك الذرة؛ أي في حفنة من التراب التي هي بحكم ذرة باعتبار المثلية؛ لأن كل ذرَّةٍ ساكنةٍ للتراب الساكن تستطيع أن تكون مدارًا ومنشأً لنوى وبذور كلِّ النباتات المزهرة، ولكلّ الأشجار المثمرة؛ فلذا ينبغي أن تجد البذرة في تلك الذرة أو في حفنة التراب التي هي
157. صفحة
مأوىً لها ماكيناتٍ ومصانعَ معنويةً منتظمةً بعدد أنواع الأشجار والنباتات والأزهار والثمار، أو ينبغي وجودُ علمٍٍ ذي معجزات، وقدرة ذات معجزات يوجِدان كلَّ شيء من العدم، ويَعلَمان كلَّ شيء بكل أحواله وأوضاعه، أو أنها تنجز تلك الوظائف وتقوم بها بأمر قدير مطلق، وعليم بكل شيء، وبإذنه وحوله وقوته.
نعم؛ فكما أنه لو سافر رجل عادي أعمى جاهل عديم الخبرة والمهنة إلى أوربا، ودخل جميع المصانع والمعامل، وأنجز فيها بمهارة فائقة وبكمال الانتظام أعمالا عظيمة في كل مهنة، وفي كل بناء، وكأنه من الأعلام فيها، فيحير أصحاب المهن والفنون؛ فلاشك أن من له ذرة من العقل والشعور يدرك أن ذلك الرجل لا يقوم بذلك العمل من عنده ومن تلقاء نفسه، بل هناك أستاذ في جميع تلك العلوم والفنون والمهارات يُدرِّس له ويستخدمه.
وكما أن هناك رجلاً أعمى عاجزًا مُقْعَدًا قد جلس في كوخه البسيط، وأُدخِل في ذلك الكوخ حَجَرٌ صغير بحجم درهم، ومادةٌ تشبه العظام والقطن، فإذا خرجت من هذا الكوخ الصغير أطنانٌ من السكّر، وأطوالٌ من النسيج، وآلاف من المجوهرات، وملابسُ جميلةٌ زاهية قشيبة([1]) مزينة، وأطعمة لذيذة كثيرة؛ أفلا يقول من له ذرة من عقل: إن ذلك الرجل مزلاج([2]) لمصنع عظيم هو منشأ معجزات لشخص ذي معجزات، أو بوّاب مسكين عاجز ضعيف فيه.
كذلك فإن حركات وخدمات كل ذرة من ذرات الهواء في النباتات والأشجار والأزهار والثمار التي كل واحد منها مكتوبات صمدانية، وتحفة صنعة ربانية، ومعجزة قدرة، وخارقة حكمة تدل على أن الذرة تتحرك بأمر وإرادة الصانع الحكيم ذي الجلال، والفاطر الكريم ذي الجمال، وإن كون ذرات التراب - التي كل منها على حدة ماكينة ومعمل مستقل، ومطبعة مستقلة، وخزانة مستقلة، وتحفة مستقلة، ولوحة إعلان تعلن أسماء الصانع ذي الجلال، وقصيدة مستقلة تنشد كمالاته - منبتًا ومنشأ لسنابل
[1])) قشيبة: بيضاء نظيفة جميلة.
[2])) المزلاج: هو الذي يغلق به الباب ويفتح به، بلا مفتاح.
158. صفحة
البذور والنوى وأشجارها بأمر وإذن وإرادة وقوة الصانع ذي الجلال، المالكِ لأمر “كن فيكون”، والمسخَّرِ لأمره كلُّ شيء؛ نقول إن ذلك قطعي كحاصل ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعًا، آمنَّا([1]).
المبحث الثاني:
إشارة صغيرة إلى ما في حركات الذرات من وظائف وحكم.
نعم؛ إن الماديين الذين سقطت عقولهم إلى عيونهم يرون - بحكمتهم الخالية من الحكمة؛ وفلسفتهم المستندة إلى أسس العبثية - أنًَّ تحولات الذرات التي لا علاقة ولا ارتباط لها بالمصادفة أصلاً هي مصدر المصنوعات الإلهية، متخذين هذه الفكرة أس الأساس لدساتيرهم، فمن له مثقال ذرة من شعور يدرك مدى مخالفتهم للعقل في إسنادهم المصنوعات المزينةَ بحِكَمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى إلى شيء عشوائي ليس له حكمة ولا معنى في ذاته، بينما تحولات الذرات لها غايات وحكم ووظائف كثيرة جدًّا في نظر حكمة القرآن الكريم، ويشير إلى حكمها ووظائفها كثير من الآيات كـ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء:٤٤) وسنشير إلى بعضها كنماذج:
أولها: إن الواجب الوجود، والفاطر ذا الجلال قد حرَّك ووظَّف الذرات بقدرته، لكي يجدد ويعيد تجليات إيجاده، ولكي يلبس الروح كل سنة أجسادًا جديدة من معجزات قدرته، متخذًا كل واحدة من الأرواح نموذجًا، ولكي يستنسخ بحكمته من كل كتاب آلافًا من الكتب المختلفة المتباينة، ولكي يظهر الحقيقة الواحدة على صور وأشكال مختلفة، ولكي يفسح المجال ويُعِدَّ المكان لمجيء الكائنات والعوالم والموجودات طائفة بعد طائفة.
ثانيها: إن مالك الملك ذا الجلال قد خلق هذه الدنيا - ولاسيما مزرعة وجه الأرض - على صورة مُلْك؛ أي هيأها لتكون قابلة للنشوء والنمو، ولإنتاج محصولات طازجة طرية ندية، حتى يزرع ويحصد فيها معجزات قدرته التي لا حد لها.
[1])) آمنا: أي صدقنا وسلمنا بهذا الكلام السابق ذكره.
159. صفحة
ففي مزرعته على وجه الأرض، يحرك الذرات بحكمة ويوظفها في دائرة الانتظام، وبذلك يظهر ويعرض كائنات جديدة متجددة من معجزات قدرته في كل عصر، وفي كل فصل، وفي كل شهر، بل في كل يوم وكل ساعة، ويجعل ساحة وجه الأرض تعطي محصولات أخرى جديدة، ويُظهر بحركات الذرات هدايا خزائن رحمته غير المتناهية ونماذج ومعجزات قدرته غير المحدودة.
ثالثها: إن النَّقَّاش الأزلي قد حرّك الذرات بكمال الحكمة، ووظّفها بكمال الانتظام، مُظهِرًا نقوش التجليات غير المتناهية للأسماء الإلهية للتعبير عن تجليات تلك الأسماء؛ كي يُظهِرَ نقوشًا غير محدودة في أرض محدودة، ويكتبَ آيات غير محدودة تعبر عن المعاني غير المتناهية في صحيفة صغيرة.
نعم؛ إن ماهية محاصيل السنة الماضية، وماهية محاصيل هذه السنة تُعتبَرُ واحدة، إلا أن معانيهما مختلفة ومتباينة، وتتغير معانيهما بتغير التَّعَيُّنات الاعتبارية وتَكْثُرُ، وعلى الرغم من أن التعيُّنات الاعتبارية والتشخصات المؤقتة تُبَدَّل وتَفنى في الظاهر؛ فإن معانيها الجميلة تظلُّ محفوظةً وباقيةً ثابتةً، ولأنه لا روح لأوراق هذه الشجرة وأزهارها وثمارها التي كانت في الربيع الماضي؛ فإنها في هذا الربيع كأمثالها تمامًا من حيث الحقيقة، فلا فرق بينها إلا في التشخصات الاعتبارية إلا أن هذه التشخصات الاعتبارية في هذا الربيع جاءت - وهي تشخصات مختلفة لتحل محل تلك التشخصات الاعتبارية السابقة - للتعبير عن معاني شئون الأسماء الإلهية التي تتجدد تجلياتها في كل حين.
رابعها: إن الحكيم ذا الجلال يحرك الذرات في مزرعة الدنيا الضيقة، وفي معمل ومزرعة وجه الأرض؛ لكي ينشئ وينبت ما يناسب عالم الملكوت الواسع الشاسع جدًّا - كعالم المثال الذي لا حد له، وعوالم أخرى أخروية غير محدودة -من المحاصيل، أو أشياء مناسبة لها كالتزيينات أو اللوازم، فينشئ وينبت- جاعلاً الكائنات سيالةً، والموجودات سيارةً - في هذه الأرض الصغيرة الضيقة محاصيل معنوية كثيرة جدًّا لتلك العوالم الكبيرة الواسعة جدًا، ويُجري من خزائن قدرته غير المتناهية سيلاً لا نهاية له عبر الدنيا، ويصبه في عالم الغيب، ويصب بعضه في عوالم الآخرة.
160. صفحة
خامسها: يحرك الحكيم ذو الجلال والجمال الذراتِ بكمال حكمته وقدرته، ويوظفها بكمال الانتظام؛ كي يُظهر الكمالات الإلهية غير المتناهية، والتجليات الجمالية غير المحدودة، والتجليات الجلالية التي لا منتهى لها، والتسبيحات الربانية غير المتناهية في أرض محدودة ضيقة وفي زمان قصير ومتناه؛ فيجعل الذرات تسبح بتسبيحات غير متناهية في وقت متناه وفي أرض محدودة، وبهذا يظهر تجلياته الجمالية والجلالية والكمالية غير المحدودة، ويوجِد من الحقائق الغيبية الكثيرة، ومن الثمرات الأخروية الكثيرة، ومن هُوِيَّاتِ وصور الفانين الباقية نقوشًا مثاليةً كثيرةً ونُسجًا لوحية ذات معانٍ غزيرة.
إذن؛ فالذي يحرك الذرة هو الذي يظهر هذه المقاصد العظيمة، وهذه الحكم الجسيمة، وإلا فسيلزم وجود دماغ كالشمس لدى كل ذرة.
وقد ظنّ أولئك الفلاسفة الحمقى الأغبياء أن تحولات الذرات التي تُحرَّك بمثل هذه النماذج الخمسة، بل بخمسة آلاف من الحكم خاليةٌ من الحكمة.
وقد زعموا أن تلك الذرات -التي هي في الحقيقة تذكر وتسبح الله، وتدور بنشوة وجَذْبة كالمولوي في حركتين إحداهما أَنْفُسية والأخرى آفاقية- ترقص وتدور من تلقاء نفسها كالمذهول.
فنخلص من هذا إلى أن علم هؤلاء ليس بعلم بل هو جهل، وأن حكمتهم عبث خالية من الحِكمة.
ستُذْكَرُ في النقطة الثالثة حكمةٌ سادسةٌ أخرى طويلةٌ.
النقطة الثانية:
إن في كل ذرة شاهدَينِ صادقَينِ على وجود واجب الوجود ووحدته.
أجل؛ كما أن الذرة تشهد شهادة قاطعة على وجود واجب الوجود بقيامها بوظائف كبيرة وكأنها واعية شاعرة، وبرفعها أثقالاً هائلةً مع أنها عاجزة وجامدة، فهي تشهد كذلك على وحدة واجب الوجود، وعلى أحدية من هو مالك الملك والملكوت بمراعاتها الأنظمةَ العامَّةَ في حركاتها، وبمراعاتها للنظام الخاص بكل مكان تدخله، وباستيطانها في كل مكان تحل فيه كأنها في وطنها الأصلي.
161. صفحة
بمعنى أن من كانت الذرة ملكًا له فإن جميع الأماكن التي تتجول فيها كذلك ملك له.
إذن فالذرة تشير بعجزها وبأعبائها التي في غاية الثقل وبوظائفها غير المحدودة إلى أنها قائمة ومتحركة باسم قدير مطلق وبأمره.
ثم إن تَحَرُّكَها بحركات موافقة للأنظمة الكلية للكائنات وكأنها تعرفها برمتها، ودخولَها في كل الأماكن دون مانع؛ يشير إلى أنها تعمل بقدرةِ وحكمةِ عليم مطلق واحد أحد.
نعم؛ وكما أن للجندي نسبًا في فصيلته وسريته وكتيبته ولوائه وفرقته، وهكذا له في كل دائرة نسبة، وله وظيفة حسب تلك النسبة، وأن التحرك وفق تلك النسب والوظائف وبمعرفتها إنما يتم بتلقي التدريبات والأوامر تحت النظام العسكري، وباتِّباع أمر وقانون القائد الأعلى يقود تلك الدوائر كلها؛ فكذلك - ولأن لكل ذرة وضعية مناسبة في المُركّبات المتداخلة، ولها نسب مختلفة ذات مصالح، ولها وظائف مختلفة منتظمة، ولها نتائج مختلفة ذات حِكم - لاشك أن توطين تلك الذرة بشكل لا يُفسِد تلك النتائج والحِكم محافظًا على كل نسبها ووظائفها في تلك المركبات؛ خاص بمن له مقاليد السماوات والأرض.
فمثلاً: إن اتخاذ الذرة التي استقرت في بؤبؤ عين “توفيق” وضعية مناسبة تجاه أعصاب الإحساس، وأعصاب الحركة، والشرايين والأوردة، ووجود نسب لها ووظيفة وفائدة بكمال الحكمة في الوجه ثم في الرأس والجسد، وفي الهيئة الإنسانية من بعد، يدل على أن الذي أوجد كل أعضاء ذلك الجسم بأكملها هو الذي يستطيع أن يُوطِّن تلك الذرة في ذلك المكان، خاصة تلك الذرات التي تأتي للرزق، فتلك الذرات التي تسير وتجول في قافلة الرزق إنما تسير وتجول بانتظام وحكمة عجيبين محيرين، وتدخل وتنتقل في الأطوار والطبقات في غاية الانتظام، وتخطو خطوات واعيةً فلا تخطئ، وتصل شيئًا فشيئًا إلى جسم كائن حي، وتتصفّى فيه بأربعة مصاف، ثم تَرْكَب كريات الدم الحمراء، وذلك لإمداد الأعضاء والخلايا المحتاجة إلى الرزق وإغاثتها فتغيثها وتسرع إلى إمدادها بقانون الكرم.
162. صفحة
فيُفهَم من هذا بالبداهة أن الذي ينقل هذه الذرات ويَعبُرُ بِها من خلال آلاف المنازل المختلفة ويسوقها؛ لاشك ولا ريب أنه رزاق كريم، وخلاّق رحيم؛ بحيث إن الذرات والنجوم متساوية بالنسبة إلى قدرته جنبًا إلى جنب.
ثم إن كل ذرة تعمل في نقش صنعة بحيث:
إما أن لها علاقةً وارتباطًا بكل الذرات الموجودة فيها، بمعنى أنها تعلم وتُوجِد ذلك النقش الباهر البديع، وتلك الصنعة ذات النقش المليئة بالحكمة بوجودها فيه، وهي حاكمة مسيطرة على كل ذرة من ذراتها واحدة فواحدة وعلى مجموع ذراته، وهي في الوقت نفسه محكومة ومأمورة لكل ذرة من الذرات واحدة فواحدة ولجميعها، وهذا محال في ألف محال.
وإما أنها نقطة مأمورة خاضعة للحركة الصادرة عن قانون قَدَرِ صانعٍ حكيم، وعن قلم قدرته.
فمثلاً: كما أنه إن لم تكن الأحجار الموجودة في قبة جامع آياصوفيا([1]) تابعة لأمر بانيها وصنعته، فينبغي أن يكون لكل حجر منها مهارةٌ في فنّ البناء والتسقيف، كمهارة المعمار سِنَان([2]) المشهور النابغ، وأن يكون محكومًا بالأحجار الأخرى، وحاكمًا عليها في الوقت نفسه، أي: ينبغي أن يكون له حكم، فيقولَ لها: هَيَّا تَعَالَيْ نتكاتف ونتساند كي لا نقع ولا نسقط؛ فكذلك الذرات في المصنوعات التي هي أكثر صنعة وأكثر حكمة وإثارة للدهشة والإعجاب من قبة آياصوفيا بآلاف المرات؛ إن لم تكن تابعة لأمر باني هذا الكون وصانعه ينبغِ أن يُنسَبَ لكل منها صفاتُ كمالٍ بقدر صفات الكمال لصانع هذا الكون.
فيا سبحان الله! إن هؤلاء الكفار الإفرنج ولأنهم لا يقبلون واجب الوجود؛ فإنهم يضطرون لأن يقبلوا آلهة باطلة بعدد الذرات حسب مذهبهم، فالكافر من هذه الناحية
[1])) مسجد آيا صوفيا: من أشهر مساجد إستانبول.
[2])) المعمار سِنَان: هو من أكبر المعماريين الأتراك حيث بنى مساجد وآثار كثيرة.
163. صفحة
مهما أصبح فيلسوفًا عالمًا فهو في جهل عظيم لا منتهى له، بل هو جاهل جهلاً مطلقًا.
النقطة الثالثة:
هذه النقطة إشارة إلى الحكمة السادسة العظيمة التي وُعد بها في آخر النقطة الأولى، وهي كالآتي:
لقد ذُكِر في حاشية جواب السؤال الثاني من “الكلمة الثامنة والعشرين” أن حكمة واحدة من آلاف الحِكم لتَحَوُّلاتِ الذرات وحركاتها في الأجسام الحيّة هي تنوير الذرات، وأن تكون هذه الذرات ذات حياة ومعنى؛ لتصبح ذرات مناسبة لبناء العالم الأخروي، فكأن جسم الحيوان والإنسان وحتى النباتات مَضِيفٌ ومعسكر ومدرسة للذرات التي تأتي لتلقِّي التربية والتعليم، بحيث تَدخُله الذرات الجامدة فتتنور وكأنها تحظى بالتدريب، وتتلقى الأوامر فتكتسب لطافة، وبأدائها وظيفة خاصة تكتسب لياقةً وجدارةً لتصبح ذراتٍ لعالم البقاء والدار الآخرة التي هي ذات حياة بجميع أجزائها.
سؤال: بماذا يُعرَف وجود هذه الحكمة في حركات الذرات؟
الجواب:
أولاً: يُعرَف بحكمة الصانع الثابتة بكل انتظامِ وحِكَمِ المصنوعاتِ جميعِها؛ لأن الحكمة التي عَلَّقت وقَلَّدت الحكم الكُلِّيَّةَ على أصغر شيء جزئي لا تترك حركات الذرات - التي تُظهِر أعظمَ فعالية وأكبرها في سيل الكائنات، والتي هي محور النقوش الحكيمة - بلا حكمة، وكذا الحكمة والحاكمية اللتان لا تتركان أصغر مخلوق بلا أجر ولا راتب ولا كمال في وظائفها؛ لا تتركان موظفيهما وخدامهما الأكثر عددًا وأصالة بلا نور وأجر.
ثانيًا: وإنه يُعرف ويُفهم - وجودُ هذه الحكمة في حركات الذرات - مِنْ رفع الصانع الحكيم العناصرَ إلى مرتبة المعدنيات بتحريكها وتوظيفها، فكأن ذلك أجرةُ كمالٍ لها،
164. صفحة
وبإعلامها التسبيحات الخاصة بالمعدنيات، ومِنْ مَنْحِهِ تعالى المعدنياتِ مقامَ ومرتبة الحياة النباتية بتحريكها وتوظيفها، ومن إحسانه تعالى إلى النباتات بمرتبة اللطافة الحيوانية بتحريكها وتوظيفها جاعلاً إياها رزقًا، ومن رفعه وترقيته ذراتِ الحيوانات إلى مرتبة الحياة الإنسانية عن طريق الرزق بتوظيفه إياها، ومن منحه ذرات جسم الإنسان مقامًا في أكثر الأماكن حساسية ولطافة من الدماغ والقلب بتنقيته وتصفيته وتلطيفه إياها؛ يُعرَف من كل ذلك أن حركات الذرات ليست خالية من الحكمة، بل تُجرَى وتُساق سَوْقًا إلى نوعٍ من الكمالات اللائقة بها.
ثالثًا: إن بعض الذرات - كما في البذور والنوى - تحظى من بين ذرات الأجسام الحية بنور ولطافة ومزية معنوية؛ بحيث تصبح بمنزلة روح وسلطان على الذرات الأخرى وعلى تلك الشجرة الضخمة، فصعود بعض الذرات إلى هذه المرتبة من بين جميع الذرات لشجرة ضخمة تتم بأدائها وظائفُ حساسةٌ وأدوارٌ كثيرة في طبقة حياة تلك الشجرة؛ مما يدل على أن تلك الذرات حينما تؤدي وظيفتها الفطرية بأمر الصانع الحكيم تنال لطافة معنوية، ونورًا معنويًّا، ومقامًا ودرسًا معنويًّا حسب أنواع حركاتها، ووفق ما يتجلى عليها من تجليات الأسماء الحسنى وسموِّ تلك الأسماء.
الحاصل:
1- بما أن الصانع الحكيم يحدد ويعيِّن لكل شيء نقطةَ كمالٍ تناسبه ومرتبةَ فيضِ وجودٍ تليق به، ثم يسوق ذلك الشيء إلى نقطة الكمال تلك، مانحًا إياه استعدادًا حتى يسعى إليها، ومثلما أن قانون الربوبية هذا جارٍ في جميع النباتات والحيوانات فهو جارٍ كذلك في الجمادات، بحيث يَمنحُ ذلك القانونُ الترابَ البسيطَ ترقيًّا للصعود إلى درجة الألماس ومرتبة الجواهر الثمينة.
ويَظهَر في هذه الحقيقة طرفٌ من قانونٍ عظيمٍ هو “قانون الربوبية”.
2- وبما أن الخالق الكريم يمنح لذةً جزئيةً - كأجرة ورَاتبٍ - للحيوانات التي يستخدمها في قانون التناسل العظيم، ويمنح أجرةَ كمالٍ للحيوانات -كالنحل والبلبل- التي تُستخدَم في خدمات ربانية أخرى؛ فإنه يعطيهم مقامًا يورث الشوق واللذة.
165. صفحة
ويَظهَر في هذه الحقيقة طرفٌ من قانون عظيم هو “قانون الكرم”.
3- وبما أن حقيقة كل شيء تتوجه وتنظر إلى تجلي اسم من أسماء الحقّ تعالى، وترتبط به، ومرآة له، فكلما اتخذ هذا الشيء وضعية جميلة حسنة فهي تعود إلى شرف ذلك الاسم؛ إذ هكذا يقتضيه ذلك الاسم، فتلك الوضعية الجميلة مطلوبة في نظر الحقيقة سواء علم ذلك الشيءُ أو لم يعلم.
ويَظهَر من هذه الحقيقة طرفٌ من قانون عظيم هو “قانون التحسين والجمال”.
4- وبما أن الفاطر الكريم لا يستردُّ - بمقتضى دستورِ كرمِهِ - المقامَ والكمال الذي منحه لشيء معين بانتهاء مدته وعمره، بل يُبقي ثمرات ذلك الشيء ذي الكمال ونتائجَه ومعناه وهويتَه المعنوية، وحتى روحه إن كان ذا روح، فمثلاً؛ يُبقيِ معاني وثمرات الكمالات التي مُنحها الإنسان في هذه الدنيا، حتى إنه يُعطِي شكرَ وحمدَ الثمرات الزائلة التي أكلها مؤمنٌ شاكرٌ ويعيدهما إليه كثمرةٍ مجسَّمةٍ في الجنة.
ويَظهَر في هذه الحقيقة طَرَفٌ من قانونٍ عظيمٍ هو “قانون الرحمة”.
5- وبما أن الخلاق الذي ليس كمثله شيء لا يُسرِف ولا يعمل عبثًا، حتى إنه يستعمل أنقاضَ المخلوقاتِ الماديةَ التي ماتت في الخريف وانتهت وظيفتُها في مصنوعات الربيعِ، ويُدرِجها في بناء تلك المصنوعات؛ فلاشك أن إدراج واستعمال الذرات الأرضية الجامدة عديمة الشعور - التي تؤدي وظائف مهمة - بسرِّ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ (سورة إبراهيم: ١٤/٤٨) وبإشارة ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الأَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (سورة العنكبوت: ٢٩/٦٤) في بعض أبنية الآخرة التي أحجارُها وأشجارُها وكلُّ شيء فيها ذو حياة وشعور؛ لهو من مقتضى الحكمة؛ لأن ترك ذرات الدنيا - المدمرة - في الدنيا أو إلقاءها في العدم إسرافٌ.
ويظهر من هذه الحقيقة طَرَفٌ من قانون عظيم هو “قانون الحكمة”.
166. صفحة
- وبما أن كثيرًا من آثار هذه الدنيا ومعنوياتها، وثمراتها، ومنسوجات أفعالِ المكلّفين من الجنّ والإنس وصحائفِ أعمالِهم وأرواحهم، وأجسادهم تُرسَل إلى سُوق الآخرة؛ فلاشك أن إدراج الذرات الأرضية التي خَدَمَتْ ورافقت تلك الثمرات والمعاني بعد تكمُّلها حسب استعدادها من حيث الوظيفة؛ أي بعد أن خدمت نور الحياة، وحظيت به كثيرًا، وأصبحت مدارًا للتسبيحات الحياتية؛ لاشك أن إدراج تلك الذرات في بناء عالم الآخَرة - بين أنقاض الدنيا التي ستُدَمَّر - لهو من مقتضى العدل والحكمة.
ويظهر من خلال هذه الحقيقة طرف من قانون عظيم هو “قانون العدل”.
7- وبما أن الروح مسيطِرة على الجسم، فإن الأوامر التكوينية التي كتبها القدر كذلك مسيطرةٌ على المواد الجامدة، فيمكن أن تَتَّخذ تلك الموادُّ مواقعَ وأنظمةً حسب كتابة القدر المعنوية، فمثلاً: تصبح في أنواع البيض، وأقسام النُّطَف، وأصناف النوى، وأجناس البذور؛ ذاتَ مقام ونور - كل على حدة - من حيث الأوامر التكوينية التي كتبها القدر في كل واحد كتابة خاصة، وتصبح هذه المواد التي تحمل نفس الماهية([1]) من حيث المادة منشأً لموجودات مختلفة لا حد لها، وتصبح ذات مقام ونور مختلف، وإنَّ ذرة واحدة إن كانت قد أدت الخدمات الحياتية والتسبيحات الربانية في الحياة كثيرًا وخَدَمَتْ فعلاً، فلاشك أن تسجيل الحق تعالى وكتابته حِكَمَ تلك المعاني على الجبين المعنوي لتلك الذرات بقلم القدر الذي لا يعزب عنه شيء لهو من مقتضى إحاطة علمه.
ويظهر في هذه الحقيقة طرف من قانون عظيم هو “قانون العلم المحيط”.
فالذرات إذن ليست سائبة طليقة حرة([2]).
[1])) نعم؛ إن كل تلك المواد مركبة من أربعة عناصر وهي: مولد الماء، ومولد الحموضة، والآزوت والكربون، ويمكن أن تُعدَّ كلُّها متشابهةً تشابهًا تامًا من حيث المادة؛ إلا أن الفرق بينها في كتابة القدر المعنوية فقط.(المؤلف).
[2])) هذا الجواب يعود إلى كلمة "بما أن" التي ذكرت سبع مرات.(المؤلف).
167. صفحة
نتيجة الكلام
إن أطراف القوانين السبعة الظاهرَة؛ أي “قانون الربوبية” و“قانون الكرم” و“قانون الجمال” و“قانون الرحمة” و“قانون الحكمة” و“قانون العدل” و“قانون العلم المحيط” السابق ذكرها، وغيرها من القوانين العظيمة الكثيرة؛ كلها تشف عن اسمٍ عظيمٍ من أسماء الله الحسنى، والتجلي الأعظم لذلك الاسم.
ويُفهَم من ذلك التجلي أن تحولات الذرات كذلك في هذه الدنيا تجول بميزان علمي حساس، مثل الموجودات الأخرى، حسب ما تُصدِره القدرة من أوامر تكوينية على ما خطه القدر، ورَسَمَه من حدودٍ من أجل حِكَم عالية سامية جدًا، وكأنها تستعد وتتهيأ للرحيل إلى عالم آخر أسمى وأعلى([1]).
إذن إن الأجسام الحية هي بِمنْزلة مدرسة ومعسكر ومَضِيف تربويّ لتلك الذرات السَّيَّاحة، ويمكن أن يُحكَم بحدس صادق أنها كذلك.
الحاصل:
إن كل شيء يقول: “باسم الله” كما ذُكر وأثبت في الكلمة الأولى، فكل ذرة، وكل طائفة لها، وكل جماعة خاصة بها تقول بلسان حالها: “باسم الله” مثل جميع الموجودات، وتتحرك وفقها.
نعم؛ إن كل ذرة تقول بلسان حالها في مبدأ حركتها: “بسم الله الرحمن الرحيم” بسر النقاط الثلاث المذكورة؛ أي: إنني أتحرك باسم الله، وبحسابه، وإذنه وقوته.
[1])) لأن نشر نور الحياة بكثرة كاثرة، وإشعاله في هذا العالم الكثيف والسفلي بفعالية في منتهى الجود بالمشاهدة، حتى إضاءة وتنوير نور الحياة الجديد بكثرة في أخس المواد وفي الأجسام المتعفنة، وجعل تلك المواد الكثيفة الخسيسة لطيفة، وجِلاءَها وصقلها بنور الحياة؛ يشير إشارة أقرب إلى الصراحة أن الله سبحانه وتعالى يجلو ويصقل ويذيب ويجمل هذا العالم الكثيف الجامد بحركات الذرات ونور الحياة بحساب عالم آخر في غاية اللطافة والسموّ، والنظافة والحيوية، وكأنه يزينه للرحيل إلى عالم لطيف، فالذين لا يستطيعون أن يستوعبوا بعقولهم الضيقة حشرَ البشر لو رصدوا بنور القرآن لرأوا أنه يظهر ويتراءى بالمشاهدة قانون القيومية المحيطُ؛ يستطيع أن يحشر جميع الذرات كحشر الجيش ويتصرف فيها.(المؤلف).
168. صفحة
ثم إن كل ذرة وكل طائفة لها تقول بلسان حالها - بمثل ما يقوله كل مصنوع - في ختام حركتها: “الحمد لله رب العالمين” وتُبدي نفسها وكأنها سنٌّ صغيرة لقلم القدرة يعمل في نقش مخلوق بديع هو بمنزلة قصيدة مدحية لله.
بل كل واحدة منها تُظهر وتُبدي نفسَها كإبرة تدور على المصنوعات - التي كل منها بمنزلة إسطوانة لفونوغراف([1]) معنوي رباني عظيم له أذرع غير معدودة - وتجعلها تنطق بقصائد تحميدات ربانية وتُنشد أناشيد تسبيحات إلهية.
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً، وَلِحَقِّهِ أَدَاءً، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ وَسَلِّمْ، وسَلِّمْنَا وَسَلِّمْ دِينَنَا، آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
[1])) الفونوغراف: جهاز آلي يخرج الأصوات المسجلة على اسطوانات خاصة بإبرة وسماعة، ويدعى الحاكي.


