المقصد الثاني من الكلمة التاسعة والعشرين
التنقل
124. صفحة
المقصد الثاني
حول القيامة وموت الدنيا والحياة الأخروية.
ولهذا المقصد أربعة أسس ومقدمة تمثيلية:
المقدمة
لو أن هناك قصرًا أو مدينةً وادّعى أحدهم أن هذه المدينة أو هذا القصر سيُدمّر، ويُبنى ويعمر من جديد عمرانًا محكمًا فسيترتب على دعواه هذه ستة أسئلة:
أحدها: لماذا سيدمر ويخرب، وهل هناك سبب ومقتضٍ لذلك؟ فإن أجاب مُثبتًا: نعم، يرد السؤال الثاني وهو:
هل الذي يقوم بالتدمير والتعمير مقتدر؟ وهل يستطيع ذلك؟ فإن أجاب مُثبتًا: نعم يستطيع، يرد سؤال ثالث وهو:
هل يمكن تدميره، وهل سيُدمَّر فعلاً؟ فإن أجاب مُثبتًا بنعم يمكن التدمير ويمكن وقوعه، فسيرد سؤالان آخران: يا ترى هل يمكن تعمير هذا القصر أو المدينة؟ وإن كان ممكنًا؛ فهل سيعمران؟
فإن أجاب مُثبتًا على هذين السؤالين بنعم، فلا يبقى عندئذ أي منفذ أو ثغرة في جانب من جوانب هذه المسألة قطعًا حتى يدخل فيها شك أو شبهة أو وسوسة.
وهكذا كما في هذا المثال؛ فإن لتخريب وتعمير قصر الدنيا ومدينة هذه الكون مقتضِيًا وموجبًا، وإن فاعله وبانيه مقتدر، وتخريبهما ممكن وسيقع، وتعميرهما ممكن وسيقع أيضا، فهذه المسائل ستُثبَتُ بعد الأساس الأول.
الأساس الأول: إن الروح باقية قطعا، فإن كل الدلائل المذكورة في المقصد الأول التي تدل على وجود الملائكة والروحانيات تدل كذلك على مسألتنا هذه، وهي بقاء
125. صفحة
الروح، وعندي أن هذه المسألة قطعية بحيث إن الإكثار من الإيضاح فيها يكون عبثًا.
أجل؛ إن المسافة بيننا وبين قوافل الأرواح الباقية التي لا تعد ولا تحصى، الموجودةِ في عالم البرزخ وعالم الأرواح، التي تنتظر الرحيل إلى الآخرة؛ قصيرة ودقيقة إلى حد لا تبقى معه حاجة إلى إيضاحها بالبرهان؛ إذ إن اتصال أهل الكشف والشهود الذين لا حد لهم ولا عدّ بالأرواح الباقية بل حتى إن رؤية أهل كشف القبور إياها بل حتى اتصال قسم من العوام بها وارتباط الجميع بها في الرؤيا الصادقة؛ كل ذلك أصبح بتواترات مضاعفة كأنه في حكم العلوم المتعارف عليها بالنسبة للبشر، إلا أن الأفكار المادية حيرت وأذْهَلَت الكلّ في هذا الزمن، وأدخلت الوساوس في الأذهان حتى في أكثر الأمور بداهة.
فسنشير إلى أربعة منابع من المنابع الكثيرة للحدس القلبي والإذعان العقلي من أجل إزالة مثل هذه الوساوس ممهدين لها بمقدمة.
المقدمة
كما أُثبت في “الحقيقة الرابعة” من “الكلمة العاشرة” أن الجمال الأبدي السرمدي الذي لا مثيل له يتطلب بلاشك بقاء وخلود المشتاقين إليه الذين هم كالمرآة العاكسة له، وأن الصنعة الكاملة الأبدية الخالدة التي لا نقص فيها تتطلب دوام داعيها ودلاّليها المتفكرين، وأن الرحمة والإحسان غير المتناهيين يقتضيان دوام تنعّم شاكريهما المحتاجين؛ فإن المشتاق الذي هو المرآة العاكسة وذلك الدلاّل المتفكر وذلك المتشكر المحتاج هو روح الإنسان أوّلاً وقبل كل شيء، إذن فهي - الروح - سترافق ذلك الجمال وذلك الكمال وتلك الرحمة في طريق أبد الآباد وستكون باقية.
وكما أُثبت في “الحقيقة السادسة” من“الكلمة العاشرة” أنه ليست الروح البشرية فحسب -بل حتى أبسط طبقات الموجودات- لم تُخلق من أجل الفناء؛ إذ تنال نوعًا من البقاء، حتى الزهرة التي لا روح فيها ولا أهمية لها؛ إن رحلت من الوجود الظاهري فإنها تنال نوعًا من البقاء بألف وجه؛ لأن صورتها تبقى فيما لا حد له من ذاكرة
126. صفحة
الإنسان، وقانون تشكّلاتها يبقى ويستمر في مئات من بذيراتها، فبما أن الحفيظ الحكيم يجعل قانون تشكّلات هذه الزهرة - الشبيهة إلى حد ما بالروح وصورتها الجسمانية - باقيًا، ويحفظه بكمال الانتظام في بذورها الشبيهة بالذرات في خضم التقلبات المضطربة ويجعلها باقية؛ فلاشك أن الروح البشرية - التي تملك ماهية في غاية الجامعية والسموّ، والتي أُلبست وجودًا خارجيًّا، والتي هي ذات شعور وحياة، والتي هي قانون أمري نوراني- تنال البقاءَ حتمًا وقطعًا، ومرتبطةٌ بالأبدية ومتعلقةٌ بالسرمدية، وإن لم تفهم ذلك فأنّى لك أن تقول: إني إنسان ذو شعور؟
أجل؛ إن الحكيم ذا الجلال والحفيظ بلا زوال والذي يدرج ويحفظ برنامج الشجرة الضخمة - الشبيه بالروح إلى حد ما - وقانون تشكلاتها في أصغر نواة شبيهة بالنقطة؛ هل يقال في حقه: كيف يحفظ أرواح الذين ماتوا؟!
المنبع الأول:
وهو أنفسي([1])؛ أي إن دقق كلّ واحد النظر في حياته ونفسه يدرك أن هناك روحًا باقية.
أجل؛ إن كل روح تظل باقية بعينها بالبداهة خلال السنوات التي تعيشها على الرغم من أنها تلبس أبدانًا كثيرة، فبما أن الجسد زائل ويتجدد؛ إذن لا يؤثر تجرد الروح كليًّا على بقائها ولا يفسد ماهيتها، إلا أنها تغير لباس الجسد تدريجيًّا خلال العمر، أما عند الموت فتتجرد دفعة واحدة.
وإنه ثابت بحدس قطعي في غاية القطعية بل بالمشاهدة أن الجسد قائم بالروح، وعليه فالروح ليست قائمة به، بل إن تحلل الجسد وتجمعه كما يشاء لا يخلّ باستقلالية الروح؛ لأنها قائمة وحاكمة بنفسها، بل الجسد مسكن الروح وعشّها، وليس لباسًا لها، بل إنّ لها لباسًا وغلافًا لطيفًا وبدنًا مثاليًّا ثابتًا - إلى حد ما - يناسبها من حيث اللطافة، إذن فالروح لا تكون عارية متجردة تجردًا كليًّا في أثناء الموت، بل تخرج من عشها وتلبس بدنها المثالي.
[1])) أنفسي: نسبة إلى النفس.
127. صفحة
المنبع الثاني:
وهو آفاقي؛([1]) أي إنه حكم تجريبي نوعًا ما نشأ عن مشاهدات متكررة، ووقائع ومناسبات متعددة.
نعم؛ إذا فُهم بقاء روح واحدة فقط بعد الممات؛ فإن هذا يستلزم بقاء نوع هذه الروح بالكلية؛ إذ إنه من البديهي حسب علم المنطق أنه إذا شوهدت خاصية ذاتية ولو في فرد واحد فقط؛ فإنه يُحكم على وجود تلك الخاصية في جميع الأفراد كذلك؛ لأنها ذاتية، فإن كانت الخاصية ذاتية فإنها توجد في كل فرد.
وليست دلالة فرد واحد هي الدلالة القطعية وحدها بل ما لا حد ولا حصر له من الآثار التي تستند إلى مشاهدات كثيرة، والأمارات التي تدل على بقاء الروح هي أيضًا قطعيةٌ كذلك؛ إذ كما لا يخطر ببالنا أبدًا وَهْمِيَّةُ أن هناك دنيا جديدة - أي “القارة الأمريكية”- ويعيش فيها أناس، كذلك لا يقبل الشبهة أن في عالم الملكوت والأرواحِ أرواحًا كثيرةً لأولئك الذين ماتوا وتوفوا، وهي ذات علاقات بنا، وتصل إليها هدايانا المعنوية، وتأتينا منها فيوضاتها النورانية.
وكذلك يمكن أن يُحَسَّ ويُشعَرَ - وجدانًا وبحدس قطعي - أن جهة أساسية للإنسان تظل باقية بعد موته، وتلك الجهة الأساسية هي الروح.
أما الروح فليست معرضة للتخريب والانحلال؛ إذ إنها بسيطة ولها وحدة، وأما التخريب والانحلال والتفسخ والفساد فهي من شأن الكثرة والأشياء المركبة، وكما بينا سابقًا أن الحياة تجلب نوعًا من الوحدة في الكثرة، فتكون سببًا لنوع من البقاء؛ إذن فالوحدة والبقاء هما الأساس في الروح بحيث تسري منهما إلى الكثرة.
أما فناء الروح؛ فيكون إما بالهدم والانحلال، وهذا الهدم والانحلال لا تسمح لهما الوحدة بالدخول فيها ولا تتركهما البساطة للإفساد، وإما بالإعدام، والإعدام لا تَسمح به الرحمة غير المحدودة للجواد المطلق، ولا يتركه جوده غير المحدود حتى يسترد ما أعطاه من نعمة الوجود إلى روح الإنسان المشتاقة كثيرًا والجديرة بنعمة الوجود تلك.
[1])) آفاقي: نسبة إلى الآفاق.
128. صفحة
المنبع الثالث:
إن الروح قانون أمري نورانيٌّ ذو حياةٍ وشعورٍ أُلبس وجودًا خارجيًّا، وذو حقيقةٍ وجامعيةٍ، ومستعد لكسب الكلية.
وفي الحقيقة؛ إن أضعف القوانين الأمرية تحظى بالثبات والبقاء؛ لأنه إذا أُمعن النظر فستُرى حقيقةٌ ثابتةٌ في كل الأنواع المتعرضة للتغير؛ حيث تتدحرج ضمن التغيرات والتقلبات وأطوار الحياة مبدلة صورًا وأشكالاً مختلفة، ولكنّها تبقى حية ولا تموت أبدًا.
فكل فرد إنساني قد اتخذ حكم نوع كامل بجامعية ماهيته وشعوره وفكره ووعيه الكلي وتصوراته الواسعة الشاملة، في حين أنه فرد واحد؛ فالقانون المنطبق والجاري على نوع كامل جارٍِ على ذلك الفرد الإنساني كذلك، وبما أن الفاطر ذا الجلال خلق الإنسان مرآةً جامعة مع عبودية كلية وماهية سامية، فالحقيقة الروحية المكنونة في كل فرد لن تموت - بإذن إلهي - ولو بدَّلت مئات الآلاف من الصور، بل ستحيا وترحل كما جاءت، إذن فروح ذلك الفرد الإنساني التي هي حقيقته الواعية وعنصره الحي باقيةٌ دائمًا بأمر الله وإذنه وإبقائه.
المنبع الرابع:
إذا أُمعن النظر في القوانين، ودُقِّق وأُنعِم في النواميس المشابهة للروح إلى حد ما، والموافقة لها من حيث المصدر إلى درجة ما؛ لكونها جميعًا أتت من عالم الأمر والإرادة - خاصة في القوانين والنواميس التي تسيطر على الأنواع التي ليس لها وجود حسي- يُرى ويُشاهَد أنه لو كان هذا القانون الأمري قد لبس وجودًا خارجيًّا لأصبح روحًا لتلك الأنواع، والحال أن هذا القانون باقٍ ومستمر وثابت دائمًا، ولا تؤثر أية تغيرات وتحولات في وحدة ذلك القانون، ولا تُخِلُّ به ولا تُفسده.
مثلاً: إذا ماتت شجرة تين، وتحللت؛ فإن قانون تشكلها ونشأتها الذي هو بمنزلة روحها يظل باقيًا في بذرتها الشبيهة بالذرَّة دون أن يموت، فبما أن أبسط القوانين الأمرية وأضعفها مرتبط بالبقاء والدوام إلى هذا الحدّ؛ فلاشك أنه ينبغي أن تكون الروح
129. صفحة
الإنسانية متعلقة لا بالبقاء فحسب، وإنما بأبد الآباد كذلك؛ لأن الروح قانون ذو شعور، وناموس ذو حياة، جاءت من عالم الأمر بنص القرآن وبإعلانه الجليل ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء:٨٥)، وقد ألبستها القدرة الأزلية وجودًا خارجيًّا.
إذن، وكما أن القوانين التي لا شعور لها والآتية من صفة الإرادة ومن عالم الأمر تظل باقية دائمًا أو في أغلب الأحوال؛ فإن نيل الروح - التي هي شقيقتها نوعًا ما، والآتية من عالم الأمر، والتي هي تجلٍّ لصفة الإرادة مثلها – البقاءَ؛ لهو أجدر بالتحقق وأكثر قطعية؛ لأنها ذات وجود وذات حقيقة خارجية، ثم إنها أقوى منها وأعلى وأسمى؛ لأنها ذات شعور، ثم إنها أدوم وأثمن وأغلى منها؛ لأنها ذات حياة.
الأساس الثاني:
هناك مقتض للسعادة الأبدية، وإن الفاعل ذا الجلال الذي سيهب تلك السعادة مقتدر، ثم إن خراب العالم ودماره وموت الدنيا ممكن وسيقع فعلاً، ثم إن الحشر وإحياء العالم من جديد ممكن وسيقع حتمًا.
فسنبين هذه المسائل الست واحدة فواحدة بشكل مختصر يقنع العقل، وقد ذُكرت براهين في “الكلمة العاشرة” ترتقي بالقلب إلى مرتبة الإيمان الكامل إلا أننا هنا سنبحثها بأسلوب مقنع وملزِمٍ للعقل فحسب، وبأسلوب وبيان كالذي بيَّن به سعيدٌ القديم في رسالة “نقطة”.
نعم؛ إن للسعادة الأبدية مقتضِيًا، وإن البرهان القاطع الذي يدل على وجود ذلك المقتضي حدسٌ مترَشِّح من عشرة منابع ومدارات.
المدار الأول:
إذا أمعنا النظر في جميع أرجاء الكون فسنرى نظامًا كاملاً وتناسقًا مقصودًا، وسنشاهد في كل جهة رشحات اختيار ولمعات قصد، بل يلفت الأنظارَ - بشهادة
130. صفحة
ثمرات ذلك القصد والإرادة والاختيار والحكمة - نورُ قصدٍ في كل شيءٍ، وضياءُ إرادةٍ في كل شأنٍ، ولمعةُ اختيارٍ في كل حركةٍ، وشعلةُ حكمةٍ في كل تركيبٍ.
فإن لم تكن هناك سعادة أبدية فسيبقى هذا النظام المتين القوي مجرد صورة ضعيفة واهية، ويصبح نظامًا كاذبًا لا أساس له، وتذهب المعنويات والروابط والنِسب التي هي روح النظام والتناسق هباءً منثورًا، أي إن الذي يجعل النظام نظامًا هو السعادة الأبدية، إذن فنظام العالم يشير إلى السعادة الأبدية.
المدار الثاني:
إنه يظهر ويتراءى في خلق الكون حكمة تامة.
نعم؛ إن الحكمة الإلهية - التي هي مثال العناية الأزلية - تعلن عن السعادة الأبدية بلسان رعايتها المصالح، والتزامها الحكم التي تُظهرها في جميع الكون؛ لأنه إن لم تكن هناك سعادة أبدية فإنه ينبغي إنكار هذه الحِكم والفوائد الثابتة بالبداهة في هذا الكون إنكارًا بالمكابرة. ولأن “الحقيقة العاشرة” من “الكلمة العاشرة” أظهرت هذه الحقيقة كالشمس؛ نختصرها هنا مكتفين بذلك.
المدار الثالث:
إن عدم العبثية وعدم الإسراف في خلقة الموجودات - هذين العدمين المثبَتيْن بشهادة العقل والحكمة والاستقراء والتجربة - يُشيران إلى السعادة الأبدية.
والدليل على عدم وجود الإسراف في الفطرة وعدم وجود العبثية في الخلقة هو اختيار الصانع ذي الجلال، وانتخابه أقصر طريق، وأقرب جهة، وأخف صورة، وأجمل كيفية في خلق كل شيء، وتوظيفُه - جل وعلا - الشيء الواحد بمائة وظيفة أحيانًا وتعليقه ووضعه على شيء دقيق رقيق ألف ثمرة وغاية.
وبما أنه لا يوجد إسراف ولا عبثية؛ فلاشك أن السعادة الأبدية ستتحقق؛ لأن العدم بلا عودة يجعل كل شيء عبثًا، ويصبح كل شيء إسرافًا، إن عدم الإسراف الثابت في الفطرة جميعها وفي الإنسان خاصة بشهادة فن منافع الأعضاء يشير إلى أن
131. صفحة
الاستعدادات المعنوية التي لا حد لها، والآمال والأفكار والميولات التي لا نهاية لها هي بدورها لن تُسرَف.
إذن فميل التكمل الأصيل المغروز في الإنسان يدل على أن هناك كمالاً، وميلُ السعادة الموجود فيه - أي الإنسان - يعلن إعلانًا قاطعًا أنه مُرشَّح للسعادة الأبدية، وإن لم يكن الأمر كذلك؛ فإن المعنويات الأصيلة والآمال العالية السامية التي تشكل ماهية الإنسان الحقيقية تتحول إلى إسراف وعبث، وتجف وتذهب هباء، خلافًا للموجودات ذات الحكمة، ونقتصر على هذا الحد من هذه الحقيقة هنا نظرًا لإثباتها في “الحقيقة الحادية عشرة” من “الكلمة العاشرة”.
المدار الرابع:
إن أنواع القيامة الشبيهة بالحشر والنشر التي تحدث في أنواع كثيرة، حتى في الليل والنهار والشتاء والربيع وجو الهواء، وحتى في الأبدان التي غيرها الإنسان في مدة حياته، وحتى النوم الشبيه بالموت، كلها يشعر بتحقق القيامة الكبرى ويخبر عنها رمزًا.
فمثلاً إن اليوم والسنة وعمر البشر ودوران الأرض الموجودة في الساعة الكبرى لله التي يطلق عليها الدنيا، والشبيهة بتروس ساعتنا الأسبوعية التي تعدّ ثوانيها ودقائقها وساعاتها وأيامها؛ يخبر كل واحد منها عن الآخر وكل واحد منها مقدمة لما يليه، ويدور ويسعى.
وكما أنها تُحدث الصباحَ عقب الليل والربيعَ عقب الشتاء؛ فكذلك تخبر - رمزًا - أن صبح القيامة سيصدر عن ذلك المعمل الإلهي ومن تلك الساعة العظمى، وهناك أنواع كثيرة من القيامة يمر بها الإنسان في مدة حياته.
فكما أنه يرى أمارات الحشر بموته نوعًا ما في كل ليلة، وببعثه نوعًا ما في كل صباح، كذلك فهو قد رأى نموذج القيامة والحشر تدريجيًّا بتغييره - بالاتفاق - كل ذراته خلال خمس أو ست سنوات بل مرتين في سنة واحدة.
ثم إنه يشاهد أكثر من ثلاثمائة ألف نوع للحشر والنشر والقيامة النوعية على أنواع الحيوانات والنباتات في كل ربيع، فهذه الأمارات والإشارات الحشرية الكثيرة، وهذه
132. صفحة
العلامات والرموز النشرية الكثيرة إلى هذا الحد؛ لاشك أنها تشير إلى ذلك الحشر الذي في حكم ترشحات للقيامة الكبرى.
ثم إن إحياء القيامة النوعية من قبل الصانع الحكيم في الأنواع هكذا؛ أي إحياء جذور كل النباتات، وقسم من الحيوانات بعينها في الربيع، وإظهار الحشر والنشر بإعادة قسم من الأشياء لا بعينها بل بمثلها كالأوراق والأزهار والثمار، كل ذلك يمكن أن يكون دليلاً على الحشر والقيامة الشخصية ضمن القيامة العامة لدى كل فرد إنساني؛ لأن فردًا واحدًا من الإنسان هو بمنزلة نوع لغيره؛ إذ نور الفكر قد أعطى سعة لآمال الإنسان وأفكاره بحيث تحيط بالماضي والمستقبل، ولو أنها ابتلعت الدنيا لما شبعت، أما في الأنواع الأخرى فماهية الأفراد جزئية، وقيمتها شخصية ونظرها محدود، وكمالها محصور، ولذائذها وآلامها آنية([1])، وأما البشر فماهيتهم سامية عالية، وقيمتهم غالية، ونظرهم عامّ شامل، وكمالهم غير محدودٍ، ولذائذهم وآلامهم المعنوية دائمة إلى حدٍّ ما، إذن فأنواع القيامة والحشر المتكررة في سائر الأنواع بالمشاهدة تخبر وترمز إلى حشر كل فرد إنساني بإعادته بعينه ضمن هذه القيامة العامة الكبرى.
ولما كان قد أثبت هذا إثباتًا قاطعًا في “الحقيقة التاسعة” من “الكلمة العاشرة” بدرجة قطعية أن حاصل ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعًا، فإننا نختصر هنا.
المدار الخامس:
يرى أهل التحقيق أن الاستعدادات غير المحدودة التي أُدرجت في جوهر روح البشر، والقابليات غير المحصورة المندمجة في استعداداته تلك، والميول غير المحدودة الناشئة عن تلك القابليات والآمال غير المحدودة الحاصلة من تلك الميول غير المحدودة، والأفكار والتصورات الإنسانية غير المتناهية المتولدة من تلك الآمال غير المحدودة؛ كل منها قد مدّت أيديها إلى السعادة الأبدية الموجودة وراء عالم الشهادة هذا، وتطلعت ببصرها إليها، وتوجهت نحوها.
فالفطرة التي لا تكذب أبدًا، وما فيها من ميل قوي شديد لا يتزلزل نحو السعادة الأبدية؛ تعطي للوجدان حدسًا قطعيًّا يدل على تحقق السعادة الأبدية.
[1])) آنية: وقتية.
133. صفحة
ولما كانت “الحقيقة الحادية عشرة” من “الكلمة العاشرة” قد أظهرت هذه الحقيقة إظهارًا كالنهار فسنقتصر على هذا هنا.
المدار السادس:
إن رحمة الصانع ذي الجمال والذي هو الرحمن الرحيم بهذه الموجودات تشير إلى السعادة الأبدية وتدل عليها.
نعم؛ إنه لمن شأن تلك الرحمة ألا تستكثر على البشر السعادة الأبدية التي تجعل النعمة نعمة، وتخلص النعمة من أن تكون نقمة، وتنقذ الموجودات من الآهات والحسرات الحاصلة من الفراق الأبدي؛ لأنه إن لم تُمنَح السعادة الأبدية التي هي رأس جميع النعم ورئيسها وغايتها ونتيجتها، وإن لم تبعث الدنيا بشكل الآخرة بعد موتها؛ لتحولت كل النعم إلى نقم.
أما ذلك التحول فهو يستلزم إنكار وجود الرحمة الإلهية التي هي ثابتة ومشهودة بالبداهة وبالضرورة بشهادة جميع الكائنات، على الرغم من أن الرحمة حقيقة ثابتة ساطعة أسطع من الشمس.
فانظر إلى نعم العشق والشفقة والعقل التي هي من تجلي الرحمة، ومن آثارها اللطيفة، وتمعن فيها؛ فإنك لو افترضت أن الحياة الإنسانية مُنساقة نحو الفراق والهجران الأبديين لرأيت أن تلك المحبة اللطيفة تحولت إلى مصيبة كبرى، وأن تلك الشفقة اللذيذة صارت داءً وبيلاً، وأن ذلك العقل النوراني انقلب إلى بلاء عظيم.
فلأن الرحمة رحمة؛ فليس من شأنها أن تُقدِّم الهجران الأبدي على المحبة الحقيقية.
ونختصر هنا؛ نظرًا لما بينته “الحقيقةُ الثانية” من “الكلمة العاشرة” هذه الحقيقة بيانًا وافيًا.
المدار السابع:
إن ما يشاهد ويعرف في هذا الكون من لطائف ومحاسن وكمالات وانجذابات واشتياقات وترحمات كل منها “معنى” و“مضمون” و“كلمة معنوية”؛ بحيث تُظْهِرُ وتُري للقلب بالضرورة وبالبداهة تجليات لطف الصانع ذي الجلال ورحمته، وتجليات إحسانه وكرمه، وتدخلها في عين العقل.
134. صفحة
وبما أن هناك حقيقة يحملها هذا العالم فبالبداهة هناك رحمة حقيقية، وبما أن هناك رحمة حقيقية؛ فلابد أنه ستتحقق السعادة الأبدية.
وقد أضاءت “الحقيقة الرابعة” مع “الحقيقة الثانية” من “الكلمة العاشرة” هذه الحقيقة إضاءة واضحة كالنهار.
المدار الثامن:
إن ضمير الإنسان الذي هو فطرته ذات الشعور؛ يتوجه ويتطلع إلى السعادة الأبدية ويشير إليها.
نعم؛ إن من يصغي إلى ضميره اليقظ المتنبه سيسمع صدى: “الأبد” “الأبد” ولو أُعطي الكون كله لذلك الضمير لما استطاع أن يسد حاجته إلى الأبد؛ إذن فهذا الضمير خُلق لذلك الأبد؛ بمعنى أن هذا الجذب والانجذاب الضميري إنما يمكن أن يحصل بجذب من غرض حقيقي وحقيقة ذات جاذبية.
وقد أظهرت خاتمة “الحقيقة الحادية عشرة” من “الكلمة العاشرة” هذه الحقيقة وأوضحتها.
المدار التاسع:
هو إخبار الصادق المصدوق المصدَّق محمد العربي صلى الله عليه وسلم.
نعم؛ إن كلام ذلكم الشخص صلى الله عليه وسلم قد فتح أبواب السعادة الأبدية، وإن أقواله وأحاديثه نوافذ مطلة على السعادة الأبدية؛ إذ هو بحد ذاته قد أمسك بيده إجماعَ جميعِ الأنبياء عليهم السلام وَتَوَاتُر جميعِ الأولياء، وتمركزت كل دعوته - بعد توحيد الله - بكل قوة على نقطة الحشر والسعادة هذه، فيا ترى هل من شيء يستطيع زعزعة هذه القوة؟!
وقد أظهرت “الحقيقة الثانية عشرة” من“الكلمة العاشرة” هذه الحقيقة بصورة واضحة جلية.
135. صفحة
المدار العاشر:
هو الإخبارات القاطعة للقرآن المعجز البيان، الذي حافظ على إعجازه بسبعة أوجه خلال ثلاثة عشر قرنًا([1]) من الزمن والذي هو معجزة من أربعين وجهًا من وجوه الإعجاز كما أُثبت في “الكلمة الخامسة والعشرين”.
نعم؛ إن إخبارات ذلكم القرآن نفسها كشّاف للحشر الجسماني، ومفتاح لهذا الطلسم المغلَق للعالم، ولرمزِ حكمة الكون هذه.
ثم إن ما يتضمنه ذلكم القرآن المعجز البيان، وما يأمر بالتفكر فيه تكرارًا، وما يلفت الأنظار إليه من البراهين العقلية القاطعة لهو آلاف، فمثلاً:
إن القرآن الكريم في آيات كثيرة مثل ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ (سورة نوح: ٧١/١٤) و ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِۤى أَنشَأَهَۤا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (سورة يس: ٣٦/٧٩) اللتين تتضمنان قياسًا تمثيليًّا ومثل ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰٰمٍ لِلعَبِيدِ﴾ (سورة فصلت: ٤١/٤٦) التي تشير إلى برهان للعدالة، قد وضع أمام أنظار البشر كثيرًا من المناظير والمراصد تُري وتُظهر السعادة الأبدية في الحشر الجسماني.
وقد بيّنا في رسالة “نقطة من نور معرفة الله جل جلاله” خلاصة ما أوضحه القرآن الكريم من القياس التمثيلي في سائر آياته الأخرى، وفي كل من آية ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ (سورة نوح ٧١/١٤) وآية ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِۤى أَنشَأَهَۤا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (سورة يس: ٣٦/٧٩) كالآتي:
إن جسم الإنسان كلما انتقل من طور إلى طور يمر بانقلابات عجيبة منتظمة، فانقلابه من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، ومن مضغة إلى عظم ولحم، ومن عظم ولحم إلى خلق جديد؛ أي انتقاله إلى صورة إنسان تابعٌ لدساتير دقيقة للغاية، ولكل من تلك الأطوار قوانين خاصة، وأنظمة معينة، وحركات مطَّردة بحيث تشفّ كالزجاج عما تحتها من تجليات قصد وإرادة واختيار وحكمة.
فالصانع الحكيم الذي أنشأ ذلك الجسد على هذا النَّمط يبدله كل سنة كتبديل اللباس، وذلك الجسد محتاج إلى تركيبٍ لمجيء ذرات جديدة تعمل وتقوم مقام ما انحل
[1])) في أثناء تأليف هذه الرسالة. (المترجم).
136. صفحة
من الأجزاء لبقاء ذلك الجسد وتغيُّرِه. فخلايا الجسد هذه - ولأنها تُدمَّر بقانون إلهي منتظم - تَتطلب مادة لطيفة تُسمى “رزقًا” لكي تُبنى وتُعمّر من جديد بقانون رباني منتظم؛ بحيث إن الرزاق الحقيقي يقسمها ويوزعها بقانون خاص بين كل عضو من أعضاء ذلك الجسد حسب حاجاته المختلفة.
انظر الآن إلى أطوار تلك المادة اللطيفة التي أرسلها ذلكم الرزاق الحكيم؛ تَرَ أن ذرات تلك المادة بعدما كانت منتشرة في الهواء والتراب والماء كقافلة؛ تجتمع بكيفية تنمّ عن([1]) حركة مقصودة، وكأنها تَلَقَّتْ أمرًا للتحرك، وكأن كل واحدة من تلك الذرات تجتمع بتنسيق في غاية الانتظام كأنها موظف مأمور بوظيفة للذهاب إلى مكان معين، ثم إنه يبدو ويظهر من أحوالها وتحركاتها أنها تُسيَّر وتُساق من عالم الجمادات إلى عالم المواليد؛ أي إلى عالم الأحياء بقانون خاص بفاعل مختار.
ثم إنها تدخل في جسد وفق أنظمة معينة، وحركات مطردة، ودساتير خاصة بعدما تُطبَخ في أربعة مطابخ في ذلك الجسد، وبعدما تَمرُّ بأربعة انقلابات عجيبة، وبعدما تُصفّى في أربع مصاف ثم تنقسم بعناية الرزاق الحقيقي وبقوانينه المنتظمة حسب درجة احتياج كل الأعضاء المحتاجة منتشرة في أنحاء ذلك الجسد.
فإذا نظرت إلى أية ذرة من تلك الذرات بنظر الحكمة فسترى أن “الاتفاق الأعمى” و“المصادفة العشوائية” و“الطبيعة الصماء” و“الأسباب غير الواعية” لا تستطيع أن تتدخل في تلك الذرة التي تُساق ببصيرة وبانتظام وبسمع وعلم؛ لأن كل ذرة من تلك الذرات حينما تدخل في أي طور من الأطوار - ابتداءً من العنصر المحيط وانتهاء إلى خلية الجسد - تعمل فيه مع القوانين المعينة لذلك الطور، وتدخل فيه بانتظام وكأنها ذات اختيار، وحينما تسافر إلى أية طبقة من الطبقات تخطو خطوات منتظمة؛ بحيث يبدو ويظهر عليها كأنها تسير - بالبداهة - بأمر سائق حكيم.
[1])) تنم عن: تكشف عن.
137. صفحة
وهكذا تنتقل بانتظام من طور إلى طور ومن طبقة إلى طبقة - دون أن تحيد عن هدفها المقصود - حتى تدخل إلى مقامها اللائق بها، إلى بؤبؤ([1]) عين “توفيق” ([2]) مثلاً، وتستقر وتعمل فيها.
فهذه الحالة - أي تجلي الربوبية في الأرزاق - تُظهر أن تلك الذرات كانت في البداية معينة وموظفة، وكانت مرشحة لتلك المقامات، وكأن كل ذرة مكتوب على جبينها وجبهتها أنها ستكون رزقًا للخلية الفلانية مما يشير إلى أن كل إنسان مكتوب رزقُه على جبينه بقلم القدر،كما أن اسمه مكتوب على رزقه.
فهل من الممكن للصانع ذي الجلال - الذي تتجلى ربوبيته بحكمة محيطة وبقدرة لا نهاية لها والذي يمسك في قبضة تصرفه كل الموجودات ابتداء من الذرات وانتهاء إلى الكواكب، ويدوِّرها ويحركها وفق انتظام وميزان - ألاَّ يخلق النشأة الأخرى؟ وألا يستطيع خلقها؟!
فكثير من الآيات القرآنية تضع النشأة الأولى الحكيمة نصب أعين البشر، فتزيل استبعاد النشأة الأخرى التي في الحشر والقيامة بتشبيهها بالنشأة الأولى، ويقول
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِۤى أَنشَأَهَۤا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (يس:٧٩) أي إن الذي أنشأكم -ولم تكونوا شيئًا- بصورة حكيمة إلى هذه الدرجة هو الذي سيحييكم ويبعثكم في الآخرة.
وكذا يقول ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (الروم:٢٧) أي إن بعثكم وإعادتكم في الحشر أهون وأسهل من خلقكم في الدنيا.
فكما أنه إذا انتشر جنود طابور للاستراحة ثم نُودُوا بِبُوقٍ؛ فإن اجتماعهم بصورة سهلة تحت راية الطابور هو أسهل وأهون من تشكيل طابور من جديد، كذلك فإن امتثال الذرات الأساسية - التي تستأنس وتتناسب بامتزاج بعضها مع بعض في جسد واحد - لأمر الخالق ذي الجلال بواسطة صور إسرافيل عليه السلام قائلة: لبيك، وكذلك اجتماعها؛ أسهل وأهون عقلاً من إيجادها وخلقها الأول.
[1])) بؤبؤ العين: إنسان العين، وهو الفتحة المركزية التي تقع في قزحية العين.
[2])) “توفيق”: هو أحد طلاب الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي.
138. صفحة
وكذا فإن اجتماع كل الذارت ليس ضروريًّا، وإنما الأجزاء الأساسية والذارت الأصلية التي هي بمنزلة النوى والبذور، والتي يعبَّر عنها في الحديث الشريف بـ“عجب الذَّنَبَ” هي المبدأ والأساس الكافي للنشأة الثانية، فيبني الصانع الحكيم جسم الإنسان عليها.
فأما خلاصة القياس العدلي الذي تشير إليه آيات كثيرة كهذه الآية ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍ لِلعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦) فهي أننا نرى كثيرًا في هذه الدنيا أن الظَّلَمَةَ والفَجَرَة والخَوَنَة من الناس يعيشون في غاية الرفاهية والراحة، بينما المظلومون والمتدينون يعيشون في غاية المشقة والذل، ثم يأتي الموت فيجعلهم متساوين، فإن كان هذا التساوي أبديًّا غيرَ متناهٍ؛ ظَهَر الظُّلم، بينما العدالة والحكمة الإلهيتان - الثابتُ تَنَزُّهُهما عن الظلم بشهادة الكون - ولكونهما لا تقبلان هذا الظلم بأي وجه من الوجوه؛ تقتضيان بالبداهة مجمعًا أخرويًّا، كي يرى الأول عقابه والثاني مكافأته، حتى يرى هذا الإنسان المسكين المتخبط الجزاء والمكافآت المناسبة لاستعداده؛ فيكون مدارًا للعدالة المحضة ومظهرًا للحكمة الربانية وأخًا كبيرًا لموجودات العالم المليئة بالحكمة.
أجل؛ إن دار الدنيا هذه ليست مناسبة لنمو الاستعدادات غير المحدودة المندمجة في روح البشر، بمعنى أنها سترسَل إلى عالم آخر.
أجل؛ إن جوهر الإنسان عظيم، إذن فهو مرشح للأبد، وماهيته عالية، إذن فجنايته وجُرمه عظيمان كذلك، وهو لا يشبه المخلوقات الأخرى، لذلك انتظامه أيضًا مهمٌ، ولا يمكن أن يكون دون انتظام، ولن يبقى مهملاً، ولن يُترك سدىً،([1]) ولن يُحكَم عليه بالفناء المطلق، ولا يستطيع أن يهرب إلى العدم الصِّرف، فجهنم تنتظره فاتحة فاها، أما الجنة فقد فتحت أيديها الحنون الرحيمة الرقيقة ترتقبه.
نقتصر على هذا هنا، لأن “الحقيقة الثالثة” من“الكلمة العاشرة” قد بينت مثالنا الثاني هذا بيانًا في غاية الجمال.
فتَتَبَّعْ بالقياس كمثالٍ الآيات الأخرى التي تتضمن براهين عقلية لطيفة كثيرة جدًا كهاتين الآيتين الكريمتين.
[1])) سدىً: هباءً وعبثًا.
139. صفحة
فـ“المنابع العشرة” و“المدارات العشرة” هذه كلها تنتج حدسًا([1]) صادقًا وبرهانًا قاطعًا.
وكما أن ذلك الحدس الراسخ والبرهان القوي المتين يدلان دلالة قاطعة على وجود داعي الحشر والقيامة ومقتضيهما؛ كذلك فأكثر الأسماء الحسنى للصانع ذي الجلال كـ“الحكيم” و“الرحيم” و“الحفيظ” و“العدل” تقتضي مجيء الحشر والقيامة ووجود السعادة الأبدية، وتدل دلالة قاطعة على تحقق السعادة الأبدية كما أثبت في “الكلمة العاشرة” إثباتًا قاطعًا.
إذن فمقتضي الحشر والقيامة قوي إلى درجة لا يمكن معها أن يكون مدارًا للشك والشبهة أبدًا.
الأساس الثالث
إن الفاعل مقتدر.
أجل؛ كما أنه لاشك في وجود مقتضي الحشر؛ كذلك فالذي سيخلق الحشر هو مقتدر في غاية الاقتدار، ولا نقصان في قدرته فيتساوى عنده أكبر الأشياء مع أصغرها، وخلق ربيع سهل عنده كخلق زهرة واحدة.
أجل؛ إن قديرًا يَشهدُ على عظمته وقدرته هذا العالَمُ، بألسنة لا تعد ولا تُحَدّ، بكل شموسه ونجومه وعوالمه وذراته وجواهره، هل يحق لأي وهم ووسوسة أن يستبعد الحشر الجسماني عن قدرته.
أجل؛ إن القدير ذا الجلال الذي يخلق في كل عصر دنيا جديدة منتظمة في هذا العالم، بل يوجِد في كل سنة أكوانًا جديدة سيّارة منتظمة، بل يصنع في كل يوم عالَمًا جديدًا منتظمًا، والذي يخلق دُنًا وأكوانًا مؤقتة متعاقبة على وجه هذه السماوات والأرضين بكمال الحكمة ويغيرها، والذي يعلق عوالم منتظمة على حبل الزمن بعدد العصور والسنوات بل بعدد الأيام، ويُري بها عظمة قدرته، والذي يضع على رأس الكرة
[1])) الحدس: الحكم السريع المؤكد أو التنبؤ الغريزي بالوقائع والعلاقات المجردة.
140. صفحة
الأرضية زهرة الربيع الكبير - التي زينها بمائة ألف نوع من النقوش - كزهرة واحدة ويظهر بها كمال حكمته؛ هل يمكن أن يقال في حقه: كيف يأتي بالقيامة؟ وكيف يبدل هذه الدنيا بالآخرة؟ وتعلن الآية الكريمة: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ (لقمان:٢٨) كمالَ قدرة هذا القدير، وأنه لا يصعب عليه أي شيء، وأنه لا يصعب ولا يثقل على قدرته أعظم شيء، كما لا يثقل أصغر شيء عليها، وأن خلق وبعث الأفراد غير المعدودة سهل على تلك القدرة كخلق وبعث فرد واحد.
وقد بيّنا حقيقة هذه الآية الكريمة في خاتمة “الكلمة العاشرة” بيانًا مجملاً وفي رسالة “نقطة من نور معرفة الله جل جلاله” و“المكتوب العشرين” بيانًا مفصلاً، وأما هنا فنوضحها بمناسبة المقام بشيء من التفصيل في ثلاث مسائل هي:
إن القدرة الإلهية ذاتية؛ إذن لا يستطيع العجز أن يتخللها.
وإنها تتعلق بملكوتية الأشياء؛ إذن فلا تستطيع الموانع أن تتدخل فيها.
وإن نسبتها قانونية؛ إذن يتساوى الجزء مع الكل، ويصبح الجزئي بحكم الكلي.
وسنثبت هذه المسائل الثلاث كالآتي:
المسألة الأولى:
إن القدرة الأزلية لازمة وضرورية للذات المقدسة الإلهية أي إنها لازمة بالضرورة للذات، ولا يمكن أن تنفك عنها أبدًا.
إذن فالعجز الذي هو ضدّ القدرة لا يمكن أن يكون عارضًا - بالبداهة - للذات التي تستلزم القدرة؛ لأن هذه الحالة تعني اجتماع الضدين، وبما أن العجز لا يمكنه أن يكون عارضًا للذات فمن البديهي أنه لا يمكنه أن يتخلل القدرةَ اللازمة لتلك الذات، وبما أن العجز لا يمكنه أن يتخلل القدرةَ فمن البديهي أنه لا يمكن أن تكون في تلك القدرة الذاتية مراتب؛ لأن مراتب الوجود لكل شيء تظهر بتداخل أضداد ذلك الشيء.
141. صفحة
فمثلاً المراتب التي في الحرارة تظهر بتخلل البرودة فيها، والدرجات التي في الحسن تظهر بتداخل القبح فيها، وهكذا فقس، إلا أن الممكنات - لأنه لا يوجد فيها لزوم ذاتي حقيقي وطبيعي - قد استطاعت الأضداد أن تتداخل فيما بينها فيها فتولدت المراتب، ونشأت اختلافات العالم وتغيراته، وبما أنه لا يمكن أن تكون في القدرة الأزلية مراتب؛ إذن فإن نسبة المقدورات كذلك متساوية بالضرورة أمام القدرة، فيتساوى أكبر شيء مع أصغر شيء، وتتماثل الذرات مع النجوم، فحشر كل البشر سهل على تلك القدرة كإحياء نفس واحدة، وإيجادُ ربيعٍ سهل عليها كصنع زهرة واحدة، أما إذا أُسندت تلك الأمور إلى الأسباب؛ فعندئذ يكون خلق زهرة واحدة صعبًا كخلق الربيع.
وقد أثبت في حاشية آخر فقرة لـ“المرتبة الرابعة” من مراتب “الله أكبر” من “المقام الثاني” لهذه الكلمة - أي الكلمة التاسعة والعشرين - وفي “الكلمة الثانية والعشرين” وفي“المكتوب العشرين” وذيله أنه:
إذا أسند خلق الأشياء إلى الواحد الأحد فيكون خلق جميع الأشياء سهلاً كخلق شيء واحد، أما إذا أُسند إلى الأسباب فيكون خلق شيء واحد صعبًا وثقيلاً ومكلِّفًا كخلق جميع الأشياء.
المسألة الثانية:
إن القدرة تتعلق بملكوتية الأشياء.
نعم؛ إن لكل شيء في الكون وجهين كالمرآة، أحدهما وجه الملك؛ حيث يشبه وجه المرآة المطلي، والآخر وجه الملكوت حيث يشبه وجه المرآة الصقيل([1]).
أما وجه الملك فهو ميدان تجوال الأضداد ومحل ورود أمور كالحسن والقبح والخير والشر والصغر والكبر والصعوبة والسهولة؛ لذا فإن الصانع ذا الجلال قد جعل الأسباب الظاهرية ستائر وحجبًا لتصرفات قدرته حتى لا تظهر مباشرةُ يدِ القدرة للأمور الخسيسة وغير اللائقة بها في نظر العقول التي تحكم بالظواهر؛ لأن العظمة والعزة تقتضيان هذا؛ إلا أنه -جل وعلا- لم يجعل لتلك الوسائط والأسباب تأثيرًا حقيقيًّا؛ لأن الوحدة والأحدية تقتضيان ذلك.
[1])) وجه المرآة الصقيل: وجهها اللامع العاكس المجلوّ.
142. صفحة
أما وجه الملكوت فهو نوراني نظيف وطاهر، لا يمكن أن تختلط به ألوان التشخصات ومزخرفاتها، وهذا وجه متوجه إلى خالقه بلا واسطة؛ فلا يوجد فيه ترتب الأسباب وتسلسل العلل، ولا يمكن أن يدخل فيه عِلِّيَّةٌ ولا معلولية، ولا اعوجاج فيه ولا الْتِواء، ولا تستطيع أن تتدخل الموانع فيه، وتصبح الذرة فيه أختًا للشمس.
الحاصل: إن تلك القدرة بسيطة وغير متناهية وهي ذاتية أيضًا، وأما محل تعلق القدرة فلا واسطة ولا كَدَر ولا شَوْبَ ولا عصيان فيه؛ إذن لا يتكبر الكبير على الصغير في دائرة تلك القدرة، ولا يمكن للجماعة الترجح على الفرد، ولا يمكن أن يتدلل الكل على القدرة كثيرًا بالنسبة للجزء.
المسألة الثالثة:
إن نسبة القدرة قانونية؛ أي تتوجه إلى الكثير والقليل وإلى الكبير والصغير على حد سواء.
سنقرب هذه المسألة الغامضة إلى الأذهان ببضعة أمثلة: فـ “الشفافية” و“المقابلة” و“الموازنة” و“الانتظام” و“التجرد” و“الإطاعة”كلّ واحدة منها أمر في الكون يجعل الكثير مساويًا للقليل والكبير مساويًا للصغير.
المثال الأول: يشير إلى سر “الشفافية”.
فمثلاً: إن تمثُّل الشمس وانعكاسها اللذين هما فيض تجليها يُريان ويظهران الهوية عينها على وجه البحر وعلى كل قطرة منه، فلو كانت الكرة الأرضية مركبة من قطع مختلفة كثيرة لزجاجات ناظرة متوجهة إلى الشمس بلا حجاب فإن انعكاس الشمس يكون واحدا على كل قطعة وعلى وجه الأرض كافة بلا مزاحمة، وبلا تجزؤ، وبلا تناقض.
فلو كانت الشمس فاعلاً مختارًا - بفرض المحال - وألقت ضياء فيضها وعكس تمثلها بإرادتها؛ لما كان الفيض الذي ألقته على وجه الأرض كافة أثقل وأصعب عليها من الفيض الذي ألقته على الذرة.
143. صفحة
المثال الثاني: وهو سر “المقابلة”.
فمثلاً: إذا افترض أن هناك شمعة في يد فرد هو في النقطة المركزية لدائرة عظيمة تتكون من أفرادٍ أحياء - أي من الناس- وأن هناك مرآة في يد كل فرد من الأفراد الذين هم في دائرة المحيط؛ فإن نسبة الفيض وتجلي العكس الذي ترسله النقطة المركزية إلى مرايا المحيط واحدة دون مزاحمة ودون تجزؤ ودون تناقص.
المثال الثالث: وهو سر “الموازنة”.
مثلاً إن وجد ميزان حقيقي وحساس وكبير جدًا، وإن وجد في كفتيه كلتيهما شمسان أو نجمان أو جبلان أو بيضتان أو ذرتان أو أي شيء من ذلك؛ فإن إحدى كفتي هذا الميزان العظيم الحساس يمكن أن ترتفع إلى السماء والأخرى تهبط نحو الأرض بصرف وبذل القوة نفسها.
المثال الرابع: وهو سر “الانتظام”.
مثلاً يمكن أن تقاد وتدار أعظم سفينة كإدارة أصغر دمية([1]) للأطفال.
المثال الخامس: وهو سر “التجرد”.
مثلاً إن ماهية مجردة عن التشخصات تنظر وتدخل إلى كل جزئيات ذاتها على حد سواء بدءًا من أصغرها وانتهاء إلى أكبرها دون تناقص ودون تجزؤ، ولا تتدخل الخصوصيات التي في جهة التشخصات الظاهرية ولا تشوش ولا تغير نظر هذه الماهية المجردة.
فمثلا إن سمكة صغيرة نحيلة كالإبرة تملك تلك الماهية المجردة كما تملكها سمكة الحوت، وتحمل جرثومةٌ واحدة الماهية الحيوانية كما يحملها الكركدان([2]).
المثال السادس: يشير إلى سر “الإطاعة”.
مثلاً يحرك قائد جيشًا بأكمله بأمر “تقدمْ إلى الأمام” كما يحرك جنديًّا واحدًا بالأمر ذاته، فحقيقة تمثيل سر الإطاعة هذا كالآتي:
[1])) الدمية: لعبة الطفل.
[2])) الكركدان: حيوان من الحيوانات ذوات الحوافر، ضخم الجسم له قرن واحد ولبعض أنواعه قرنان، يسمى أيضًا وحيد القرن أو الخرتيت.
144. صفحة
إن لكل شيء في الكون نقطة كمال - كما هو ثابت بالتجربة - وله ميل إلى تلك النقطة، فإن الميل المضاعف يصبح احتياجًا، والاحتياج المضاعف يصبح اشتياقًا، والاشتياق المضاعف يصبح انجذابًا، والانجذاب والاشتياق والاحتياج والميل كل منها حبة ونواة لامتثال الأوامر التكوينية للحقّ جلّ وعلا من قبل ماهية الأشياء، فالكمال المطلق لماهيات الممكنات هو الوجود المطلق، فكمالها الخاص هو وجود خاص لها يخرج استعداداتها من طور القوة إلى طور الفعل، فإطاعة كل الكائنات لأمر “كن” هي كإطاعة ذرة واحدة وكأنها جندي واحد، فالميل والاحتياج والشوق والانجذاب التي كل منها تجلٍّ للإرادة مندمجة معًا دفعة واحدة في إطاعة الممكنات وامتثالها لأمر “كن” الأزلي الصادر عن الإرادة الأزلية كذلك، فتحطيم الماء اللطيفِ الحديدَ عندما يتلقى أمر الانجماد بميل رقيق يظهر قوة سر الإطاعة.
فلو شوهدت هذه الأمثلة الستة في طور “القوة” و“الفعل” للممكنات التي هي ناقصة ومتناهية وضعيفة، والتي ليس لها تأثير حقيقي؛ فلاشك أن كل شيء متساوٍ بالنسبة للقدرة الأزلية التي هي أزلية وأبدية وغير متناهية، والتي أوجدت كل الكون من العدم الصرف والتي تتجلى بعظمة آثارها التي تذهل وتحير جميع العقول، ولا يصعب ولا يثقل عليها أي شيء.
حَذَارِ من الغفلة؛ لأنه لا يمكن وزن تلك القدرة بالموازين الصغيرة لهذه الأسرار الستة، ولا يمكنها أن تتناسب معها، وإنما تُذْكَر لتقريبها إلى الفهم وإزالة الاستبعاد، وليس غير.
نتيجة الأساس الثالث وخلاصته:
بما أن القدرة الأزلية غير متناهية وبما أنها ضرورية لازمة لِلذات المقدسة، وأن جهة الملكوتية لكل شيء متوجهة إليها وتقابلها دون حجاب ودون شائبة وتَلَوُّثٍ، وأنها متوازنة من حيث “الإمكان” الذي هو عبارة عن تساوي الطرفين، وأنها مطيعة لقوانين عادة الله والنظام الفطري اللذين هما الشريعة الفطرية الكبرى، وأن جهة الملكوتية صافية ومجردة من الموانع والخصوصيات المختلفة؛ فلاشك أن أكبر شيء لا يستطيع أن يتدلل
145. صفحة
على تلك القدرة كثيرًا كما هو الحال عند أصغر شيء ولا يقاومها؛ إذن فإحياء ذوي الأرواح كافة في الحشر ليس أثقل ولا أصعب على تلك القدرة من إحياء ذبابة في الربيع، إذن فالأمر الإلهي في الآية الكريمة ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ( لقمان:٢٨) ليس مبالَغًا فيه بل هو صدق وحق، وعليه فلا يوجد أي مانع في قضيتنا “إن الفاعل مقتدر”. بل تحققت تلك الجهة بصورة قاطعة.
الأساس الرابع
كما أن هناك مقتضيًا للقيامة والحشر وأن الفاعل الذي سيأتي بالحشر مقتدر، فإن لهذه الدنيا كذلك قابلية للقيامة والحشر.
وفي قضيتنا هذه - أي قابلية الدنيا للقيامة والحشر - أربع مسائل:
أولاها: إمكان موت عالم الكون.
ثانيتها: وقوع ذلك الموت فعلاً.
ثالثتها: إمكان تعمير تلك الدنيا التي قد دمرت وخربت وماتت، وإحياؤها بشكل الآخرة.
رابعتها: وقوع ذلك التعمير والإحياء اللذين هما في دائرة الإمكان.
المسألة الأولى:
إن موت هذا الكون ممكن، لأن الشيء إن دخل في إطار قانون التكامل فله نشوء ونموٌّ على كل حال، وإذا كان له نشوء ونموٌّ فله عمر طبيعي على كل حال، وإذا كان له عمر طبيعي فله أجل طبيعي على كل حال، وإنه ثابت بالاستقراء الواسع والتتبع الشامل أن مثل هذا الشيء من الأشياء لا يستطيع إنقاذ نفسه من مخالب الموت.
نعم؛ وكما أن الإنسان عالم صغير لا يستطيع التخلص من الانهدام؛ فكذلك الكون إنسان كبير، وهو بدوره لا يستطيع أن يتخلص من براثن الموت، وهو سيموت، ثم سيبعث، أو سينام ثم سيفتح عينيه مع صبح الحشر.
146. صفحة
وكما أن شجرة ذات حياة وهي النسخة المصغرة للكون لا تستطيع أن تنقذ نفسها من الدمار والانحلال؛ فكذلك سلسلة الكائنات التي تشعّبت من شجرة الخلقة لا تستطيع أن تنقذ نفسها من الخراب والانحلال من أجل التعمير والتجديد، فإن لم يصب الدنيا قبل أجلها الطبيعي مرضٌ خارجي أو حادث مدمّر بإذن الإرادة الأزلية، وإن لم يخربّها صانعُها الحكيم، فسيأتي في كل الأحوال يومٌ - بحساب علمي - ستَظهر فيه أسرار ومعاني آيات ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرتْ &وإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ &وإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ (التكوير:١-٣) و﴿إِذَا السَّمَۤاءُ انْفَطَرَتْ &وإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ &وإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (الإنفطار:١-٣) بإذن القدير الأزلي، وسيبدأ هذا الإنسان الكبير الذي هو الكون بالسكرات، وسيملأ الفضاء بشخير عجيب، وبصوت مدوٍّ مدهش، وسيصرخ وسيموت، ثم سيبعث من جديد بالأمر الإلهي.
مسألة دقيقة ذات رمز:
كما أن الماء يتجمد على حساب نفسه، والجليد يتميّع على حساب الجليد، واللبّ يتقوى على حساب القشر، واللفظ يغلظ على حساب المعنى، والروح تضعف لحساب الجسد، والجسد يرقّ ويَنْحُل لحساب الروح، فكذلك الدنيا التي هي العالم الكثيف كلّما اشتغلت ماكينة الحياة فيها تَشِفُّ وتَرِقُّ على حساب الآخرة التي هي العالم اللطيف.
وإن نشر القدرة الفاطرة وبثها ونثرها نورَ الحياة على الأجزاء الكثيفة الجامدة الخامدة الميتة بفعالية محيرة للغاية لهو رمز قدرة؛ حيث تذيب العالم الكثيف على حساب العالم اللطيف بنور الحياة، وتحرقه وتنوّره وتقوي حقيقته.
أجل؛ إن الحقيقة مهما كانت ضعيفة فإنها لا تموت، ولا تنمحي كالصورة بل تسير وتنتقل في التشخصات والصور وتكبر وتنكشف وتتسع شيئًا فشيئًا، أما القشر والصورة فَيَخْلَقَان([1]) ويرقّان ويتمزقان، ويتجددان بصورة أجمل كي يُلائما قامة الحقيقة الثابتة التي كبرت ونمت.
[1])) يَخْلَقَان: يبليان.
147. صفحة
إذن فالحقيقة والصورة متناسبتان عكسيًّا من حيث الزيادة والنقصان؛ أي كلما غلُظتِ الصورةُ دَقّتِ الحقيقةُ ورقّتْ، وكلما رقّتِ الصورة تَقَوّتِ الحقيقةُ، وهذا القانون شامل لكل شيء يدخل ضمن قانون التكامل، إذن سيأتي على كل حالٍ زمانٌ يتحطم فيه عالم الشهادة الذي هو قشر وصورة الحقيقة العظمى للكون بإذن الفاطر ذي الجلال، ثم يتجدد بأحسن صورة وأجملها، ويتحقق سرّ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ (إبراهيم:٤٨) فيه.
الحاصل: إن موت الدنيا ممكن، بل بدرجة لا تقبل أيّة شبهة.
المسألة الثانية:
وهي وقوع موت الدنيا فعلاً، والدليل على هذه المسألة هو:
إجماع جميع الأديان السماوية، وشهادةُ كل فطرة سليمة، وإشارات كلِّ تحولات هذا الكون وتبدلاته وتغيراته، وشهادة الدنا ذات الحياةِ والعوالم السيارة التي هي بعدد العصور والسنوات بموتها في الدنيا دار الضيافة هذه؛ على موت الدنيا الأصلي.
كذلك إذا أردتَ أن تتخيل سكراتِ هذه الدنيا كما تشير إليها الآيات القرآنية؛ فانظر كيف ارتبطت أجزاء هذا الكون بعضها ببعض بنظام دقيق عالٍ وسامٍ، وتماسكت برابطة خفية رقيقة لطيفة وهي في نظام وانتظام؛ بحيث إن جِرمًا واحدًا فقط من تلك الأجرام السماوية العلوية ما إن يحظى بأمر “كن” أو بخطاب: “اخرج من محورك”! حتى تبدأ حينئذ هذه الدنيا بالسكرات وتتصادم النجوم، وتتماوج الأجرام، وتصرخ قذائف الملايين من الكرات، وتولول وتدوي بأصداء كأصداء الكرات الضِّخام في الفضاء الواسع الشاسع الذي لا حدود له، ويصطدم بعضُها ببعض وترسل الشرارات، وتتطاير الجبال، وتَستَعِر([1]) البحار ويُسوَّى سطح الأرض.
[1])) تستعر البحار: أي: تشتعل نارًا، وتصبح كالسعير.
148. صفحة
وهكذا يرُجُّ([1]) القدير الأزلي الكونَ بهذا الموت وتلك السكرات ويُصفِّي([2]) الكون وتتنحى جهنم وموادها إلى جهة وتذهب الجنة وموادها المناسبة لها إلى جهة أخرى، ويظهر عالم الآخرة.
المسألة الثالثة: إن بعث وإحياء العالم الذي سيموت ممكن؛ لأنه لا نقص في القدرة، أما المقتضي لبعثه وإحيائه فقوي جدًّا، وأما القضية فهي من الممكنات، وإذا كان لقضية ممكنة مقتضٍ قويٌّ جدًّا فإن لم يكن هنالك نقص في قدرة الفاعل فيمكن أن تُعدَّ قضية واقعة، لا قضية ممكنة فحسب.
نكتة ذات رمز:
إذا أُمعن النظر في هذا الكون يظهر ويتراءى فيه عنصران اثنان - كالخير والشر، والحسن والقبح، والنفع والضر، والكمال والنقصان، والضياء والظلمة، والهداية والضلالة، والنور والنار، والإيمان والكفر، والطاعة والعصيان، والخوف والمحبة - قد امتدّا إلى كل الأطراف، وأرسلا جذورهما في كل الجهات، وتتصادم هذه الأضداد في هذا الكون بآثارها وثمارها، وتظهر عليها التغيرات والتبدلات دائمًا، وتتحرك وتدور تروسها لتنتج محاصيل لعالم آخر وكأنها معمل ومصنع.
فلاشك أن الفروع والنتائج المتضادة لهذين العنصرين تمتد وتصل إلى الأبد، وتجتمع وتتراكم هناك، ثم يفترق بعضها عن بعض، ليظهر بعضُها على صورة الجنّة والآخر على صورة جهنّم، فبما أن عالم البقاء سيُصنع وينشَأ عن عالم الفناء هذا؛ فلاشك أن عناصره الأساسية سترحل وتذهب إلى الأبد.
أجل؛ إن الجنة وجهنم ثمرتا غصنٍ متدلٍّ لشجرة الخلقة امتد إلى الأبد، ونتيجتا سلسلة هذه الكائنات، ومخزنا سيل هذه الشئون، وحوضا الموجودات المتموجة الجارية نحو الأبد، وموضعا تجليات اللطف والقهر؛ بحيث يمتلئ هذان الحوضان بمواد مناسبة عندما تَرُجُّ يدُ القدرة الكونَ بحركة عنيفة.
[1])) يَرُجُّ: يَهُزُّ هَزًّا شديدًا.
[2])) يُصَفِّي: يزيل عنه الموادَّ الأجنبية وينقيه.
149. صفحة
سر هذه النكتة ذات الرمز هو أن الحكيم الأزلي قد خلق هذه الدنيا بمقتضى العناية السرمدية، والحكمة الأزلية لتكون محلّ اختبار، وميدان امتحان، ومرآة لأسمائه الحسنى، وصحيفة لقلم قَدَرِه وقدرته.
أما الاختبار والامتحان فهما سبب النشوء والنموّ، وأما ذلك النشوء والنموّ فهما سبب انكشاف الاستعدادات، وأما ذلك الانكشاف فهو سبب لظهور القابليات، وأما ظهور تلك القابليات فهو سبب لظهور الحقائق النسبية، وأما ظهور الحقائق النسبية فهو سبب لإظهار الصانع ذي الجلال نقوش تجليات أسمائه الحسنى، ولتحويله الكون إلى صورة مكتوبات صمدانية.
فبسرّ هذا الامتحان وبسرّ ذلك التكليف تتميز وتتصفى جواهر الأرواح السامية كالألماس من مواد الأرواح السافلة كالفحم.
وحيث إن الصانع ذا الجلال أراد أن يكون هذا العالم على هذه الصورة من أجل ما لا نعلم من حكم كثيرة دقيقة سامية جدًّا مثل هذه الأسرار المذكورة، أراد- أيضًا - تغيُّر هذا العالم وتحوُّله من أجل تلك الحكم، وخلط ومزج الأضداد بعضها ببعض بحكمة من أجل التحول والتغيُّر وجعلها في صراع ومواجهة بعضها مع بعض، وجعل هذا الكون تابعًا لقانون التبدل والتغير ودستور التحول والتكامل مازجًا وخالطًا الأضرار بالمنافع، ومُدخِلاً الشرورَ في الخيرات، وجامعًا القبائح مع المحاسن.
1- ولما انفضَّ مجلس الامتحان.
2- وانتهى زمن الاختبار.
3- وأجرت الأسماء الحسنى حُكمَها.
4- وكتب قلم القدر مكتوباته بتمامها.
5- وأكملت القدرة نقوش صنعتها.
6- وأدت الموجودات وظائفها.
150. صفحة
7- وأنهتْ المخلوقات خدماتها.
8- وعبَّر كل شيء عما يحمله من معنى.
9- وأنبتت الدنيا غراس الآخرة.
10- وأظهرت الأرض وعرضت كل معجزات القدرة للصانع القدير وجميعَ صنعته الخارقة.
11- وعلَّق عالمُ الفناء هذه اللوحات التي ترتسم عليها المناظر السرمدية على شريط الزمن.
حينها اقتضت الحكمة السرمدية للصانع ذي الجلال وعنايته الأزلية حقائق؛
1- كنتائج ذلك الامتحان.
2- ونتائج ذلك الاختبار.
3- وحقائق تجليات تلك الأسماء الحسنى.
4- وحقائق مكتوبات قلم القدر.
5- وأصول نقوش صنعته الشبيهة بالنماذج.
6- وفوائد وظائف الموجودات وغاياتها.
7- وأجور خدمات المخلوقات.
8- وحقائق المعاني التي تفيدها كلمات كتاب الكون.
9- وتسنبل بذور الاستعداد وتفتحها.
10- وفتح محكمة كبرى.
11- وعَرْض المناظر النموذجية التي التُقِطَت من الدنيا.
12- وتمزيق حجاب وستار الأسباب الظاهرية.
13- واستسلام كل شيء لخالقه ذي الجلال مباشرة.
وحيث إن الحكمةَ السرمديةَ للصانع ذي الجلال وعنايتَهُ الأزليةَ اقتضتا تلك الحقائقَ
151. صفحة
المذكورةَ؛ فإنه جل شأنه أراد تصفية تلك الأضداد لإنقاذ الكون من فوضى التغير والفناء والتحول والزوال، ولجعلِه أبديًّا خالدًا، كما أراد تفريق أسباب التغير ومواد الاختلاف، إذن فلاشك أنه سيقيم القيامة ويصفيها من أجل تلك النتائج، وفي نهاية تلك التصفية ستتخذ جهنم صورة أبدية هائلة مروعة مخيفة، وسينال منها أهلها تهديداتِ ﴿وَامْتَٰزُواْ اليَوْمَ أَيُّهَا المُجْرِمُونَ﴾ (سورة يس: ٣٦/٥٩) وتلبس الجنةُ صورةً أبديةً في غاية الروعة والجمال، وسيحظى أهلُها وأصحابُها بخطابِ ﴿سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَٰلِدِينَ﴾ (سورة الزمر: ٣٩/٧٣)
إن الحكيم الأزلي - كما أُثْبِتَ في“السؤال الثاني” من“المقام الأول للكلمة الثامنة والعشرين”- سيمنح بقدرته الكاملة سكان هاتين الدارين جسدًا أبديًّا ثابتًا؛ فلا يتعرضون للاِنْحِلال والتغير والشيخوخة والانقراض؛ لأنه لا توجد هناك أسباب التغير التي تسبب الانقراض.
المسألة الرابعة: إن هذا الأمر “الممكنَ” سيقع فعلاً.
أجل؛ إن الدنيا ستُبْعَثُ كالآخرة بعد موتها، وإن الذي خلقها أول مرة سيعمرها مرة أخرى بصورة أجمل من ذي قبل بعد دمارها، وسيجعلها مَنْزلاً من منازل الآخرة.
والدليل على هذا اتفاق جميع الكتب السماوية وعلى رأسها القرآنُ الكريمُ بجميع آياته التي تتضمن آلافًا من البراهين العقلية، وكذلك صفات الله الجلالية والجمالية وأسماؤه الحسنى تدل على وقوعه دلالة قاطعة، وإنه قد وعد بإيجاد القيامة والحشر في جميع أوامره السماوية التي أرسلها إلى الأنبياء، فبما أنه قد وعد فإنه سينجز وعده.،راجِع “الحقيقة الثامنة” من“الكلمة العاشرة”.
ثم إن هذا الكون يخبر بجميع آياته التكوينية عن وقوعه كما أخبر عنه جميعُ الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين، وعلى رأسهم محمد العربي صلى الله عليه وسلم بقوة ألف معجزة له، متفقين معه على وقوعه.
الحاصل: إن “الكلمة العاشرة” بكل حقائقها و“المقام الثاني من الكلمة الثامنة والعشرين” بكل براهينه المذكورة في رسالة “لاسيما” قد أظهرا إظهارًا قاطعًا - كقطعية
152. صفحة
طلوع الشمس صباحًا بعد غروبها - أن شمس الحقيقة ستشرق بصورة حياة أخروية بعد غروب الحياة الدنيوية.
وقد ذكرنا من البداية إلى الآن مستمدين من اسم “الحكيم” ومستفيدين - من فيض القرآن الكريم - أربعةَ أسسٍ من أجل تهيئة القلب للقبول، والنفسِ للاستسلام، والعقلِ للإقناع.
ومن نحن حتى نتكلّم في هذا الموضوع؟! بل علينا أن ننصت ونستمع إلى ما يقوله مالك هذه الدنيا وخالق هذا الكون ومالك هذه الموجودات، فمن الذي يستطيع أن يتدخل بفضول ويتكلم عندما يتكلّم مالك الملك.
فعلينا أن نستمع إلى ما ألقاه الصانع الحكيم من خطبة أزلية في مسجد الدنيا، ومدرسة الأرض، مخاطبًا صفوف جميع الطوائف القابعة وراء العصور، خطبة تزلزل الكون: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا & وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا & وَقَالَ الإِنسَٰنُ مَا لَهَا & يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا & بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا & يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ & فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ & وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (الزلزلة:١-٨)
والتي تبهج وتفرح جميع المخلوقات وتشوقها كـ﴿وبَشِّرِ الذِّينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِنْ ثَمَرةٍ رِزْقاً قَالوُاْ هَٰذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهًا وَلَهُمْ فِيهۤا أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ (البقرة:٢٥)
وعلينا أن نستمع إلى آلاف الأوامر الصادرة - مثل هذه الآيات المذكورة - عن مالك الملك، ومالك الدنيا والآخرة، ونقول: آمنَّا وصدَّقنا.
سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ
وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.


