المرتبة الأولى من الشعاع الرابع

190. صفحة

الشعاع الرابع

هذا الشعاع في رتبته ومعناه هو "اللمعة الخامسة"، وصورتِه ومقامِه هو "الشعاع الرابع" القيم من "اللمعة الحادية والثلاثين" لـ"المكتوب الواحد والثلاثين"، وهو نكتة مهمة للآية ]حَسْبُنَا اللهُ وَنْعْمَ الوَكِيلُ[.

 

تنبيه:

إن رسائل النور تبدأ غامضةً، ثم بالتدريج تنكشف وتتضح، بخلاف الكتب الأخرى، ولاسيما "المرتبة الأولى" من هذه الرسالة في غاية الدقة والعمق؛ مع أنها حقيقةٌ عظيمة ومهمة جدًّا.

وهذه "المرتبة الأولى" قد ظهرت شفاءً لهمومي وأدوائي المتنوعة العميقة في صورة محاكمةٍ فكرية شعورية مهمة جدًّا، ومعاملةٍ إيمانية في غاية الحيوية، ومحاورة قلبية في غاية الخفاء بصفةٍ خاصة بي، فمن وافقت حالُه حالي ومشاعرُه مشاعري موافقةً تامة يمكن أن يشعر بها شعورًا تامًّا، وإلا فلا يتذوقها كاملة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

]حَسْبُنَا اللهُ وَنْعْمَ الوَكِيلُ[

حينما جرّدني أهل الدنيا من كل شيء وقعت في خمسة أنواع من الغربة، وأُصبت بخمسة أنواع من المرض ناشئة عن بعض الأحزان في وقت الشيخوخة، وبسبب الغفلة الناشئة عن المعاناة والضيق نظرت مباشرةً إلى قلبي وفتشت في روحي من دون النظر إلى الأنوار الباعثة للسلوان والمدد لرسائل النور، فرأيت أنه يهيمن عليّ ويتحكم فيّ عشق قوي جدًّا للبقاء، ومحبة شديدة للوجود، واشتياق كبير للحياة، وعجز غير محدود، وفقر لا منتهى له، إلا أن فناءً رهيبًا يطفئ هذا البقاء، وفيما كنت في هذه الحال قلت كما قال الشاعر المتلهف:

القلب في عشق البقاء متيم وعلى الوجود الحق قد كتب الفتاء

داء عضال قد أصبت به ولم يدر الحكيم الألمعي له دواء


191. صفحة

وطأطأت رأسي في يأس، فإذا بـ]حسبنا الله ونعم الوكيل[ تأتي لنجدتي وإغاثتي قائلة: اقرأني بتأمل وإمعان، فقرأتها خمسمائة مرة في اليوم، وأكتب الآن بإجمالٍ "تسعة أنوار ومراتب" فقط من كثير من أنوارها القيمة المنكشفة لي بعين اليقين، وأحيل تفاصيلها المعروفة قديمًا -بعلم اليقين لا بعين اليقين- إلى رسائل النور.

المرتبة النورية الحسبية الأولى:

إن ما فيّ من عشق البقاء ليس لبقائي أنا بالذات، بل إن في ماهيتي ظلا من ظلال تجلٍّ من تجليات اسم من أسماء الحق تعالى ذي الكمال والجلال الذي هو ذو الكمال المطلق، والمحبوب بالذات، وبلا سبب ولا داعٍ، ومن ثم فإن المحبة الفطرية الكامنة في فطرتي والمتوجهة إلى وجود الكامل المطلق وكماله وبقائه قد كانت ضلت طريقها وتشبثت بالظل وعشقت بقاءَ المرآة بسبب الغفلة؛ فجاءت "حسبنا الله ونعم الوكيل"، ورفعت الستار، فرأيت وشعرت وتذوقت بحق اليقين أن لذة بقائي وسعادته موجودةٌ بعينها وبشكلٍ أفضل في تصديقي وإيماني وإذعاني ويقيني ببقاء الباقي ذي الكمال وبكونه ربي وإلهي؛ ذلك لأن ببقائه سبحانه تتحقق بالنسبة لي حقيقة خالدة؛ إذ إن ماهيتي تصبح ظلا لاسمٍ باقٍ وسرمدي ولا تموت بعدُ أبدًا، بل تستقر بوعيٍ إيماني.

وبهذا الوعي الإيماني -الذي يؤدي إلى معرفة وجود الكمال المطلق وهو المحبوب المطلق- تُشبَع المحبة الذاتية الفطرية الشديدة.

وبهذا الوعي الإيماني الذي يخص بقاء الباقي السرمدي ووجوده تُعرَف كمالات الكائنات وكمالات نوع الإنسان وتُحصَّل، ويتخلص الافتتان الفطري بالكمالات من الآلام غير المحدودة ويتلذذ ويستمتع.

وبهذا الوعي الإيماني يحصل انتسابٌ إلى الباقي السرمدي، وبهذا الانتساب الإيماني تَنتج علاقةٌ مع جميع ملكه تعالى.

وبهذا الوعي الإيماني وهذا الانتساب وهذه العلاقة يكتسب صاحب هذا الوعي الإيماني علاقة مع جميع الموجودات واتصالا معها نوعًا ما، وفي هذه الحالة يحدث له وجودٌ 

192. صفحة

في الدرجة الثانية بأعدادٍ غير محدودة غير وجوده الشخصي وكأنه وجوده من حيث ذلك الوعي الإيماني والانتساب والعلاقة والاتصال، فيُهدَّأ العشق الفطري تجاه الوجود ويسكَّن.

وبهذا الوعي الإيماني والانتساب والعلاقة والارتباط تنشأ لديه أخوةٌ مع جميع أهل الكمال، وعندما يعلم صاحب ذلك الوعي الإيماني في هذه الحالة أن أهل الكمال هؤلاء لا يهلكون ولا يضيعون بوجود الباقي السرمدي وبقائه، يورثه بقاءُ من لا يُعدون من أحبته الذين يرتبط معهم بارتباط التقدير والإعجاب، ودوامُ كمالاتهم؛ ذوقًا ساميًا.

ومن خلال هذا الوعي الإيماني والانتساب والعلاقة والارتباط والأخوة رأيت أني أستطيع أن أشعر في نفسي بسعادةٍ غير محدودة بسعادة جميع أحبائي وأصدقائي الذين أضحي بحياتي وبقائي بكل سرور ورضا من أجل سعادتهم، بل يستطيع كل فردٍ أن يشعر بذلك؛ لأن الصديق الرءوف المشفق يسعد ويتلذذ بسعادة صديقه المخلص، وفي هذه الحالة شعرت من خلال هذا الوعي الإيماني أنه ببقاء الباقي ذي الكمال ووجوده سبحانه أن الأنبياء والأولياء والأصفياء وهم سادتي وأحبابي وفي مقدمتهم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وآله وأصحابه، وسائر أحبابي الذين لا يعدون؛ ينجون كلهم من الإعدام الأبدي، وينالون سعادةً سرمدية، فسعادتهم انعكست بسر هذه العلاقة والارتباط والأخوة والمحبة عليّ، وأسعدتني.

وبهذا الوعي الإيماني تخلصت من الآلام غير المحدودة الناشئة عن الرقة ببني الجنس والشفقة على الأقرباء فشعرت لذةً روحانية غير محدودة؛ إذ شعرت بهذا الوعي الإيماني أن جميع أقربائي نسلا ونسبًا ومعنًى وعلى رأسهم آبائي وأمهاتي الذين أرغب فطرةً أن أفديهم بحياتي وبقائي مع الافتخار من أجل خلاصهم من المخاطر ينجون ببقاء الباقي الحقيقي ووجوده من الهلاك والعدم والإعدام الأبدي ومن الآلام غير المحدودة، وينالون رحمته سبحانه غير المحدودة، وأحسست أن رحمةً غير محدودة ترعاهم وتعتني بهم وتحميهم بدلا من شفقتي الجزئية غير المؤثرة التي هي سبب الغم والألم، ووجدت لذةً وشعرت بسرورٍ وفرح بنجاة جميع من أشفق عليهم وبراحتهم في حماية تلك الرحمة كما تتلذذ الأم بلذة ولدها وذوقه وراحته، وشكرت الله تعالى شكرًا من الأعماق.


193. صفحة

وبهذا الوعي الإيماني وذلك الانتساب الإيماني علمت أن رسائل النور -التي هي نتيجة حياتي وسبب سعادتي ووظيفة فطرتي- تنجو من العدم والعبث ومن الجفاف معنىً، وأنها ستبقى مثمرةً، وشعرت واقتنعت بذلك، وأحسست بلذةٍ معنوية أكثر من تلذذي ببقائي أنا، وشعرت بذلك شعورًا تامًّا؛ لأنني آمنت بأن رسائل النور ببقاء الباقي ذي الكمال ووجوده لا تُنقَش في ذاكرة الناس وقلوبهم بذاتها، بل إذا نالت الرضا الإلهي فإنها سترتسم في اللوح المحفوظ والألواح المحفوظة وتتزين بثمار الثواب، فضلا عن أن كونها موضع مطالعة ذوي الشعور من المخلوقات والروحانيين الذين لا حد لهم ولاسيما وجودها لحظةً واحدة ونيلها النظر الرباني من حيث منسوبيتها إلى القرآن الكريم والقبول النبوي والرضا الإلهي إن شاء الله تعالى؛ أعظم قدرًا ومنزلةً من تقدير جميع أهل الدنيا لها، فأنا مستعد للتضحية بحياتي وبقائي في كل وقتٍ في سبيل بقاء كل رسالة من تلك الرسائل التي تثبت الحقائق الإيمانية، ومن أجل دوامها ونفعها وقبولها، وعلمت أن سعادتي هي في خدمة هذه الرسائل للقرآن الكريم، وأدركت بهذا الانتساب الإيماني أنها في مثل هذه الحال ستنال بالبقاء الإلهي التقديرَ والاستحسان أكثر من مائة درجةٍ من تقدير الناس واستحسانهم لها، وقلت بكل ما أوتيت من قوة: "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ".

وبهذا الوعي الإيماني عرفت أن الإيمان ببقاء ووجود الباقي ذي الجلال الذي يهب البقاء الأبدي والحياة الدائمة، وأن نتائجَه مثل الأعمال الصالحة هي الثمار الباقية لهذه الحياة الفانية ووسائل للبقاء الأبدي، وأقنعت نفسي بترك قشرة هذه الدنيا الفانية لأثمر تلك الثمرات الباقية كالنواة التي تترك قشرها لتكون شجرةً مثمرة، وقلت مع نفسي "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ"، وحسبنا بقاؤه.

وبهذا هذا الوعي الإيماني وانتساب العبودية علمت بعلم اليقين أن ما وراء حجاب التراب يتنور، وأن الطبقة الترابية الثقيلة ترتفع عن الموتى، وأن جوف الأرض الذي يُدخَل فيه عبر باب القبر ليس موضع ظلمات بالعدم، وقلت بكل ما أملك من قوة "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ".


194. صفحة

وبهذا الوعي الإيماني أحسست إحساسًا يقينيًّا وعلمت بعلم اليقين أنه حينما كان يتوجه عشق البقاء القوي الشديد المغروز في فطرتي إلى بقاء الباقي ذي الكمال ووجوده من ناحيتين فإن الأنانية أسدلت الحجاب دون ذلك العشق، فرأيتني كمن طاش عن محبوبه وتحوَّل إلى مجنونٍ تشبث بمرآة المحبوب، وشعرت أن الكمال المطلق المحبوب المعبود بذاته بالفطرة وبلا سبب قد هيمن على ماهيتي بواسطة ظل اسمٍ من أسمائه، فولد ذلك العشق القوي العميق جدًّا، وأن الكمال الذاتي الذي لا يقتضي علةً وسببًا وغرضًا للمحبة غير ذاته بينما كان كافيًا ووافيًا للعبادة، فإنه لما أعطى الثمرات الباقية المذكورة سابقًا التي تستحقّ كلُّ واحدة منها التضحية في سبيلها بآلافٍ من الحياة الدنيوية وآلافٍ من البقاء وليس بحياة واحدة وببقاء واحد، قد عمَّق ذلك العشق الفطري، ولو كان بوسعي لقلت بكل ذرات جسدي "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ"، وحسبي من ذلك تلك النية.

فالوعي الإيماني الذي بحث عن بقائه فوجد البقاء الإلهي، وقد أشرت إلى قسمٍ من ثمراته سابقًا بـ" و، و، و"، قد أورثني لذةً وشوقًا بحيث قلت بكل روحي وقوتي ومن أعماق قلبي مع نفسي: "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ".