حجة الله البالغة
التنقل
102. صفحة
***
103. صفحة
رسالة حجة الله البالغة
القسم الثاني من عصا موسى
عبارة عن إحدى عشرة حجةً إيمانية
مؤلفها
سعيد النورسي
بديع الزمان
1336 هـ
إن هذه الرسالة هي مسوّغ براءتنا القاطع هذه المرة أيضا،
وأحدُّ حجة قاطعة، وأسمى وأقوى برهان باهر، تكسر الكفر المطلق،
ولقد استحسنها خبراء لجنة الحكم في أنقرة كثيرًا.
104. صفحة
الحجة الإيمانية الأولى
من "الآية الكبرى"
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمٰوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44)
مشاهدات سائح يسأل أركان الكون عن خالقها
إن آياتٍ قرآنيةً كثيرة كهذه الآية العظيمة في تعريفها لخالق الكون تَذْكُرُ أولاً السماواتِ التي هي أسطع صحيفة توحيدية يشاهدها الجميع كل وقت بإعجاب شديد ويطالعونها بذوق؛ لذا فمن الأنسب أن يُستَهلَّ بها.
أجل؛ إن كل ضيف يأتي إلى ديار هذه الدنيا ودار ضيافتها كلما يفتح عينيه وينظر؛ يرى مَضِيفًا غايةً في الكرم، ومعرضًا في منتهى الإبداع، ومعسكرًا ومحل تدريبات غاية في الفخامة والهيبة، ومتنزهًا ومناظر غايةً في إثارة الإعجاب والشوق، ومحل تأمل زاخرًا بالمعاني والحكمة.
وبينما هذا الضيف مولع بمعرفة صاحب دار الضيافة الجميلة هذه، ومؤلف
105. صفحة
هذا الكتاب الكبير، وسلطان هذه المملكة المهيبة، إذا بوجه السماء الجميل المكتوب بذهب النور يظهر له أولاً، فيقول له: انظر إليّ، فأنا أخبرك عما تبحث عنه، فينظر هو ويرى حقيقة مركبة من التسخير والتدبير والتدوير والتنظيم والتنظيف والتوظيف المشاهَد ضمن تجلي الربوبية التي تدوِّر بغير عُمُدٍ مئاتِ الآلاف من الأجرام السماوية التي بعضها أكبر من كرتنا الأرضية ألف مرة، ودون أن تُسقِطها، وبعض هذه الأجرام الكبيرة أسرع من القذيفة سبعين مرة، وتسيِّرها معًا بسرعة فائقة من غير اصطدام، وتوقد دوما وباستمرار تلك المصابيح غير المعدودة بلا زيت وبلا انطفاء، وتدير تلك الكتل الضخمة الهائلة جدًّا بدون أي صخب وبدون أي خلل أو فوضى، وتستخدم تلك المخلوقات الكبيرة جدًّا بوظائف كوظائف الشمس والقمر من غير عصيان، وتتصرف في الوقت نفسه، والقوة نفسها، وفي الطريقة نفسها، وختم الفطرة نفسه، والصورة نفسها، معا، وبلا نقصان ضمن بُعد شاسع غير متناهٍ لا تحدُّه أرقام الحساب بين دائرة القطبين، وتُخضِع لإطاعة قوانينها تلك الكتل الضخمة الهائلة التي تحمل قوىً متجاوزةً بلا تجاوز، وتجعل وجه السماء يُنظَّف تنظيفًا متقنًا صافيًا من غير أن تَسمح لقمامات مثل مخلفاتٍ لذلك الازدحام غير المتناهي أن تلوثه، وتُسيِّر تلك الكتل بمناورات وكأنها مناورات جيش منظم.
وتُري مخلوقاتها المشاهِدةَ الأنواعَ الحقيقية والخيالية لتلك المناورات العظيمة في صور مختلفة في كلِّ ليل وفي كل سنة بتدويرها الأرضَ وكأنها شاشات سينما.
فهذه الحقيقة بعظمتها وإحاطتها هذه تشهد بالعيان على وجوب وجود خالق تلك السماوات، وعلى وحدانيته، وعلى أن وجوده أظهر من وجود السماوات.
فبهذا المعنى قد قيل في "المرتبة الأولى" من "المقام الأول": "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ السَّمَاوَاتُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ التَّسْخِيرِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّدْوِيرِ وَالتَّنْظِيمِ وَالتَّوْظِيفِ الوَاسِعَةِ المُكَمَّلَةِ بِالمُشَاهَدَةِ".
106. صفحة
ثم إن الفضاء الذي يقال له جوّ السماء والذي هو محشر العجائب ينادي بصوت عالٍ وبرعده ذلك الضيف السائح الذي أتى إلى الدنيا قائلا: انظر إليّ، إن بإمكانك أن تجد بواسطتي ذلك الذي تبحث عنه بشَغَفٍ، والذي أرسلك إلى هنا، فينظر الضيف السائح إلى وجهه المُكفَهِرّ الرحيم، ويسمع دويه المرعب المبشِّر، ويرى أن السحاب المعلق بين السماء والأرض يسقِي حديقة الأرض سقيًا بمنتهى الحكمة والرحمة، ويأتي إلى أهالي الأرض بماء باعث للحياة، ويلطِّف الحرارة -أي شدة درجة الحرارة- ويسعى لإغاثة كل مكان حسب الحاجة، ومع أداء وظائفَ كثيرة مثل هذه الوظائف؛ فإن السحاب الضخم الذي يملأ الجو فجأة يختفي كظهور واختفاء جيش منظم حسب الأوامر الفورية، وتَخْلُدُ كل أجزائه إلى الراحة، فلا يُرَى له أي أثر، ثم يجتمع في ساعة بل في بضع دقائق، ويملأ الجو فورَ تلقي أمر "هيا إلى العمل!"، وينتظر وكأنه ينتظر أمر قائد.
ثم ينظر ذلك السائح إلى الرياح في الجو، ويرى أن الهواء يُستَخدم في وظائف كثيرة في منتهى الحكمة والكرم، وكأن كل ذرة من الذرات التي لا شعور لها لهذا الهواء الجامد تستمع للأوامر الصادرة عن سلطان الكون وتعرفها، وتنفِّذها بقوة ذلك القائد، وتؤديها بانتظام دون أن تتلكأ في أداء واحد منها، وهي تُستَخدَم من قبل يد غيبية في منتهى الشعور والعلم والرعاية للحياة في وظائف وخدمات كلية كثيرة؛ كمنح النَّفَس لكل نُفوس الأرض، ونقل المواد الضرورية لذوي الحياة كالحرارة والضياء والكهرباء، ونقل الأصوات، والتوسط في تلقيح النباتات.
ثم ينظر إلى المطر، ويرى أن تلك القطرات اللطيفة البرّاقة العذبة التي تُرسَل من العدم ومن خزانة الرحمة الغيبية فيها هدايا ووظائف رحمانية، وكأن الرحمة تنحدر متجسمة من الخزانة الربانية على صورة القطرات، وبهذا المعنى قد أطلق على المطر اسم "الرحمة".
107. صفحة
ثم ينظر إلى البرق ويستمع إلى الرعد، ويرى أنهما يُسْتَخْدمان في خِدْمَاتٍ عجيبة غريبة جدًّا، ثم يَرجِع بصرَه وينظر إلى عقله، ويحدث نفسه فيقول: لا شك أن هذا السحاب المنفوش كالعهن، والذي لا وعيَ له لا يَعْرِفُنا، ولا يسعى من تلقاء نفسه لإغاثتنا رحمة بنا، ولا يظهر ولا يختفي من دون أن يتلقى أمرا، بل يتحرك بأمر قائد قدير ورحيم في منتهى القدرة والرحمة، بحيث يختفي دون أن يترك أثرًا، ويظهر فجأة، ويباشر الأعمال، ويملأ عالم الجوّ ويتلاشى بين الحين والآخر بأمر وقوة سلطان فعّال متعال عظيم جليل له تجليات كثيرة، ويحوِّله دائمًا إلى إلى لوحة محو وإثبات؛ لوحة محو بإعفاء، ولوحة إثبات بحكمة، وإلى صورة الحشر والقيامة، ويركب السحاب متن الرياح بتدبير حاكم مدبر لطيف محسن في منتهى اللطف والإحسان، وكريم ورب في منتهى الكرم والربوبية، ويُركِب معه خزائنَ أمطار كالجبال، فيوصِلها إلى الأماكن المحتاجة، وكأنه يرقّ لها، ويأتيها بدموع باكيًا لحالها، ويُضحِكُها بالأزهار، ويلطِّف شدة لفحة الشمس، ويرش على حدائقها الماء كالرشَّاشةِ، ويغسلُ وجهَ الأرض وينظِّفه.
ثم إن ذلك السائح الشغوف يخاطب عقله قائلا:
"إن هذه الأمور والإحسانات والإغاثات التي تفيض بمئات الآلاف من الحكمة والرحمة والإبداع، والتي تأتي إلى الوجود بالستار والصورة الظاهرية لهذا الهواء الجامد الذي لا حياة له ولا شعور، والذي يتقلَّب دائمًا ولا يستقر، وهو ذو عواصف واضطرابات ولا ثبات له ولا هدف؛ تثبت بالبداهة أنه ليست لهذه الرياح الدائبة والخادم الفعَّال النشط حركةٌ ذاتية، بل هي تتحرك بأمر آمر قدير مطلق وعليم مطلق وحكيم مطلق وكريم مطلق، وكأن كل ذرة من ذراته تعرف كل أمر وعمل، وتفهم كل أمر من أوامر ذلك الآمر وتسمعه، وتستمع إلى كل أمر رباني يصدر في الهواء وتطيعه كالجندي، وإنني أرى أن ذرات الهواء المركبة من مادتين بسيطتين وهما الآزوت ومولد الحموضة والتي تستخدم في تنفس
108. صفحة
جميع الحيوانات وإدامة حياتها، وفي تلقيح النباتات ونموها، وإيصال المواد الضرورية لحياتها، وفي تصريف السحب وإدارتها، وفي سير السفن التي لا وقود لها وسياحتها، وبخاصة في إيصال الأصوات، وبخاصة إيصال المكالمات التي تتم باللاسلكي والبرق والمذياع، فضلا عن هذه الخدمات الكلية العامة، فهي تُستَخدم من قبل يدِ حكمةٍ -مع تشابه بعضها مع بعضها الآخر- بكمال الانتظام في مئات الآلاف من الإبداعات الربانية على وجه الأرض"، ثم يقولُ ويَحْكُمُ يقينًا:
"إذن إن الذي يتصرف في الرياح ويستعملها في أعمال ربانية غير محدودة، والذي يسخِّر السحب ويستخدمها في شئون رحمانية لا حد لها، والذي يوجد الهواء على هذه الصورة إنما هو الرب ذو الجلالِ والإكرامِ، الواجبُ الوجود، والقادرُ على كل شيء، والعالمُ بكل شيء، كما تصرِّحُ الآية ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (البقرة: 164)."
ثم ينظر إلى المطر، ويرى أن في المطر منافعَ بعدد قطراته، وتجلياتٍ رحمانيةً بعدد حباته، وحكمًا بعدد رشحاته، وإن تلك القطرات الحلوة اللطيفة المباركة تُخلَق خلقًا بديعًا ومنتظمًا، وتُرسَل وتنزل بميزان وانتظام البَرَد الذي يأتي في الصيف خاصة، بحيث إن الرياح العاتية التي تتماوجُ بالعواصف، وتجعل الأشياء الكبيرة يصطدم بعضها ببعض لا تخل بتوازنه ولا بانتظامه، ولا تجعل القطرات كتلا مضرة بتجميعها معًا وباصطدام بعضها ببعضها الآخر، فهذا "الماء" المركب من مادتين بسيطتين هما مولد الماء ومولد الحموضة البسيطان الجامدان اللذان لا شعور لهما، واللذان يُستَخدَمان في شئون حكيمة كثيرة كهذه وخاصةً في ذوي الحياة؛ يستخدم في خدمات وصنائع مختلفة لها مئات الآلاف من الحكم والشعور.
فإذن إن هذا المطر وهو عين الرحمة المتجسمة إنما يُصنَع في خزانة الرحمة الغيبية للرحمن الرحيم، وبنزوله يفسرُ آية ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ (الشورى: 28) تفسيرًا ماديًّا.
109. صفحة
ثم يستمع إلى الرعد وينظر إلى البرق، ويرى أن هذين الحادثين الجويين العجيبين مع أنهما يفسران تمامًا تفسيرًا ماديًّا هاتين الآيتين ﴿يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ (الرعد: 13) و﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار﴾ (النور: 43) يخبران أيضًا بقدوم المطر؛ لبشارة المحتاجين.
أجل؛ إنهما يضربان على رأس الإنسان الغافل كالمطرقة بأوضاعهما الحكيمة والغريبة، كإنطاق الجو بدويٍّ هائل بَغْتَةً ومن اللاشيء، ومَلْءِ الجو المظلم بنور ونار شديدين جدا، وإشعالِ السحب العظيمة كالجبال والشبيهة بالقطن والتي هي بمنزلة مضخة البَرَد والثلج والماء، ويذكِّرانه قائلَين: ارفع رأسك، وانظر إلى الشئون البديعة للفعَّال ذي القدرة الذي يريد أن يُعرِّف نفسه، وكما أنك لست متروكًا سائبًا؛ فكذلك لا يمكن أن تكون هذه الحوادث سدىً، فكل واحد منها يساق وراء وظائف حكيمة جدًّا، ويستخدم من قبل مدبر حكيم.
فهذا السائح الشغوف يسمع الشهادة الرفيعة الظاهرة للحقيقة المركبة من تسخير السحاب في هذا الجو، ومن تصريف الرياح، وتنزيل المطر، وتدبير الحوادث الجوية، ويقول: "آمنت بالله".
وتفيد فقرة "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُودِهِ الجَوُّ بِجَمِيعِ مَا فِيهِ بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ التَّسْخِيرِ وَالتَّصْرِيفِ وَالتَّنْزِيلِ الوَاسِعَةِ المُكَمَّلَةِ بِالمُشَاهَدَةِ" في "المرتبة الثانية" من "المقام الأول"؛ مشاهداتِ ذلك السائح المذكورةَ حول الجوِّ.
إخطار: كنت وددت لو أوضحت -نوعًا ما- المراتب التوحيدية الثلاثة والثلاثين المذكورة في المقام الأول، ولكني اضْطُرِرْتُ إلى الاكتفاء ببراهين مختصرة جدًّا وترجمتها فحسب لعدم سماح حالتي ووضعي الراهن بذلك، وقد بُيِّنتْ بعض المراتب من هذه المراتب الثلاثة والثلاثين بأدلتها في كل رسالة من ثلاثين بل من مائة رسالة من رسائل النور بأساليب مختلفة؛ لذا فقد أُحِيلَ تفصيلها إليها.
110. صفحة
ثم تقول الكرة الأرضية بلسان حالها لهذا السائح المتفكر الذي أَلِفَ السياحة الفكرية: لم تَسيِحُ في السماء والفضاء والجوّ؟! أَقْبِلْ لأعرِّفَك بالذي تبحثُ عنه.
فانظر إلى وظائفي التي أقوم بها، واقرأ صحائفي، فينظر هو ويرى أن الأرض تخطّ بحركتيها -كالمولوي المجذوب- حول ميدان الحشر الأعظم دائرةً تتسبب في حدوث الأيام والسنوات والفصول، وهي سفينة ربانية مسخرة عظيمة تضم مائة ألف نوع من ذوي الحياة مع جميع أرزاقها ومستلزماتها، وتسير بها في بحر الفضاء بكمال التوازن والنظام، وتسيح حول الشمس.
ثم ينظر إلى صحائفها، ويرى أن كل صحيفة من أبوابها تعرِّف ربَّ الأرض بآلاف آياتها، ولعدم وجود وقت له لكي يقرأها جميعًا ينظر إلى صحيفة واحدة منها فقط، وهي إيجاد ذوي الحياة في فصل الربيع وإدارتهم، فيشاهد فيها أن صور أفراد لا حد لها لمائة ألف نوع تُفتَح من مادة بسيطة فتحًا في منتهى الانتظام، وتربَّى في منتهى الرحمة، وتُعْطى لبذور بعضها جنيحاتٌ في منتهى الإعجاز وتُنشَر بتطييرها، وتدار في غاية التدبير، وترزق وتطعم بمنتهى الشفقة، وتصل إليها أرزاقها غير المحدودة والمتنوعة اللذيذة الحلوة بمنتهى الرحمة والرزَّاقية من العدم ومن التراب اليابس، ومن الجذور الشبيهة بالعظام والنوى وقطرات الماء المتماثلة التي لا يختلف بعضها عن بعض إلا قليلا، وكل ربيع كأنه عربة قطار تُحمَّل من الخزانة الغيبية بمائة ألف نوع من الأطعمة والاحتياجات الضرورية بكمال الانتظام، وترسَل إلى ذوي الحياة، وإرسال معلبات اللبن المرسلة إلى الصغار ضمن عُلَب الأرزاق خاصة، وإرسالُ المضخات الصغيرة للبن اللذيذ الحلو المعلقة على الصدور الشفوقة لوالداتهم..أقول إنه تُشاهَد ضمن كل ذلك شفقةٌ ورحمة وحكمة بحيث إنها تثبت بالبداهة أنها تجلٍّ من تجليات رحمة الرحمن الرحيم وإحسانه في منتهى الشفقة والتربية.
111. صفحة
الحاصل: لقد فهم السائح أنه كما أن هذه الصحيفة الحياتية للربيع تفسر تفسيرًا ماديًّا في منتهى السطوع آية ﴿فَانْظُرْ إِلىَ آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذٰلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الروم: 50) بإظهارها مائة ألف نموذج ومثال للحشر الأعظم؛ فهذه الآية كذلك تفيد معانيَ هذه الصحيفة بإعجازٍ، وإن الأرض بنسبة كبرها وقوتها تذكر مع جميع صحائفها "لَا إِلٰهَ إِلَّا هُو".
ولأجل التعبير عن تلك المشاهدات بشهادة مختصرة لوجه واحد من عشرين وجهًا لصحيفة واحدة من الصحائف الكبيرة للكرة الأرضية التي تزيد عن عشرين صحيفة؛ ذُكِر في المرتبة الثالثة من المقام الأول في معنى مشاهدات ذلك السائح في صحائف الوجوه الأخرى الآتي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ الأَرْضُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا وماَعَلَيْهَا بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ التَّسْخِيرِ وَالتَّدْبِيرِ وَالفَتَّاحِيَّةِ وَتَوْزِيعِ البُذُورِ وَالمُحَافَظَةِ وَالإِدَارَةِ وَالإِعَاشَةِ لِجَمِيعِ ذَوِي الحَيَاةِ وَالرَّحْمَانِيَّةِ وَالرَّحِيمِيَّةِ العَامَّةِ الشَّامِلَةِ المُكَمَّلَةِ بِالمُشَاهَدَةِ".
ثم إن ذلك السائح المتفكر كلما قرأ صفحة من الصحائف؛ قوي إيمانه الذي هو مفتاح السعادة، وزادت معرفته التي هي مفتاح الترقيات المعنوية، وانكشفت درجة أخرى لحقيقة الإيمان بالله الذي هو أساس جميع الكمالات ومعدنها، وكلما منحت له لذّاتٌ وأذواق معنوية كثيرة -مع أنه استمع إلى الدروس القوية المتقنة للسماء وللجو والأرض- أثارت حبه للاستطلاع بشدة، وحينما كان يردد "هل من مزيد"؛ إذا به يسمع صدى أذكار البحار والأنهار الكبيرة في نشوة وجذبة، وأصواتها الحزينة اللذيذة، وهي تقول بلسان حالها ومقالها، انظر إلينا نحن أيضًا واقرأنا، فينظر هو، ويرى أن البحار المضطربة الهائجة بحيوية دائمًا والتي من طبيعتها التشتُّتُ والانسكاب والاستيلاء؛ تحيط بالأرض ولا تَتَشَتَّتُ ولا تنسكب، ومع أنها تسيَّر مع الأرض في سنة واحدة ضمن دائرةٍ سعتُها خمسةٌ وعشرون ألف سنة بسرعة فائقة؛ فإنها لا تتجاوز حدّها إلى جارتها اليابسة.
112. صفحة
إذن إنها تَسكُن وتَسِير وتُحفَظ بأمر وقوةِ مَنْ له القدرة المطلقة والعظمة المطلقة.
ثم ينظر إلى جوف البحار ويرى إضافة إلى جواهرها الجميلة المزينة المنسقة أن إعاشة آلاف أنواع الحيوانات وإدارتها ومواليدها ووفياتها تجري في انتظام، وأن أرزاقها وأقواتها التي تأتي من الرمل البسيط ومن الماء الأُجاج كاملةٌ؛ بحيث إنها تُثبِت بالبداهة أنها تتم بإدارة وإعاشة القدير ذي الجلال، والرحيم ذي الجمال.
ثم إن ذلك السائح ينظر إلى الأنهار، ويرى أن منافعها ووظائفها ووارداتها ومصباتها تتم بحكمة ورحمة؛ إذ تثبت بالبداهة أن جميع الغدران والينابيع والجداول والأنهار الصغيرة والكبيرة تنبع وتجري من خزانة رحمة الرحمن ذي الجلال والإكرام، حتى إنها تخزن وتصرف تخزينًا وصرفًا فوق المعتاد، حتى رُوِيَ "أن أربعة أنهار تنبع من الجنة"، وهذا معناه أنها لاتنبع إلا من خزانة جنة معنوية ومن فيض منبع غيبي لا ينضب؛ لأنها تجري فوق طاقة الأسباب الظاهرية.
فمثلا: إن النيل المبارك الذي حوَّل صحراء مصر إلى جنة، يجري من جبل يسمى جبل القمر في الجنوب باستمرار ودون أن ينضب وكأنه بحر صغير، فلو جُمِعت مصباته في ستة أشهر على شكل جبل وجمِّدت لكانت أكبر من ذلك الجبل، بينما المكان والمخزن المخصص له من ذلك الجبل لا يبلغ سدسه، أما وارداته فقليلة؛ إذ المطر الذي ينزل قليلاً في تلك المنطقة الحارة والذي لا يذهب إلى المخزن إلا قليلا لكون التراب الظامئ يمتص الماء سريعًا لا يستطيع الحفاظ على التوازن الواسع؛ لذا فالرواية التي تعني أنه ينبع من جنة غيبية فوق العادات الأرضية تفيد حقيقةً حكيمةً ولطيفةً ذات معانٍ غزيرة.
وهكذا رأى السائح شهادة واحدة وحقيقة واحدة للبحار والأنهار من آلاف
113. صفحة
الشهادات والحقائق الواسعة كالبحار، وفهم أن جميعها تذكر بالإجماع "لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ" بقوةٍ بنسبةِ كِبَرِ البحار، وأن البحار تُبرز لهذه الشهادة شهودًا بعدد مخلوقات البحار.
ولقد ذُكِرَ في "المرتبة الرابعة" من "المقام الأول" للتعبير عن معنى شهادة جميع البحار والأنهار بالقصد:
"لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ جَمِيعُ البِحَارِ وَالأَنْهَارِ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ التَّسْخِيرِ وَالمُحَافَظَةِ وَالاِدِّخَارِ وَالإِدَارَةِ الوَاسِعَةِ المُنْتَظمَةِ بِالمُشَاهَدَةِ".
ثم تنادي الجبال والصحارى ذلك السائحَ المستغرقَ في سياحة فكرية، فتقول له: اقرأ صحائفنا نحن أيضًا، فينظر هو، ويرى أن وظائف الجبال الكلية وخدماتها العامة عظيمة وحكيمة إلى حد يحير العقول.
فمثلاً: إن الجبال تبرز من الأرض بأمر رباني ويسكن ببروزها هيجان الأرض وغضبها وحدتها التي تنشأ من انقلابات داخلية في باطن الأرض، والأرض تتنفس بتفجر تلك الجبال ومن خلال منافذها، فتتخلص من الاهتزازات والزلازل المضرة، ولا تفسد راحة سكانها عند دورانها.
إذن كما أن أعمدة السفنِ تُنْصَبُ لوقايتها من الاهتزازات ولحفاظها على توازنها، فكذلك الجبال أوتاد ذات خزائن لسفينة الأرض بهذا المعنى، كما يعلن القرآن المعجز البيان بآيات كثيرة مثل ﴿وَالجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (النبأ: 7)، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ (الحجر: 19)، ﴿وَالجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (النازعات: 32).
فمثلا: إن ما في جوف الجبال من أنواع المنابع والمياه والمعادن والموادّ والأدوية اللازمة لذوي الحياة قد ادُّخر وأُحْضِرَ ووضع بحكمة وتدبير وكرم واحتياط، بحيث إن ذلك السائح يفهم أنها تُثبِت بالبداهة أنها خزائن ومستودعات وخدَّام للقدير الذي لا نهاية لقدرته، والحكيم الذي لا نهاية لحكمته، ويقيس على هاتين الجوهرتين من الوظائف والحكم العظيمة للصحراء والجبال وظائفَها
114. صفحة
وحِكمَها الأخرى، ويرى شهادةَ الجبال والصحارى بجميع حكمها وبخاصة ادخارها للاحتياط، وما تقول من توحيد "لا إله إلا هُو" في قوة الجبال وثباتها وسعة الصحارى وكبرها، ويقول "آمنت بالله".
فللتعبير عن هذا المعنى ذُكر في المرتبة الخامسة من المقام الأول:
"لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ جَمِيعُ الجِبَالِ وَالصَّحَارَى بِجَمِيعِ مَا فِيهَا وَمَا عَلَيْهَا بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الاِدِّخَارِ وَالإِدَارَةِ وَنَشْرِ البُذُورِ وَالمُحَافَظَةِ وَالتَّدابِيرِ الاِحْتِيَاطِيَّةِ الوَاسِعَةِ العَامَّةِ المُنْتَظِمَةِ المُكَمَّلَةِ بِالمُشَاهَدَةِ".
وبينما كان ذلك السائح يتجول في الجبال والصحارى بفكره، انفتح باب عالم الأشجار والنباتات أمام فكره، فناداه إلى الداخل، قائلاً: تَجَوَّلْ في عالمنا واقرأ كتاباتنا أيضًا، فدخل هو ورأى أنه قد شُكِّل مجلس عظيم مزيَّن للتهليل والتوحيد، وحلقة للذكر والشكر، وأدرك من لسان حال جميع أنواع الأشجار والنباتات -وكأنها تذكر معًا وبالإجماع- "لا إله إلا الله"؛ لأنه رأى ثلاث حقائق كبرى كلية تدل وتشهد على أن جميع الأشجار والنباتات المثمرة تشهد مسبحة وتقول "لا إله إلا هُو" معًا بألسنة أوراقها الموزونة الفصيحة، وبكلمات أزاهيرها المزينة الجزلة، وبكلمات ثمراتها المنتظمة البليغة.
أولاها: كما أنه يُحَسُّ في كل منها إنعامٌ وإكرام قصديان بصورة ظاهرة جدًّا؛ فإن معنى وحقيقةَ إحسانٍ وامتنانٍ اختياريين تظهر في مجموعها كذلك كضياء الشمس عند ظهورها.
ثانيتها: يَظهَر واضحًا كالنهار في تلك الأنواع والأفراد التي لا حد لها ما لا يمكن إحالته إلى المصادفة أبدًا من معنى وحقيقةِ تمييز وتفريق قصديٍّ حكيمٍ، وتزيين وتصوير اختياري رحيم، مما يُظهِر أنها آثار ونقوش مُبدِع حكيم.
115. صفحة
ثالثتها: إن ذلك السائح عَرَفَ أن تفتح الصور المتنوعة بمائة ألف نوع، والمختلفة الأنماط والأشكال للمصنوعات التي لا حد لها في غاية الانتظام والميزان والزينة من النوى والبذيرات المحدودة المعدودة المتماثلة البسيطة الجامدة والمختلطة والمتشابهة-تشابُهًا تامًّا أو بفارق طفيف-؛ عرف أن تفتح صور جميع أفراد تلك الأنواع البالغة مائتي ألف نوع بتفريق وانتظام واختلاف وتوازن وحيوية وحكمة وبدون خطأ وسهو؛ هو حقيقة أسطع من الشمس، وعرف أن هناك شواهدَ تثبت تلك الحقيقة بعدد أزهار الربيع وثمراته وأوراقه وموجوداته، فقال "الحمد لله على نعمة الإيمان".
ولقد ذُكِرَ في "المرتبة السادسة" من "المقام الأول" في معنى التعبير عن هذه الحقائق والشهادات المذكورة: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اِجْمَاعُ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الأَشْجَارِ وَالنَّبَاتَاتِ المُسَبِّحَةِ النَّاطِقَةِ بِكَلِمَاتِ أَوْرَاقِهَا المَوْزُونَاتِ الفَصِيحَاتِ وَأَزْهَارِهَا المُزَيَّنَاتِ الجَزِيلَاتِ وَأَثْمَارِهَا المُنْتَظَمَةِ البَلِيغَاتِ بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الإِنْعَامِ وَالإكْرَامِ وَالإِحْسَانِ بِقَصْدِ وَرَحْمَةِ حَقِيقَةِ التَّمْيِيزِ وَالتَّزْيِينِ وَالتَّصْوِيرِ بِإِرَادَةٍ وَحِكْمَةٍ مَعَ قَطْعِيَّةِ دَلَالَةِ حَقِيقَةِ فَتْحِ جَمِيعِ صُوَرِهَا المَوْزُونَاتِ المُزَيَّنَاتِ المُتَبَايِنَةِ المُتَنَوِّعَةِ غَيْرِ المَحْدُودَةِ مِنْ نَوَاتَاتٍ وَحَبَّاتٍ مُتَمَاثِلَةٍ مُتَشَابِهَةٍ مَحْصُورَةٍ مَعْدُودَةٍ".
وبينما ذلك السائح في الأرض، المتطلع الشغوف المستغرق في السياحة الفكرية، الذي يزداد ذوقه وشوقه بالترقي قادمًا من حديقة الربيع، قد أخذ باقة ورد من المعرفة والإيمان كسعة الربيع إذا بباب عالم الحيوانات والطيور ينفتحُ أمام عقله المبصر للحقيقة، وفكره الآلف للمعرفة، فنادته مرحبة به إلى الداخل بمئات الآلاف من الأصوات المختلفة والألسنة المتنوعة، فدخل هو ورأى أن جميع أنواع وطوائف وأمم جميع الحيوانات والطيور قد حولت وجه الأرض إلى ساحة ذكر ومجلس تهليل عظيم، ذاكرةً بالاتفاق بلسان مقالها وحالها "لا إله إلا هُو"، ورأى أن كل واحد منها في ذاته بمنزلة قصيدة ربانية، وكلمة سبحانية،
116. صفحة
وحرف رحماني ذي معان، يَصِفُ صانعه ويحمده ويُثْني عليه، وكأن مشاعر تلك الحيوانات والطيور وقواها وأجهزتها وأعضاءها وآلاتها عباراتٌ منظومة وموزونة، وكلمات منتظمة بديعة، فشاهد "ثلاث حقائق عظيمة محيطة" تدل دلالة قاطعة على أنها تشكر خلاّقها ورزَّاقها بهذه الكلمات وتشهد على وحدانيّته.
أولاها: حقيقة ما لا يمكن نسبته بأي وجه من الوجوه إلى المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة غير الواعية، من الإيجاد الحكيم والإبداع المتقن والخلق والإنشاء باختيار وعلم من العدم، وحقيقة منح الروح والإحياء الذي يدل على تجلي العلم والحكمة والإرادة بعشرين وجهًا، حيث تشهد كبرهان باهر له شهود بعدد ذوي الأرواح على وجوب وجود الحي القيوم وصفاته السبعة ووحدانيته.
ثانيتها: تظهر حقيقة عظيمة قوية مركبة من تمييز المصنوعات غير المحدودة عن بعضها البعض، وتزيينها وتصويرها البديع مع منح كل واحد منها ملامح مزينة، ومقادير موزونة، وصورة متزنة؛ بحيث لا يمكن أن يكون مالك هذا الفعل المحيط الذي يُظْهِرُ بكلِّ الوجوه آلافًا من الخوارق والحكم إلا القادر على كل شيء والعالم بكل شيء، وليس هناك أي إمكان واحتمال آخر.
ثالثتها: إنَّ فتحَ مئات الآلاف من أشكال الصور التي هي معجزة حكمة للحيوانات التي لا حد لها من بيض وبويضات ومن قطرات ماء تسمى نطفة- محصورةً محدودةً متماثلةً أو مختلفةً بفارقٍ طفيفٍ ومتشابهةً نقول: إن فتحَ تلك الصور بانتظام كامل، وموازنة تامة، وبلا خطأ؛ لهو حقيقة ساطعة، حيث تنور تلك الحقيقةَ دلائلُ وحجج بعدد الحيوانات، ورأى السائح أن جميع أنواع الحيوانات تقول معًا "لا إله إلا هو" باتفاق هذه الحقائق الثلاث وتشهد بذلك، وكأن الأرض تقول كإنسان كبير "لا إله إلا هو" بنسبة كِبَرِها، وتسمعه أهل السماوات، هكذا رأى وتَلَقَّى درسًا كاملا.
ولقد ذكر في "المرتبة السابعة" من "المقام الأول" للتعبير عن هذه الحقائق المذكورة:
117. صفحة
"لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اتِّفَاقُ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الحَيْوَانَاتِ وَالطُّيُورِ الحَامِدَاتِ الشَّاهِدَاتِ بِكَلِمَاتِ حَوَاسِّهَا وَقُوَاهَا وَحِسِّيِّاتِهَا وَلَطَائِفِهَا المَوْزُونَاتِ المُنْتَظمَةِ الفَصِيحَاتِ وَبِكَلِمَاتِ جِهَازَاتِهَا وَجَوَارِحِهَا وَأَعْضَائِهَا وَآلَاتِهَا المُكَمَّلَاتِ البَلِيغَاتِ بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الإِيجَادِ وَالصُّنْعِ وَالإِبْدَاعِ بِالإِرَادَةِ وَحَقِيقَةِ التَّمْيِيزِ وَالتَّزْيِينِ بِالقَصْدِ وَحَقِيقَةِ التّقْدِيرِ وَالتَّصْوِيرِ بِالحِكْمَةِ مَعَ قَطْعِيَّةِ دَلَالَةِ حَقِيقَةِ فَتْحِ جَمِيعِ صُوَرِهَا المُنْتَظمَةِ المُتَخَالِفَةِ المُتَنَوِّعَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ مِنْ بَيْضَاتٍ وَقَطَرَاتٍ مُتَمَاثِلَةٍ مُتَشَابِهَةٍ مَحْصُورَةٍ مَعْدُودَةٍ".
ثم إن ذلك السائح المتفكر لما أراد أن يدخل عالم الإنسان ودنيا البشر ليتقدم أكثر فأكثر في المراتب غير المحدودة للمعرفة الإلهية وفي أذواقها وأنوارها اللانهائية، دعاه أولا الأنبياء عليهم السلام إلى عالمهم، فدخل، ونظر أولاً إلى منازل الماضي، فرأى أن جميع الأنبياء والرسل -الذين هم أكثرالبشرنوراً وأكملهم- يذكرون الله معًا قائلين: "لا إله إلاّ هو"، ويدّعون التوحيد بقوة ما لا يحد من معجزاتهم الباهرة المصدقة، ويُدرّسون للبشر بالدعوة إلى الإيمان بالله ليُرَقّيهم من المرتبة الحيوانية إلى درجة الملائكية، فجثا على ركبتيه في تلك المدرسة النورانية، وشاركهم الدرس، ورأى واستطاع أن يدرك كيف أن حقيقةً حكمَ عليها وصدّقها مائة ألف شخص من الجادين الصادقين -بالإجماع والاتفاق- قويةٌ وقطعيةٌ؛ إذ إن بيدِ كل واحد من هؤلاءِ الأساتذة -الذين هم أعظم مشاهير الإنسانية وأشهرهم- معجزاتٍ كعلامة التصديق وُهبت من لدن خالق الكون، وصدّقتها طائفة عظيمة وأمة من البشر، وآمنوا بها بإخبار كل واحد منهم، وفهم كيف أن أهل الضلالة -الذين يُنكرون الحقيقة التي وقّع عليها وأثبتها هذا العددُ من هؤلاء المخبرين الصادقين بهذه القوة بمعجزاتهم غير المحدودة- يرتكبون خطأً وجناية لا حد لهما، ويستحقون عذابًا لا حد له، وعلم كيف أنَّ مَنْ صدّقهم وآمنَ بهم على الحقّ والحقيقة، وظهرت له مرتبة عظيمة أخرى لقدسية الإيمان.
118. صفحة
أجل؛ إن إجماعهم أي إجماع هؤلاء المخبرين الجادّين على المسائل المثبَتة واتفاقهم وتواترهم، وتوافقهم وتساندهم وتطابقهم في الإثبات، فضلا عن المعجزات غير المحدودة من قبل الحق تعالى التي هي في حكم تصديق فعلي للأنبياء عليهم السلام، والصفعات السماوية الكثيرة النازلة على معارضيهم التي تدل على حقانيتهم، وكمالاتهم الشخصية الدالة على أنهم حقّ، وتعاليمهم ذات الحقيقية، وقوة إيمانهم التي تشهد لصدقهم، وجديتهم التامة، وتضحياتهم، وكتبهم وصحفهم القدسية الموجودة بأيديهم، وتلامذتهم غير المحدودين الذين بلغوا باتباعهم الحقيقةَ والكمالات والنور والذين يشهدون لهم بأن طريقهم صحيح وحقّ، لهي حجةٌ وقوةٌ بحيث لا تستطيع أن تقف أمامها أية قوة في الدنيا، ولا تدع مجالاً للشبهة والتردد، وفهم سببَ دخول تصديق جميع الأنبياء ضمن أركان الإيمان، وأن هذا التصديق منبع لقوة عظيم، واستفاض فيضًا إيمانيًا من دروسهم.
وقد ذُكر في "المرتبة الثامنة" من "المقام الأول" ما يفيد معنى الدرس المذكور لهذا السائح، كالآتي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ إِجْمَاعُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ بِقُوَّةِ مُعْجِزَاتِهِمُ الْبَاهِرَةِ الْمُصَدِّقَةِ الْمُصَدَّقَةِ".
ثم إن هذا الطالب السائح الذي تذوق من قوة الإيمان ذوق حقيقة علويا، حينما قَفلَ عائدًا من مجلس الأنبياء عليهم السلام؛ دعاه المحققون المجتهدون المتبحرون من العلماء إلى مدرستهم0 هؤلاء العلماء الذين أثبتوا دعاوى الأنبياء -عليهم السلام- بعلم اليقين بالأدلة القطعية والقوية والذين يطلَق عليهم الأصفياء والصديقون، فدخل ورأى أن آلافًا من العباقرة ومئات الآلاف من المدققين وأهل التحقيق الأجلاء يُثبتون المسائل الإيمانية المثبتة -وفي مقدمتها وجوب الوجود والوحدة- بتدقيقاتهم العميقة التي لا تدع مجالاً للشبهة ولو بمقدار شعرة.
أجل؛ إن اتفاقهم القوي في الأركان الإيمانية وأصولها واستناد كل واحد منهم إلى براهينه الباهرة اليقينية، على الرغم من اختلاف استعداداتهم ومسالكهم؛ لهو
119. صفحة
حجةٌ بحيث لا يستطيع أحد أن يباريهم ويضاهيهم إلاّ إذا كان له ذكاء ودراية بقدر ذكائهم ودرايتهم جميعاً، وإذا كان بإمكانه أن يجد براهين بقدر جميع براهينهم، وإلاّ فهؤلاء المنكرون لا يمكنهم أن يعارضوهم إلاّ بالجهل والإنكار وفيما لا يمكن إثباته من المسائل المنفية بالعناد وإغماض العين، ومن يُغمض عينيه يجعل نهاره ليلاً علی نفسه فقط.
وعلم هذا السائح أن الأنوار التي ينشرها هؤلاء الأساتذة المحترمون المتبحرون في تلك المدرسة الرائعة الواسعة تُنير نصف الكرة الأرضية منذ أكثر من ألف سنة، ووجد قوة معنوية بحيث لو اجتمع جميع أهل الإنكار لما استطاعوا أن يُضلّوه ولا يزعزعوه ولو بمقدار شعرة.
وقد ذكر في "المرتبة التاسعة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما اقتبسه هذا السائح من دروس في تلك المدرسة، ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اتِّفَاقُ جَمِيعِ الأَصْفِيَاءِ بِقُوَّةِ بَرَاهِينِهِم الزَّاهِرَةِ الْمُحَقَّقَةِ الْمُتَّفِقَةِ".
ثم إن ذلك السائح المتأمل المشتاق جدًّا إلى رؤية الأنوار والأذواق التي في ازدياد قوة الإيمان وانجلائه أكثر فأكثر، وفي ترقيته من درجة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، بينما كان يعود من المدرسة؛ دعاه آلاف بل ملايين من المرشدين القُدْسِييِّن الذين سعوا إلى الحقيقة وبلغوا الحق ووصلوا إلى مرتبة عين اليقين تحت ظل الجادَّة المحمدية الكبرى والمعراج الأحمدي -على صاحبهما الصلاة والسلام- في ونُزُلٍ ودار ذكر ومحل إرشاد ودار ضيافة واسعة سعة الصحارى، ذات فيوضات وأنوار تتوسع بتلاحق ما لا يحد من التكايا والزوايا الصغيرة، دَعَوْه إلى زاويتهم فدخل.
ورأى أن هؤلاء المرشدين أهل الكشف والكرامات يُعلنون وجوب الوجود والوحدة الربانية متفقين وبالإجماع وبالاستناد إلى كشفياتهم ومشاهداتهم وكراماتهم قائلين "لا إله إلا هو".
120. صفحة
وشاهد بعين اليقين كم هي ظاهرة وباهرة تلك الحقيقة التي وقَّع عليها بالاجماع والاتفاق هؤلاء الدهاة القدسيون والعارفون النورانيون الموجودون في سبعين لونا، بل في ألوان متنوعة بعدد الأسماء الحسنى التي تتجلى من ضياء الشمس الأزلي وفي ألوان متباينة منوّرة كمعرفة الشمس بالألوان السبعة الموجودة في ضيائها، وفي طرق مختلفة ومسالك صحيحة متعددة ومشارب حقة متنوعة، ورأى أن إجماع الأنبياء -عليهم السلام- واتفاق الأصفياء وتوافق الأولياء واتفاق هذا الإجماع -ثلاثتهم معًا- لهو أسطع من ضياء النهار الذي يدل على الشمس.
وقد ذُكر في المرتبة العاشرة من المقام الأول كإشارة قصيرة إلى ما استفاض هذا المسافر من فيض في التكية، ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ إِجْمَاعُ الأَوْلِيَاءِ بِكَشْفِيَّاتِهِمْ وَكَرَامَاتِهِم الظَّاهِرَةِ الْمُحَقَّقَةِ الْمُصَدَّقَةِ".
ثم إن سائح الدنيا هذا، الذي يعلم أن أهم الكمالات الإنسانية وأعظمها بل منبع جميع الكمالات الإنسانية وأساسها هو محبة الله الناشئة من الإيمان بالله ومعرفة الله، رفع رأسه ونظر إلى السماوات راغبًا في أن يرتقي أكثر فأكثر في قوة الإيمان وانكشاف المعرفة بكل قوته ولطائفه، وخاطب عقله قائلاً: "بما أن أهم وأثمن شيء في الكون هو الحياة، وموجودات الكون مسخرة للحياة، وبما أن أهم وأثمن ذوي الحياة ذوو الأرواح، وأهم وأثمن ذوي الأرواح هم ذوو الشعور، وبما أن الكرة الأرضية لأجل هذه القيمة والأهمية لتكثير ذوي الحياة دائمًا تمتلئ وتخلى كلَّ عصر وكلَّ سنة؛ فلا شك وعلى كل حال أن هناك أهاليَ وسكانًا كذلك لهذه السماوات الرائعة المزينة مناسبين لها من ذوي الحياة وذوي الأرواح وذوي الشعور، بحيث تُنقل وتروى بتواتر منذ القدم أحداثُ رؤية الملائكة والتحدث معهم، كتمثُّل جبرائيل عليه السلام الذي تراءى للصحابة في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم.
إذن فليتني كنت التقيتُ كذلك أهل السماوات وعرفت ما عندهم من الأفكار؛ لأن الكلام الأهم عن خالق الكون كلام هؤلاء".
121. صفحة
وبينما كان يفكر هكذا فإذا به يسمع هاتفًا سماويًّا يقول: "بما أنك تريد مقابلتنا والاستماع إلى دروسنا، فاعلم أننا أول من آمن بالمسائل الإيمانية التي نزلت بواسطتنا على جميع الأنبياء وفي مقدمتهم محمد -عليه الصلاة والسلام- والقرآن المعجز البيان؛ ثم إن الأرواح الطيبة منا التي تتمثل للناس وتتراءى لهم، شهدت -بالاتفاق وبلا استثناء- على وجوب وجود خالق هذا الكون ووَحْدته وصفاتِه القدسيةِ وأَخْبَرَت بها موافقًا ومطابقًا بعضهم بعضًا"، فعلم أنهم يقولون: "إن توافق ما لا يحد من الإخبارات وتطابقها دليل ومرشد لك كالشمس"، وتألَّق نور إيمانه، فارتقى من الأرض إلى السماوات.
وقد ذُكر في "المرتبة الحادية عشرة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما تلقَّاه هذا السائح من دروس من الملائكة، ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اتِّفَاقُ الْمَلَائِكَةِ الْمُتَمَثِّلِينَ لِأَنْظَارِ النَّاسِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مَعَ خَوَاصِّ الْبَشَرِ بِإِخْبَارَاتِهِم الْمُتَطَابِقَةِ الْمُتَوَافِقَةِ".
ثم إن هذا السائح المولع المشتاق جدًّا في عالم الشهادة ولأنه تلقى دروسا من الناحية الجسمانية والمادية من ألسنة الطوائف المعيَّنة ومن ألسنة أحوالها؛ أراد أن يقوم بجولة سياحية للبحث عن الحقيقة في عالم الغيب وعالم البرزخ مع المطالعة.
وإذا به قد انفتح أمامه باب العقول المستقيمة المنوَّرة والقلوب السليمة النورانية التي توجد في كل طائفة من طوائف البشر، والتي هي ثمرة الكون وفي حكم نواة للإنسان والتي تستطيع أن تنبسط -معنىً- وتكبر كبر الكون على الرغم من أنها صغيرة، فرأى أنها برازخ إنسانية بين عالم الغيب وعالم الشهادة، ولأنه رأى أن علاقات هذين العالمين وتعاملهما بالنسبة للإنسان تجري في هاتين النقطتين (أي: العقول والقلوب)؛ خاطب عقلَه وقلبَه قائلاً: "تعاليا، فإن الطريق الموصل إلى الحقيقة من باب أمثالكما لهو أقصر، وعلينا
122. صفحة
أن نستفيد منه لا كما تلقينا من دروس من الألسنة في الطرق الأخرى، بل بمطالعاتنا من أوصافهما التي اتصفا بها وكيفياتهما وألوانهما من حيث الإيمان".
وبدأ المطالعة فرأى أنه تتوافق في الإيمان والتوحيد الاعتقاداتُ بالاتصاف والرسوخ للعقول المستقيمة المنوَّرة التي استعداداتها مختلفة جدًّا ومذاهبها متباينة ومتباعد بعضها عن بعض، وتتطابق أفكارها ويقينياتها الثابتة الصامدة المطمئنة، إذن فهذه العقول قد استندت إلى حقيقة واحدة لا تتبدل وارتبطت بها، وجذورها لا تنفصم؛ إذ دخلت في حقيقة متينة، إذن فإجماعها على الإيمان والوجوب والتوحيد سلسلة نورانية لا تنفصم أبدًا، ونافذة منوّرة تطل على الحقيقة.
ورأى أيضًا أن جميع القلوب السليمة النورانية -التي مسالكها متباعد بعضها عن بعض ومشاربها متباينة- تتوافق فيما بينها -في اتفاق واطمئنان وانجذاب- كشفياتُها ومشاهداتها في أركان الإيمان، ويطابق بعضُها بعضًا في التوحيد، إذن فإن تلك القلوب النورانية المقابلة للحقيقة والواصلة إليها والمتمثلة لها التي هي عرش صغير جدًّا للمعرفة الربانية ومرآة جامعة للصمدانية؛ هي نوافذ تنفتح على شمس الحقيقة، وجميعها معًا مرآة عظيمة مثل بحر يؤدي دور المرآة للشمس، واتفاقها وإجماعها في وجوب واجب الوجود والوحدة دليل أكمل ومرشد أكبر لا يَضلّ ولا يُضِلّ أبدًا؛ لأنه ليس هناك أي إمكان واحتمال بأي وجه من الوجوه لأن يخدع وهمٌ أو فكرٌ لا حقيقة له وصفةٌ لا أصل لها بهذا القدر من الاستمرار والرسوخ جميعَ تلك العيون الكبيرة الحادة معًا، وأن يخدع بصرها.
وفهم السائح أنه حتى السفسطائيون الحمقى الذين ينكرون هذا الكون بعقولهم الفاسدة العفنة والذين يرون هذا في دائرة الإمكان هم كذلك لا يرضون بذلك ويرفضونه، فقال مع عقله وقلبه: "آمنت بالله".
وقد ذُكر في "المرتبة الثالثة عشرة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى المعرفة الإيمانية التي استفادها هذا السائح من العقول المستقيمة
123. صفحة
والقلوب المنورة، ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ إِجْمَاعُ الْعُقُولِ الْمُسْتَقِيمَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِاعْتِقَادَاتِهَا الْمُتَوَافِقَةِ وَبِقَنَاعَاتِهَا وَبِيَقِينَّياتِهَا الْمُتَطَابِقَةِ مَعَ تَخَالُفِ الاِسْتِعْدَادَاتِ وَالْمَذَاهِبِ، وَكَذَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اتِّفَاقُ الْقُلوُبِ السَّلِيمَةِ النُّورَانِيَّةِ بِكَشْفِيَّاتِهَا الْمُتَطَابِقَةِ وَبِمُشَاهَدَاتِهَا الْمُتَوَافِقَةِ مَعَ تَبَايُنِ الْمَسَالِكِ وَالْمَشَارِبِ".
ثم إن هذا السائح الذي نظر إلى عالم الغيب عن قرب، والذي ساح في العقل والقلب، طرق باب عالم الغيب بلهفة وولع، قائلاً في نفسه: "يا ترى ماذا يقول عالم الغيب؟" وهو يحمل فكرة: "بما أنه يُفهَم بالبداهة أن هناك من يريد أن يُعرِّف نفسه بما لا يعد من مصنوعاته المزينة الرائعة في عالم الشهادة الجسماني هذا، ويريد أن يُحبِّب نفسه بما لا نهاية له من نعمه الحلوة المزيَّنة، ويريد أن يُخبر عن كمالاته المخفية بما لا حد له من آثاره المعجزة البديعة، يريد كل ذلك بطريقة أظهر من القول والتكلم؛ أي يريده فعلاً، ويُظهر بلسان الحال أنه موجود وراء ستار الغيب؛ فلا شك أنه يتكلم قولاً وكلامًا كما يتكلم فعلا وحالا، ويعرِّف نفسه ويُحبِّبها، إذن يجب أن نعرفه من ظهوره في عالم الغيب".
قال ذلك ودخل قلبُه في الداخل، فرأى بعين العقل أن حقيقة الوحي تهيمن على كل أرجاء عالم الغيب كل حين بالظهور القوي للغاية، وأن شهادة الوجود والتوحيد أقوى من شهادات الكون، وتأتي من لدن علام الغيوب بحقيقة الوحي والإلهام، ولا يترك نفسه ووجوده ووحدته لشهادة مصنوعاته فحسب، وإنما يتكلم بكلام أزلي يليق به، وهو حاضر وناظر في كل مكان بعلمه وقدرته، ولا حد لكلامه، وكلامه يعرِّفه بصفاته كما يعرِّفه معنى كلامه.
نعم؛ إنه فهم أن تحقق حقيقة الوحي وثبوته بدهي بتواتر مائة ألف من الأنبياء عليهم السلام، وباتفاق إخباراتهم من حيث نيلها الوحيَ الإلهي، وبدلائل
124. صفحة
ومعجزات الكتب المقدسة والصحف السماوية التي هي وحي مشهود وثمرات الوحي، والتي هي مصدّقة من قبل الأكثرية المطلقة من البشر ومرشدهم وقدوتهم، وفهم أن حقيقة الوحي تُفيد خمس حقائق قدسية وتُفيضها
أولاها: "التنزلات الإلهية إلى عقول البشر": أي الكلام حسب عقول البشر وأفهامهم تنزل إلهي.
أجل؛ إن الذي يُنطق كل مخلوقاته من ذوي الأرواح ويَعلم كلامهم، لا شك أن من مقتضى ربوبيته تدخُّله بكلامه في كلامهم.
ثانيتها: إن الذي خلق الكون بما لا حد له من مصروفات، وملأه من أقصاه إلى أدناه بصنائع بديعة ليُعرِّف نفسه، وأنطقها بكمالاته بآلاف من الألسنة، لا شك أنه سيعرِّف نفسه بكلامه أيضا.
ثالثتها: كما أنه يستجيب فعلاً لمناجاة وشكر الناس الحقيقيين الذين هم خير الموجودات وأحوجهم وألطفهم وأرقهم وأكثرهم اشتياقًا؛ فكذلك استجابته بكلامه من شأن الخالقية.
رابعتها: إنه لا شك أن صفة المكالمة التي هي لازمة ضرورية للعلم والحياة ومظهرهما المنوَّر؛ توجد بصورة محيطة وسرمدية فيمن له علم محيط وحياة سرمدية.
خامستها: إن الذي منح العجز والاشتياق والفقر والاحتياج والقلق على المستقبل والمحبة والعبودية لمخلوقاته المحبوبين الذين هم أكثر المخلوقات لطافة ومحبة وقلقًا واحتياجًا إلى نقطة استناد واشتياقًا إلى أن يجدوا صاحبهم ومالكهم، والذين هم فقراء وعاجزون؛ لا شك أن إشعاره إياهم بوجوده بتكلمه لهو من مقتضى الألوهية.
125. صفحة
ففهم السائح أن دلالة الوحي السماوي العام الذي يتضمّن حقائق التنزل الإلهي والتعرّف الرباني والمقابلة الرحمانية والمكالمة السبحانية والإشعار الصمداني على وجود واجب الوجود ووحدته بالإجماع؛ لهي حجة قوية أقوى من شهادة شعاعات الشمس في رابعة النهار على الشمس نفسها.
ثم نظر إلى ناحية الإلهامات فرأى أن الإلهامات الصادقة نوع من المكالمة الربانية، فهي وإن كانت تشبه الوحي من جهة؛ فإن هناك فَرْقَين اثنين بينهما.
أولهما: معظم الوحي -الذي هو أسمى من الإلهام- يحصل بواسطة الملائكة، ومعظم الإلهامات تحصل بدون واسطة.
فمثلاً: كما أن لسلطانٍ نوعين من المكالمات وإصدار الأوامر؛ أحدهما: إرساله نائبه إلى أحد ولاته بحيثية عظمة السلطنة والحاكمية العامة، وأحيانًا يجتمع بواسطةٍ لإظهار عظمة تلك الحاكمية وأهمية الأمر، فيبلغ الفرمان.
وثانيهما: أن يتكلم بهاتفه الخاص مع أحد خدمه الخاصين الذين له علاقة خاصة بهم وصلة جزئية معهم، أو مع واحد من عموم رعيته، ليس بعنوان السلطنة وباسم الملكية العامة، وإنما بشخصيته هو؛ فبالمثل كما أن للسلطان الأزلي مكالمةً بالوحي وبالإلهامات الشاملة التي تقوم بمهمة الوحي باسمه رب العالمين وبعنوانه خالق الكون؛ فكذلك له نوع من المكالمات بصورة خاصة، ولكن وراء ستار حسب قابلية كل واحد منهم، من حيث إنه خالق ورب كل فرد وكل ذي حياة.
الفرق الثاني: إن الوحي لا ظل له، وإنه صافٍ وخاصّ للخواص، وأما الإلهام فله ظلال، تختلط به الألوان، وعام، وله أنواع كثيرة متنوعة كإلهام الملائكة وإلهام الناس وإلهام الحيوانات، ويهيِّء مناسبة لتكثير الكلمات الربانية بعدد قطرات البحار، ففهم -هذا السائح- أنه يفسِّر وجهًا من تفسير الآية ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (الكهف: 109).
ثم نظر إلى ماهية الإلهام وحكمته وشهادته، فرأى أن ماهيته وحكمته ونتيجته تتكون من أربعة أنوار:
126. صفحة
أولها: كما أنه يحبِّب نفسه فعلاً إلى مخلوقاته بما يسمى بالتودُّد الإلهي؛ فكذلك تحبيبه قولاً وحضورًا وصحبةً من مقتضى الودودية والرحمانية.
ثانيها: كما أنه يستجيب فعلاً دعاءَ عباده، فاستجابته أيضا بالقول وراء الحجب من شأن الرحيمية.
ثالثها: كما أنه يُمدّ فعلاً استمدادَ مخلوقاته الذين نزلت بهم البلايا الشديدة ووقعوا في ظروف قاسية؛ واستغاثتَهم وتضرَّعَهم؛ فكذلك إمداده بالأقوال الإلهامية التي هي كنوع من تكلمه، من لوازم الربوبية.
رابعها: كما أنه يُشعر ذوي الشعور من مصنوعاته العجزة للغاية والضعفاء والفقراء وذوي الاحتياج والمحتاجين جدًّا، والمشتاقين إلى البحث عن مالكهم وحاميهم ومدبرهم وحافظهم بوجوده وحضوره وحمايته فعلاً؛ كذلك فإن إشعاره -قولاً- مخلوقًا خاصًا من وراء حجب بعض الإلهامات الصادقة التي هي في حكم نوع من أنواع المكالمات الربانية، بحضوره ووجوده بوجه خاص وحسب قابليته وبهاتف قلبه؛ لَضَروريٌّ وواجب ومقتضى من مقتضيات شفقة الألوهية ورحمة الربوبية، وهكذا فهم السائح.
ثم نظر إلى شهادة الإلهام، فرأى أنه كما لو كان للشمس شعور وحياة -بفرض المحال- ولو كانت ألوانها السبعة في ضيائها سبعَ صفات لها، لكان لها -من هذه الجهة- نوع من التكلم مع الشعاعات والتجليات الموجودة في ضوئها، وفي هذا الوضع، كان سيشاهَد وجود مثالها وعكسها في الأشياء الشفافة، وتكلمها في كل من المرايا وفي الأشياء اللامعة وفي قطع الزجاج وفي الحباب والقطرات وحتى في الذرات الشفافة حسب قابلية كل واحد منها، واستجابتها حاجاتِهم، وشهادة كل منها على وجود الشمس، وعدم منع أمر أمرًا آخر، وعدم تشويش تكلمه تكلمًا آخر.
127. صفحة
وكما في هذا المثال تماما يُفهم بالبداهة أن مكالمة الشمسِ السرمديِّ الذي هو سلطانُ الأزلِ والأبدِ ذو الجلال وخالقُ كل الموجودات ذو الشأن والجمال، تتجلى كليًّا ومحيطة كعلمه وقدرته حسب قابلية كل شيء، ولا يمنع سؤال سؤالاً، ولا عمل عملاً، ولا خطاب خطابًا، ولا يشوش عليه، فعلم السائح علم اليقين -أقرب ما يكون إلى عين اليقين- أن جميع تلك التجليات والمكالمات والإلهامات تشهد وتدل واحدة فواحدة -ومعًا وبالاتفاق- على حضور الشمس الأزلي ووجوب وجوده ووحدته وأحديَّته، وقد ذُكر في "المرتبة الرابعة عشرة" و"الخامسة عشرة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما أخذه هذا السائح المتلهف من درس المعرفة من عالم الغيب، ما يلي:
"لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ إِجْمَاعُ جَمِيعِ الْوَحْيَاتِ الْحَقَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلتَّنَزُّلَاتِ الإِلَهِيَّةِ، وَلِلْمُكَالَمَاتِ السُّبْحَانِيَّةِ، وَلِلتَّعَرُّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَلِلْمُقَابَلَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ، عِنْدَ مُنَاجَاةِ عِبَادِهِ، وَلِلإِشْعَارَاتِ الصَّمَدَانِيَّةِ لِوُجُودِهِ لِمَخْلُوقَاتِهِ، وَكَذَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اتِّفَاقُ الإِلْهَامَاتِ الصَّادِقَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلتَّوَدُّدَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلِلإِجَابَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ لِدَعَوَاتِ مَخْلوُقَاتِهِ، وَلِلإِمْدَادَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ لِاسْتِغَاثَاتِ عِبَادِهِ، وَلِلْإِحْسَاسَاتِ السُّبْحَانِيَّةِ لِوُجُودِهِ لِمَصْنُوعَاتِهِ".
ثم إن سائح الدنيا هذا، خاطب عقله قائلاً: "بما أنني أبحث عن مالكي وخالقي بموجودات هذا الكون، فلا شك أنه يجب علينا أولاً وقبل أىّ شيء أن نذهب معًا إلى عصر السعادة لزيارة محمد العربي -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أشهر هذه الموجودات وأكملها حتى بتصديق أعدائه، وأعظم قائد وأشهر حاكم لها، وأسماها كلامًا وأسطعها عقلاً، والذي أنار أربعة عشر قرنًا بفضائله وقرآنه، حتى نسأله عمَّا نبحث عنه"، فدخل بعقله هذا العصر، ورأى أن ذلك العصر أصبح -حقًّا- عصر سعادة البشر بهذه الشخصية على صاحبها الصلاة والسلام؛ إذ إنه جعل في وقت وجيز أشد الأقوام بداوة وأمّية أساتذة وحكامًا للدنيا بالنور الذي
128. صفحة
أتى به، ثم بدأ التحري قائلاً لعقله:"إن علينا أولاً وقبل أىّ شيء أن نعلم قدروقيمة ذلك الرسول الكريم الخارق الفذ -عليه الصلاة والسلام- وحقانية أقواله، وصدق إخباراته إلى حد ما، ثم نسأله عن خالقنا"، وسيشار هنا إشارة قصيرة إلى "تسعة أدلة كلية" فقط من الأدلة القاطعة غير المحدودة التي وجدها.
أولها: وجود جميع السجايا الحسنة والخصال الحميدة في هذه الشخصية حتى بتصديق أعدائه، وظهور مئات من المعجزات على يده والتي نقلت نقلا قاطعا، وقسم منها بتواتر، كانشقاق القمر بإشارة أصبعه بصراحة آية ﴿وَانْشَقَّ القَمَرُ﴾، وفرار جنود أعدائه بدخول قليل من التراب الذي رماه عليهم بقبضته في أعينهم جميعا بصراحة آية ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾، وسقيه الماء الذي جرى كالكوثر من بين أصابعه الخمسة لجميع جنوده العطشى إلى حد الارتواء.
ولقد بينت أكثر من ثلاثمائة من هذه المعجزات مع أدلتها القاطعة في "رسالة المعجزات الأحمدية" الخارقة ذات الكرامة التي هي "المكتوب التاسع عشر"، لذا أحالها السائح إليها، وقال: إن هذا الشخص الذي له معجزات باهرة إلى هذا الحد بالإضافة إلى هذا القدر من هذه الأخلاق الحسنة والكمالات لا بد أنه صاحب أصدق حديث، ولا بد أنه يترفع عن الحيلة والكذب والخداع الذى هو من شأن فاسدي الأخلاق.
ثانيها: كونه يحمل بيده فرمان مالك هذا الكون الذي يقبله ويصدقه في كل عصر أكثر من ثلاثمائة مليون إنسان، وكون القرآن العظيم الشأن الذي هو ذلك الفرمان معجزًا من سبعة أوجه.
ولقد بين بتفصيل في "رسالة المعجزات القرآنية" أي "الكلمة الخامسة والعشرين" وهي رسالة مشهورة وشمس من شموس رسائل النور، بُيِّنَ فيها مع أدلتها القوية أن القرآن معجز من أربعين وجهًا، وأنه كلام خالق الكون، لذا أحاله هذا السائح إليها فقال: إنه لا يمكن أن يصدر من هذا الشخص -الذي هو ترجمان
129. صفحة
هذا الفرمان والمبلغ له وهو الحق عينه والحقيقة ذاتها- الكذبُ الذي يعني الجناية على هذا الفرمان والخيانة لصاحبه.
ثالثها: إنه عليه الصلاة والسلام قد ظهر بشريعة وإسلام وعبودية ودعاء وإيمان ودعوة لا مثيل لها، ولا يمكن أن يكون لها مثيل أصلا، ولم يوجد أفضل منها ولن يوجد؛ لأن تلك الشريعة التي ظهرت من شخص أمي عليه الصلاة والسلام أدارت أربعة عشر قرنًا من الزمن وخمس البشرية بالعدل والحق وبقوانينها الدقيقة التي لا حد لها؛ لا تقبل المثيل.
ثم إن الإسلام الذي ظهر من أفعال وأقوال وأحوال رجل أمي عليه الصلاة والسلام، باعتباره دليلا هاديا ومرجعا لثلاثمائة وخمسين مليونا من البشر في كل عصر، ومرشدا ومعلما لعقولهم، ومنورا ومصفّيا لقلوبهم، ومربّيا ومزكّيا لنفوسهم، ومدار انكشاف لأرواحهم، ومعدنا لترقياتها، لم يكن له مثيل ولن يكون.
ثم إن تفوقه وسبْقه الجميع في جميع أنواع جميع العبادات التي في دينه، وكونه أتقى من كل أحد، وأخشاهم لله، ومراعاته لأدق أسرار العبودية رعاية تامّة في خضم المجاهدات المتواصلة التي لا مثيل لها والظروف المضطربة القاسية، وقيامه بكل ذلك من عنده هو بدون أن يقلد أحدا وعلى أكمل وجه، وربطه بين المبدأ والمنتهى لا يمكن أن يكون له مثيل، ولن يكون.
ثم إنه يصف ربه بمعرفة ربانية في "الجوشن الكبير" الذي هو واحد من آلاف أدعيته ومناجاته، وصفاً بحيث لم يستطع أهل المعرفة وأهل الولاية الذين جاءوا ومضوا منذ ذلك الزمن أن يبلغوا مع تلاحق الأفكار لا إلى تلك المرتبة من المعرفة ولا إلى تلك الدرجة من الوصف، مما يدل على أنه لا مثيل له كذلك في الدعاء، فمن ينظر إلى الموضع الذي بُيِّنت فيه ترجمة مختصرة لمعاني فقرة واحدة من تسع وتسعين فقرة للجوشن الكبير في بداية رسالة المناجاة، فسيقول "لا مثيل للجوشن أيضًا".
130. صفحة
ثم إنه قد أبدى متانة وثباتًا وجسارة في تبليغ الرسالة وفي دعوة الناس إلى الحقّ، بحيث إن عدم إبدائه أي أثر للتردد والقلق والخوف، وتحديه وحده للعالم بأسره واستطاعته مواجهة العالم بمفرده، وجَعْله الإسلام يحكم العالم، على الرغم من عداوة الدول الكبرى والأديان العظمى بل حتى عداوة قومه وقبيلته وعمه عداوة شديدة؛ كل ذلك ليثبت أنه لم يكن له مثيل أيضًا في التبليغ والدعوة ولن يكون.
ثم إنه قد حمل في الإيمان قوة فائقة ويقينًا خارقًا وانكشافًا معجزًا واعتقادًا عاليًا نوّر العالم، بحيث إن عدم إيراث جميع الأفكار والعقائد وحِكم الحكماء وعلم الرؤساء الروحانيين السائدة في ذلك الزمان أية شبهة وأي تردد وأي ضعف وأية وسوسة لا في يقينه ولا في اعتقاده ولا في اعتماده ولا في اطمئنانه؛ على الرغم من معارضتها ومخالفتها وإنكارها له، وإن استفاضة جميع أهل الولاية -وعلى رأسهم الصحابة- الذين ترقَّوا في المعنويات وفي المراتب الإيمانية من مرتبة إيمانه في كل وقت، ورؤيتهم له في أعلى الدرجات؛ كل ذلك يدل بداهة على أنه لا مثيل لإيمانه كذلك.
وقد فهم السائح أنه لا شك أن صاحب شريعة كهذه لا مثيل لها، وإسلام لا نظير له، وعبودية خارقة، ودعاء لا مثيل له، ودعوة شاملة أذهلت الكونَ، وإيمان معجز لا يمكن أن يكون عنده كذب قطّ، ولا يمكن أن يَخْدَعَ، فَهِمَ هذا وصدَّقه عقله.
رابعها: فكما أن إجماع الأنبياء عليهم السلام دليل قوي جدًّا على وجود الله ووحدانيته جل وعلا؛ فهو أيضا شهادة مُحكمة ثابتة راسخة جدًّا على صدق هذه الشخصية -عليه الصلاة والسلام- ورسالتها؛ لأن كل ما هو مدار لصدق الأنبياء -عليهم السلام- ونبوتهم من صفات قدسية ومعجزات ووظائف؛ يوجدُ فيه -عليه
131. صفحة
الصلاة والسلام- على أكمل وجه، وهذا مصدق تاريخيا، بمعنى أن هؤلاء الأنبياء -عليهم السلام- قد أخبروا بمجيئه بلسان مقالهم في التوراة والإنجيل والزبور، وفي صحفهم، وبشروا الناس به، وقد بُيِّن وأثبت بوضوح أكثر من عشرين قسمًا من أكثر الأقسام وضوحا من الإشارات المبشرة للكتب المقدسة في "المكتوب التاسع عشر"، فهم كذلك يصدقون بلسان حالهم -أي بنبوتهم ومعجزاتهم- ذلك الشخص -عليه الصلاة والسلام- الذي هو متقدم أكثر من الكل، والأكمل في مسلكهم ووظيفتهم، ويؤيدون دعواه، وكما أنهم يدلون على الوحدانية بلسان المقال والإجماع؛ فكذلك يشهدون على صادقيته بلسان الحال وبالاتفاق، وقد أدرك السائح ذلك.
خامسها: كما أن آلافًا من الأولياء الذين وصلوا إلى الحق والحقيقة والكمالات والكرامات والكشفيات والمشاهدات بدساتير هذه الشخصية -على صاحبها الصلاة والسلام- وتربيتها واتباعها واقتدائها يدلون على الوحدانية؛ فإنهم يشهدون كذلك بالإجماع والاتفاق على صادقية ورسالة هذا الرسول -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أستاذهم ومرشدهم.
وقد رأى هذا السائح أن مشاهدةَ الأولياء بنور الولاية بعضًا مما أخبر به هذا الرسول الكريم من عالم الغيب، واعتقادهم وتصديقهم بجميعها بنور الإيمان بعلم اليقين أو بعين اليقين أو بحق اليقين؛ يدل كالشمس على مدى حقانية وصادقية هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أستاذهم ومرشدهم.
سادسها: كما أن ملايين المدققين الأصفياء والمحققين الصديقين والحكماء المؤمنين الأذكياء الذين وصلوا إلى أعلى مقام في المرتبة العلمية بتعلم ودراسة الحقائق القدسية التي أتى بها هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- والعلوم العالية التي اخترعها، والمعرفة الإلهية التي كشفها مع أنه أمي، يثبتون الوحدانية التي هي أس الأساس لدعوى ذلكم الرسول -عليه الصلاة والسلام- ببراهينهم
132. صفحة
القوية، ويصدقونها بالاتفاق؛ فإن شهادتهم متفقين على حقانية هذا المعلم الأكبر والأستاذ الأعظم وعلى أن كلامه حقيقة؛ لحجةٌ لرسالته وصادقيته كوضح النهار، وإن رسائل النور مثلا بأجزائها المائة برهان واحد على صدقه.
سابعها: وقد أدرك السائح أن تصديق الطائفة العظيمة التي تسمى "الآل والأصحاب" -رضي الله عنهم- وهم أشهر بني البشر بعد الأنبياء -عليهم السلام- في الفراسة والدراية والكمالات، وأجدرهم بالاحترام، وأكثرهم شهرة، وأكثرهم تمسكًا بالدين، وأبعدهم نظرا؛ نقول أدرك أن تصديقهم الذي لا يتزعزع وإيمانهم القوي بالاتفاق والإجماع على أن هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- أصدق الناس في الدنيا، وأسماهم، وأكثرهم امتلاكًا للحق والحقيقة نتيجة تحريهم وتفتيشهم وتدقيقهم بكمال الشغف والشوق، وبمنتهى الدقة ونهاية الجد لجميع أحوال هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- وأفكاره وتصرفاته، ما ظهر منها وما بطن؛ لدليل كالنهار الذي يدل على ضياء الشمس.
ثامنها: كما أن هذا الكون يدل على صانعه وكاتبه ونقّاشه الذي أوجده ويديره وينظمه، ويتصرف فيه بالتصوير والتقدير والتدبير وكأنه قصر أو كتاب أو معرض أو متنزه ومنظر جميل؛ كذلك فلا شك أنه يتطلب ويقتضي ويدل في كل الأحوال على وجود داعٍ عظيم، وكشَّاف صادق، وأستاذ محقق، ومعلم صادق يعْلم المقاصد الإلهية في خلق الكون ويعلِّمها، ويُعلِّم الحكم الربانية في تحولاته، ويدرّس النتائج التي في حركاته الوظيفية، ويعلن قيمة ماهيته وكمالات ما فيه من الموجودات، ويعبر عن معاني ذلك الكتاب الكبير، وقد علم السائح أنه لا شك في أن الكون بمقتضى ما ذكر يشهد على صدق هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أفضل من أدّى كل هذه الوظائف، وأنه أعظم موظف مأمور صادق لخالق الكون.
133. صفحة
تاسعها: بما أن هناك وراء الحجاب من يريد أن يعرض مهاراته بمصنوعاته البديعة الحكيمة، وكمالات إبداعه، ويريد أن يعرف نفسه ويحببها بمخلوقاته الجميلة المزينة، ويريد بهذه النعم غير المحدودة اللذيذة الثمينة أن يجعل عباده يشكرونه ويحمدونه، وأن يجعلهم يعبدونه مقابل ربوبيته عبادة ملؤها الامتنان والشكر والعبودية بالتربية والإعاشة العامة ذات الشفقة والحماية، بل حتى بأطعمة وبمآدب ربانية أُعِدَّت إعدادا يُطَمْئِنُ ويُشْبِعُ أدقَّ أذواق الأفواه، وجميع أنواع الاشتهاء، وأن يجعلهم يؤمنون ويستسلمون وينقادون لألوهيته مُظهِرًا ألوهيته بتصرفات وإجراءات عظيمة مهيبة، وبفعالية وخلاقية مذهلة حكيمة كتبدل الفصول وتكوير الليل والنهار واختلافهما، ويريد كل وقت أن يظهر عدالته، ويحق الحق بحمايته الخير والأخيار، وإزالته الشر والأشرار، وإهلاك الظالمين والمكذبين بصفعات سماوية كل وقت؛ فلا شك وفي كل الأحوال أن أحب مخلوق لدى ذلك المتستر بالغيب، وأصدق عبد له، ومن يحلّ ويكشف طلسم خلق الكون ومعمّاه بقيامه بخدمة مقاصده المذكورة خدمة تامّة، ومن يتحرك باسم ذلك الخالق دومًا، ومن يستمد منه العون ويطلب التوفيق منه، ومن ينال الإمداد والتوفيق فعلا سيكون هذا الرسول الكريم، محمدًا القرشي عليه الصلاة والسلام.
ثم خاطب السائح عقله قائلاً: بما أن هذه الحقائق التسع المذكورة تشهد على صدق هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام؛ فلا شك أنه -عليه الصلاة والسلام- مدار شرف لبني آدم، ومدار افتخار لهذا العالم، وحقيق بأن يطلق عليه فخر العالم، وشرف بني آدم، ولا شك في أن هيمنة عظمة السلطنة المعنوية للقرآن المعجز البيان -الذي بيده وهو فرمان الرحمن- على نصف الأرض وكمالاته الشخصية وخصاله العالية؛ لتدل على أن أهم شخصية في هذا العالم شخصيته هو -عليه الصلاة والسلام- وأن أهمّ قول في حق خالقنا هو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
134. صفحة
فتعال الآن وانظر، إن أساس جميع دعاوى هذه الشخصية الخارقة -عليه الصلاة والسلام- وغاية جميع حياتها استنادًا إلى قوة مئات من معجزاتها القاطعة الظاهرة الباهرة، وإلى آلاف من حقائقها العالية الراسخة في دينه لهو الدلالة والشهادة على وجود الواجب الوجود ووحدانيته وصفاته وأسمائه، وإثبات وجود الواجب الوجود والإعلان عنه والإعلام به.
إذن إن الشمس المعنوية لهذا الكون، والبرهان النير لخالقنا هو ذلكم الرسول عليه الصلاة والسلام، حبيب الله، حيث هنالك ثلاثة أنواع عظيمة للإجماع لا تخدع ولا تنخدع تؤيد شهادته وتصدقها وتوقِّع عليها:
أولها: تصديق جماعة نورانية -بالإجماع- اشتهرت بآل محمد -عليه الصلاة والسلام- في العالم، والتي تضم آلافًا من الأقطاب والأولياء العظام الذين لهم أبصار حادة، وأنظار نافذة تطلع على الغيب؛ كالإمام علي رضي الله عنه الذي قال: "لو كشف الغيب ما ازددت يقينًا"، وكالغوث الأعظم -قدس سره- الذي كان يشاهد -وهو على الأرض- العرشَ الأعظم، وعظمة تَمثَال إسرافيل عليه السلام.
ثانيها: تصديق الجماعة المشهورة في العالمين الذين يطلق عليهم "الصحابة" متفقين مع الإيمان القوي الذي جعلهم يضحون بأنفسهم وأموالهم وآبائهم وعشيرتهم، هذه الجماعة التي كانت قومًا بدوًا يسكنون في بيئة أمية، وبعيدًا عن الحياة الاجتماعية، وخالين من الأفكار السياسية، ليس لهم كتاب، ويعيشون في ظلمات عصر الفترة، والذين أصبحوا في زمن قصير جدًّا أساتذة ومرشدين وساسة وحكامًا عادلين لأكثر الأمم والحكومات حضارة وعلمًا، وأرقاها في الحياة الاجتماعية والسياسية، والذين أداروا العالم من الشرق إلى الغرب إدارة أعجبت العالم.
135. صفحة
ثالثها: تصديق الجماعة العظمى ممن لا يعد من العلماء المحققين المتبحرين الذين نشأوا في أمته، والذين لهم آلاف الأفراد في كل عصر، والذين تقدموا في كل علم بعبقرية، ويعملون في مجالات مختلفة، تصديقهم بالتوافق وبدرجة علم اليقين.
فحكم السائح أن شهادة هذه الشخصية -على صاحبها الصلاة والسلام- على الوحدانية ليست شهادة شخصية وجزئية، بل هي شهادة عامة وكلية لا تتزعزع، ولا تستطيع الشياطين أن تخرج لمجابهتها أبدًا ولو اجتمعوا عليها.
ولقد ذكر في "المرتبة السادسة عشرة" من "المقام الأول" إشارة قصيرة إلى هذا الدرس الذي تلقاه هذا السائح في الأرض ومسافر الحياة -الذي ساح بعقله في عصر السعادة- من تلك المدرسة النورانية، ما يلي:
"لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ فَخْرُ العَالَمِ وَشَرَفُ نَوْعِ بَنِي آدَمَ بِعَظَمَةِ سَلْطَنَةِ قُرْآنِهِ وجمال سعة دِينِهِ وَكَثْرَةِ كَمَالَاتِهِ وَعُلْوِيَّةِ أَخْلَاقِهِ حَتَّى بِتَصْدِيقِ أَعْدَائِهِ وَكَذَا شَهِدَ وَبَرْهَنَ بِقُوَّةِ مِئَاتِ مُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَةِ البَاهِرَةِ المُصَدِّقَة المُصَدَّقَةِ وَبِقُوَّةِ آلَافِ حَقَائِقِ دِينِهِ السَّاطِعَةِ القَاطِعَةِ بِإِجْمَاعِ آلِهِ ذَوِي الأَنْوَارِ وَبِاتِّفَاقِ أَصْحَابِهِ ذَوِي الأَبْصَارِ وَبِتَوَافُقِ مُحَقِّقِي أُمَّتِهِ ذَوِي البَرَاهِينِ وَالبَصَائِرِ النَّوَّارَةِ".
ثم إن هذا الضيف الذي لا يتعب ولا يشبع، والذي علم أن غاية الحياة وحياة الحياة في هذه الدنيا هي الإيمان، خاطب قلبه قائلا: "لنرجع إلى الكتاب الموسوم بالقرآن المعجز البيان الذي هو كلام وقول من نبحث عنه، وهو أشهر كتاب وأنوره وأحكمه في هذه الدنيا، والذي يتحدى كل من لا يستسلم له في كل عصر، لنراجع هذا الكتاب ولنعلم ماذا يقول، ولكن يجب أولا أن نثبت أن هذا الكتاب هو كلام خالقنا"، فبدأ التحري.
وهذا السّائح ولأنه يعيش في هذا الزمان نظر أولاً إلى رسائل النور التي هي لمعات الإعجاز المعنوي للقرآن، ورأى أن رسائل النور -وهي مائة وثلاثون
136. صفحة
رسالة- نكاتٌ للآيات الفرقانية، وأضواء وتفاسير قوية متينة لها وأنه لم يستطع أن يعارضها أحد مع أنها نشرت الحقائق القرآنية في كل مكان بروح الجهاد والفروسية في هذا العصر العنيد الملحد إلى هذا الحد، وهذا يثبت أن القرآن الذي هو أستاذها ومنبعها ومرجعها وشمسها سماوي وليس كلام بشر، حتى إن "الكلمة الخامسة والعشرين" وختام "المكتوب التاسع عشر" -اللذين هما حجة قرآنية واحدة من بين مئات حجج رسائل النور- قد أثبتا أن القرآن معجز بأربعين وجهًا، بحيث إن كل من رآها لم يستطيع أن ينتقدها، ولا أن يعارضها، بل انبهر بإثباتاتها فاستحسنها، وأثنى عليها ثناء جميلاً.
وقد أحال السائح إثبات وجه إعجاز القرآن، وأنه كلام الله حقًّا إلى رسائل النور، ولكنه أنعم النظر في "بضع نقاط" تدل على عظمته بإشارة قصيرة فحسب.
النقطة الأولى: فكما أن القرآن بجميع معجزاته وبكل حقائقه الدالة على أنه حقٌّ، معجزة لمحمد كذلك فإن محمدًا بجميع معجزاته ودلائل نبوته وكمالاته العلمية معجزة للقرآن، وحجة قاطعة على أنه كلام الله.
النقطة الثانية: إن القرآن قد أحدث انقلابا في هذه الدنيا في نفوس الناس وقلوبهم وأرواحهم وعقولهم، وفي حياتهم الشخصية، وفي حياتهم الاجتماعية، وفي حياتهم السياسية، وأدامه وأداره مع تبديله الحياة الاجتماعية تبديلا نورانيا حقيقيا ملؤه السعادة؛ حيث تُتلى آياته البالغة ستة آلاف وستمائة وستًّا وستين آية في كل دقيقة منذ أربعة عشر قرنًا بكمال الاحترام بألسنة أكثر من مائة مليون شخص على الأقل، ويربي الناس ويزكي نفوسهم ويصفّي قلوبهم، ويمنح الأرواحَ انكشافا وترقيا، والعقولَ استقامة ونورا، والحياةَ حياة وسعادة.
فلا شك أن كتابا كهذا ليس له مثيل، فهو خارق، ومعجزة، ولا نظير له.
النقطة الثالثة: إن القرآن قد أظهر بلاغةً منذ ذلك العصر إلى يومنا هذا، حتى إنه حطّ من قيمة القصائد الشهيرة المسماة بـ"المعلقات السبع" للأدباء المشهورين
137. صفحة
المكتوبة بالذهب والمعلقة على جدار الكعبة، حتى إن ابنة لبيد قالت حينما كانت تُنزِل قصيدة أبيها عن جدار الكعبة: "أما وقد جاءت الآيات فليس لمثلك هنا مقام".
ثم إن أديبا بدويًّا وأعرابيًا لما سمع الآية ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (الحجر: 94) تُتلى؛ خرّ ساجدًا، فقالوا له: "أأسلمت؟"، قال: "لا، بل سجدت لبلاغة هذه الآية".
ثم إن آلافًا من الأئمة العباقرة، والأدباء المتفنِّنين كعبد القاهر الجرجاني والسكاكي والزمخشري من دهاة علم البلاغة، قد قرروا بالإجماع والاتفاق أن بلاغة القرآن فوق طاقة البشر، ولا يمكن أن تُدرك.
ثم إنه منذ ذلك الوقت يتحدَّى دائمًا وباستمرار، ويضرب على الوتر الحساس للأدباء والبلغاء المغرورين الأنانيين، ويكسّر غرورهم، ويدعوهم إلى المعارضة قائلا لهم: فلتأتوا بسورة من مثله أو ارضوا بالهلاك والذل في الدنيا والآخرة.
إن اختيار البلغاء المعاندين في ذلك العصر طريقَ المحاربة الطويل الذي يعرِّض أموالهم وأرواحهم للخطر بعدم إتيانهم بسورة واحدة من مثله، وبتركهم المعارضة التي هي طريق قصير، على الرغم من إعلان القرآن ذلك التحدي؛ ليُثبت أن السير في ذلك الطريق القصير غير ممكن.
ثم إن هناك ملايين من الكتب العربية في متناول الأيدي والتي كُتبت منذ ذلك الوقت -وما زالت تكتب- بشوق من أحباء القرآن للتشبه به وتقليده، وبسوق من أعدائه للرد عليه ولنقده، والتي تتطور بتلاحق الأفكار وهي في متناول الأيدي، لا يستطيع أن يبلغ واحد منها القرآن أبدا.
وحتى لو استمع إليه رجل عادي لأقصى درجة لقال بلاشك: "إن هذا القرآن لا يشبه أيًّا من تلك الكتب، وليس في مرتبتها"، إذن فهو إما تحت الكل وإما فوق الكل، ولا يستطيع أن يقول أحد في الدنيا ولا أي كافر ولا حتى أي شخص أحمق إن القرآن تحت الجميع، إذن إن مرتبته البلاغية فوق الجميع، وحتى قد تلا
138. صفحة
رجل الآيةَ ﴿سَبَّحَ لِلهِ مَا فِي السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الحديد: 1) فقال: "إني لا أستطيع أن أرى بلاغة هذه الآية التي يزعم أنها خارقة للعادة"، فقيل له: "ارجع إلى ذلك العصر كهذا السائح واستمع إليها هناك"، فتخيل نفسه هناك قبل نزول القرآن، فرأى أن موجودات العالم في حالة تعسة مظلمة جامدة بلا شعور ولا وظيفة، في فضاء خال لا حدَّ ولا حدود له، وفي دنيا فانية لا قرار لها، وحينما كان يستمع إلى هذه الآية من لسان القرآن؛ رأى فجأة أن هذه الآية الكريمة أزاحت الستار عن الكون، وعن وجه الدنيا وأنارتها، حيث شاهد أن هذا النطق الأزلي وذاك الفرمان السرمدي يُلقي درسًا على ذوي الشعور المصطفّين في صفوف العصور، ويبيِّن أن هذا الكون مثل جامع كبير يحتوي على جميع المخلوقات -وفي مقدمتهم السماوات والأرض- في ذكر وتسبيح وعمل حيوي بشوق وهمة ونشاط سعيدةً راضيةً، وتذوّق درجة بلاغة هذه الآية، وقاس سائر الآيات على هذا، وفهم حكمةً من بين آلاف الحِكم لإدامة زمزمة بلاغة القرآن عظمةَ سلطنتها بكمال الاحترام أربعة عشرة قرنًا -بلا فاصلة- مهيمنةً على نصف الكرة الأرضية وخمس البشرية.
النقطة الرابعة: إن القرآن أظهر حلاوةً ذات حقيقة؛ إذ إن التكرار الكثير الذي يورث الملل حتى من أحلى شيء، لا يورث الملل لتالي القرآن، بل يزيد تكرارُ تلاوته من حلاوته عند من لم يتفسَّخْ قلبُه ومن لم يفسد ذوقُه، وهذا أمر مسلّم به عند الجميع منذ القديم، حتى أصبح في حكم المثل المضروب.
وكذلك أظهر القرآن الكريم طراوة وفتوة وشبابًا وغرابة حيث إنه يحافظ على طراوته وكأنه ينزل الآن، على الرغم من أنه عاش أربعة عشر قرنًا، ويدخل في متناول الجميع بسهولة، ويراه كلُ عصر في شباب وكأنه يخاطبه بالذات، وعلى الرغم من أن كل طائفة من الطوائف العلمية حملت معها منه بكثرة ومبذولية للاستفادة منه كل حين، واتبعت واقتدت بأسلوب بيانه؛ فهو يحافظ على الغرابة بعينها في أسلوبه وطرز بيانه.
139. صفحة
النقطة الخامسة: كما أن أحد جناحي القرآن في الماضي والآخر في المستقبل، وكما أن جذره وأحد جناحيه هما الحقائق المتفق عليها الأنبياء السابقون، وكما أن هذا يصدّقهم ويؤيدهم، وهم أيضا يصدّقون به بلسان حال التوافق؛ فكذلك تشهد جميع الطرق الصوفية الحقة للولاية التي تَربَّت وعاشت تحت حماية الجناح الثاني للقرآن الذي يدل على أن شجرته المباركة منعشة وفياضة ومدار للحقيقة بالثمار التي تستمد حياتها منه كالأولياء والأصفياء وبتكمّلهم المنعش، وجميع العلوم الحقيقية للإسلام؛ أن القرآن عين الحق، ومجمع الحقائق، وأنه فذٌّ لا مثيل له في جامعيته.
النقطة السادسة: إن الجهات الست للقرآن نورانية تدل على صدقه وحقانيته.
أجل؛ وكما أن أعمدة الحجج والبراهين التي تحته، ولمعات ختم الإعجاز التي فوقه، وهدايا سعادة الدارين في هدفه التي أمامه، وحقائقُ الوحي السماوي التي هي نقطةُ استناده والتي هي وراءه، وتصديقاتُ العقول المستقيمة غير المحدودة بدلائلها التي في يمينه، والاطمئنان الجاد للقلوب السليمة والضمائر النظيفة وانجذابها الخالص واستسلامها التي في شماله، تثبت كلها أن القرآن حصن سماوي حصين في الأرض وخارق للعادة ولا يمكن المساس به؛ فكذلك هناك ستة مقامات تُوقّع على أن القرآن عين الحق، وأنه صادق وليس بكلام البشر، وأنه ليس فيه خطأ، وذلك أن مصرف هذا الكون -أولا- الذي اتخذ إظهار الحسن والجمال دائمًا في هذا الكون، وحماية الصلاح والصدق، ومَحْق وإزالة الخادعين والمفترين سُنَّةً من سننه، ودستورًا للنشاط؛ يوقّع عليه ويصدق به بمنحه لهذا القرآن في العالم أرجى وأعلى مقام احترام ومرتبة توفيق.
وكذلك اعتقاد الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو منبع الإسلام وترجمان القرآن واحترامه له أكثر من أي شخص آخر، ودخوله في حالة شبيهة
140. صفحة
بالنوم حين نزوله، وعدم بلوغ سائر كلامه شأوه، وعدم مشابهته إياه إلى حد ما، وبيانه بالغيب -على الرغم من أميته- الحادثات الكونية الحقيقية الماضية والمستقبلية بالقرآن بلا تردد وباطمئنان، وإيمان وتصديق هذا الترجمان -الذي لم يظهر منه أي خداع وأية حالة خطأ تحت مراقبة عيون حادة جدًا- بكل حكم من أحكام القرآن بكل قوته، وعدم زعزعة أي شيء له، كل هذا يوقّع على أن القرآن سماوي وحقٌ وكلام مبارك لخالقه الرحيم.
وكذلك إن ارتباط خمس النوع البشري، بل القسم الأعظم منهم بهذا القرآن الماثل أمامهم منجذبين ومتدينين، وإنصاتهم إليه متبعين ومحبين حقائقه ومشتاقين إليه، واجتماع واحتشاد الجن والملائكة والروحانيين حوله عند تلاوته كالفراشة ناشدين الحقيقة بشهادة الأمارات الكثيرة والوقائع والكشفيات؛ لهو توقيع على أن القرآن مقبول لدى الكائنات، وأنه في أعلى وأسمى مقام.
وكذلك إن أخْذَ كل طبقة من طبقات البشرية -من أغباهم إلى أذكاهم، ومن أجهلهم إلى أعلمهم- نصيبهم كاملاً من درس القرآن، وفهْمَهم أعمق الحقائق، واستخراج كل طائفة -كمئات من المجتهدين الكبار للمعارف الإسلامية وعلومها وبالأخص للشريعة الكبرى وكالمحققين الدهاة لأصول الدين وعلم الكلام- جميعَ حاجاتهم وأجوبتهم المتعلقة بعلومهم؛ لتوقيع على أن القرآن منبع الحق ومعدن الحقيقة.
وكذلك إن عجز أدباء العرب المتقدمين في الأدب عن أن يأتوا حتى الآن بسورة من مثله من حيث البلاغة، وهو وجه واحد من بين وجوه إعجاز القرآن مع أن هناك سبعة أوجه كبرى لإعجاز القرآن، على الرغم من أنهم في أمس الحاجة إلى المعارضة، وإن عجْزَ البلغاء المشهورين والعلماء الدهاة منذ نزوله حتى يومنا هذا، والذين أرادوا أن يكتسبوا الشهرة بالمعارضة عن مضاهاة أي وجه من وجوه إعجازه، وسكوتَهم عاجزين؛ لتوقيعٌ على أن القرآن معجزة وفوق طاقة البشر.
أجل؛ إنه لا يمكن أن يكون للقرآن نظير من حيث إن الكلام يكتسب قيمة وعلوًا وبلاغة باعتبار "من قاله" و"لمن قاله" و"لماذا قاله"، ولا يمكن بلوغ منزلته؛
141. صفحة
لأن القرآن خطاب رب وخالق العالمين جميعًا، وكلامه، ومكالمته التي ليست فيها أية أمارة تُشعر بالتقليد والتصنع بأية حال من الأحوال، ولا شك أنه لا يمكن الإتيان بمثل هذا القرآن المعجز البيان الذي له مبعوث باسم جميع الناس، بل باسم جميع المخلوقات، ومخاطب هو أكثر البشر صيتا وشهرة، وترشَّح دينُ الإسلام العظيم من قوة وسعة إيمانه، والذي عَرج بذلك المخاطب إلى مقام "قاب قوسين"، ونزل به فائزًا بالمخاطبات الصمدانية، والذي يبيِّن ويوضِّح المسائلَ المتعلقة بسعادة الدارين، وبنتائج خلق الكون، وبالمقاصد الربانية فيه، والإيمانَ الأعلى والأوسع -الذي يحمل جميع الحقائق الإسلامية- لهذا المخاطب، والذي يُري ويُقلِّب كل أنحاء الكون الضخم كخريطة أو ساعة أو منزل، ويوضح ويعلّم أطوارَ صانعه، ولا شك كذلك أنه لا يمكن البلوغ إلى درجة إعجازه.
وكذلك إن إظهار وإثبات آلاف من العلماء العباقرة المدققين الماهرين -الذين فسّروا القرآن، وبعضهم ألّف تفسيرًا يتكون من ثلاثين أو أربعين مجلدًا بل حتى سبعين مجلدًا- المزايا والنكات والخاصيات والأسرار، والمعاني العالية غير المحدودة، والأخبار الغيبية الكثيرة في القرآن من كل نوع من أنواع الأمور الغيبية، وبيانها بسندها وأدلتها، وبالأخص إثبات كل كتاب من مائة وثلاثين كتابًا لرسائل النور مزيةً ونكتةً للقرآن ببراهين قاطعة، ولاسيما رسالة "المعجزات القرآنية" والمقام الثاني من "الكلمة العشرين" الذي استخرج من القرآن أشياء كثيرة من خوارق المدنية مثل القطار والطائرة، و"الشعاع الأول" المسمى بـ"الإشارات القرآنية" الذي يبيِّن إشارات الآيات المشيرة إلى الكهرباء، والرسائل الثمانية الصغيرة المسماة بـ"الرموزات الثمانية" التي تبيِّن كيف أن الحروف القرآنية منسقة تنسيقا بديعا وذات أسرار ومعان ومغزى، ورسالة صغيرة تثبت إعجاز آخر آية من سورة الفتح بخمسة وجوه من حيث الإخبار الغيبي، وإظهارَ كل جزء من أجزاء رسائل النور حقيقةً من حقائق القرآن ونورًا من أنواره؛ كل ذلك توقيع على أنه ليس للقرآن مثيل، وأنه معجزة وخارقة للعادة، وأنه لسان عالم الغيب في عالم الشهادة هذا، وكلام علاّم الغيوب.
142. صفحة
فلأجل تلك المزايا والخصائص المذكورة للقرآن والمشار إليها في النقاط الست والجهات الست والمقامات الست؛ تُضيء حاكميتُه النورانية الجليلة وسلطنتُه القدسية العظيمة وجه العصور، وتُنير وجه الأرض أيضًا باستمرار وبكمال الاحترام لمدة ألف وثلاثمائة سنة.
ولأجل خصائصه تلك فإن القرآن الكريم قد اكتسب ميزات قدسية كوجود عشرة ثوابات وعشر حسنات على الأقل لكل حرف من حروفه، وإثماره عشر ثمار باقية، وحتى إثمار كل حرف من حروف بعض الآيات والسور مائة أو ألفًا من الثمار أو أكثر من ذلك، وازدياد نور كل حرف وثوابه وقيمته في بعض الأوقات المباركة من العشرة إلى المئات.
وهكذا فهم هذا السائح في الدنيا، وخاطب قلبه قائلاً: "إن هذا القرآن المعجز بكل وجه من الوجوه قد شهد مُثبِتا بالدلائل على وجود واجب الوجود الواحد الأحد ووحدته وصفاته وأسمائه، بإجماع سوره، وباتفاق آياته، وتوافق أسراره وأنواره، وتطابق ثماره وآثاره، حتى إن الشهادات غير المحدودة لأهل الإيمان جميعًا ترشَّحتْ من شهادته هو".
وقد ذُكر في "المرتبة السابعة عشرة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما أخذه هذا السائح من درس التوحيد والإيمان من القرآن؛ ما يلي:
"لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ القُرْآنُ الْمُعْجِزُ البَيَانِ الْمَقْبُولُ الْمَرْغُوبُ لأَجْنَاسِ المَلَكِ وَالإِنْسِ وَالجَانِّ الْمَقْرُوءَةُ كُلُّ آيَاتِهِ فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ بِكَمَالِ الاحْتِرَامِ بِأَلْسِنَةِ مِئَاتِ الْمَلَايِينِ مِنْ نَوْعِ الإِنْسَانِ، الدَّائِمةُ سَلْطَنَتُهُ الْقُدْسِيَّةُ عَلَى أَقْطَارِ الأَرْضِ وَالأَكْوَانِ، وَعَلَى وُجُوهِ الأَعْصَارِ وَالزَّمَانِ، وَالْجَارِيَةُ حَاكِمِيَّتُهُ الْمَعْنَوِيَّةُ النُّورَانِيَّةُ عَلَى نِصْفِ الأَرْضِ وَخُمْسِ الْبَشَرِ فِي أَرْبَعَة عَشْرَ عَصْرًا بِكَمَالِ الاِحْتِشَامِ، وَكَذَا شَهِدَ وَبَرْهَنَ بِإِجْمَاعِ
143. صفحة
سُوَرِهِ الْقُدْسِيَّةِ السَّمَاوِيَّةِ، وَبِاتِّفَاقِ آيَاتِهِ النُّورَانِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ، وَبِتَوَافُقِ أَسْرَارِهِ وَأَنْوَارِهِ، وَبِتَطَابُقِ حَقَائِقِهِ وَثَمَرَاتِهِ وَآثَارِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعَيَانِ".
ثم إن هذا السائح المذكور وعابر سبيل الحياة الذي عرف أن الإيمان -الذي يُكسب الإنسانَ الفقيرَ ليس مزرعةً ومنزلاً فانيًا ومؤقتًا بل الكونَ بأكمله ومُلكًا باقيًا بقدر الدنيا، ويُوفِّر لإنسان فانٍ لوازم حياة أبدية، ويُنقذ من الإعدام الأبدي الشخصَ المسكين الذي ينتظر مشنقة الأجل، ويفتح كنز السعادة الأبدية- هو أغلى وأثمن رأس مال الإنسان، خاطب نفسه قائلاً: "هيا بنا نتقدَّم؛ إذ يجب أن نطَّلع على مجموع الكون حتى نكتسب مرتبة أخرى من مراتب الإيمان غير المحدودة، وعلينا أن نستمع إليه ماذا يقول، ونُكمِّل وننوّر الدروس التي أخذناها من أركانه وأجزائه" ونظر بمنظار واسع جامع أخذه من القرآن، فرأى أن هذا الكون ذو معنى، وأنه بديع منسّق؛ حيث إنه يبدو ككتاب مجسَّم سبحاني، وقرآن جسماني ربّاني، وقصر مزين صمداني، وبلدة رحمانية منتظمة، وكما أن جميع سور هذا الكتاب وآياته وكلماته وحتى حروفه وأبوابه وفصوله وصفحاته وسطوره، ومحو كل هذا وإثباته كل حين وبصورة ذات معنى ومغزى، وتغييرها وتحويلها بصورة حكيمة، تبيِّن بالبداهة وبالإجماع وجودَ وموجوديةَ عليم بكل شيء، وقدير على كل شيء، ومصنِّف ونقاشٍ ذي جلال، وكاتب ذي كمال بصير بكل شيء في كل شيء، وعليم يراعي مناسبات وعلاقات كل شيء مع كل شيء؛ فكذلك تبيِّن -بالاتفاق- بكل أركانه وأنواعه وأجزائه وجزئياته وسكانه ومشتملاته ووارداته وصرفياته، وما فيها من تبديلاته ذات المصالح وتجديداته ذات الحِكم وجودَ ووحدةَ صانع بنَّاء رفيع يعمل بقدرة لا حد لها، وحكمة لا نهاية لها، وصانع لا مثيل له، وتُثبت شهادةُ "الحقيقتين الاثنتين العظيمتين الواسعتين" المناسبةُ لعظمة الكون، تلك الشهادةَ العظيمةَ للكون.
الحقيقة الأولى: إنها حقائق "الإمكان" و"الحدوث" التي رآها العلماء العباقرة لأصول الدين وعلم الكلام والحكماء الإسلاميون، وأثبتوها ببراهين لا حد لها؛
144. صفحة
حيث قالوا: "بما أن هناك تغيرًا وتبدلاً في العالم وفي كل شيء؛ فلا شك أنه فان وحادث، ولا يكون قديمًا، وبما أنه حادث؛ فلا شك أن هناك صانعًا يُحدثه، وبما أن كل الأشياء سواسية إن لم يكن هناك سبب "وجودي" أو "عدمي" في ذاته؛ فلا شك أنه لا يمكنه أن يكون واجبًا وأزليًّا، وبما أنه قد أُثبت بالبراهين القاطعة عدم إمكانية إيجاد الأشياء بعضها بعضًا بـ"الدور" و"التسلسل" اللذين هما محالان وباطلان؛ فلا شك أنه يلزم وجود واجب الوجود حيث إن نظيره ممتنع، ومثيله محال، وما عداه جميعًا "ممكن"، وما سواه قاطبة "مخلوقه".
نعم؛ إن حقيقة الحدوث قد استولت على الكون، فالعين ترى معظمَها، والعقلُ يرى القسم المتبقى منها؛ لأن عالَمًا يموت أمام أعيننا كل سنة في فصل الخريف؛ حيث يموت معه مائة ألف نوع من النباتات والحيوانات الصغيرة التي لكل نوع منها أفراد لا حد لهم، وكلُّ واحد منها في حكم كون ذي حياة، ولكنهم يموتون في انتظام بحيث يتركون بديلا لهم -في الربيع- نويات وبذورًا وبويضات هي مدار لحشرهم ونشرهم، ومعجزاتٌ للرحمة والحكمة، وخوارقُ وبدائعُ للقدرة والعلم، ويسلِّمون لها سجل أعمالهم وبرامج الوظائف التي يقومون بها، ويُودِعُونَها أمانةً عند حكمة الحفيظ ذي الجلال وتحت حمايته، ثم يموتون، وتُحيا تلك الأشجار والجذور وقسم من الحيوانات الميتة بعينها في فصل الربيع كمائة ألف مثال ونموذج ودليل على الحشر الأعظم، فتَحيا، وتوجد وتُحيا بدلاً من قسم منها أمثالُها التي تشبهها تمامًا، وإن موجودات الربيع الماضي تنشر -كإعلانات- صحف أعمالها ووظائفها التي قامت بها، وتُظهر نموذجا للآية ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ (التكوير: 10).
ومن جهة مجموع أنواع النباتات والحيوانات يموت عالم عظيم في كل خريف، وفي كل ربيع، فيأتي عالم طريٌّ ندي إلى الوجود، وتجري في هذا الموت وذلك الحدوث وفاة وحدوث أنواع كثيرة بانتظام ونظام كاملين بكثرة ووفرة، حتى كأن الدنيا دار ضيافة، وكأن الكائنات ذات الحياة تنزل فيها ضيفا، والعوالم السيَّاحة والدُّنا السيَّارة تأتي إليها وتُؤدي وظائفها وتمضي.
145. صفحة
إنه بالبداهة يتراءى للعقول كالشمس وجوبُ وجود ذي جلال، وقدرتُه غير المحدودة، وحكمتُه غير المتناهية، يُحدث ويُوجد في هذه الدنيا الدنا ذات الحياة كهذه، والكائنات ذات الوظائف بكمال العلم والحكمة والميزان والموازنة والانتظام والنظام، ويستعملهم بقدرة، ويستخدمهم برحمة في مقاصد ربانية، وغايات إلهية، وخدمات رحمانية، وإننا نختم هذا البحث محيلين مسائل الحدوث إلى رسائل النور، وإلى كتب المحققين لعلم الكلام.
وأما قضية "الإمكان" فهي كذلك قد استولت على الكون وأحاطت به؛ إذ إننا نرى أن كل شيء -جزئيًّا كان أو كليًّا، صغيرًا كان أو كبيرًا- وكل موجود من العرش إلى الفرش، ومن الذرات إلى الكواكب يُبعث إلى الدنيا بذات مخصوصة، وبصورة معينة، وبشخصية مميزة، وبصفات خاصة، وبكيفيات ذات حكم، وبجهازات ذات منافع.
والحال أن منح تلك الخاصية لهذه الذات الخاصة ولتلك الماهية من بين إمكانات غير محدودة، وإلباس تلك الصورة المناسبة المعينة ذات النقوش والعلامات الفارقة من بين إمكانات واحتمالات بعدد الصور، وتخصيص تلك الشخصية اللائقة بامتياز لهذا الموجود المتقلب بين إمكانات كثيرة بعدد أفراد بني جنسه، وغرس تلك الصفات الخاصة والملائمة وذات المصالح لهذا المصنوع الذي لا شكل له والمتردد ضمن إمكانات واحتمالات بعدد أنواع الصفات ومراتبها، ووضع وتقليد تلك الكيفيات ذات الحكم والأجهزة المساعدة لهذا المخلوق المتحير السائب بلا هدف ضمن إمكانات واحتمالات لا حدَّ لها من حيث إمكان وجوده حسب طرق وأنواع لا حد لها؛ أقول لا شك أن تلك الإشارات والدلالات والشهادات -بعدد كل الممكنات كلية كانت أو جزئية، وبعدد إمكان ماهية كل ممكن وهويته وهيئته وصورته وصفته ووضعه المذكور- على وجوب وجود واحدٍ واجب الوجود مخصِّص مرجِّح معيِّن محدِث، وعلى قدرته غير المحدودة، وعلى حكمته غير النهائية، وأنه لا يخفى عليه شيء أو شأن، ولا يعجزه شيء،
146. صفحة
وأكبر شيء سهل عليه كأصغر شيء، ويستطيع أن يوجِد الربيع بسهولة إيجاد الشجرة، ويوجِد الشجرة بسهولة إيجاد النواة؛ أقول لا شك أنها تصدر من حقيقة "الإمكان" وتُشكِّل أحدَ جناحي هذه الشهادة العظيمة للكون.
ولأن أجزاء رسائل النور، وخاصة "الكلمة الثانية والعشرين" و"الثانية والثلاثين" و"المكتوب العشرين" و"الثالث والثلاثين"، قد أثبتتْ وأوضحتْ تمامًا شهادةَ الكون وكِلا جناحيها بحقيقتيها؛ اختصرنا هنا هذه القصة الطويلة جدا محيلين إليها.
الحقيقة الثانية التي تثبت الجناح الثاني للشهادة العظيمة الكلية الصادرة عن مجموع الكون:
إنه تُشاهَد ضمن هذه الانقلابات والتحولات المضطربة المتقلبة دائما حقيقةُ التعاون عند مخلوقات تسعى للحفاظ على وجودها وخدماتها، ولأداء وظائفها، للحفاظ على حياتها إن كانت لها حياة، وذلك التعاون فوق طاقة تلك المخلوقات كليا.
فمثلاً: إن الأمثلة الكثيرة التي تَحدث بالتسخير الرباني والاستخدام الرحماني لِحقيقة التعاون؛ كسعي العناصر لإمداد ذوي الحياة، وخصوصًا سعي الغيوم لإمداد النباتات، وسعي النباتات لمساعدة الحيوانات، وسعي الحيوانات لمعاونة الناس، وسعي ألبان الأثداء كالكوثر لتغذية الصغار، وتسليم الاحتياجات الكثيرة لذوي الحياة وأرزاقهم -وذلك فوق طاقاتهم- إلى أيديهم من حيث لا يحتسبون، وحتى سعي ذرَّاتِ الطعام لتصليح خلايا الجسم، لتدل كلها مباشرة على الربوبية العامة والرحيمة لرب العالمين الذي يدير الكون كله كقصر.
أجل؛ إن المتعاونين الجامدين الذين لا شعور لهم، ولا شفقة، والذين يتخذون مواقف ذات شفقة وشعورية تجاه بعضهم بعضًا؛ لا شك أنهم يساقون للسعي لمعاونة بعضهم بعضًا بقوةِ ربٍّ رحيم وحكيم ذي جلال، وبرحمته وأمره.
147. صفحة
إن شهادات حقائق عظيمة جدا كـ "التعاون العام" الجاري في الكون، و"الموازنة العامة" و"المحافَظة الشاملة" الجارية بكمال الانتظام فيه ابتداءً من الكواكب وانتهاء إلى أعضاء ذوي الحياة وأجهزتهم وذراتهم، و"التزيين" المُحرِّك قلمَه في الأشياء ابتداء من الوجه المزيَّن للسماوات، والوجه المزين للأرض وانتهاء إلى الوجوه الجميلة للزهور، و"التنظيم" الحاكم على الأشياء ابتداء من درب التبانة والمنظومة الشمسية وانتهاء إلى الثمار كالذُّرة والرمان، و"التوظيف" الذي يعطي الوظائف للأشياء ابتداء من الشمس والقمر والعناصر والغيوم وانتهاء إلى النحل، لتثبت وتُشكِّل الجناح الثاني لشهادة الكون حسب عظمة تلك الحقائق.
بما أن رسائل النور قد أثبتت وأوضحت تلك الشهادة العظيمة؛ فنحن نكتفي هنا بهذه الإشارة القصيرة، وقد ذُكر في "المرتبة الثامنة عشرة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما أخذه سائح الدنيا من درس إيماني من الكون ما يلي:
"لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الْمُمْتَنِعُ نَظِيرُهُ الْمُمْكِنُ كُلُّ مَا سِوَاهُ الوَاحِدُ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ هذِهِ الكَائِنَاتُ الكِتَابُ الكَبِيرُ الْمُجَسَّمُ وَالْقُرْآنُ الْجُسْمَانِيُّ الْمُعَظَّمُ والقَصْرُ الْمُزَيَّنُ الْمُنَظَّمُ وَالْبَلَدُ الْمُحْتَشَمُ الْمُنْتَظَمُ بِإِجْمَاعِ سُوَرِهِ وَآيَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ وَحُرُوفِهِ وَأَبْوَابِهِ وَفُصُولِهِ وَصُحُفِهِ وَسُطُورِهِ وَاتِّفَاقِِ أَرْكَانِهِ وَأَنْوَاعِهِ وَأَجْزَائِهِ وَجُزْئِيَّاتِهِ وَسَكَنَتِهِ وَمُشْتَمِلَاتِهِ وَوَارِدَاتِهِ وَمَصَارِفِهِ بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الْحُدُوثِ وَالتَّغْيِيرِ وَالإِمْكَانِ بِإِجْمَاعِ جَمِيعِ عُلَمَاءِ عِلْمِ الْكَلَامِ وَبِشَهَادَةِ حَقِيقَةِ تَبْدِيلِ صُورَتِهِ وَمُشْتَملَاتِهِ بِالْحِكْمَةِ وَالاِنْتِظَامِ وَتَجْدِيدِ حُرُوفِهِ وَكَلِمَاتِهِ بِالنِّظَامِ وَالْمِيزَانِ وَبِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ التَّعَاوُنِ وَالتَّجَاوُبِ وَالتَّسَانُدِ وَالتَّدَاخُلِ وَالْمُوَازَنَةِ وَالْمُحَافَظَةِ فِي مَوْجُودَاتِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعَيَانِ".
148. صفحة
الحجة الإيمانية الثانية
الموقف الأول من "الكلمة الثانية والثلاثين"
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ
لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِلَيْهِ المَصِيرُ(1).
كنت قد قلت في ليلة من ليالي رمضان إن في كل جملة من الجمل الإحدى عشرة من هذا الكلام التوحيدي مرتبة توحيدية وبشارة، وبَسطتُ من تلك المراتب معنى
"لاَ شَرِيكَ لَهُ" فقط بأسلوب بسيط يلائم فهمَ العوام، وبصورة محاوَرةٍ تمثيلية ومناظرة افتراضية باتخاذ لسان الحال على هيئة لسان المقال، وأُدرِجُ الآن تلك المحاورةَ بناءً على رغبة إخوتي الأعزاء الذين يخدمونني، وبناءً على رغبة أصدقائي في المسجد، على النحو التالي:
نفترض شخصًا يمثل الشركاءَ الذين يتوهمهم أهلُ الشِّرك والكفر والضلالة كالطبيعيين وعبدة الأسباب والمشركين بجميع أنواعهم.
ويريد أن يكون ذلك الشخص المفترَض "رَبًّا" لشيءٍ من موجودات العالم، ويدَّعي أن يكون مالكًا حقيقيًّا له.
فيلتقي هذا المدعي أوّلاً بالذرة التي هي أصغر شيء في الموجودات، ويقول لها بلسان الطبيعة والفلسفة إنه ربها ومالكها الحقيقي.
فتقول له الذرة بدورها بلسان الحقيقة والحكمة الربانية:
(1)انظر هذا الذكر برواياته المختلفة في صحيح البخاري ١/٢٥٥، ومسلم ١/٤١٤، وسنن النسائي ٦/٤٢.وسنن الترمذي ٥/٥١٥، ومسند البزار ٩/٤٣٨.
149. صفحة
إنني أؤدي وظائف لا حد لها، وأَدخل كلَّ مصنوع فردًا فردًا، وأعمل فيه، فإن كان لك علمٌ وقدرةٌ يجعلانني أقوم بتلك الوظائف كلها...
وكذا إننا نتجول في ذراتٍ مثلي لا تعد ولا تحصى ونعمل(1) معًا، فإن كان لك حكم واقتدار نافذ لاستخدام أمثالي من الذرات وتسخيرها...
وكذا إن استطعت أن تكون مالكًا ومتصرفًا حقيقيًّا للموجودات التي أنا جزء منها بكمال الانتظام - كالكريات الحمراء - فلك أن تدعي ربوبيتيك لي، وأن تُسنِد أمري إلى غير الحق تعالى، وإلا فاسكت؛ إذ إنك لا تقدر على أن تتدخل في أمري فضلاً عن أنك لا تستطيع أن تكون ربًّا لي، لأنه في وظائفنا وحركاتنا انتظام رائع بحيث إن من ليس له حكمة مطلقة، ولا يملك علمًا محيطًا لا يستطيع أن يتدخل فيه، ولو تدخَّل فيه لأفسده، والحال أن شخصًا جامدًا عاجزًا أعمى مثلك، ويداه بيَدَيْ عمياوين كالمصادفة والطبيعة؛ لا يمكنه البَتَّةَ أن يمد إصبعه.
فقال ذلك المدعي كما يقول المادِّيُّون:
إذن فكوني أنت مالكةً لنفسك، فلِمَ تقولين إنك تعملين لحساب غيرك؟ فأجابته الذرة قائلة:
إنْ كان لي عقل كالشمس، وعلم محيط كضيائها، وقدرة شاملة كحرارتها، وحواس محيطة كألوان الطيف السبعة التي في ضيائها، ووجه متوجه، وعين ناظرة، وكلمة مسموعة في كل مكان أسيح فيه وفي كل موجود أعمل فيه، فلربما
(1) نعم؛ كما أن كل شيء متحرك ابتداءً من الذرات وانتهاء إلى الكواكب السيارة يدل على الوحدانية، بما فيه من سِكَّة الصمدانية، فهو بحركاته كذلك يتحكم ويستولي لحساب الوحدة على كل موقع ومكان يتجول فيه، ويضمه إلى مُلك مالكه، أما المصنوعات الساكنة ابتداءً من النباتات وانتهاءً إلى النجوم الثابتة فهي بمنزلة أختام الوحدانية، حيث يُظْهِرُ كل منها أن المكان الذي يشغله هو رسالة من صانعه، أي إن كل نبات، وكل ثمر هو ختم وحدانية، وسكة وحدة؛ بحيث يدل باسم الوحدة على أن مواضعه وأوطانه رسالة لصانعه.
والحاصل: إن كل شيء يتحكم بحركته في جميع الأشياء باسم الوحدة، أي إن الذي لا يُمسك زمام جميع النجوم بيده لا يستطيع أن يكون ربًّا لذرة واحدة. (المؤلف)
150. صفحة
أتحمَّق مثلك وأدعي أنني مالكة لنفسي، هيا انصرف عني، فليس لك شيء عندي.
وهكذا عندما يئس ممثل المشركين من الذرة، قابل إحدى الكريات الحمراء الموجودة في الدم؛ عَلَّه يجد عندها مبتغاه، فقال لها باسم الأسباب وبلسان الطبيعة والفلسفة:
- أنا لك ربٌّ ومالكٌ.
فقالت له الكُرَيَّة الحمراء؛ بلسان الحقيقة، وبلغة الحكمة الإلهية:
إنني لست وحدي؛ فإن كنت تستطيع أن تملك كلَّ أمثالي في جيش الدم الذين يحملون نفس السكة، ونظام المأمورية والانتظام، وإن كانت لك قدرة عظيمة وحكمة دقيقة مالكة لخلايا الجسم التي نتجول فيها والتي نُستَخدَم فيها بكمال الحكمة؛ فأظهرها، فإن استطعت أن تظهرها فعندها سيكون لدعواك معنىً، بينما لا يستطيع أن يتدخل فينا أبله واحد مثلك ولو بمثقال ذرة بما في يده من قوة عمياء وطبيعة صماء، ناهيك عن أن يكون مالكًا لنا؛ لأن فينا انتظامًا رائعًا بحيث لا يستطيع أن يحكمنا إلا من يرى ويسمع ويعلم كل شيء ويفعل ما يشاء، وإلا فاسكت؛ إن وظيفتى عظيمة ونظامي رائع إلى حد أنني لا أجد وقتا أضيعه معك للإجابة على هذيانك وهذرك هذا، وهكذا تطرده.
ولَمَّا لَمْ يستطع ذلك المدعي خداعها رَحَلَ، وإذا به يصادف منزلاً فى منتهى الصغر يسمَّى خَلِيَّة، فيقول لها بلسان الفلسفة والطبيعة:
إننى لم أستطع إقناع الذَّرة والكرية الحمراء، فلربما أنت تفهمين كلامي وتذعنين له، لأنك تتكونين من أشياء متعددة شبيهة بمنزل في غاية الصغر؛ لذا فأنا أستطيع أن أصنعك، فكوني أنت مصنوعي وملكي الحقيقي.
151. صفحة
فتقول له تلك الخلية بلسان الحكمة والحقيقة.
على الرغم من أنني شيء صغير فإن لي وظائف عظيمة، ولي روابط دقيقة جدًّا، وعلاقات تربطنى بخلايا البدن كلها، وبالبدن نفسه مع أطرافه وأعضائه، فعلى سبيل المثال:
لي وظائف عميقة ورائعة تجاه الأَوْرِدَة والشَّرايين من العروق، وتجاه أعصاب الإحساس وأعصاب الحركة، وتجاه القوى،كالقوة الجاذبة، والدافعة، والمُوَلِّدة، والمصورة، فإن كانت لك قدرة وعلم يقدران على تشكيل وتنظيم واستخدام كل البدن، وكل العروق والأعصاب والقوى، وإن كانت لديك قدرة نافذة وحكمة شاملة تستطيعان التصرف في أمثالي من جميع الخلايا البدنية التي كل منها إخوة لي من حيث الصنعة والكيفية؛ فَهَيَّا أَظْهِرْهَا، ثم ادَّعِ: "إنني أستطيع أن أصنعكِ"، وإلا فانصرف، فإن الكريات الحمراء تأتيني بالأرزاق، والكريات البيضاء بدورها تدافع عني ضد الأمراض التي تهجم عليَّ، ولي واجبات فلا تشغلني عنها.
ثم إن من هو عاجزٌ جامدٌ أصمُّ وأعمَى مثلُك لا يستطيع أن يتدخل فينا بأي وجه من الوجوه؛ لأن فينا انتظامًا في غاية الدقة والرقة والروعة؛(1) فإن لم يكن
(1) إن الصانع الحكيم قد خلق جسم الإنسان كمدينة منتظمة في غاية الانتظام. فقِسْمٌ من العروق يقوم بمهمة التلغراف والهاتف، وقِسْمٌ آخر مدارٌ لتجوال الدم الباعث للحياة، كأنابيب المواسير، وأما الدم فخُلِقَ فيه قسمان من الكُرَيَّات، قسم يطلق عليه الكريَّات الحمراء، وهي التي تقوم بتوزيع الأرزاق على خلايا الجسم وتُمِدُّ الخلايا بالأرزاق وفق قانون إلهي، كالتجار وموظفي توزيع الأرزاق ،وقسم آخر هو الكريَّات البيضاء وهي قليلة بالنسبة للأخرى، فوظيفتها الدفاعُ عن الجسم ضد الأعداء - مثل الأمراض - كدفاع الجنود، بحيث تتخذ بسرعة وضعًا عجيبًا بحركتين دَوْرِيَّتَيْنِ كالمولوي كلما قامت بالدفاع، أمَّا مجموع الدم فله وظيفتان عامتان، إحداهما تعمير خلايا الجسم المدمَّرة، والأخرى تنظيف الجسم بجمع كل أنقاض الخلايا، وهناك قسمان من العروق يسمان الأوردة والشرايين، أحدهما مجرى الدم الصافي ويقوم بنقله وتوزيعه، والقسم الآخر هو مجرى الدم الملوث الذي يجمع الأنقاض، وهذا القسم الثاني ينقل الدم إلى الرئة التي يرد منها النَفَسُ، فالصانع الحكيم قد خلق عنصرين اثنين في الهواء، أحدهما الآزوت والآخر مولد الحموضة، فمولد الحموضة عندما يلتقي بالدم في النَفَس يجذب إليه - مثل الكهرباء - الكربون الملوث للدم الذي هو عنصر كثيف، فيمتزجان معًا، ويحوِّل البخار إلى مادة هوائية سامَّة تسمى حامض الكربون ويمتزج بها، وبهذا يوفر وينظم الحرارة الغريزية، ويصفي الدم؛ لأن الصانع الحكيم وهب لمولد الحموضة والكربون علاقةً شديدة تسمى الألفة الكيميائية في علم الكيمياء، بحيث ما إن يقتربا حتى يمتزج هذان العنصران بذلكم القانون الإلهي، فتتولد الحرارة من هذا الامتزاج كما هو ثابت علمًا؛ لأن الامتزاج نوع من الاحتراق، وحكمة هذا السر كالآتي: إن لذَرَّاتِ هذين العنصرين حركات مختلفةً كل على حِدَة، وفي أثناء الامتزاج تمتزج كِلتا الذَّرَّتَيْنِ أي ذرات هذه بذرات تلك، وتتحرك بحركة موحدة، وتبقى حركة واحدة معلقةً، إذ كانت هنالك حركتان قبل الامتزاج، فالآن أصبحت الذرتان ذرةً واحدةً، واتخذت الذرتان طَوْرَ حركة واحدة كذرة واحدة، وأما الحركة الأخرى فتتحول إلى الحرارة وفق قانون للصانع الحكيم فقاعدة "الحركة تولد الحرارة" هي من القوانين المقررة، فبناءً على هذا السر؛ وكما تتولد الحرارة الغريزية في جسد الإنسان بهذا الامتزاج الكيميائي، فالدم يتصفى كذلك، إذ سُلب من الكربون، فعندما يدخل النَّفَسُ إلى الداخل ينظف ماء حياة الجسم، ويشعل نار الحياة، وعندما يخرج يثمر في الفم ثمار الكلمات التي هي من معجزات القدرة الإلهية. فسبحان من تحير في صنعه العقول. (المؤلف)
152. صفحة
الذي يحكمنا حكيمًا مطلقًا وقديرًا مطلقًا وعليمًا مطلقًا؛ اختلّ انتظامنا وفسد نظامنا.
ثم يئس المدَّعي منها كذلك، فإذا به يصادف جسم إنسان، فيقول كما قال الطبيعيون، بلسان الطبيعة العمياء والفلسفة الطائشة الضالة: أنت ملكي، وأنا الذي صَنَعَك، أو لي حظّ فيك، فرَدَّ عليه ذلك الجسم الإنساني بلسان الحقيقة والحكمة، وبلسان حال انتظامه مجيبا:
إنْ كان لك علمٌ وقدرةٌ متصرفةٌ تصرفًا حقيقيًّا تتصرف في أمثالي وفي أجسام جميع الناس الذين يحملون سِكَّة القدرة وطُرَّة الفطرة على وجوههم مثلنا، وإن كان لك حاكمية وثروة قادرة على امتلاك مخازن أرزاقي ابتداء من الماء والهواء وانتهاء إلى النباتات والحيوانات، وإن كان لك قدرة مطلقة وحكمة لا حد لها تستخدم اللطائف المعنوية الواسعة السامية كالروح والقلب والعقل - التي أنا
153. صفحة
غطاء لها - بكمال الحكمة وتسوقها إلى العبادة مدرجة إياها في ظرف حقير ضيق مثلي؛ فأرنيها.
ثم قل بعد ذلك: أنا صَنَعْتُك، وإلا فاسكت.
فإن صانعي قدير على كل شيء، وعليم بكل شيء، ويرى ويسمع كل شيء بشهادة ما فيّ من الانتظام الأكمل، وبدلالة ختم الوحدة المختوم على وجهي؛ لذا لا يستطيع أن يَمُدَّ سَخيفٌ عاجزٌ مثلُك إصبعَه تجاه صنعته، ولا يستطيع أن يتدخل فيها ولو بمثقال ذرة، فلا يجد داعيةُ الشرك موضعًا في جسم الإنسان كذلك ليدخل يده فيه، وينصرف.
فإذا به يصادف نوع الإنسان فيهمس في نفسه قائلاً:
لعلني أنا كذلك أستطيع أن أتدخل في الأحوال الجسمية والفطرية لهذه الجماعة المتفرقة المتشابكة، وأجد موضعًا لأُدخِل يدي فيه، كما يتدخل الشيطان في أفعالها الاختيارية والاجتماعية، وبعدما أجد موضعًا فيه، أُجْرِي حُكْمِي على الجسم وعلى خلية الجسم اللذين طرداني، فيقول لنوع الإنسان بلسان الطبيعة الصماء، وبلسان الفلسفة الطائشة الضالة مرة أخرى: إنكم تَبْدُون في فوضى كبيرة، فأنا ربكم ومالككم، أو لي حظ في صنعكم، فحينئذ يقول نوع الإنسان بلسان الحق والحقيقة، وبلسان الحكمة والانتظام:
إنْ كانت لك قدرةٌ وحكمةٌ قادرةٌ على صنعِ القميصِ المُلْبَسِ على الأرض كلها، والمَنْسُوجِ بكمال الحكمة من خيوط ملونة بألوان زاهية مكونة من مئات ألوف أنواع جميع النباتات والحيوانات التي تشبه نوعنا، وعلى صنع البساط المفروش على الكرة الأرضية، والمنسوج نسجًا بديعًا بمئات ألوف أنواع ذوي الحياة، والمنقوش بأبدع نقش، إنْ كانت لك قدرةٌ وحكمةٌ قادرةٌ على تجديدهما - أي: القميص والبساط - بكمال الحكمة في كل وقت، علاوةً على ذلك إن كانت لك قدرة محيطة وحكمة شاملة قادرة على التصرف في العالم الذي نحن
154. صفحة
بُذُورُه، وفي الكرة الأرضية التي نحن ثمارُها، وعلى إرسال المواد الضرورية لحياتنا من بقاع العالم بميزان الحكمة، وإن كان لك اقتدار يَقْدِرُ على إيجاد جميع أمثالنا السالفين واللاحقين الذين يحملون سِكَّة القدرة نفسها على وجوههم، إن كان لك ذلك كله؛ فلربما تستطيع أن تدعي الربوبيةَ عليّ؛ وإلا فاخرس، ولا تقل ناظرًا إلى الفوضى التي تبدو في نوعي: إنني أستطيع أن أتدخَّلَ في أوضاع هؤلاء؛ لأن الانتظام فينا مُتْقَنٌ وبديعٌ، فهذه الأوضاع التي تظنها في فوضى، إنما هي استنساخ بكمال الانتظام وفق كتاب القَدَر للقدرة، إذ إن الانتظام الرائع للنباتات والحيوانات التي هي في درجةٍ أدنى منا بكثير، والتي هي تحت نظارتنا، يُظهر ويدلُّ على أن الفوضى البادية فينا إنما هي كتابة نوعًا ما.
فهل من الممكن أن يكون واضعُ حَبْلِ البساط الممتدّ في أطرافه كلِّها وضعًا بديعًا دقيقًا هو غير ناسجِ البساط؟
وهل من الممكن أن يكون موجد الثمرة هو غير مُوجِدِ الشجرة؟
وهل من الممكن أن يكون مُوجِدُ النواة هو غير صانع الجسم الذي يحمل النواة؟
ثم إنك أعمى العين، لا تبصر معجزات القدرة التي على وجهي ولا خوارق الفطرة التي في ماهيتنا، فلو كنتَ مبصرًا لفهمت حتمًا أن صانعي هو من لا يخفى عليه شيء، ولا يستطيع أن يتدلل عليه شيء فيصعب عليه، فخَلْقُ النجومِ وإدارتُها هين وسهل عليه كخلق وإدارة الذرات، ويُوجِدُ الربيعَ بسهولة كإيجاده الزهرة، وهو الذي أَدْرَجَ في ماهيتي فهرسَ الكونِ الكبيرِ بكمال الانتظام؛ فهل يمكن أن يُدْخِلَ جامد عاجز أعمى وأصم مثلُك إصبعه في صَنْعَةِ مَنْ يقوم بكل هذه الأمور؟!
ويقول له: اخرس إذن! انصرف! اغرب عن وجهي! ويطرده.
155. صفحة
ثم يذهب ذلك المدَّعي إلى البساط الواسع الشاسع المفروش على وجه الأرض، وإلى القميص المزين المزركش في غاية الإبداع الذي تُغطّى به الأرض؛ ويقول له باسم الأسباب وبلسان الطبيعة والفلسفة: إنني أستطيع التصرف فيك، ويدعي قائلاً: إنني مالك لك، أو لي تأثير عليك!
وعندها يقول ذلك القميص(1) والبساط لذلك المدعي باسم الحق والحقيقة وبلسان الحكمة:
إن كانت لديك قدرة وصنعة قادرة على إيجاد ونسج جميع القمصان والبُسُط التي أُلبسها وجهُ الأرض بعدد السنوات والقرون، ثم خُلعت بانتظام وعُلّقت على حبل الزمن الماضي، والتي ستُلبس من جديد، والتي وُضِعَتْ وعُيِّنَتْ برامجُها وتصاميمُها ضمن دائرة القَدَر بكمال الانتظام، وعُلّقت على شريط المستقبل، والتي لكل منها نقوش خاصة مميزة ذات انتظام وحكمة، وإن كانت لك يدان معنويتان ذواتا حكمة وقدرة بإمكانهما أن تمتدا ابتداء من خلقة الأرض وانتهاء إلى خرابها، بل من الأزل إلى الأبد، وإن كانت لك حكمة واقتدار يمكنهما إيجاد جميع أفراد لُحْمَة بساطي فردًا فردًا، وإصلاحها وتجديدها بكمال الانتظام والحكمة، وإن كنت تقدر أن تمسك بيدك الكرةَ الأرضيةَ - التي هي نموذجنا، والتي لَبِسَتْنَا واتَّخَذَتْنا نقابًا وملاءةً لها - وتقدر أن توجدها؛ فادَّعِ الربوبية عليَّ، وإلا فاخرج؛ إذ ليس لك مكان هنا.
ثم إن فينا سكَّةَ الوحدانية وطُرَّة الأَحَدِيَّة بحيث لا يستطيع أن يمتلكنا ولا يستطيع أن يتدخل فينا مَنْ ليس الكونُ في قبضة تصرفه، ولا يرى كل شيء بجميع شئونه في آن واحد، ولا يقدر أن يعمل ما لا نهاية له من الأعمال معًا، ومن لا يكون حاضرًا وناظرًا في كل مكان، ولا يكون مُنَزَّهًا عن المكان، ولا يملك عِلْمًا وحكمةً وقدرةً لا نهاية لها.
(1) ولكن هذا البساط ذو حيوية، وفي اهتزاز منتظم، وتتبدل نقوشُه كل لحظة بحكمة وانتظام كاملين لكي يُظهِرَ تجلياتِ أسماء نَسَّاجه المختلفة كل واحد منها على حِدَةٍ. (المؤلف)
156. صفحة
فينصرف ذلك المدعي، ويقول: فلعلني أخْدَعُ الكرةَ الأرضيةَ (1) وأجد موضعًا فيها، فيخاطبها كذلك باسم الأسباب ولسان الطبيعة:
إن سَيْرَكِ سائبةً طليقةً يدل على أنك بدون مالك، إذن يمكن أن تكوني لي.
فتقول له الكرة الأرضية حينئذ باسم الحق وبلسان الحقيقة وبصدى مُدَوٍّ كالرعد: لا تهذر، كيف يمكن أن أكون سائبةً دون مالك، هل وجدت أن لباسي وأصغرَ نقطةٍ وأدقَّ خيط فيه دون انتظامٍ، وهل رأيت ذلك بغير حكمة وصنعة حتى تقول لي إنك سائبة وبدون مالك؟! فلو استطعت أن تكون مالكًا حقيقيًّا للدائرة العظيمة التي أسير فيها في سنة واحدة بحركتِي السنوية مسافة خمسة وعشرين ألف سنة تقريبًا والتي أؤدي فيها وظيفتي ومهمتي بكمال الميزان والحكمة، وإن كانت لك حكمة مطلقة وقدرة مطلقة تستطيع أن تملك بها إخوتي الكواكبَ العشرَ التي هي موظفة مثلي، وجميع مداراتها التي تسير فيها، وأن توجِد الشمسَ التي هي إمامُنا والتي نحن مرتبطين ومتعلقين بها بجاذبية الرحمة، وأن تضعها في مكانها وأن تربطني أنا والكواكب بها كأحجار المقلاع، وتديرَها وتستخدمَها بكمال الانتظام والحكمة، فادَّعِ الربوبيةَ عليَّ، وإلا فانصرف عني، فَلْتَذْهَبْ إلى الجحيم، فلي وظائف أقوم بها.
(1) الحاصل: إن الذَّرَّةَ تُحِيلُ ذلك المدعي إلى الكُرَيَّاتِ الحمراء، وتُحيِلُه الكُرَيَّاتُ الحمراء إلى الخلية، والخلية بدورها إلى جسم الإنسان، وجسم الإنسان إلى نوع الإنسان، ونوع الإنسان إلى قميص الأرض الذي نُسِجَ من أنواع ذوي الحياة، وقميص الأرض إلى الكرة الأرضية، والكرة الأرضية إلى الشمس، والشمس إلى النجوم، ويقول كل واحد منها: انصرف إلى من هو فوقي؛ فإن استطعت أن تسيطر عليه فحاول أن تسيطر عليّ وتضبطني، فإن لم تستطع أن تغلبه فلن تستطيع أن تملكني، إذن إن الذي لا يستطيع أن يجري حكمه على النجوم، لا يستطيع أن يجري حكم ربوبيته على ذرة واحدة. (المؤلف)
157. صفحة
ثم إن ما فينا من الانتظام الباهر العظيم، والحركات المذهلة، والتسخيرات الحكيمة، كلها تشير إلى أن صانعنا وبانينا؛ هو مَنْ جميع الموجودات - ابتداءً من الذرات وانتهاء إلى النجوم والشموس - مطيعةٌ ومسخرةٌ له، كأنها جندي متأهب لأوامره، وهو الحكيم ذو الجلال، والحاكم المطلق الذي ينظم الشمس مع الكواكب في غاية السهولة واليسر كتنظيمه وتزيينه شجرةً واحدةً مع ثمارها.
ثم يذهب ذلك المدَّعي إلى الشمس بعد ما لم يَجِدْ موضعًا في الأرض، يقول في قلبه: إن هذه ضخمة جدًّا، فلربما أجد فيها مَنْفَذًا وأشقُّ فيها طريقًا وبذلك أسخر الأرض كذلك، فيقول للشمس كما يقول المجوس باسم الشرك وبلسان الفلسفة المتشيطنة : إنك ملكةٌ ومالكةٌ لنفسك وتتصرفين كما تشائين، فتقول له الشمس باسم الحق وبلسان الحقيقة وبلسان الحكمة الإلهية:
حاشا مائة ألف مرة، حاشا وكلا، إنما أنا موظفةٌ مسخرةٌ، ولست إلا بِمَنْزِلة شَمْعدَانٍ في مضيف سَيِّدي، فلا أستطيع أن أكون مالكة حقيقية لذبابة واحدة، بل حتى لجناح ذبابة واحدة؛ لأن في جسم الذباب جواهرَ معنويةً، وصنائعَ وتُحَفًا بديعةً كالعين والأذن، لا تُوجَدُ في دُكَّاني، وهي خارج دائرة اقتداري، تقول هكذا وتُؤَنِّبُ المُدَّعِيَ وتُوَبِّخُه.
ثم يعود ذلك المدعي، ويقول لها بلسان الفلسفة المتفرعنة:
بما أنك لستِ مالكةً لنفسك، بل خادمة، إذن أنتِ لي باسم الأسباب ومملوكة لي، وعندها تقول له الشمس باسم الحق والحقيقة وبلسان العبودية:
إنني لا يمكن أن يَمْلِكَنِي إلاَّ مَنْ أوجد جميع النجوم العالية من أمثالي ووضعها في سماواته بكمال الحكمة ودوّرها بكمال العظمة وزينها بكمال الزينة.
158. صفحة
فيُحدِّث المدَّعي نفسَه قائلاً: إن النجوم في منتهى العدد والكثرة، وتبدو متفرقةً مُبَعثَرةً، وفي اختلاط، ولربما أظفَرُ فيها بشيء لحساب مُوَكََِّليَّ، فيدخل بينها، فيقول لها باسم الأسباب ولحساب شركائه بلسان الفلسفة الطاغية وكما يقول الصابئة عُبَّاد النجوم:
إنكم تحت إمرةحكام مختلفين لما فيكم من تشتت وتفرق شديدين، فَيَرُدُّ عليه أحد النجوم نيابةً عن جميعها قائلاً:
كم أنت سخيف وأحمق أعمى! إذ لا ترى سِكَّةَ الوحدة وطُرَّةَ الأحدية في وجوهنا ولا تَعقِلُها، ولا تعلمُ أنظمتَنا الراقيةَ السامية، ولا قوانينَ عبوديتِنا، وتَظنُّنَا بلا انتظام، فنحن صَنْعَةُ وخدَّام مَن هو واحدٌ أحدٌ يُمسِك في قبضةِ تصرِّفِه السماواتِ التي هي بحرُنا، والكونَ الذي هو شجرتُنا، وفضاءَ العالم غير المحدود الذي هو مُنْتَزَهُنا ومسارُنا، ونحن شواهدُ نورانيةٌ تدل على كمال ربوبيته كمصابيح المهرجانات، وبراهينُ مضيئةٌ تُعلنُ عن سلطنة ربوبيته، وكل طائفة منا خدام نورانيون ومضيئون، وتدل على عظمة سلطنته في منازلَ عُلويَّةٍ وسُفليَّةٍ ودُنيويَّةٍ وبَرزخيَّةٍ وأُخرَويَّةٍ في دائرة سلطنته.
أجل؛ إن كل واحد منا معجزةُ قدرةِ واحدٍ أحدٍ، وثمرةٌ موزونة بديعة لشجرةِ الخِلقةِ، وبرهانٌ مُنوَّرٌ للوحدانية، ومَنْزِل وطائِرَة ومسجدٌ للملائكة، ومصباحٌ للعوالم العلوية وشمسٌ لها، وشاهدٌ لسلطنة الربوبية، وزينةٌ لفضاء العالم وقَصْرٌ وزهرةٌ له، وسمكةٌ نورانيةٌ في بحر السماء، وعين جميلة للسماء.
فعلى الرغم مما في مجموعنا مِنْ سكوتٍ في هدوءٍ وسكونٍ، وحركةٍ في حكمةٍ، وزينةٍ في هَيْبَةٍ، وحُسْنِ خلقةٍ في انتظامٍ، وكمالِ صَنْعَةٍ في ميزانٍ، وإعلانِنا
159. صفحة
على الكون وحدةَ وأحديةَ وصمدية صانعِنا ذي الجلال وأوصاف جماله وجلاله وكماله بألسنة غير محدودة؛ على الرغم مِنْ كل ذلك تتهم خُدَّامًا مسخرين مطيعين مخلصين وأبرياء إلى نهاية الحد مثلنا بأنهم سائبين في فوضى واختلاط، وبلا وظيفة، بل بلا مالك، إذن أنت مستحق للصفع.
تقول النجمة ذلك وتَصْفَعُه وكأنها ترجم الشيطانَ فتَطْرَحُه من فوق النجوم إلى قَعْرِ جهنمَ، وتَطْرَح الطبيعةَ(1) معه إلى وديان الأوهام، وتَقْذِفُ التصادفَ إلى بِئْرِ العدم، وتُلقِي الشركاءَ في ظلمات الامتناع والمُحال، وتَقذِفُ الفلسفةَ في أسفل سافلينَ، وتتلو مع النجوم الأخرى الخطابَ القُدْسِي: ﴿لو كَانَ فِيهِمَۤا ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢) وتعلن هذه النجومُ أنه لا موضعَ لشريكٍ ولو بمقدار جناح ذبابةٍ ابتداءً من جَناح الذُّبابة وانتهاءً إلى قناديل السماء كي يُدخِل إصبعَه فيه.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سِرَاجِ وَحْدَتِكَ فِي كَثْرَةِ مَخْلُوقَاتِكَ، وَدَلاَّلِ وَحْدَانِيَّتِكَ فِي مَشْهَرِ كَائِنَاتِكَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(1) إلا أن الطبيعة تابتْ بعد أن سقطتْ، وفهمت أن وظيفتَها ليست التأثيرَ والفعلَ، بل القبولَ والانفعالَ، وعَلِمتْ أنها دَفْتَرٌ للقَدَر الإلهي نوعًا ما، ولكنها دفتر قابلٌ للتبدل والتغيُّر، وبرنامجٌ للقدرة الربانية نوعًا ما، وشريعةٌ فطريةٌ ومجموعةُ قوانينَ نوعًا ما للقدير ذي الجلال، وتَقَلَّدَتْ وظيفةَ العبودية بكمال العجز والانقياد، وتَسَمَّتْ باسم الفطرة الإلهية والصنعة الربانية. (المؤلف)
160. صفحة
الحجة الإيمانية الثالثة
"اللمعة الثالثة والعشرون"
تقتل الفكرَ الكفريَّ الناشئ عن الطبيعة قتلا لا حياة بعده، وتُفتت حجر أساس الكفر، وتفرقه شذر مذر.
إخطار:
لقد بُيِّن في هذه المذكرة مدى بعد ماهيةِ الطريق الذي يسلكه المنكرون من الطبيعيين عن العقل، ومدى قبحها وخُرافيتها من خلال تسعة محالات تتضمن تسعين محالا على الأقل.
لقد حُذِفت من هنا بعضُ المدارج للاختصار؛ إذ قد وُضِّحت تلك المحالات إلى حد ما في رسائل أخرى، لذا يَرِدُ على الخاطر فجأة؛ كيف أن هؤلاء الفلاسفة الأذكياء قبلوا مثل هذه الخرافة الظاهرة البدهية، وكيف أنهم سلكوا طريقها؟
أجل؛ إنهم لم يتبينوا ماهية مسلكهم وحقيقته، إذ بُيِّن هنا حقيقة مسلكهم وما يلزمه وما يقتضيه.
إنني على استعداد تام لإثبات أن خلاصة مذهبهم القبيح الكريه غير المعقول الذي بُيِّن في أثناء كل محال هي من مستلزمات مسلكهم ومقتضاه الضروري، وذلك ببراهين بدهية وقاطعة وبتفصيل لمن لديه شبهات(1).
(1) إن سبب تأليف هذه الرسالة هو الهجوم على القرآن الكريم بأساليب غاية في التجاوز والقبح بتزييف حقائق الإيمان قائلين لكل شيء لا تدركه عقولهم السخيفة خرافة، وإسنادِ الكفر والإلحاد إلى الطبيعة، أما ذلك الهجوم فقد ألقى في القلب غيظا شديدا بحيث جعلني أنهال بصفعات شديدة وقاسية على هؤلاء الملحدين، وعلى أصحاب المذاهب الباطلة المعرضين عن الحق، والحقّ أن دأب رسائل النور قولٌ لينٌ في رفق ولطف. (المؤلف)
161. صفحة
بســم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (ابرهيم: ١٠)
إن هذه الآية الكريمة تبين أن وجود الله ووحدانيته قاطعة في درجة البداهة، وذلك بطبيعة الاستفهام الاستنكاري: أفي الله شك؟! وينبغي ألا يُشكَّ فيه.
إخطار قبل إيضاح هذا السر:
سافرت إلى أنقرة قبل اثني عشر عامًا، في سنة ١٣٣٨هـ (١٩٢٢م)، ورأيت أن فكرة الزندقة الرهيبة تسعى إلى التسلل بمكر ودسيسة إلى أفكار أهل الايمان القوية
-بُغية إفسادها وتسميمها- الذين يفرحون لغلبة جيش الإسلام على اليونان، فتأوهت وقلت: هذا الأفعوان سيتعرض لأركان الإيمان، فكتبتُ عند ذلك في أحد رسائلي بالعربية مستمدًّا من القرآن الحكيم برهانا قويا بدرجة يستطيع معها أن يُهشِّم ويحطم رأس هذه الزندقة، حيث إن هذه الآية الكريمة تُفهِّم وجود الله ووحدانيته بدرجة البداهة، وطبعُتها في مطبعة "يَنِي كُونْ" بأنقرة.
ولكن الذين يعلمون اللغة العربية أو الذين يهتمون بها -أي الرسالة- كانوا قلة، والرسالة كانت في غاية الاختصار والإجمال؛ لذا لم يستطع ذلك البرهان القويُّ أن يؤثر تأثيرا ملموسا مع الأسف، وانتشر -مع الأسف- ذلك الفكر الكفري الإلحادي وتقوَّى.
لذا اضْطُرِرْت إلى بيان ذلك البرهان باللغة التركية إلى حد ما، ولما كان بعض أقسام ذلك البرهان قد وُضِّح توضيحا كافيا في بعض الرسائل فسيُكتب هنا مجمَلا، فالبراهين المتعددة المبثوثة في رسائل أخرى تتحد بهذا البرهان إلى حد ما، وكل واحد منها يأخذ حكم جزء من أجزاء هذه الرسالة.
162. صفحة
المقدمة:
أيها الإنسان، اعلم يقينًا أن هنالك كلماتٍ رهيبة تخرج من أفواه الناس تفوح منها رائحة الكفر والإلحاد، ويستعملها أهل الإيمان دون وعي منهم، وسنبين ثلاثًا من أهمِّها.
أولاها: [أَوْجَدَتْهُ الأَسْبَابُ] أي إن الأسباب هي التي توجِد هذا الشيءَ.
ثانيها: [تَشَكَّلَ بِنَفْسِهِ] أي إن الشيء يأتي إلى الوجود ويحدث ويتشكل من تلقاء نفسه.
ثالثتها: [اِقْتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ] أي إنه أمر طبيعي، والطبيعة هي التي تقتضيه وتوجِدُه.
أجل؛ بما أن الموجودات موجودةٌ ولا يمكن إنكارها، وبما أن كل موجود يأتي إلى الوجود في غاية الإبداع والحكمة، وبما أنه ليس قديمًا بل حادثا، فإما أن تقول أيها الملحد، إن هذا الموجودَ -هذا الحيوان مثلا- توجِده أسباب العالم، أي إن ذلك الموجود يأتي إلى الوجود باجتماع تلك الأسباب، وإما أنه يتشكل من تلقاء نفسه، وإما أنه يأتي إلى الوجود بمقتضى الطبيعة ومن جراء تأثيرها، أو أنه يوجَد بقدرة قدير ذي جلال.
فبما أنه ليس هنالك طريق -عقلا- غير هذه الطرق الأربعة، فإذا أُثبِت إثباتًا قاطعا أن الطرق الثلاثة الأولى محالة باطلة ممتنعة وغير ممكنة، فبالضرورة وبالبداهة وبلا شك ولا شبهة يَثْبُتُ طريقُ الوحدانية وهو الطريق الرابع.
أما الطريق الأول: فهو تَشكُّل الأشياء ووجود المخلوقات باجتماع أسباب العالم، فأذكر هنا ثلاثة فقط من بين محالاته الكثيرة جدًّا.
أولها: يوجَد في صيدلية ما مئات من القوارير المليئة بمواد مختلفة متنوعة، وطُلِب تحضير معجون حيوي من تلك الأدوية، ولزم الأمر تركيب ترياق خارق ذي حياة مكوَّن منها.
163. صفحة
فدخلنا الصيدلية، فإذا بنا نرى فيها أعدادا كبيرة من عبوات ذلك المعجون الحيوي وذلك الترياق ذي الحياة، وأمعنّا النظر في كل من عبوات ذلك المعجون، فرأينا أنه قد أُخذت موادّ كيمياوية بميزان خاص وبمقادير مختلفة من كل تلك القوارير؛ درهمٌ أو درهمان من هذه، وثلاثة أو أربعة دراهم من تلك، وستة أو سبعة دراهم من أخرى، وهكذا، ولو أُخذ من إحدى تلك المواد درهم ناقص أو درهم زائد لَفقد ذلك المعجون خاصيته، ولما أصبح ذا حياة، ثم قمنا بفحص ذلك الترياق ذي الحياة، فرأينا أنه قد أُخذت بميزان مخصوص مادةٌ من كل قنينة؛ بحيث لو أُخذ أكثر أو أقل ولو بمقدار ذرة، لفقد الترياق خاصيته، وأنه قد أُخذت تلك المواد بمقادير مختلفة متباينة من كل واحدة من تلك القناني وهي أكثر من خمسين قنينة.
فهل هنالك إمكان واحتمال بأي وجه من الوجوه أن تسيل تلك المواد المأخوذة بمقادير مختلفة من تلك القناني والدوارق بمقاديرها المطلوبة لا أكثر ولا أقل بتأثير تقلبات القناني من جراء مصادفة غريبة، أو بتأثير رياح عاصفة، فتنساق كلها معًا، فتجتمع فتشكل ذلك المعجون؟!
هل هنالك خرافةٌ ومحال وباطل أكثر من ذلك؟! لو أصبح الحمار حمارًا مضاعفًا ثم تحول إلى إنسان لَفَرَّ قائلا: إنني لا أقبل هذا الفكر!
فكما في هذا المثال فإن كل ذي حياة هو معجون ذو حياة ولا شك، وكل نبات شبيهٌ بترياق حيوي حيث رُكِّب من مواد كيمياوية في غاية التنوع ومن مواد مختلفة جدًّا، بل من مواد مأخوذة بمقادير في غاية الحساسية، إذ لو أُسند إلى الأسباب والعناصر وقيل إن الأسباب أوجدته فهذا بعيد عن العقل كل البعد، ومحال وباطل تماما كبطلان حصول المعجون الموجود في الصيدلية من مجرد تقلبات القناني.
164. صفحة
الحاصل: إن المواد الحياتية المأخوذة بميزان القضاء والقدر للحكيم الأزلي في هذه الصيدلية الكبرى للعالم لا يمكنها أن تأتي إلى الوجود إلا بحكمة غير محدودة، وبعلم لا نهاية له وبإرادة تشتمل على كل شيء.
فالشقي الذي يدعي أن هذه المواد هي من صنع وإيجاد الطبائع والأسباب العمياء الصماء التي لا حدود لها والتي تجري جريان السيل هو أكثر حُمقا ممن يهذي كالمجنون، وممن هو أحمق سكيرٌ قائل بأن ذلك الترياق العجيب تَكوَّن من جراء تقلبات الدوارق والقناني من تلقاء نفسها.
نعم؛ إن الكفر هذيان في حمق وسكر وجنون.
المحال الثاني: إن لم يُسنَد كل شيء إلى القدير ذي الجلال الذي هو الواحد الأحد، بل أُسند إلى الأسباب، فيلزم عندئذ أن يكون لأسباب العالم وعناصره الكثيرة جدًّا تدخلٌ في جسم كل فرد من أفراد ذوي الحياة، مع أن اجتماع أسباب متباينة مختلفة ومتضادة في جسم مخلوق صغير كالذباب بكمال الانتظام وبميزان حساس جدًّا وباتفاق تام؛ محالٌ ظاهر بحيث إن من له شعور وإدراك بقدر جناح ذبابة سيقول: إن هذا محال لا يمكن!
أجل؛ إن لجسمِ ذبابةٍ صغيرة جدًّا علاقاتٍ مع أغلب عناصر الكون وأسبابها، بل هو خلاصة له، فإن لم يُسنَد إلى القدرة الأزلية يلزمْ أن تكون تلك الأسباب المادية حاضرةً بذواتها عند جسمه، بل يلزم أن تدخل في جسمه الصغير جدًّا، بل يلزم أن تدخل في خلية واحدة من خلايا عينه التي هي نموذج صغير لجسمه، لأن السبب إن كان مادِّيا يلزم أن يكون موجودا عند المسبَّب وفي داخله.
ومن هنا يلزم قبول وجود أركان العالم والعناصر والطبائع وجودًا مادّيًّا في تلك الخلية الصغيرة التي لا تتسع لأصابع ذبابتين التي كالإبرة، وعملها فيها كبنّاء.
فيستحيي من مسلك كهذا حتى أبله بُلهاء السوفسطائية.
165. صفحة
المحال الثالث: إذا كان لموجود وحدةٌ، فلا شك أنه يصدر من واحد ومن يدٍ واحدة حسب قاعدة "الواحد لا يصدر إلا عن الواحد"، ولا سيما إذا كان ذلك الموجود ذا انتظام في غاية الكمال وميزان حساس وحياة جامعة، فإسناد ذلك الموجود البديع الموزون المتقن إلى الأيدي الفوضوية للأسباب الطبيعية غير المحدودة الجامدة الجاهلة المتجاوزة الخالية من الوعي والإدراك، العمياء الصمّاء التي هي في فوضوية عارمة -مع أنه يزداد عمى الأسباب وصممها بسبب الاجتماع والاختلاط ضمن طرق غير متناهية للإمكانات- بعيدٌ عن العقل كقبول مائة محال دفعة واحدة، مع أنه -أي الموجود- يُريِ بداهةً أنه لم يصدر عن أيدٍ متعددة هي سبب الاختلاف والفوضى، بل صدر عن يد واحدة قديرة حكيمة للغاية.
فبغض النظر عن هذا المحال فلا شك أن تأثير الأسباب المادية إنما يتم بمباشرة وتماس، مع أن تماس تلك الأسباب الطبيعية إنما هو بظواهر الموجودات ذات الحياة، في حين أننا نرى أن باطن ذوي الحياة الذي لا تصل إليه يدُ الأسباب المادية ولا تَمَسّه أكثرُ إتقانًا وإبداعًا ولطافة وأكمل صنعةً من ظاهرها بعشر مرات.
فلا يمكن إسناد ذوي الحياة الصغار جدًّا والحيوانات الصغيرة -التي لا تتسع بأي وجه من الوجوه لأيدي الأسباب المادية وآلاتها، بل لا يمكن أن تمسَّ حتى ظاهرها- إلى الأسباب الصَّمَّاء العمياء الجامدة الجاهلة الغليظة المتباعدة المتضادة، مع أنها أعجب من أكبر المخلوقات صنعةً، وأبدع منها خِلقةً، إلا إذا كان من ينسبها أعمى وأصم عمىً وصمَمًا لا حد لهما.
الطريق الثاني: وهي: "تَشَكَّلَ بِنَفْسِهِ"، أي: الموجوداتُ تتشكل من تلقاء نفسها، فلهذه الجملة كذلك محالات كثيرة، فهي باطلة ومحالة بأوجه كثيرة، فسنبين ثلاثة من محالاتها كنماذج:
166. صفحة
أولها: أيها المنكر المعاند، إن أنانيتك جعلتك أحمق إلى حد أن تحكم بقبول مائة محال مرة واحدة؛ لأنك موجود، ولست مادة بسيطة، ولست جامدًا ولست بلا تغيُّر، بل إنك آلة في غاية الإتقان في تجدد دائم، وكقصرٍ رائع في تحول دائم، وتعمل الذراتُ في جسمك كلَّ وقت، فلِجسمك علاقات مع الكائنات، خاصة من حيث الرزق، ولاسيما من حيث بقاء النوع، وله أخذ وعطاء ومبادلات معها، فالذرات العاملة في جسمك تعمل بدقة وحساسية لكيلا تخل بتلك العلاقات ولا تفسد تلك المناسبات، وتخطو كلَّ خطواتها بكل الحيطة والحذر، وكأنها تنظر وتتوجه إلى كل الكائنات، فترى علاقاتك ومناسباتك، ثم تتخذ وضعًا مناسبًا لها، فتستفيد أنت بحواسك الظاهرة والباطنة حسب الأوضاع الرائعة لتلك الذرات.
فإن لم تقبل أن الذرات الموجودة في جسمك مأموراتٌ وموظفات صغيرات للقدير الأزلي تعمل وفق قوانينه، أو أنها جيشُه، أو أسنانُ قلم القدر، أي كل ذرة كَسِنِّ قلم، أو أنها نقاطُ قلم القدرة أي كل ذرة نقطة، للزم أن تكون لكل ذرة عاملة في جسمك عينٌ تستطيع رؤية أجزاء جميع جسدك فضلا عن أنها تستطيع رؤية جميع الكائنات التي ترتبط بها، وللزم إعطاء عقل في قوة عقول مائة عبقري يستطيع أن يعلم ويعرف كلَّ ماضيك ومستقبلِك ونسلك وأصلك ومنابع عناصرك ومعادن أرزاقك.
فإسناد علم ووعي بقدر علمِ ألفِ "أفلاطون" إلى ذرة من ذرات من ليس له مثقال ذرة من عقل مثلك في مثل هذه المسائل هو خرافة وجنون لا حد لهما.
المحال الثاني: إن جسمك يشبه قصرًا بديعًا رائعًا له ألف قبة، وقد وُضِعت الأحجار في كل قبة من قبابه متكاتفةً معلقةً من غير عمد، بل إن جسمك أعجب من هذا القصر ألف مرة، لأن قصر جسمك متجدد دومًا وباستمرار وبكمال الانتظام، فكل عضو من أعضاء جسمك بغض النظر عن الروح والقلب واللطائف المعنوية التي كلٌّ منها بديعة خارقة، مثل منزل ذي قبة؛ حيث إن الذرات يتكاتف
167. صفحة
بعضها مع بعض بكمال الموازنة والتناسق كما تتكاتف أحجار تلك القبة، فتُظهِر بناء خارقا، وفنًّا رائعًا، ومعجزات قدرة عجيبة كالعين واللسان.
فإن لم تكن هذه الذرات مأمورات وموظفات تابعات لأوامر باني هذا العالم وصانعه، فينبغي عندئذ أن تكون كل واحدة من الذرات ذات حاكميةٍ مطلقة على جميع تلك الذرات الموجودة في الجسم، ومحكومةً منها كذلك بحكم مطلق في الوقت نفسه، ومماثِلة لكل واحدة منها، وضدًّا لها من حيث الحاكمية، ومَصدرًا ومنبعًا لأغلب الصفات الخاصة بالواجب الوجود وحده، وينبغي أن تكون في وضع مقيد ومُطْلَق للغاية، ومع ذلك فإسناد المصنوع الواحد المتقن البديع الذي لا يمكن أن يأتي إلى الوجود إلا بفعل الواحد الأحد حسب "سر الوحدة"، إلى ذرات غير محدودة محال ظاهر بدهي، بل مائة محال، ومن له مثقال ذرة من عقل يدرك ذلك.
المحال الثالث: إن لم يكن جسمك مخطوطًا بقلم القدير الأزلي الذي هو الواحد الأحد، بل أُسند إلى الطبيعة والأسباب وكان مطبوعا، يلزمْ عندئذ أن تكون لكل خلية من خلايا جسمك قوالب الطبيعة، بل بعدد آلاف المركبات الموجودة فيه كدوائر متداخلة.
لأن هذا الكتاب الذي بين يديك -مثلا- إن كان "مخطوطًا" فقلم واحد يكتب كل ما فيه مستنِدا إلى علم كاتبه، فإن لم يكن "مخطوطًا" ولم يُسنَد إلى قلم كاتبٍ واعتُقِد أنه قد تَشَكَّل بنفسه، أو أُسند إلى الطبيعة، يلزمْ عندئذ أن يكون لكل حرف من حروفه قلم من حديد -كما هو الحال لكتاب مطبوع- حتى يُطبَع، كما أن في المطابع حروفا من حديد بعدد الحروف ومن ثم تأتي إلى الوجود الحروفُ الموجودة في الكتاب، أي يلزم أن تكون أقلام بعدد الحروف بدلا من قلم واحد، بل يلزم أن تكون لحرف واحد آلاف من الأقلام، إن كان قد كُتب في حرف كبير صفحةٌ بقلم دقيق كما هو الحال في بعض الأحايين، بل إذا كانت تلك الحروف يتداخل بعضها في بعض وتُظهر أوضاعًا منتظمة منسقة وتُشكل هيئة مثل جسدك أنت، فعندئذ يلزم أن يكون لكل جُزء ولكل دائرة قوالب بعدد تلك المركبات.
168. صفحة
هب أنك تقول إن هذه الحالة -التي فيها مائة محال- ممكنة! إن لم تُسنَد صناعة تلك الحروف الحديدية المتقنة وصناعة تلك القوالب والأقلام البديعة -كذلك- إلى قلم واحد، يلزم لصنع تلك الأقلام والقوالب والحروف الحديدية أقلام وقوالب وحروف بعددها؛ لأن هذه الأشياء كذلك "مصنوعة" بما تحمله هذه الكلمة من معنى، ولأنها بديعة متقَنَة، وهكذا يتسلسل الأمر كلما استمررتَ.
فافهم أنت كذلك أن هذا فكر فيه محالات وخرافات بعدد ذراتك!
فيا أيها المعاند المعطل، اخجَل أنت كذلك وتخلَّ عن هذه الضلالة!
الكلمة الثالثة: [اقْتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ] أي الطبيعة هي التي تقتضيه وتصنعه وتخلقه، فلهذا الحكم محالات كثيرة.
نذكر ثلاثة منها كنماذج:
المحال الأول: إن الصنعة والإيجاد المسميين بالبصيرة والحكمة الظاهرين في أغلب الموجودات ولاسيما في ذوي الحياة إن لم یسندا إلى قلم القدر والقدرة للشمس الأزلي، بل أسندا إلى الطبيعة والقوة العمياوين الصمّاوين غير الواعيتين، للزم أن تُحضِر الطبيعة آلاتٍ ومطابعَ معنويةً لا حد لها من كل شيء من أجل الإيجاد، أو أن تُدرِج في كل شيء حكمة وقدرة قادرتين على خلق الكائنات وإدارتها؛ إذ كما أن تجليات الشمس وانعكاساتها تظهر على قطع الزجاج الصغيرة صِغر الذرة وعلى القطرات في الأرض؛ فإن لم تُسنَد تلك الشميسات المثالية المنعكسة إلى الشمس الوحيدة في السماء، للزم قبول وجود شمسٍ طبيعية وفطرية ومالكة لخواص الشمس وصغيرة في الظاهر وضخمة جدًّا في الحقيقة وجودا خارجيا في أعماق قطعة زجاج صغيرة صغر الذرة التي لا تتسع لرأس كبريت، وللزم قبول وجود شموس طبيعية بعدد ذرات الزجاج.
169. صفحة
فكما في هذا المثال تماما؛ إن لم تُسنَد الموجودات وذوو الحياة إلى تجليات أسماء الشمس الأزلي إسنادًا مباشرًا، للزم قبول قوة طبيعية في كل موجود ولا سيما في كل ذي حياة، تحمل قدرة وإرادة لا حدّ لهما، وعلمًا وحكمةً لا نهاية لهما؛ أي كأن هنالك إلها في كل موجود وفي كل حي.
فالتفكير بهذا النمط هو أشدّ المحالات بطلانًا وخرافةً في الكون، والإنسان الذي يسند صنعةَ خالق الكون -المتوجهةَ إلى الذباب- إلى الطبيعة الموهومة التافهة غير الواعية يُظهر أنه حيوان بل أكثر من الحيوان حيوانية بمائة مرة، وأقل منه وعيا بمائة مرة.
المحال الثاني: إن لم تُسنَد هذه الموجودات المنتظمة المتناسقة الموزونة البديعة المليئة بالحِكَم إلى من هو قدير وحكيم لا نهاية لقدرته وحمته وأُسنِدت إلى الطبيعة؛ للزم للطبيعة أن تُحضِر في كل حفنة من التراب ماكينات ومطابع بعدد مطابع ومصانع أوروبا حتى يستطيع ذلك التراب أن يكون سببًا لنشوء ونموّ وتصميم الأزهار والثمار التي لا حد لها والتي هو مَنشؤها ومعملها.
لأنه يبدو ويتراءى فعلا قابليةٌ قادرة على تصميم وتصوير أشكال وهيئات مختلف بعضها عن بعض غاية الاختلاف لجميع الأزهار التي وضعت بذورها بمناوبة في تراب بقدر حفنة يقوم بمهمة قاعدة وزهرية للأزهار.
فإن لم تُسنَد هذه القابلية إلى القدير ذي الجلال فلا بد أن تكون حينئذ لكل زهرة واحدةٍ آلات طبيعية خاصة في التراب الموجود في تلك الكأس وإلا لم تَحدث تلك الحالة.
لأن موادَّ البذور واحدةٌ كما في النطف والبويضات، أي مع أنها عبارة عن خليط من مولد الماء ومولد الحموضة والكربون والأزوت مخلوط خلطا غير منتظم وبلا شكل كالعجين، ولأن كل واحد من الهواء والماء والحرارة والضياء بسيط لا وعي له ولا شعور، ويجري كالسيل في تعامله مع كل شيء، فإن خروج
170. صفحة
تلك الأزهار غير المحدودة من ذلك التراب مختلفة الأشكال والتصاميم وفي غاية الانتظام والصنعة يقتضي بالبداهة وبالضرورة أن توجَد في التراب الموجود في تلك الكأس مطابع ومصانع معنوية صغيرة بقدر ما في أوربا حتى يستطيع -ذلك التراب- نسجَ هذا القدر من الأقمشة ذات الحياة وآلاف المنسوجات المختلفة النقوش.
فقس مدى انحراف أفكار الطبيعيين الكُفرية عن دائرة العقل، وأبصر مدى بعد السكارى الحمقى -الذين هم في صورة أناس والذين يظنون أن الطبيعة موجِدةٌ-
عن العقل والعلوم حيث يدَّعون أنهم متخصصون في العلوم وأنهم عقلاء، وكيف أنهم اتخذوا خرافة ممتنعة وغير ممكنة بأي وجه من الوجوه مسلكًا لهم، أبصر كل هذا واضحك عليهم وابصق.
فإن قلتَ؛ إنه إذا أُسنِدت الموجودات إلى الطبيعة يحصل محالات عجيبة كهذه، ويحصل مشكلات بدرجة الامتناع، فيا ترى كيف تزول تلك المشكلات إذا ما أُسنِدت إلى الأحد الصمد، وينقلب ذلك الامتناع ذو الصعوبات إلى الوجوب السهل؟
فالجواب: كما ذُكر في المحال الأول؛ كما أن تجلي انعكاس الشمس وفيضها وتأثيرها يظهر على كل شيء شفاف لامع بدءًا من أصغر قطعة زجاج صغر الذرة وانتهاء إلى سطح أكبر بحر بكمال السهولة كشميسات مثالية دونما صعوبة ومشقة أي كلها تُظهر ذلك الانعكاس والفيض والتأثير، فإنْ قُطِعت نسبتُها عن الشمس فعندئذ ينبغي قبول إمكان وجود شمس طبيعية ذاتية وجودا خارجيًّا بصعوبة في درجة الامتناع في كل ذرة في منتهى الصغر.
كذلك إذا أُسنِد كل موجود من الموجودات إلى الأحد الصمد مباشرة فيمكن إيصال كل حاجة لكل موجود بسهولة ويسر بدرجة الوجوب وبالانتساب والتجلي.
171. صفحة
أما إذا انقطع ذلك الانتساب وانقلبت تلك المأمورية إلى الانفلات والتسيب والفوضى وتُرك كل موجود طليقًا سائبًا وأسند إلى الطبيعة، فيلزم عندئذ أن يُفترض افتراضا فيه مائة ألف من المشكلات والصعوبات بدرجة الامتناع أن تكون للطبيعة العمياء الموجودة في الذبابت -التى تخلق ماكينة جسم لذي حياة كالذباب التي هي في منتهى الإتقان والروعة وفهرس صغير للكون- حكمةً وقدرةً قادرةً على خلق الكون وإدارته، فهذا ليس محالاً واحدًا فحسب وإنما آلاف المحالات.
الحاصل: كما أن وجود شريك ونظير للواجب الوجود ممتنع ومحال كذلك فإنَّ تدخل غيره في ربوبيته وفي إيجاده الأشياءَ ممتنع ومحال كامتناع وجود شريك له.
أما المشكلات في المحال الثاني فهي: إنه أثبت ببراهين متعددة قاطعة -كما أثبت في رسائل متعددة- أنه إذا أسند كل شيء إلى الواحد الأحد فيكون خلق كل شيء سهلا كسهولة خلق شيء واحد.
أما إذا أسند إلى الأسباب والطبيعة فيكون خلق شيء واحد ذا مشكلات كخلق كل شيء.
فخلاصة أحد هذه البراهين كالآتي: أنه إذا انتسب رجل إلى السلطان من حيث الجندية أو المأمورية، فيمكن أن ينجز ذلك المأمور وذلك الجندي بقوة ذلك الانتساب أعمالا تفوق ما ينجز بقوته الشخصية بمائة ألف مرة، ويتمكن من أسر مَلِكٍ باسم السلطان أحيانًا، ذلك لأنه لا يحمل ما يحتاجه من أجهزة وقوة لما يقوم به من أعمال وإنجازات، ولا يُضطر أن يحملها.
إن خزائن السلطان والجيشَ الذي هو نقطة استناد ذلك الجندي يحملان تلك القوة والأجهزة بواسطة ذلك الانتساب.
إذن يمكن أن يكون ما قام به من إنجازات رائعًا كإنجاز من إنجازات السلطان، وأن يكون ما قام به من أعمال وإجراءات خارقًا مثل أعمال وإجراءات جيش،
172. صفحة
كما دمّر النمل قصر فرعون بتلك المأمورية، والذباب أهلك النمرود بواسطة ذلك الانتساب، وبذلك الانتساب تُنبِتُ(1) نواة الصنوبر الصغيرة صِغر حبِّ القمح جميع أجهزة شجرة الصنوبر الضخمة.
فإنْ انقطع ذلك الانتساب وسُرِّح من تلك المأمورية فسيضطر أن يحمل أجهزة الأعمال وقوته التي ستقوم بها على ظهره ويمينه، فعندئذ يستطيع أن يقوم بعمل بمقدار قوة عضده الصغير وحسب عدد العُدّة التي على ظهره.
فإذا طُلِب منه أن يقوم في هذه الحالة بما كان يقوم به بسهولة في حالته الأولى، فلا بد أن يُحَمِّل على يمينه قوة جيش، وعلى ظهره مصنع الآلات الحربية للسلطان، فهذا خيال يخجل منه حتى المهرِّجون الذين يروون الخرافات والأساطير العجيبة لإضحاك الناس.
الحاصل: إن في إسناد كل موجود إلى واجب الوجود سهولةً بدرجة الوجوب، وفي إسناده إلى الطبيعة من حيث الإيجاد مشكلات بدرجة الامتناع وهو خارج عن دائرة العقل.
المحال الثالث:
وهو عبارة عن مثالين يوضحان هذا المحال وقد بُيِّنَا في بعض الرسائل.
المثال الأول: دخل رجل في غاية البداوة والهمجية قصرًا بُنِيَ وشُيِّد في صحراء قفر وزُيِّن وأُثِّث بجميع آثار الحضارة، ونظر فرأى فيه آلاف الأشياء المتقنة البديعة، وبدأ يتحرى عن الباني وهو يقول بهمجيته وحماقته: إن أحد
(1) إن وُجد ذلك الانتساب فتتلقى تلك النواةُ أمرًا من القدر الإلهي وتنال أعمالا رائعة، أما إذا انقطع ذلك الانتساب فيقتضي خلق تلك النواة وجود أجهزة وقدرة وصنعة أكثر مما يقتضي خلق تلك الشجرة الضخمة؛ لأن جميع أعضاء شجرة الصنوبر المجسمة التي هي أثر القدرة في الجبل يلزم أن تكون موجودة مع أجهزتها في الشجرة المعنوية التي هي أثر القدر في تلك النواة؛ إذ مصنع تلك الشجرة الضخمة هو تلك النواة، فتَظهَر الشجرة المقدَّرة -التي في البذرة- في الخارج بواسطة القدرة، فتكون شجرة صنوبر مجسمة. (المؤلف)
173. صفحة
هذه الأشياء التي في القصر هو الذي صنع القصر وما فيه دون تدخُّل أحد من الخارج، فما من شيء نظر إليه إلا وعقله الهمجي لم يستسغ أن هذا الشيء هو الذي صنع هذه الأشياء، ثم رأى سجلاًّ مكتوبا فيه برنامج بناء القصر وفهرس مشتملاته وقوانين إدارته، ومع أن هذا السجل الذي لا يد ولا عين ولا مطرقة له ليس له استعداد وقابلية أصلا لبناء وتزيين ذلك القصر كما لا يمكن ذلك لسائر الأشياء التي فيه، فإنه اضطر أن يقول: إن هذا السجل هو الذي بنى هذا القصر ونظَّمه وزينه وصنع هذه الأشياء ووضعها وعلقها في أماكنها، إذ رأى أن هناك علاقةً بين هذا السجل وبين القصر برمته من حيث كونه عنوانًا للقوانين العلمية بالنسبة للأشياء الأخرى.
وبهذا حوّل همجيته إلى هذيان الحَمقى والسكارى.
فكما في هذا المثال تمامًا يدخل رجل همجي يحمل فكر الطبيعيين المؤدي إلى إنكار الألوهية قصرَ هذا العالم المليئة كلُّ أنحائه بحِكَم شبيهة بالمعجزات والذي هو أكثر انتظامًا وإبداعًا -بدرجة لا حدَّ لها- من القصر المذكور في المثال، ولا يفكر في أن قصر هذا العالم من إبداع الذات الواجب الوجود الخارج عن دائرة الممكنات، ويُعرِض عنه، ويرى -ضمن دائرة الممكنات- مجموعةَ قوانين العادات الإلهية وفهرس الصنعة الربانية التي هي بمنزلة لوح محو وإثبات للقدر الإلهي والتي يمكنها أن تكون سجلاًّ يتبدل ويتغير ضمن قوانين إجراءات القدرة الإلهية والتي يطلق عليها -خطأً- "الطبيعة"، ويقول: "بما أن هذه الأشياء تقتضي سببًا، ولا يبدو أن هناك سببًا أنسب من هذا السجلّ، وفي الحقيقة لا يقبل العقل بأي وجه من الوجوه أن هذا السجلّ -الذي لا عين له ولا شعور ولا قدرة- يستطيع أن يقوم بالإيجاد الذي هو شأن الربوبية المطلقة والذي يقتضي وجود قدرة لا منتهى لها، وبما أنني لا أقبل الصانعَ القديم، فالأفضل أن أقول إن هذا السجل هو الذي قد أوجد هذه الأشياء ومازال يوجدها."
174. صفحة
فنحن نقول: يا أيها الأحمق السكران الذي صار أحمق أكثر من الحمقى: أخرج رأسك من مستنقع الطبيعة، وانظر، وأبصر الصانع ذا الجلال الذي تشهد على وجوده وتشير إليه بأصابعها كلُّ الموجودات بألسنة مختلفة بدءًا من الذرات وانتهاءً إلى الكواكب السيّارة، وأبصر تجليات النّقّاش الأزلي الذي بنى ذلك القصر وكتب برنامج القصر على ذلك السجلّ، وانظر إلى أوامره الملَكية، واستمع إلى قرآنه، وتخلص من تلك الهذيانات.
المثال الثاني: دخل رجل في غاية البداوة والهمجية في معسكر مهيب لجيشٍ حيث رأى تدريباتهم ومناوراتهم الجماعية المنتظمة؛ إذ تقوم كتيبة ولواء وفوج بحركة جندي واحد ويقعد وينطلق، ويطلقون كلهم النار بأمر واحد للإطلاق؛ ولأن عقله الهمجي الساذج لم يكن يدرك أن قائدًا واحدًا يقوم بالقيادة بواسطة أنظمة الدولة وقوانين السلطان، بل ينكرها فيتخيل أن هؤلاء الجنود مرتبطون ببعضهم بحبال، ويفكر كم أن ذلك الحبل الخيالي ذو خوارق فيأخذه الإعجاب والانبهار.
ثم يعود ويدخل مسجدًا عظيمًا كبيرًا مثل مسجد آياصوفيا يومَ الجمعة فيرى أن الجماعة تقوم وتركع وتسجد وتقعد بصوت رجل واحد، ولأنه لا يدرك ولا يعرف الشريعة التي هي عبارة عن مجموعة القوانين المعنوية السماوية ولا الدساتيرَ المعنوية الآتية من أوامر صاحب الشريعة، فيتخيل أن أفراد تلك الجماعة مرتبطون ببعضهم بحبال مادية، وأن تلك الحبال العجيبة أخذت تُحرِّكهم، ويخرج ويمضي بفكر سخيف يُضحِك حتى الأُناس الذين يحملون وحشية أشد الحيوانات افتراسًا.
وكما في هذا المثال تمامًا؛ يدخل منكر -يحمل فكر الطبيعة الإلحادي الذي هو محض الهمجية والوحشة- هذا العالمَ الذي هو معسكر مهيب لجنود لا حد لهم لسلطان الأزل والأبد وهذا الكون الذي هو مسجد عظيم بديع للمعبود الأزلي، ويتصور القوانين المعنوية لأنظمة الكون الآتية من حكمة ذلكم السلطان الأزلي أشياء ماديةً ويتخيل القوانينَ الاعتباريةَ لسلطنة الربوبية والأحكامَ والدساتيرَ
175. صفحة
المعنوية -التي ليس لها إلا وجود علمي- لشريعته الفطرية الكبرى؛ يتخيل أن كل واحد منها موجود خارجي وشيء مادي ويقيم تلك القوانين الآتية من العلم والكلام التي ليس لها إلا وجود علمي مكان القدرة الإلهية ويمنح يدَها الإيجادَ ثم يطلق اسم "الطبيعة" عليها ومن ثم يعتبر القوة التي ليست إلا تجلٍّ من تجليات القدرة الربانية أنها قدرة وقدير مستقل، إن هذا النوع من التفكير همجيةٌ ووحشة أحطّ مما في المثال بألف مرة.
الحاصل: إن ما يطلِق عليه الطبيعيون "الطبيعة" التي هي وهم ولا حقيقة لها لا يمكنها أن تكون إلا صنعة وليس أكثر من ذلك إن كانت لها حقيقة خارجية، ولا يمكنها أن تكون صانعًا، وهي نقش ولا يمكنها أن تكون نقّاشًا، وأحكام ولا يمكنها أن تكون حاكمًا، وشريعة فطرية ولا يمكنها أن تكون شارعًا، وستار مخلوق للعزة ولا يمكنها أن تكون خالقًا، وفطرة منفعلة ولا يمكنها أن تكون فاعلا فاطرًا، وقانون وليست قدرةً ولا يمكنها أن تكون قادرًا، ومِسطَرٌ ولا يمكنها أن تكون مَصدرًا.
الحاصل: بما أن الموجودات موجودة فعلا، وبما أنه لا يمكن تخيُّل طريق غير الطرق الأربعة لوجود موجود عن طريق "التقسيم العقلي" كما ذكر في مستهل "المذكرة السادسة عشر"، فقد أُثبِت بطلان كل واحد من جهة ثلاثة أوجه من الأوجه الأربعة بثلاثة محالات ظاهرة إثباتًا قاطعًا، فلا شك أنه يتحقق بالضرورة وبالبداهة إثبات طريق الوحدة وهو الطريق الرابع إثباتًا قاطعًا، وذلك أن الآية الكريمة المذكورة في مستهل هذه الرسالة ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ تشير إلى ألوهية الذات الواجب الوجود بداهة وبدرجة لا تدع مجالا للشك والشبهة وتُظهر أن كل شيء يصدر مباشرة من يد قدرته وأن السماوات والأرض في قبضة تصرفه.
أيها العابد للأسباب ويا أيها الرجل المسكين الذي وحِل في الطبيعة!
بما أن طبيعة كل شيء مخلوقة مثل كل شيء، إذ فيها الإبداع والصنعة، ومحدَثة، وسببها الظاهري أيضًا مصنوع كما لكل مُسبَّب، وبما أن وجود كل شيء
176. صفحة
يحتاج إلى أجهزة وآلات كثيرة جدًّا، إذن فهناك قدير مطلق يوجد الطبيعة ويخلق ذلك السبب، فما حاجة ذلك القدير المطلق إلى الوسائط العاجزة حتى يُشركها في ربوبيته وإيجاده، حاشاه، بل إنما خلق المسبَّبات والأسباب معًا مباشرة من أجل أن يُظهر تجليات أسمائه وحكمَه ورتَّبهما ونظَّمهما ووضع بينهما علاقة السببية الظاهرية وقَرَن بينهما اقترانًا ظاهريًّا وجعل الأسباب والطبيعة حجبًا ليد قدرته كي تكون مرجعًا لما يظهر في الأشياء من القصور وعدم الرحمة والنقائص الظاهرية فبذلك حفظ عزته وصانها.
فيا ترى أيهما أسهل؟ صناعة ساعاتيٍّ تروسَ الساعة ثم ترتيبها وتنظيمها بالتروس؟ أم صناعته آلةً خارقة في داخل تلك التروس ثم تسليمه صناعةَ الساعة لأيديها الجامدة كي تصنعها؟
أليست هذه الحالة الأخيرة خارجة عن دائرة الإمكان؟ هيا أجب أنت بعقلك غير المنصف، وكن أنت القاضي والحَكم.
أوْ يأتي كاتب بقلم ومداد وورقة، ثم يكتب بها هو نفسه كتابًا، أفهذا أسهل أم أن يُوجِد آلةَ كتابةٍ خاصة بذلك الكتاب وحده في تلك الورقة والمداد والقلم أبدع من ذلك الكتاب وأصعب وأشق منه، ثم يقول لتلك الآلة التي لا شعور ولا وعي لها: اكتبي أنتِ، ولا يتدخل هو نفسُه؟ فيا ترى أليس هذا أصعب من الكتابة بمائة مرة؟
فإن قلتَ: أجل؛ إن إيجاد آلة تكتب كتابًا أصعب من ذلك الكتاب بمائة مرة، إلا أن هنالك سهولة من حيث كون تلك الآلة واسطة لاستنساخها وطبعها نسخًا كثيرة من نفس الكتاب؟
فالجواب: إن النَّقَّاش الأزلي قد خلق التشخصات والملامح الخاصة التي في الأشياء بقدرته المطلقة مجدِّدًا كلَّ وقت تجليات أسمائه غير المتناهية ليُظهِر كل واحد منها في أشكال مختلفة بحيث لا يشبه أي مكتوب صمداني وأي كتاب
177. صفحة
رباني الكتبَ الأخرى بعينها البتَّةَ، على أية حال سيكون لكل كتاب ملامح خاصة متميزة كي يُعَبِّر عن معانٍ خاصة مختلفة، فإن كانت لك عين فانظر إلى ملامح الإنسان، فسترى على كل هذه الوجوه الصغيرة علامات فارقة تميزها عن غيرها من الوجوه كلها منذ عهد سيدنا آدم عليه السلام إلى وقتنا الحاضر بل إلى الأبد، مع الاتفاق في الأعضاء الأساسية، وهذه الظاهرة ثابتة قطعًا؛ لذا فكل وجه كتابٌ مستقل بذاته، إلا أنه يتطلب أدوات كتابة خاصة ويتطلب تنظيمًا خاصًّا وطريقة تأليف خاصة لتصميمه وإبداعه، ويتطلب معملاً خاصًّا يختلف عن غيره كليًّا لجلب مواده اللازمة ووضعها في أماكنها المناسبة، وإدراج كل ما يلزم لوجوده من أشياء.
فلنعتبر الطبيعة مطبعة فرضًا، ولكنها -في هذه الحالة- ستحتاج إلى التنظيم والطبع الخاصين بالمطبعة أي وضع نظامها المعيَّن في قالب، كما ستحتاج في إيجاد ذلك التنظيم إلى إرادة القدير المطلق وقدرته الذي أوجد تلك المطبعة من أجل إيجاد المواد -التي إيجادها أصعب بمائة درجة من غيرها من المواد- التي تُوجَد في جسم ذي حياة بميزان وانتظام خاص، وجلبها من أقطار العالم وتسليمها ليد تلك المطبعة، إذن فاحتمال وافتراض الطبيعة كمطبعة خرافةٌ لا معنى له إطلاقًا.
وكما في مثال الساعة والكتاب، فالصانع ذو الجلال والقادر على كل شيء خلق الأسبابَ، ويخلق المسبَّبات كذلك، ويربط المسبَّبات بالأسباب بحكمته، وحدد وعيَّن بإرادته تجليًا من تجليات الشريعة الفطرية الإلهية الكبرى التي هي عبارة عن قوانين عادة الله لتنظيم حركات الكون، وطبيعة الأشياء التي ليست إلا مرآة ومعكسًا لتجليه في الأشياء، وأوجد بقدرته وجهَ الطبيعة الذي حظي بالوجود الخارجي، وخلق الأشياء على تلك الطبيعة ومزج بعضَها في بعض.
فيا ترى هل قبول هذه الحقيقة -التي هي معقولة جدًّا والتي هي ثمرة لبراهين لا حد لها- أسهل؟ أليس قبولها هذا ضروريًّا بدرجة الوجوب؟
178. صفحة
أم إسناد الأجهزة والآلات الضرورية لجسم كل شيء إلى المواد التي تطلقون عليها اسم "الأسباب" و "الطبيعة" التي هي جامدة ومخلوقة ومصنوعة وبسيطة ولا شعور لها ولا وعي؟
وادعاء أن الأمور التي تتم بالحكمة والبصيرة أنها تتحقق من تلقاء نفسها؟
أليس هذا ممتنعا وخارجا عن دائرة الإمكان؟
أحيل هذا إلى إنصاف عقلك غير المنصف!
يقول المنكر عابد الطبيعة: بما أنك تدعوني إلى الإنصاف فإني أقول: إنني أعترف أن الطريق الذي سلكناه خطأً إلى الآن محال في مائة محال ومضر للغاية وقبيح إلى أقصى الحد، ومَن له مقدار ذرة من الشعور سيفهم مِن تحقيقاتكم السابقة أن إسناد الإيجاد إلى الأسباب والطبيعة ممتنع ومحال، وأن إسناد كل شيء إلى الذات الواجب الوجود مباشرة واجب وضروري، وإني أعلن إيماني وأقول الحمد لله على الإيمان.
ولكن عندي شبهة واحدة فقط، إنني أقبل أن الله هو الخالق، ولكنه ماذا يضر سلطنةَ ربوبيتِه تدخّلُ بعض الأسباب الجزئية في الإيجاد وفي الأشياء التافهة وكسبُها شيئًا من المدح والثناء، فهل ينقص ذلك من سلطنته؟
الجواب: كما أثبتنا في بعض الرسائل إثباتًا قاطعًا، أن شأن الحاكمية ردُّ التدخل، حتى إن أدنى حاكم وموظف لا يقبل تدخل ولده في دائرة حاكميته، ويدل قتل بعض السلاطين المتدينين -مع أنهم خلفاء- أولادهم الأبرياء بسبب توهم التدخل في حكمهم، مدى أصالة قانون رد التدخل في الحكم، وقد أظهر "قانون منع الاشتراك" الذي يقتضيه الاستقلالُ في الحكم قوتَه خلال تاريخ البشر -بدءًا من محافظين اثنين في بلدة واحدة وانتهاء إلى سلطانين اثنين في مملكة واحدة- بالهرج والمرج والاضطرابات العجيبة جدًّا.
179. صفحة
فانظر وأبصر كيف أن ظلاًّ واحدًا من ظلال الآمرية والحاكمية عند أناس عاجزين محتاجين إلى التعاون يرد التدخل إلى هذا الحد، ويمنع تدخل الغير، ويرفض الاشتراك في حكمهم ويسعى للحفاظ على استقلالهم في مناصبهم بتعصب لا نهاية له.
ثم إذا استطعت أن تقيس بين هؤلاء وبين الذات ذي الجلال الذي له الحاكمية المطلقة بدرجة الربوبية، والآمرية المطلقة بدرجة الألوهية، والاستقلال المطلق بدرجة الأحدية، والاستغناء المطلق بدرجة القادرية المطلقة وكیف أن رد التدخل ومنع الاشتراك وطرد الشريك لازم ضروري لتلك الحاكمية ومن مقتضياته الواجبة، فقس.
أما الشق الثاني من شبهتك فهو: إنْ أصبحَتْ بعض الأسباب مرجعًا لبعض من عبودية الجزئيات، فماذا ينقص ذلك من عبودية المخلوقات بدءًا من الذرات وانتهاءً إلى الكواكب السيَّارة، تلك العبودية المتوجهة إلى ذلك الذات الواجب الوجود الذي هو المعبود المطلق؟
الجواب: إن خالق هذا الكون الحكيمَ قد خلق الكون في حكم شجرة، وجعل ذوي الشعور أكمل ثمار لها، وجعل الإنسان من بين ذوي الشعور أجمع ثمارها.
فهل يسلِّم ذلك الحاكم المطلق الآمر المستقلّ الواحد الأحد الذي خلق الكون من أجل أن يُحبِّب ويُعرِّف نفسَه، الإنسانَ الذي هو ثمرة جميع الكون وشكرَ الإنسانِ وعبادتَه اللذين هما أهم شيء عنده بل نتيجة خلقه وغاية فطرته وثمرة حياته، ذلك الشكر وتلك العبادة اللذين هما أسمى ثمرة له، لأيدي الآخرين؟
فهل يجعل نتيجة الخلقة وثمرة الكون عبثًا مخالفًا حكمته كليًّا؟ حاشاه وكلا!
وهل يرضى أن يسلّم عبادات المخلوقات لأيدي الآخرين بصورة تجعلهم ينكرون حكمته وربوبيته، وهل يسمح بذلك؟
180. صفحة
وهل يُنسِي نفسَه ويجعلهم ينكرون مقاصده العالية في الكون مسلّمًا للأسباب شكرَ مخلوقاته البديعة وامتنانها وتحببها وعبوديتها، مع أنه يظهر بأفعاله أنه يحبِّب ويعرِّف نفسه بدرجة لا حد لها؟
أيها الصديق الذي تخلى عن عبادة الطبيعة! هيا قل أنت!
فيقول هو "الحمد لله"، فقد زالت هاتان الشبهتان عندي، حيث إنك أظهرت لي دليلين قويين وساطعين على الوحدانية الإلهية وعلى أنه هو المعبود الحقّ وأنه لا يستحق العبادة سواه، إذ إن إنكار هذه الحقائق مكابرة كإنكار الشمس والنهار.
181. صفحة
الحجة الإيمانية الرابعة
النكتة الثانية من "اللمعة الثلاثين"
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾
(الحجر: 21)
لقد تراءى لي من بعيد في سجن "أسكي شهر" تجل من تجليات اسم "العدل" الذي هو نكتة من نكات هذه الآية، واسم أعظم أو نور من أنواره الستة كما تراءت النكتة الأولى، فنقول عن طريق التمثيل من أجل تقريبها:
إن هذا الكون قصر بديع، فيه مدينة تتقلب بين التخريب والتعمير دومًا، وفي تلك المدينة بلدة تفور في كل وقت بين الحرب والهجرة، وفي تلك البلدة عالم يتدحرج بين الموت والحياة كل حين، ولكن في ذلك القصر وفي تلك المدينة وفي تلك البلدة وفي ذلك العالم يسود توازن وميزان عجيب مدهش، ويثبت بالبداهة أن هذه التحولات والواردات والصرفيات الجارية بين هذه الموجودات غير المحدودة توزن وتُكال بميزانِ من هو واحد أحد يرى جميع الكون والكائنات في كل آن، ويسيرها أمام نظر مراقبته وتفتيشه؛ وإلا فلو كانت الأسباب التي تسعى لإخلال التوازن والهيمنة عليه بشدة مع مائة ألف بويضة لسمكة واحدة، وعشرين ألف بذرة لزهرة واحدة كالخشخاش، ومع هجوم العناصر والانقلابات التي تجري كالسيل، لو كانت هذه الأسباب سائبة طليقة، أو أحيل أمرها إلى المصادفة العشواء التي لا هدف ولا غاية لها، وإلى القوة العمياء التي لا ميزان لها، وإلى
182. صفحة
الطبيعة المظلمة التي لا شعور لها؛ لاختلَّ وفسد توازن الأشياء وتوازن الكون إلى حد أن كان سيصيبها الهرج والمرج في سنة، بل في يوم واحد، أي إن البحار كانت ستمتلئ بالأشياء العشوائية وتتعفن، وسيتسمّم الهواء بالغازات المضرة، والأرض أيضا كانت ستتحول إلى مجمع قمامة ومذبح ومستنقع، ولاختنقت الدنيا.
فكل شيء ينظَّم ويوزن ويكال بميزان حساس وبمكيال دقيق بدءًا من خلايا جسم الحيوان، ومن الكريات الحمراء والبيضاء في الدم، ومن تحولات الذرات، وتناسب أجهزة الجسم، وانتهاء إلى واردات البحار وصرفياتها، وإلى واردات الينابيع التي تحت الأرض وصرفياتها، وإلى وِلَادات الحيوانات والنباتات ووفياتها، وإلى تخريبات الخريف وتعميرات الربيع، وإلى خدمات العناصر والنجوم وحركاتها، وإلى تغير الموت والحياة، والضياء والظلمة، والحرارة والبرودة وتضاربها ومنازلتها، بحيث إن عقل البشر لا يرى أبدًا في أي مكان أي إسراف أوعبث حقيقي، بل الحكمة الإنسانية أيضا ترى وتُرِي في كل شيء أبدع انتظام وأحسن توازن، بل ما الحكمة الإنسانية إلا تجلٍّ من تجليات ذلك الانتظام والتوازن وترجمان لهما.
فتعال الآن، وانظر إلى التوازن بين الشمس وبين الكواكب الاثني عشر المختلفة، فيا ترى ألا يدل هذا التوازن دلالة كالشمس على الصانع ذي الجلال وهو العدل القدير؟ وانظر خاصة إلى سفينتنا، أي إلى الأرض التي هي أحد الكواكب، فهي تتجول وتسيح في سنة في دائرة سعتها أربعة وعشرون ألف سنة، ومع سرعتها الفائقة هذه لا تبعثر الأشياء المرصوصة والمرتَّبة على وجهها، ولا تهزها أو تزعزعها، ولا تقذفها أو ترميها أو تطرحها إلى الفضاء، فلو زِيدَ شيء من سرعتها أو أُنقِص لكانت تقذف بسكانها إلى الفضاء وتبعثرهم فيه، ولو أَخَلَّت بتوازنها لدقيقة واحدة بل حتى لثانية واحدة فقط لأفسدت دنيانا، بل ربما اصطدمت بجِرْم آخر، وأقامت القيامة.
183. صفحة
وكذلك توازن مواليد أربعمائة ألف طائفة من الحيوانات والنباتات على وجه الأرض ووفياتها وحياتها برحمة يدل على العدل الرحيم الواحد الأحد كدلالة الضياء على الشمس.
وكذلك أجهزة وأعضاء وحواس فرد واحد مما لا حد له من أفراد أمم لا حد لها فهي متناسبةٌ ومتوازنةٌ بعضها مع بعض بميزان حساس تناسبا وموازنة تدل بالبداهة على الصانع العدل الحكيم.
وكذلك هناك توازن دقيق حساس وبديع في خلايا جسم حيوان واحد من الحيوانات، وفي مجاري دمه، وفي الكريات التي في الدم، وفي الذرات التي في الكريات، مما يثبت بالبداهة أنه يربى ويدار بميزان وقانون ونظام الواحد الخالق العدل الحكيم الأحد الذي بيده زمام كل شيء، وعنده مفاتح كل شيء، والذي لا يمنعه شيء عن شيء، ويدير جميع الأشياء بسهولة كإدارة شيء واحد.
فالذي يستبعد أن أعمال الجن والإنس ستوزن في الميزان الأعظم للعدالة في المحكمة الكبرى للحشر، ولا يؤمن بها؛ لو أمعن النظر في التوازن الأكبر الذي يراه في هذه الدنيا بناظريه، لزال استبعاده بلا شك.
فيا أيها الإنسان الشقي المسرف غير المقتصد، ويا أيها الظالم غير العادل، ويا أيها القذر غير النظيف؛ إنك تخالف جميع الموجودات بعدم قيامك بالاقتصاد والنظافة والعدالة التي هي دستور تحرك جميع الموجودات؛ لذا تلقى الكُرْهَ والبُغْضَ والغضب منها معنىً.
فإلامَ تستند حتى تثير غضب جميع الموجودات بظلمك وبعدم إقامتك الوزن، وبإسرافك وبعدم نظافتك؟
أجل؛ إن الحكمة العامة في الكون والتي هي من التجلي الأعظم لاسم "الحكيم" تدور على الاقتصاد وعدم الإسراف، وتأمرنا بالاقتصاد، وإن العدالة التامة في الكون التي هي من التجلي الأعظم لاسم "العدل" تدير توازن جميع الأشياء، وتأمر
184. صفحة
البشر بالعدالة، وإنّ ذكر الميزان أربع مرات والذي يشير إلى أربع مراتب، وأربعة أنواع للميزان في الآيات في سورة الرحمن ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَانَ أَلاَّ تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ وَأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا المِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7-9)، ليدل على درجة عظمة الميزان في الكون وأهميته الكبرى.
أجل؛ كما أنه لا إسراف في أي شيء؛ فليس هناك ظلم حقيقي وعدم توازن في أي شيء، وإن التنظيف والنظافة اللذين يأتيان من التجلي الأعظم لاسم "القدوس" ينظفان جميع موجودات الكون ويجمِّلانها، فلا يُرَى عدم النظافة والقبح الحقيقي في أي شيء ما لم تتدخل يد البشر القذرة الملوثة.
فافهم من هذا كيف أن العدالة والاقتصاد والنظافة التي هي من الحقائق القرآنية والدساتير الإسلامية هي دستور أصيل راسخ في الحياة البشرية.
واعلم مدى ارتباط الأحكام القرآنية بالكون، وكيف أنها أرسلت جذورها في الكون وكيف أنها أحاطت به، وأن إختلال تلك الحقائق مستحيل كاستحالة اختلال الكون وتشويه صورته.
فهل من الممكن أن تنقلب حقائق قوية راسخة محيطة كالرحمة والعناية والعدالة والحكمة والاقتصاد والنظافة التي تهيمن على جميع الموجودات إلى القسوة والظلم وفقدان الحكمة والإسراف، وإلى عدم النظافة والعبثية بعدم مجيء الحشر والآخرة، مع أن مئات من الحقائق المحيطة أمثال الرحمة والعناية والحفظ تقتضي وتستلزم الحشر والآخرة كهذه الأنوار الثلاثة العظمى؟ حاشاه مائة ألف مرة حاشاه!
فيا ترى؛ هل الرحمة والحكمة اللتان تحافظان على حق حياة ذبابة واحدة برحمة يمكن أن تضيِّعا ما لا حد له من حق الحياة لجميع ذوي الشعور، وما لا حد له من الحقوق لموجودات لا نهاية لها بعدم مجيئه بالحشر؟
وإن جاز التعبير فهل تسمح عظمة الربوبية التي تُبْدي حساسية ودقة لا نهاية لهما في الرحمة والشفقة والعدالة والحكمة، وسلطنة الألوهية التي زينت هذا
185. صفحة
الكون بما لا حد له من بدائع صنعه ونعمه لعرض وإظهار كمالاتها، ولكي تعرف نفسها وتحببها؛ نقول هل تسمح بعدم مجيء الحشر الذي يَحُطُّ من شأن جميع كمالاته وشأن جميع مخلوقاته ويعني إنكارَهما؟ حاشاه! إن مثل هذا الجمال المطلق لا يسمح بمثل هذا القبح المطلق أبدًا.
أجل؛ إن الذي يريد أن ينكر الآخرة يجب عليه أولا أن ينكر الدنيا بأكملها بكل حقائقها، وإلا فستكذّبه الدنيا بكل حقائقها بمائة ألف لسان، وستثبت في كذبه هذا أنه كذاب بمائة ألف مرة، فـ"الكلمة العاشرة" أثبتت بدلائلها القاطعة أن وجود الآخرة قطعيّ كوجود الدنيا ولا شك فيه.
186. صفحة
الحجة الإيمانية الخامسة
النكتة الثالثة من "اللمعة الثلاثين"
النكتة الثالثة التي تشير إلى النور الثالث من الأنوار الستة للاسم الأعظم
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿اُدْعُ إِلىَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾
(النحل: 125)
لقد تراءت لي في سجن "أسكي شهر" في شهر رمضان الشريف نكتة من نكات هذه الآية، وتجل من تجليات اسم "الحَكَم" الذي هو الاسم الأعظم أو نور من أنواره الستة، وقد كتبت النكتةُ الثالثة التي هي عبارة عن خمس نقاط على عجَل كإشارة إلى تلك النكتة فحسب، وبقيت مسودةً.
باسمه سبحانه
النقطة الأولى:
فكما أشير في "الكلمة العاشرة" فإن التجلي الأعظم لاسم "الحَكَم" جعل هذا الكون كتابًا، بحيث قد كتبت في كل صحيفة من صحائفه مئات الكتب، وأدرجت في كل سطر من سطوره مئات الصفحات، وفي كل كلمة من كلماته مئاتُ السطور،
187. صفحة
وفي كل حرف من حروفه مئاتُ الكلمات، وفي كل نقطة من نقاطه فهرس صغير للكتاب، فهذا الكتاب يدل بكل صفحاته وسطوره بل حتى بنقاطه بمئات الوجوه على نقاشه وكاتبه دلالة واضحة؛ بحيث إن مشاهدة كتاب الكون هذا تثبت وجود كاتبه ووَحْدَته أكثر مما يثبت هو وجود نفسه بمائة درجة؛ لأنه إذا كان الحرف الواحد يعبر عن نفسه بقدر حرف واحد، فهو يعبر عن كاتبه بقدر سطر.
أجل؛ إن صحيفة واحدة لهذا الكتاب الكبير هي وجه الأرض، ويُرَى بالعين في هذه الصحيفة أنه قد كتبت كتبٌ بعدد طوائف الحيوانات والنباتات في فصل الربيع معًا متداخلة وفي وقت واحد وبلا خطأ كتابةً رائعة، فسطر واحد من هذه الصحيفة هو حديقة، ونرى بأعيننا أنه قد كتبت معًا قصائد منظومة بعدد الأزهار والأشجار والنباتات التي في الحديقة متداخلة وبلا خطأ، وكلمة واحدة من ذلك السطر هي الشجرة المزهرة والمورقة التي هي على وشك أن تُثْمِرَ، فهذه الكلمة هي فقرات ذات معانٍ في مدح وثناء الحكيم ذي الجلال بعدد أوراقها وأزهارها وثمارها المنتظمة الموزونة المزينة، وكأن هذه الشجرة أيضا ككل شجرة مزهرةٍ قصيدةٌ منظومة تتغنى بمدائح نقّاشها، وكأنها تريد أن تنظر بآلاف العيون إلى آثار الحكيم ذي الجلال البديعة القيمة العجيبة التي عرضها في معرض الأرض، وكأنها قد اتخذت صورة مزينة موزونة منتظمة وذات معان، وأعطيت لها صورة حكيمة كي تَعْرِضَ أمام أنظار السلطان الأزلي في فصل الربيع الذي هو عيده الخاص واستعراضه العام هداياه وأوسمته وشاراته المرصَّعة التي منحها لتلك الشجرة، حيث تشهد على وجود وأسماء نقاشه بوجوه وألسنة كثيرة متداخلة في كل زهرة من أزهارها وثمرة من ثمارها.
فمثلاً: إن في كل زهرة وفي كل ثمرة ميزانًا، وهذا الميزان ضمن انتظام، وهذا الانتظام في تنظيم وتوازن متجددين، وهذا التوازن وهذا التنظيم في زينة وصنعة وإبداع، وهذه الزينة والصنعة والإبداع في روائح ذات معان ومذاقات ذات حكم؛
188. صفحة
لذا فكل زهرة تشير إلى الحكيم ذي الجلال إشارات بعدد أزهار تلك الشجرة، وإن نقطة نواةٍ في الثمرة التي هي بمنزلة حرف واحد في هذه الشجرة التي هي كلمة واحدة هي صندوق صغير يحمل فهرس وبرنامج تلك الشجرة بأكملها.
فقياسًا على هذا فإن جميع سطور كتاب الكون وصحائفه بمثل تجلي اسم "الحكم" و"الحكيم" جُعِلَت -ليس كل صحيفة من صحائفها فحسب بل كل سطر وكل كلمة وكل حرف وكل نقطة منها- كمعجزة؛ بحيث لو اجتمعت الأسباب كلها لما استطاعت أن تأتيَ بمثل نقطة من نقاطها، وما استطاعت معارضتها أو تحديَها.
أجل؛ إن كل آية كونية من آيات القرآن العظيم للكون تظهر معجزات بعدد نقاطها وحروفها، فلا شك أن المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصماء التي ليس لها غاية ولا ميزان ولا شعور لا تتدخل بأيةِ حال من الأحوال في ذلك الميزان الخاص، والانتظام الدقيق جدًّا، اللذين يتسمان بالحكمة والبصيرة، فلو تدخلت لظهرت حتمًا آثارُ الخللِ والفسادِ في مكان ما، والحال أنه لا يشاهد خلل أو فساد في أي مكان.
النقطة الثانية: وهي مسألتان:
المسألة الأولى: فكما بُيِّن في "الكلمة العاشرة" أنه لا بد من أن الجمال الذي في منتهى الكمال والكمال الذي في منتهى الجمال، يريد أن يرى نفسه ويُرِيها ويعرضها، وهذا أرسخ قاعدة؛ فبناء على هذا الدستور الراسخ العام فإن النقَّاش الأزلي لهذا الكتاب الكبير للكون من أجل أن يُعَرِّفَ نفسه، ومن أجل أن يُعلم كمالاته، ويظهر جماله ويحبِّب نفسَه بهذا الكون، وبكل صحيفة من صحائف هذا الكون، وكل سطر من سطوره، بل حتى بكل حرف من حروفه، ونقطة من نقاطه؛ يعرِّف ويحبِّب جمال كماله وكمال جماله بألسنة متعددة لكل موجود من الموجودات بدءا من أصغر شيء جزئي إلى أكبر شيء كلي.
189. صفحة
فيا أيها الإنسان الغافل، إن الحاكم الحَكَم الحكيم ذا الجلال والجمال يريد أن يُعَرِّفَ ويحبِّبَ نفسه لك بكل مخلوق من مخلوقاته كهذه الطُّرز والظواهر الباهرة غير المحدودة، ولكنك إن لم تعرفه بالإيمان مقابل تعريفه، وإن لم تحبب له نفسك بالعبودية مقابل تحبيبه نفسه لك، فاعلم كم في هذا من جهل وخسارة مضاعفة لا حد لهما.
المسألة الثانية: إنه لا مجال للمشاركة في ملك الصانع القدير الحكيم لهذا الكون؛ لأن وجود منتهى الانتظام في كل شيء لا يقبل الشرك؛ إذ لو تدخلت أيدٍ متعددةٌ في شيء لفسد واختلَّ ذلك الشيء، وكما أنه إذا ما وُجِدَ مَلِكان اثنان في مملكة واحدة، وواليان اثنان في مدينة واحدة، وعمدتان اثنان في قرية واحدة، ظهر اختلال وفساد في كل شأن من شئون تلك المملكة والمدينة والقرية؛ كذلك فإن أدنى موظف مأمور لا يقبل تدخل غيره في شئونه، مما يدل على أن أرسخ خاصية للحاكميةِ هي الاستقلالُ والانفرادُ.
إذن إن الانتظام يقتضي الوحدة، وإن الحاكميةَ تقتضي الانفرادَ.
فإن كان ظل مُؤقت للحاكميةِ عند الإنسانِ العاجز المحتاج إلى المعاونة يرفض مثل هذا التدخلَ، فلا شك أنه يجب أن يرفض بقوة وشدة التدخلَ في الحاكمية الحقيقية التي في مرتبة الربوبية عند من هو القدير المطلق.
فلو كان هناك مقدار ذرة من التدخل لاختلَّ الانتظام، بينما خُلق هذا الكون خلقًا بحيث يجب لخلق نواة واحدة قدرة قادرة على خلق شجرة كاملة، ويجب لخلق شجرة واحدة قدرة قادرة على خلق الكون، فلو كان هنالك شريك في الكون يتدخل وتمتد يده في الخلق، لاقتضى ذلك أن يكون له نصيب في خلق أصغر نواة أيضا؛ لأن تلك النواة نموذج للكون، إذن إن ربوبيتين لا يسعهما الكون الهائل الكبير يجب أن تسعهما نواة واحدة؛ بل ذرة واحدة، وهذا أتفه المحالات والخيالات الباطلة وأبعدها.
190. صفحة
فاعلم كيف أن الشرك والكفر اللذين يقتضيان عجز القدير المطلق -الذي يمسك جميع أحوال وكيفيات الكون بأكمله في ميزان عدله ونظام حكمته- حتى في نواة واحدة؛ خلاف وخطأ وكذب مضاعف إلى أبعد الحدود، وكيف أن التوحيد حق وحقيقة وصدق وصواب مضاعف إلى أبعد الحدود، فاعلم هذا وقل "الحمد لله على الإيمان".
النقطة الثالثة: إن الصانع القدير قد أدرج في هذا العالم باسمه الحَكَم والحكيم آلاف العوالم المنتظمة البديعة، وخلق الإنسان الذي هو أكثر من تتجلى عليه الحِكم التي في هذا الكون باعتباره مركزًا ومحورًا.
وإن أهم حِكمِ دائرة الكون وفوائده تعود وتتوجه إلى الإنسان، وفي دائرة الإنسان جُعِلَ الرزق بمنزلة مركز؛ حيث تعود وتتوجه أكثر الحكم والمصالح في عالم الإنسان إلى الرزق وتَظهَر به، ويتجلى اسم الحكيم لدى الإنسان تجليًا ساطعًا بواسطة الشعور وبواسطة الذوق في الرزق، وكل عِلم من مئات العلوم التي اكتُشِفَت بواسطة شعور الإنسان ووعيه يعرّف تجليا واحدا لاسم الحكم في نوع واحد.
فمثلا؛ لو سئل علم الطب ما هذا الكون؟ لقال بلا شك إنه صيدلية كبيرة منتظمة رائعة بديعة قد أُعِدَّ ورص فيه كل دواء بمهارة وإتقان.
ولو سئل علم الكيمياء ما هذه الكرة الأرضية؟ لقال إنها معمل كيمياء رائع بديع جدًّا.
ولقال علم الماكينات إنها مصنع رائع جدًّا لا نقص فيه ولا عيب.
ولقال علم الزراعة إنها مزرعة رائعة عجيبة، وحديقة رائعة في منتهى الخصوبة للمحاصيل تُنبِت كل أنواع الحبوب في أوانها.
ولقال علم التجارة إنها معرض رائع جدًّا، وسوق منظَّم ومنسَّق، ودكان فيه بضائع بديعة.
191. صفحة
ولقال علم التغذية إنها مستودع ومخزن مرتب رائع جدًّا يحوي كل أنواع الرزق.
ولقال علم الرزق إنها مطبخ رباني، وقِدر رحماني، تُطبَخ فيه -معًا- مئات الآلاف من الأطعمة اللذيذة بكمال الانتظام.
ولقال علم العسكرية إن الأرض معسكر جيشٍ فيه أربعمائة ألف أمة مختلفة جُنِّدت حديثًا في كل فصل ربيع ونُصبَت خيامها على وجه الأرض، ومع كل ذلك فإن أرزاقها المختلفة، وملابسها وأسلحتها المتغايرة، وتدريباتها وتسريحاتها المختلفة تُدبَّر تدبيرًا، وتدار إدارة متقنة في منتهى الإتقان وبكمال الانتظام بأمر القائد الأعظم الواحد، وقوته ورحمته في خزانته دون نسيان أي واحد منها، ودون خلط أو التباس.
ولو سئل علم الكهرباء لقال بلا شك إن سقف هذا القصر الرائع للكون زين بمصابيح كهربائية لا حد لها في منتهى الانتظام والميزان، ولكن هذا يتم بانتظام وميزان رائعين بديعين، بحيث إن تلك المصابيح السماوية -وفي مقدمتها الشمس- التي هي أكبر من الكرة الأرضية بآلاف المرات تَتَّقِدُ وتشتعل دومًا؛ إلا أنها لا تخل بتوازنها، ولا تتسبب في مشكلات، ولا تُنشِب الحريق،(1) ومع أن صرفياتها لا حد لها؛ فيا ترى من أين تأتي وارداتها وزيتها ووقودها ومواد اشتعالها؟! ولِمَ لا ينفد؟! ولِمَ لا يختل توازن اتقادها؟! مع أن المصباح الصغير ينطفئ إن لم يُعتنَ به بانتظام.
(1)قَدِّر مقدار الحطب والفحم والزيت الذي تحتاج إليه يوميًّا مدفأة الشمس التي تسخّن قصر العالم أو مصباحها! يلزم يوميًّا -على حد قول علم الفلك- مليون ضعف الكرة الأرضية من أكوام الحطب والفحم وكذلك الزيت بآلاف أضعاف بحار الكرة الأرضية حتى تتَّقد.
فتأمل الآن، وقل بعدد ذرات الشمس سبحان الله، ما شاء الله، بارك الله لعظمة وحكمة وقدرة القدير ذي الجلال الذي يشعلها دومًا بلا حطب ولا زيت! (المؤلف)
192. صفحة
فانظر إلى حكمة وقدرة الحكيم ذي الجلال الذي يوقد الشمس التي هي أكبر وأقدم من كرتنا الأرضية حسب علم الفلك بمليون سنة، والتي تعيش منذ أكثر من مليون سنة، يوقدها بدون حطب ولا فحم ولا زيت ولا يطفئها، فانظر وقل سبحان الله، وقل ما شاء الله، بارك الله، لا إله إلا الله بعدد مُعشَّرات الدقائق التي مرت على عمر الشمس.
إذن إن في هذه المصابيح السماوية انتظامًا بديعًا جدَّا، وإنها يُعتَنى بها عناية في غاية الدقة، وكأن مرجل البخار لتلك الكتل النارية الكبيرة والكثيرة جدًّا، ولتلك القناديل النورية التي لا نهاية لكثرتها هو جهنم لا تنفد حرارتها؛ حيث ترسل إليها حرارة بلا نور، وإن ماكينة تلك المصابيح الكهربائية ومركزها ومصنعها هو جنة دائمة؛ إذ ترسل إليها نورًا وضياءً، ويستمر اتقادها بانتظام بالتجلي الأعظم لاسم "الحكم" و"الحكيم".
وهكذا، فقياسا على هذه العلوم؛ فإن هذا الكون قد زُيِّن بحِكم ومصالح لا حد لها ضمن انتظام أكمل لا نقص فيه بالشهادة القاطعة لكل علم من مئات العلوم.
وإن الحَكَم الحكيم قد أدرج الحِكَم وأنواع الانتظام -التي نظَّم بها مجموع الكون كله بحكمته الخارقة المحيطة- أيضًا في أصغر ذي حياة، وأصغر نواة بمقياس أصغر.
ومن المعلوم والبدهي أن مراعاة الغايات والحكم والفوائد باستمرار وبانتظام لا يمكن أن يكون إلا بالاختيار والإرادة والقصد والمشيئة ليس غير، ولا يمكن أن تكون هذه الأمور من فعل الأسباب والطبيعة التي لا اختيار ولا إرادة ولا قصد ولا وعي ولا شعور لها، ولا يمكن أن يكون لها تدخل فيها كذلك.
إذن، إن الإنكار أوالجهل بالفاعل المختار والصانع الحكيم الذي يقتضي وجوده ويدل عليه ما لا حد له من أنواع الانتظام والحكم التي في جميع موجودات الكون، كم هو جهل وجنون عجيب لا يوصف!
193. صفحة
أجل؛ إن كان هناك شيء مثير منتهى الإثارة للتعجب والاستغراب في هذا العالم فهو هذا الإنكار؛ لأن هناك شهودًا لا حد لهم يشهدون على وجوده تعالى ووحدانيته بما لا حد له من الحكم وأنواع الانتظام في موجودات الكون، ومع كل ذلك فإن أكثر الناس عمى وجهلا يدرك كیف أن عدمَ رؤيته وعدمَ معرفته والجهلَ به تعالى عمى وجهل!
بل أستطيع أن أقول إن السوفسطائييين الذين يُظَن أنهم حمقى بين أهل الكفر لإنكارهم وجود الكون هم أعقلهم؛ لأن قبول وجود الكون وإنكار الله والخالق تعالى لا يمكن ولا يقبل؛ لذا فهم بدأوا ينكرون الكون، وأنكروا أنفسهم أيضًا، وأبطلوا عقولهم منكرين وجود كل شيء وتخلصوا من الحماقة غير المحدودة لسائر المنكرين المتسترين تحت ستار العقل، فاقتربوا من العقل إلى حد ما.
النقطة الرابعة: كما أشير في "الكلمة العاشرة"، إن صانعًا حكيمًا وبنَّاءً ماهرًا حكيمًا جدًّا، إذا ما راعى بدقة مئات الحكم في كل حجر من أحجار قصر ما، ثم لم يَبْنِ سقفًا لذلك القصر، وتركه سدى؛ ليضيِّع الحِكمَ غير المحدودة التي راعاها بخراب القصر؛ فإن ذلك ما لا يقبله أي ذي وعي، وإن حكيمًا مطلقًا يراعي بكمال حكمته في نواة صغيرة بقدر درهم مئات الأطنان من الفوائد والغايات والحكم بدقة، فلا يمكن بأي وجه من الوجوه أن يرتكب سفاهة في إسراف؛ فيوفر احتياجات كثيرة لشجرة ضخمة مثل الجبل من أجل أن تثمر مقدار درهم من فائدة فتعطي نتيجة بسيطة وثمرة واحدة؛ فيخالف وينافي بذلك حكمته كليًّا، فكما أن هذا لا يمكن بأي وجه من الوجوه، كذلك فإن الصانع الحكيم الذي قلد كل موجود من موجودات قصر الكون هذا مئات من الحكم، وجهَّزه بمئات من الوظائف، حتى إنه قلد كل شجرة حِكمًا بعدد ثمارها ووظائف بعدد أزهارها، ثم ضيّع جميعَ الحِكم التي لا تعد ولا تحصى، والوظائف التي لا نهاية لها عبثا وسدى وبلا معنى ولا فائدة بعدم مجيئه بالقيامة وعدم إتيانه بالحشر، فإن هذا
194. صفحة
الأمر يعني نسبة العجز المطلق إلى كمال قدرة ذلكم القدير المطلق، ويعني كذلك نسبة العبثية والمضرة إلى كمال حكمة الحكيم المطلق، ونسبة القبح غير المتناهي إلى جمال رحمة الرحيم المطلق، ونسبة الظلم المطلق إلى كمال عدل العادل المطلق، وكأنه إنكار الحكمة والرحمة والعدل التي تتراءى لكل واحد في الكون، وهذا أعجب المحالات إذ فيه أمور باطلة لا حد لها.
فليأت أهل الضلالة فلينظروا وليبصروا كيف أن ضلالتهم ظلمات ظلماء حالكة مرعبة، وأنها بئر وجحر مليء بالحيات والعقارب كقبورهم التي سيدخلون فيها فليفكروا في ذلك، وليعلموا أن الإيمان بالآخرة طريق جميل نوراني مثل الجنة، وليدخلوا الإيمان.
النقطة الخامسة: وهي مسألتان:
المسألة الأولى: إن اختيار الصانع ذي الجلال في كل شيء بمقتضى اسمه الحكيم أخف صورة، وأقصر طريق، وأسهل طراز، وأنفع شكل، يظهر أنه ليس في الفطرة إسراف أو عبث أو مضرة، وأن الإسراف كما أنه مناف لاسم الحَكَم فالاقتصاد ملازم له، ودستور أساسي له.
فيا أيها الإنسان المسرف غير المقتصد، اعلم مدى مخالفتك للحقيقة، لعدم قيامك بالاقتصاد الذي هو أرسخ دستور في جميع الكون، وافهم كيف أن الآية
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ تدرس دستورًا شاملا محيطًا واسعًا راسخًا.
المسألة الثانية: إنه يمكن القول إن اسمي الحَكَم والحكيم يدلان بالبداهة على رسالة الرسول الأكرم ويستلزمانها.
أجل؛ بما أن كتابًا ذا معان غزيرة يقتضي وجود معلم يدرّسه، وأن جمالا باهرا يقتضي وجود مرآة يرى نفسه فيها ويُريها، وأن صنعة بديعة متقنة تقتضي وجود داعٍ يعرضها، فلابد من وجود مرشد أكملَ ومعلم أكبرَ من بين البشر الذين هم مخاطبو هذا الكتاب الكبير للكون الذي توجد في كل حرف من حروفه
195. صفحة
مئات المعاني والحِكَم؛ حتى يدرّس الحكم القدسية الحقيقية الموجودة في ذلك الكتاب، بل يبلّغ عن وجود الحكم في الكون، بل سيكون وسيلة لظهور المقاصد الربانية في خلق الكون بل لحصولها، ويعلّم كمال صنعة الخالق وجمال أسمائه اللذين أراد أن يظهرهما باهتمام بالغ في جميع الكون، ويكون مرآة لهما، ولا شك أن وجود من يقابل التجليات الواسعة للربوبية بعبودية واسعة باسم ذوي الشعور لإرادةِ الخالقِ تحبيبَ نفسِه إلى جميعِ الموجوداتِ، وإرادتِه مقابلةَ مَنْ مخلوقاتُه ذاتُ شعورٍ ووعيٍ، ويصرف أنظار ذوي الشعور والوعي إلى صانع تلك الصنائع بصيحة إعلان وتقديس تبعث النشوة في البر والبحر، وتدوّي في السماوات والأرض، ويجعل بدروس وأوامر قدسية آذان جميع أهل العقول مصغية إليه، ويُظهر بالقرآنِ العظيمِ الشأن مقاصدَ الصانعِ الحكمِ الحكيمِ الإلهيةَ في أفضل طريقة، ويقابل جميع تجليات حِكَمَه وتجلياته الجمالية والجلالية بأفضل مقابلة، أقول لا شك أن وجود من يقوم بجميع هذه الأمور في هذا الكون لازم وضروري كوجود الشمس، وإن الذي يقوم بهذه الحقائق ويؤدي جميع هذه الوظائف في أكمل وجه هو بالمشاهدة الرسول الأكرم .
إذن إن الحكم التي في الكون تستلزم الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام استلزامًا قاطعًا؛ كما تستلزم الشمسُ الضياءَ والضياءُ النهارَ استلزامًا قاطعًا.
نعم؛ كما أن التجلي الأعظم لاسم الحكم والحكيم يقتضي الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام في أعظم درجة؛ فإن أسماء كثيرة من الأسماء الحسنى مثل:"الله، الرحمن، الرحيم، الودود، المنعم، الكريم، الجميل، الرب"، يستلزم كل واحد منها الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام استلزامًا قاطعًا، وفي أعظم درجة بالتجلي الأعظم الذي يشاهَد في الكون.
فمثلا: إن الرحمة الواسعة التي هي تجلي اسم الرحمن، تتجلى بمن هو رحمة للعالمين، وإن التحبب الإلهي والتعرف الرباني اللذين هما تجلي اسم الودود يثمران ويجدان المقابل بذلكم الحبيب رب العالمين، وإن جميع أنواع الجمال
196. صفحة
التي هي تجل من تجليات اسم "الجميل" أي جمال الذات الإلهية، وجمال الأسماء، وجمال الصنعة، وجمال المصنوعات كذلك تشاهَد في المرآة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام وتُعْرَضُ فيها، وإن تجليات عظمة الربوبية وسلطنة الألوهية تُعرَف وتُرى وتشاهَد وتُفهَم وتُصدَّق برسالة الرسول الأكرم الذي هو الداعي إلى سلطنة الربوبية، وهكذا فإن كل واحد من أغلب الأسماء الحسنى كهذه الأمثلة، برهان باهر على الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام.
الحاصل: بما أن الكون موجود ولا يمكن إنكاره؛ فلاشك أن الحقائق المشهودة كالحكمة والعناية والرحمة والجمال والنظام والميزان والزينة التي هي بمنزلة ألوان الكون وزينته وأنواره وأضوائه وصنائعه وحياته وروابطه لا يمكن إنكارها بأي وجه من الوجوه، وبما أنه لا يمكن إنكار هذه الصفات والأفعال؛ فلا شك أنه لا يمكن إنكار الواجب الوجود الحكيم الكريم الرحيم الجميل الحكم العدل الذي هو موصوف تلك الصفات، وفاعل تلك الأفعال، وشمس تلك الأنوار، وهذا غير ممكن أصلا، ولا ريب أنه لا يمكن بأي وجه من الوجوه إنكار رسالة محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو سبب ظهور تلك الصفات والأفعال، بل سبب كمالها، بل سبب تحققها، وهو المرشدُ الأكبر والمعلمُ الأكمل والداعي الأعظم وكشافُ طلسم الكون ومرآةُ الصمدانية وحبيبُ الرحمن، وإن رسالته أيضًا أسنى ضياء للكون كضياء عالم الحقيقة وحقيقة الكون.
عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام بعدد عاشرات الأيام وذرات الأنام
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم
197. صفحة
الحجة الإيمانية السادسة
الحقيقة التاسعة لـ"الكلمة العاشرة"
باب الإحياء والإماتة وتجلي اسم "الحي" و"القيوم" و"المحيي" و"المميت"
أمن الممكن لقدير رحيم وعليم حكيمٍ أحيا الأرضَ الضخمة الهائلة بعد موتها وجفافها، وأظهر قدرته ضمن هذا الإحياء بحشر ونشر أنواع المخلوقات التي تزيد على ثلاثمائة ألف نوع، وحَشْرُ كل واحد منها في حد ذاته عجيب كحشر البشر، وأظهر إحاطةَ علمه بالتمييز والتفريق غير المحدودين ضمن ذلك الحشر والنشر، وضمن الاختلاط والتشابك غير المحدودين، ووجّه أنظار جميع عباده إلى السعادة الأبدية بوعد حشر البشر بأوامره السماوية كلها، وأظهر عظمة ربوبيته بِجَعْلِه جميعَ الموجودات يدًا بيدٍ متسانِدةً متكاتِفةً، مدوِّرًا إياها ضمن دائرة أمره وإرادته، وبجعله كل واحدة منها معاونًا ومسخَّرًا بعضُها لبعض، وأظهر اهتمامه بالبشر بخلقه أجمع ثمرة لشجرة الكون وألطفها وأشدها رقة ودلالا وأكثرها تضرعًا، متخذًا إياه مخاطَبًا لنفسه ومسخِّرًا له كلَّ شيء..
أمن الممكن لمثل ذلكم القدير الرحيم والعليم الحكيم ألا يأتي بالقيامة، وألا يُحدثَ الحشر، أوْ لا يستطيع أن يُحدثه، وألا يحيي البشر، أوْ لا يستطيع أن يحييهم، وألا يستطيع أن يفتح المحكمة الكبرى، وألا يخلق الجنة والنار؟! حاشا وكلا!
نعم؛ إن مصرِّف هذا العالم ذا الشأن يوجِد كثيرا جدًّا من أمثالٍ ونماذج وإشارات للحشر الأكبر، وميدان القيامة في كل عصر وفي كل سنة وفي كل يوم على وجه هذه الأرض الضيق المؤقت.
198. صفحة
فمثلا: إننا نرى في حشر الربيع أنه يَحشر وينشر أكثر من ثلاثمائة ألف نوع من الحيوانات والنباتات، الصغيرة منها والكبيرة، في خلال خمسة أو ستة أيام، ويحيي ويعيد جذور جميع الأشجار والأعشاب وبعضَ الحيوانات بعينها، ويوجد بعضها الآخر في صورة المثلية بدرجة العينية، ومع أن البذيرات -التي یختلف بعضها عن بعض اختلافات دقيقة جدا من حيث المادة- مختلطةٌ ومتداخلةٌ إلى حد كبير جدا؛ فإنها تُبعَث بكمال الامتياز والتشخيص وبسرعة هائلة، وباتساع وبسهولة تامة، وبكمال الانتظام والميزان في خلال ستة أيام أو ستة أسابيع.
فهل من الممكن أن يصعب على من يقوم بهذه الأعمال شيءٌ؟! وأن يعجز عن خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟! وألا يستطيع أن يحشر الإنسان بصيحة واحدة؟! حاشا!
فيا ترى إن كان هناك كاتبٌ ذو خوارق يكتب ثلاثمائة ألف كتاب تشوهت حروفها أو مُسِحت، في صحيفة واحدة دون تشويش ولا غلط ولا سهو ولا نقص، ويكتب جميعها معا في غاية التناسق والإتقان خلال ساعة واحدة، وقال لك أحدهم: إن ذلك الكاتب سيكتب مجدَّدًا من ذاكرته في دقيقة واحدة كتابك الذي وقع في الماء وهو من تأليفه أصلا، فهل تستطيع أن تقول: لا، لن يستطيع، لا أصدّق؟!
أوْ إن كان هناك سلطانٌ ذو معجزات رأيت أنه يرفع الجبال، ويبدل البلاد، ويحول البحار إلى البرارى بإشارة منه لإظهار قدرته أو للعبرة والتنَزُّه، ثم رأيت أن صخرة ضخمة قد تدحرجت إلى الوادي، وسَدّت طريقَ ضيوفه الذين دعاهم إلى ضيافته الخاصة، ومنعتهم من العبور، وقال لك أحدهم: إن هذا السلطان سيرفع هذه الصخرة أو سيحطمها مهما كانت ضخمةً بإشارة منه، ولن يدع ضيوفه على الطريق، فهل لك أن تقول: لن يرفعها، أو لن يستطيع أن يرفعها؟!
199. صفحة
ولو أن شخصًا يشكل جيشًا عظيمًا من جديد في يوم واحد، وإن قال لك واحدٌ: إن هذا الشخص يجمع بصوت بوقٍ الطوابيرَ التي انتشر أفرادها للاستراحة، فتدخل الطوابير تحت نظامه، فإن قلت: لا أصدّق؛ فإنك تدرك كيف أنك تصرفت بحماقة.
فإن كنت قد فهمت هذه الأمثلة الثلاثة فانظر: إن النقَّاش الأزلي يقلب أمام أعيننا صحيفة الشتاء البيضاء، ويفتح ورقة الربيع والصيف الخضراء، ويكتب على صحيفة وجه الأرض أكثر من ثلاثمائة ألف نوع بقلم القدرة والقدر في أحسن صورة، يكتب جميعَها معًا متداخلا بعضُها في بعض دون اختلاط ودون أن يمانع شيءٌ شيئًا، ولا يُخطئ أبدا، ولا يكتب خطأ، مع أنها مختلف بعضها عن بعض صورة وشكلا.
أفيمكن أن يقال في حق الذات الحكيم الحفيظ الذي يحفظ برنامجَ روحِ أكبرِ شجرةٍ مُدرِجًا إياه في أصغر نواة كالنقطة: كيف يحفظ أرواح الأموات؟!
وهل من الممكن أن يقال في حق الذات القدير الذي يدوّر الأرض كحجر المقلاع: كيف سيرفع هذه الأرض من طريق الضيوف المسافرين إلى الآخرة، أو كيف سيحطمها؟!
أو هل من الممكن أن يقال في حق الذات ذي الجلال الذي أَوْجَدَ الجيوش، أي أَوْجَدَ من جديد ومن العدم جيوشَ جميعِ ذوي الحياة، وأدرج وسجَّل الذَّرَّاتِ في طوابير أجساد كلِّ ذوي الحياة بكمال الانتظام بأمر "كن فيكون": كيف يستطيع أن يجمع الذرات الأساسية والأجزاء الأصلية للجسد، التي تعرَّف بعضها على بعض بانضوائها تحت نظام الجسد الشبيه بالطابور بصيحة واحدة؟!
ثم إنك ترى بعينيك أنه جل وعلا كم يصنع من النقوش نموذجًا ومثالا وأمارةً على الحشر، بما يشبه حشر هذا الربيع في كل دور من أدوار الأرض، وفي كل عصر من عصورها، وحتى في تبدّل الليل والنهار، وفي إيجاد السحب وإفنائها
200. صفحة
في جو السماء، حتى لو افترضتَ نفسَك -خيالا- قبل ألف سنة، وقارنتَ بين الماضي والمستقبل اللذين هما جناحا الزمن؛ لرأيت نماذج القيامة، وأمثلة الحشر بعدد العصور والأيام، ثم لو أنكرت الحشر الجسماني مستبعدًا إياه عن العقل على الرغم من مشاهدتك لهذا العدد من النماذج والأمثلة فستدرك أنت كذلك كم يكون ذلك حماقة! فانظر ماذا يقول الفرمان الأعظم حول هذه الحقيقة:
﴿فَانْظُر إلى آثَارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيىِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذلِكَ لَمُحيي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلىَ كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ (الروم: ٣٠)
الحاصل: ليس هناك شيء يحول دون حدوث الحشر، وأما مقتضيه فكلُّ شيء.
نعم؛ إن الذي يميت ويحيي تلك الأرض الضخمة التي هي محشر العجائب كإماتة وإحياء حيوان عادي بسيط، والذي جعلها مهدًا مريحًا، وسفينةً متقَنَة بديعةً للبشر والحيوان، وجعل الشمس لهم في دار الضيافة هذه سراجًا منيرًا ومُدفئًا، وجعل الكواكبَ طائراتٍ لملائكته..
نعم؛ لا شك أن ربوبية عظيمة سرمدية إلى هذا الحدّ، وحاكمية عظيمة محيطة إلى هذه الدرجة لهذا الذات لا تُبْنَيَانِ ولا تَستقران على أمور الدنيا الزائلة الفانية المضطربة التافهة المتغيرة الناقصة، التي لا كمال ولا دوام ولا بقاء لها، فلا بد إذن من أن هناك دارًا ومملكةً أخرى تليق به دائمةًً باقيةًً مستقرة رائعةًً لا زوال لها.
فهو يستخدمنا لأجل تلك الدار، ويدعونا إليها، ويَشهد على انتقالنا إليها جميعُ أصحاب الأرواح النيرة، وجميع أقطاب ذوي القلوب المنورة، وجميع أرباب العقول النورانية التي نَفَذَتْ من الظاهر إلى الحقيقة، وتشرفت بقرب الحضور الإلهي، ويخبروننا متفقين أنه سبحانه قد أعدَّ ثوابًا وجزاء، وينقلون إلينا مكررًا أنه سبحانه يَعِدُ وَعدًا قاطعًا ويُوعِدُ وعيدًا شديدًا.
201. صفحة
أما إخلاف الوعد فذلة وتذلُّلٌ فلا يستطيع أن يدنو من جلاله المقدس، وأما إخلاف الوعيد فإما ينشأ عن العفو وإما عن العجز، والحال أن الكفر جناية(1)مطلقة لا تستحق العفو، وأما القدير المطلق فهو مقدَّس ومنزَّه عن العجز، وأما الشهود والمخبرون فهم متفقون بكمال الاتفاق على أساس تلك المسألة على الرغم من أنهم مختلفون في مسالكهم ومشاربهم ومذاهبهم.
فهم من حيث الكثرة في قوة درجة التواتر، ومن حيث الكيفية في قوة الإجماع، ومن حيث المنزلة فكل واحد منهم نجم لنوع البشر، وعين لطائفة، وعزيز لقوم، ومن حيث الأهمية فهم أهل اختصاص وإثبات في تلك المسألة، ومن المعلوم أن اثنين من أهل الاختصاص في علم أو صنعة مُرَجَّحان على الآلاف الآخرين، وأن اثنين مثبِتَين في الإخبار يرجَّحان على الآلاف النافين، فمثلا: إن الرجلين اللذين يخبران بثبوت هلال رمضان يُلقيان بإنكار آلاف المنكرين في عالم العدم.
الحاصل: إنه مستحيل أن يكون هناك خبر أصدق أو قضية أقوى وأمتن أو حقيقة أظهر وأوضح منها في الدنيا؛ إذن فلا شك أن الدنيا مزرعةٌ، وأما المحشر فبَيْدَر، وأما الجنة والنار فمخزنان.
(1) نعم، إن الكفر ولأنه تحقير لجميع الكون والمخلوقات حيث يُسقط قيمة الموجودات ويتهمها بالعبثية، ولأنه تزييف تجاه جميع الأسماء الإلاهية حيث ينكر تجلي الأسماء الإلهية على مرايا الموجودات، ولأنه تكذيب لجميع المخلوقات حيث يرد شهادات الموجودات على الوحدانية لذا يُفسد الاستعدادَ الإنسانيَّ إفسادًا بحيث لا يبقى عنده قابليةٌ لقبول الصلاح والخير.
وإنه لظلم عظيم حيث إنه تعدّ على حقوق جميع المخلوقات، وعلى جميع الأسماء الإلهية.
فيقتضي الحفاظُ على هذه الحقوق وعدمُ قابلية النفس الكافرة للخير عدَمَ العفوِ عن الكفر، و ﴿إنَّ الشِرْكَ لظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٣) تفيد هذا المعنى. (المؤلف)
202. صفحة
الحجة الإيمانية السابعة
النافذة السابعة عشرة من "المكتوب الثالث والثلاثين"
إننا ننظر إلى وجه الأرض في الصيف ونرى أن "السخاء" غير المحدود و"الجود" المطلق اللذين يقتضيان التشوش في إيجاد الأشياء ويؤديان إلى الفوضى؛ يشاهَدان في منتهى الانسجام والإتقان، فانظر إلى جميع النباتات التي تزين وجه الأرض كله.
ثم إن "السرعة المطلقة" التي تقتضي الغلظة والخشونة وعدم التوازن وعدم الإتقان في إيجاد الأشياء؛ تشاهَد في كمال التوازن، فانظر إلى جميع الثمار التي تزين وجه الأرض كله.
ثم إن "الكثرة المطلقة" التي تقتضي التفاهة بل القبح؛ تشاهَد في كمال حسن الصنعة والإبداع، فانظر إلى جميع الأزهار التي تزين وجه الأرض كله وتجمله.
ثم إن "السهولة المطلقة" التي تقتضي البساطة وعدم الجودة في إيجاد الأشياء؛ تشاهَد في منتهى البداعة والمهارة والإتقان والاهتمام، فانظر بتأملٍ إلى جميع البذور والنوى التي هي بمنزلة صنيديقاتٍ لأجهزة الأشجار والنباتات المبثوثة في الأرض، وبرامجها وعليبات لسيرة حياتها.
ثم إن "البعد المطلق" الذي يقتضي الاختلاف والتفرق، يشاهد في اتفاقٍ مطلق، فانظر إلى جميع أنواع الحبوب المزروعة في جميع أقطار الأرض.
ثم إن "الاختلاط" الكامل الذي يقتضي الخلط والتشويش؛ يشاهد على العكس تمامًا في كمال الامتياز والتفريق، فانظر إلى البذور والنوى المطروحة تحت الأرض مختلطةً والمتشابهة مادةً، كيف تتمايز وتتفرق بكمالٍ في وقت تسنبلها، وإلى المواد التي تدخل الأشجار كيف تتفرق وتتمايز بكمالٍ إلى الأوراق والأزهار والثمار، وإلى الأغذية المختلطة التي تدخل الْمَعِدَة كيف تتفرق وتتمايز بكمالٍ حسب الأعضاء والخلايا المختلفة، انظر إليها وأبصر كمال القدرة في كمال الحكمة!
203. صفحة
ثم إن "الوفرة" غير المتناهية و"الرِّخَص" غير المحدود اللذين يقتضيان التفاهة وعدم الجودة والقيمة؛ هما أيضًا يُشاهَدان على الأرض في منتهى القيمة والنفاسة من حيث الصنعة والإبداع، فانظر من بين ما لا حد له من عجائب الإبداع والصنعة إلى أنواع التوت التي هي علب حلوى من القدرة الإلهية على مائدة الأرض الرحمانية، وأبصر كمال الرحمة في كمال الصنعة والإبداع!
وهذا "الرخص" غير المحدود مع منتهى النفاسة على وجه الأرض كله، و"التمايز والتفريق" غير المحدودين مع منتهى الخلط والاختلاط، ومنتهى "التوافق والتشابه" مع منتهى البعد في منتهى التمايز والتفريق، والصنع بمنتهى "الاهتمام" مع منتهى السهولة واليسر في منتهى التشابه، و"عدم الإسراف" ومنتهى "التوازن والميزان" مع السرعة المطلقة في منتهى حسن الصنع والإبداع، ومنتهى "حسن الصنع والإبداع" مع منتهى الكثرة والوفرة في منتهى الاقتصاد وعدم الإسراف، و"الانتظام المطلق" مع السخاء المطلق في منتهى حسن الصنع والإبداع؛ كل ذلك يشهد على وجوب وجود القدير ذي الجلال والحكيم ذي الكمال والرحيم ذي الجمال، وعلى كمال قدرته وجمال ربوبيته ووحدانيته وأحديته كما يدل النهار على الضياء، والضياءُ على الشمس، ويبين سر "له الأسماء الحسنى".
فيا أيها العاجز المسكين الجاهل الغافل العنيد المعطل، بم تفسر هذه الحقيقة العظمى؟ وبم توضح هذه الحال المعجزة الخارقة إلى أبعد الحدود؟ وإلى ماذا تسند هذه الصنائع والبدائع العجيبة بلا حد؟ وأي ستار من أستار الغفلة تستطيع أن تلقيه على هذه النافذة الواسعة سعة سطح الأرض فتسدّها؟ أين مصادفتك، وأين رفيقك غير الواعي، ومستندك وصاحبك في الضلال الذي تعتمد عليه وتثق به وتسميه "الطبيعة"؟
أليس تدخل المصادفة في هذه الأمور محالا في مائة محال؟ أولا يكون تفويض واحدٍ من ألفٍ من هذه الأمور الخارقة العجيبة إلى الطبيعة محالا في مائة محال؟ أم أن للطبيعة الجامدة العاجزة ماكينات ومطابع معنوية في كل شيء بعدد ما ينتجه من الأشياء؟
204. صفحة
الحجة الإيمانية الثامنة
المقدمة
إن رسالة "الشعاع الثالث" هذه التي هي الحجة الإيمانية الثامنة كما أنها تدل على وجوب وجوده سبحانه ووحدانيته؛ فكذلك تدل على إحاطة ربوبيته، وعظمة قدرته بدلائل قطعية، وتدل على إحاطة حاكميته وشمول رحمته، وتثبتهما، وتُثبت أيضًا إحاطة حكمته وشمول علمه كل أجزاء الكون؛ أي إن هناك "ثمانيَ نتائج" لكل مقدمة من مقدمات هذه الحجة الإيمانية الثامنة، وكل مقدمة من تلك المقدمات الثمانية تُثبت تلك النتائج الثمانية بدلائلها، ومن هذه الناحية فإن هناك مزايا عالية لهذه الحجة الإيمانية الثامنة.
المناجاة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 164)
يا إلهي ويا ربي، إنني أرى بنظر الإيمان وبتعليم القرآن ونوره، وبدرس الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وبإراءة اسم الحكيم أنه ما من دوران وما من حركة في السماوات إلا وتشير بانتظامها هذا إلى وجودك وتدلّ عليه
205. صفحة
وما من أجرام سماوية إلا وتشهد على ربوبيتك ووحدتك وتشير إليهما بسكونها وبنهوضها بالوظائف بدون ضجيج وضوضاء، وبقيامها بلا عَمَدٍ.
وما من نجمة إلا وتشير إلى عظمة ألوهيتك ووحدانيتك، وتشهد عليها بخلقتها الموزونة وبوضعها المنتظم، وبتبسّمها النوراني، وبختم المماثلة والمشابهة مع جميع النجوم.
وما من كوكب سيار من الكواكب السيارة الاثنى عشر إلا ويشهد على وجوب وجودك، ويشير إلى سلطنة ألوهيتك بحركاته الحكيمة، وبِمُسخَّريته في الطاعة، وبوظائفه المنتظمة وبتوابعه المهمة.
نعم؛ يا خالق السماوات والأرض، كما أن السماوات تشهد شهادة ظاهرة على وجوب وجودك مع سكانها وكل واحدة منها بمفردها، كذلك تشهد مع هيئة مجموعها بالبداهة، ويا من يدبِّر الذرات بمركباتها المنتظمة، ويديرها، ويا من يُجري تلك النجوم السيارة مع توابعها المنظومة، ويطوِّعها ويُخضِعها لأوامره، إنها تشهد جميعها على وحدتك وأحديتك شهادة قوية، حتى إن البراهين النورانية والأدلة الباهرة بعدد نجوم السماوات تُصدِّق تلك الشهادةَ.
وكذلك تدل تلك السماواتُ الصافيةُ الطاهرةُ الجميلة مع أجرامها الضخمة الهائلة والسريعة للغاية -من حيث إظهارها حالة جيش منتظم، وأسطولَ السلطنة المزين بمصابيح كهربائية- دلالةً ظاهرةً باهرةً على عظمة ربوبيتك، وعظمة قدرتك التي تُوجِد كل شيء، وتشير إشارة قوية إلى سعة حاكميتك المحيطة بما لا حد له من السماوات، ورحمتك المُحتضنة كل ذي حياة، وتشهد -بلا شك- على إحاطة علمك بكل شيء، ذلك العلم الذي يتعلق بكل أمور وكيفيات المخلوقات السماوية جميعها، والذي يمسكها بقبضته وينظمها، وعلى شمول حكمته كلَّ شيء، وإن تلك الشهادة والدلالة ظاهرة وباهرة حتى وكأن النجوم كلمات الشهادة للسماوات الشاهدة، وأدلتها النورانية المبتسمة.
206. صفحة
وأما النجوم في ميدان السماوات وفي بحرها وفضائها فتُظهر أبهة سلطنة ألوهيتك بأحوالها الشبيهة بأحوال الجنود المطيعين، والسفن المنتظمة والطائرات البديعة والمصابيح العجيبة، وقسم من تلك النجوم التي هي سائر زميلات الشمس تتوجه وتنظر إلى عوالم الآخرة بدلالة وتذكير وظائف شمسنا -التي هي فرد من أفراد ذلك الجيش- في الكواكب السيارة، وفي كرتنا الأرضية، وهي ليست بلا وظيفة، بل هي شموس العوالم الباقية.
يا واجب الوجود، ويا أيها الواحد الأحد، إن هذه النجوم البديعة وتلك الشموس والأقمار العجيبة قد سُخّرت ونُظّمت ووُظّفت في مُلكك وفي سماواتك بأمرك وقوتك وقدرتك وإدارتك وتدبيرك، وإن جميع تلك الأجرام العُلوية تُسبّح وتُكبّر الخالقَ الواحدَ الأحد الذي خلقها ويُدوّرها ويديرها، وتقول بألسنة أحوالها "سبحان الله" "الله أكبر"، وأنا بدوري أقدسك بجميع تسبيحاتها.
يا قدير ياذا الجلال يا من احتجب لشدة ظهوره، واختفى لعظمة كبريائه، ويا أيها القادر المطلق، إنني فهمت بدرس قرآنك الحكيم وبتعليم رسولك الأكرم عليه الصلاة والسلام أنه: كما أن السماوات والنجوم تشهد على وجودك ووحدتك؛ فكذلك جوُّ السماء مع سحبه وبروقه ورعوده ورياحه وأمطاره يشهد على وجوب وجودك ووحدتك.
نعم؛ إن السحاب الجامد الذي لا وعي ولا شعور له لا يَبعث المطرَ -الذي هو ماء الحياة- لإمداد ذوي الحياة المحتاجين إلاّ برحمتك وحكمتك، ولا يمكن للمصادفة العشوائية أن تتدخّل في هذا الأمر.
وأما البرق -الذي هو أعظم كهرباء، والذي يحثّ على الاستفادة منها مشيرا إلى فوائد التنوير للكهرباء- فينوِّر قدرتك المتجلية في الفضاء على أحسن صورة.
وأما الرعود التي تبشّر بقدوم المطر، والتي تُنطق الفضاء الكبير الهائل وتجلجل السماوات بأصداء تسبيحاتها؛ فتقدِّسك ناطقة بلسان قالها، وتشهد على ربوبيتك.
207. صفحة
وأما الرياح التي هي أكثر الأرزاق ضرورة لمعيشة ذوي الحياة، وأسهلها استفادة، والتي كُلفت بوظائف كثيرة جدا كمنح الأنفاس وترويح النفوس، فكما أنها تشير إلى نشاطات وإجراءات قدرتك وتشهد على وجودك بتحويلها الجوّ -بناء على حكمة ما- إلى لوح المحو والإثبات، أي كأنه سَبورة تُكتب عليها وتبيَّن ثم تُمحى، فكذلك الرحمة -أي المطر- التي تُدَرُّ من السحب برحمتك وتُرسَل إلى ذوي الحياة؛ فتشهد بكلمات القطرات الموزونة المنتظمة على سعة رحمتك وشفقتك.
يا متصرف يا فعّال يا فياض يا متعال، كما أن كل واحد من السحب والبروق والرعود والرياح والأمطار يشهد على وجوب وجودك؛ فكذلك تشير بهيئة مجموعها إشارة قوية إلى وحدتك وأحديتك من حيث الاتحاد والمعية والتداخل والمعاونة على وظائف بعضها البعض، مع أن كل واحدة منها بعيدة عن الباقي من حيث الكيفية، وضد بعضها من حيث الماهية، وكما أن كل واحدة منها تشهد على عظمة ربوبيتك التي تجعل الفضاء الكبير الهائل محشر العجائب، والتي تملؤها وتُفرغها عدة مرات في بعض الأيام، وعلى عظمة قدرتك التي تتصرف في الجو الواسع الشاسع وكأنه لوحٌ يُكتب عليه ويُبدَّل ويُمحى ما فيه، وإسفنجةٌ تعصرها وتسقي بها روضة الأرض، وبأنها تشمل كل شيء، فكذلك تدل على السعة المطلقة لرحمتك وحاكميتك اللتين ترعيان الأرضَ كافةً والمخلوقاتِ جميعَها تحت حجاب الجو، وتديرانها، وعلى أنهما تدركان كل شيء، والهواء في الفضاء يُستخدم في وظائف حكيمة، والسحب والأمطار تُستعمل في فوائد استعمالا ينم عن علم؛ بحيث لو لم يكن هناك علم محيط بكل شيء، وحكمة شاملة تشمل كل شيء؛ لما كانت تلك الاستعمالات والاستخدامات.
يا فعّالا لما يريد، إن قدرتك التي تقوم بنشاطات في جو الفضاء كإراءة نماذج الحشر والقيامة كل لحظة، وتحويل الصيف إلى الشتاء والشتاء إلى الصيف خلال ساعة واحدة، والإتيان بعالم وإرسال الآخر إلى الغيب، تشير إلى أنها ستحوّل الدنيا إلى الآخرة، وستظهر الشئون السرمدية فيها.
208. صفحة
يا قدير ذا الجلال، إن الهواء والسحاب والمطر والبرق والرعد في جو الفضاء مسخرون وموظفون في ملكك بأمرك وحولك وقوتك وقدرتك، وإن مخلوقات هذا الفضاء -التي كل واحد منها بعيد عن الآخر من حيث الماهية- تقدس آمرها وحاكمها الذي يجعلها تطيع الأوامر السريعة الفورية للغاية، والتحكمات السريعة العاجلة، وتمدح رحمته وتثني عليها.
يا خالق الأرض والسماوات يا ذا الجلال، إنني آمنت وعرفت وعلمت بتعليم قرآنك الحكيم، وبدرس رسولك الأكرم -عليه الصلاة والسلام- أنه كما أن السماوات تشهد مع نجومها وجوّ الفضاء مع ما فيه على وجوب وجودك وعلى أحديتك ووحدتك؛ فكذلك الأرض مع جميع مخلوقاتها وأحوالها تشهد على وجودك ووحدتك، وتشير إليهما شهادات وإشارات بعدد موجوداتها.
نعم؛ ما من تحوّل في وجه الأرض، وما من تبدّل -كليًّا كان أو جزئيًّا- في أشجارها وحيواناتها كتغيير ملابسها كل سنة، إلا ويشير بانتظاماته إلى وجودك ووحدتك.
وما من حيوان إلا ويشهد على وجودك ووحدتك بمنح رزقه له برحمة حسب درجة ضعفه واحتياجه، وبإعطائه الأجهزة الضرورية لحياته بحكمة.
وما من نبات وحيوان يوجَد ويخلَق كلَّ ربيع أمام أعيننا إلا ويعرِّفك بصنعته العجيبة، وزينته اللطيفة، وتميزه التام الكامل، وانتظامه وموزونيته.
وإن خلق المخلوقات -التي تملأ وجه الأرض والتي تسمى بالنباتات والحيوانات والتي هي بدائع ومعجزات قدرتك- خلقًا بديعا بلا خطأ، ومزيَّنًا ومميَّزا بعلامات فارقة من البيضات والبويضات والقطرات والحبات والحُبَيْبَات والنويات المحدودة المتشابهة والتي موادها واحدة؛ لشهادةٌ قويةٌ على وجود صانعها الحكيم ووحدته وحكمته وقدرته التي لا حد لها وهي أقوى وأسطع من شهادة الضياء على الشمس.
209. صفحة
وما من عنصر كالهواء والماء والنور والنار والتراب إلا ويشهد على وحدتك ووجودك بنهوضه وبأدائه الوظائف بإتقان ينم عن شعور ووعي مع أنه ليس له شعور أو وعي، وبإتيانها بالثمار والمحاصيل المتنوعة البديعة للغاية من خزانة الغيب مع أنها بسيطة ومكتسحة وغير منتظمة ومبعثرة هنا وهناك.
يا فاطر يا قادر يا فتّاح يا علاّم يا فعّال يا خلاّق! كما أن الأرض مع جميع سكانها تشهد على أن خالقها واجب الوجود؛ كذلك تشهد بالبداهة على وحدتك وأحديتك يا واحد يا أحد يا حنّان يا منّان يا وهّاب يا رزّاق بسكّتها الموجودة على وجهها، وبالسكك الموجودة على وجوه سكانها، ومن حيث الوحدة والاتحاد والتداخل والتعاون فيما بينهم ووحدة أسماء الربوبية وأفعالها التي تتوجه إليها وترعاها، بل تشهد بعدد الموجودات.
وكما أن وجه الأرض يدل على هيبة وعظمة ربوبيتك ونفوذ قدرتك في كل شيء، بكونه في وضع المعسكر والمشهر ومحل التدريب، وبإعطاء الأجهزة المختلفة المتباينة بانتظام لأربعمائة ألف نوع من الأمم الموجودة في فرق النباتات والحيوانات، كذلك فإن إعطاء الأرزاق المختلفة المتباينة لجميع ذوي الحياة غير المحدودين من تراب يابس بسيط في وقتها المناسب تمامًا وبصورة رحيمة وكريمة، وإطاعة هؤلاء الأفراد غير المحدودين لأوامرك الربانية بكمال المسخَّرية يُظهران أن رحمتك تشمل كل شيء، وحاكميتك تحيط بكل شيء.
ويدل على إحاطة علمك وحكمتك عدم إمكانية سَوْقِ وإدارة قوافل المخلوقات المتغيرة دائمًا في وجه الأرض، وعدم مناوبة الموت مع الحياة، وعدم إدارة وتدبير الحيوانات والنباتات، إلاّ بعلم يتعلق بكل شيء، وبحكمة غير محدودة يسري حكمها على كل شيء.
وإن منح اهتمام بالغ في هذه الدنيا -التي هي محل التدريب وفي هذه الأرض التي هي المعسكر المؤقت، وفي هذا المعرض المؤقت- للإنسان الذي يقوم
210. صفحة
بوظائف لا حد لها في الأرض في وقت قصير، والذي جُهّز بأجهزة معنوية واستعدادات وكأنه سيعيش وقتًا لا نهاية له، والذي يتصرف في موجودات الأرض، وصَرْفَ هذا القَدْرِ من المصروفات غير المحدودة، وتجليات الربوبية غير النهائية، وهذه الخطاباتِ السبحانيةَ غيرَ المحدودة، وتلك الإحساناتِ الإلهيةَ غيرَ المحدودة؛ لا شك أن كل ذلك لا ينحصر في هذا العمر القصير الحزين الكئيب، وفي هذه الحياة المشوَّشة المكدَّرة، وفي تلك الدنيا الفانية ذات البلايا، بل يشير إلى الإحسانات الأخروية الموجودة في عالم البقاء من حيث كونها مُنحت لعمر آخر أبدي، ولدار سعادة باقية، بل يشهد عليها.
يا خالق كل شيء، إن مخلوقات الأرض كلّها في ملكك وفي أرضك تدار وتسخّر بحولك وقوتك وقدرتك وإرادتك وعلمك وحكمتك، وإن الربوبية التي تُشاهد نشاطاتها وإجراءاتها على وجه الأرض تبدو محيطة وشاملة، وإن إدارتها وتدبيرها وتربيتها رائعة وحساسة، وإجراءاتها في كل مكان تكون ضمن وحدة واتحاد وتشابه؛ بحيث تدل على أن هنالك تصرفًا وربوبية في حكم "كلّ" لا يقبل التجزئة وفي حكم "كلّي" لا يمكن انقسامه، وإن الأرض تقدّس وتسبِّح خالقها مع جميع سكانها بألسنة لا حد لها أوضح من لسان المقال، وتحمد رزّاقها ذا الجلال وتمدحه وتثني عليه بألسنة أحوال نعمه التي لا حد لها.
يا من هو الأقدس الذي اختفى لشدة ظهوره، واحتجب لعظمة كبريائه، إنني أقدسك بكل تقديسات الأرض وتسبيحاتها عن كل القصور والعجز والشركاء، وأحمدك وأشكرك بجميع تحميداتها وثناءاتها.
يا رب البر والبحر، إنني فهمت بدرس القرآن وتعليم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام أنه: كما أن السماوات والفضاء والأرض تشهد على وحدتك ووجودك؛ فكذلك البحار والأنهار والعيون والغدران تشهد بالبداهة على وجوب وجودك ووحدتك.
211. صفحة
نعم؛ ما من موجود، بل ما من قطرة ماء في البحار التي هي في حكم مراجل للبخار، والتي هي منبع العجائب لدنيانا هذه إلاّ ويعرّف خالقه، بوجوده وانتظامه ومنافعه وأوضاعه.
وما من مخلوق من المخلوقات الغريبة التي تُعطى أرزاقُها من الرمل البسيط ومن الماء البسيط على أكمل وجه وصورة، وما من حيوان من الحيوانات البحرية التي خُلقت في غاية الإبداع والإتقان، وبالأخص الأسماك التي واحدة منها تعمّر وتزيِّن البحار بمليون من بويضاتها إلاّ ويشير إلى خالقه، ويشهد على رزّاقه بفطرته ووظيفته، وإدارته وإعاشته، وتدبيره وتربيته.
وما من جوهرة من الجواهر القيمة النفيسة المزيَّنة ذات الخواص المميزة في البحار إلاّ وتُعرِّفك بحسن خلقتها وفطرتها الجذابة وخواصها النافعة.
وكما أن كل واحد من هؤلاء يشهد على وحدتك بمفرده؛ فكذلك يشهد بهيئة مجموعه من حيث المعية والتداخل والوحدة في سكة الخلقة، والسهولة في الإيجاد وكثرة الأفراد، ويشير إلى وجودك، وإلى أنك واجب الوجود إشارات بعدد موجودات مجموعه، ويشهد عليهما من حيث جعْل هذه الكرة الأرضية مع برها وبحارها المحيطة بها معلقةً في الفضاء، وجعْلها تجري حول الشمس بلا انسكاب ولا تشتّت والحيلولة دون استيلاء البحار على البر، وخلْق الحيوانات المتنوعة والجواهر المختلفة المتنوعة البديعة من مائها ورمالها البسيطة، وإدارة أرزاقها وسائر أمورها بصورة كلية وكاملة، وتدبير أمورها، وعدم وجود أية جنازة من الجنائز غير المحدودة التي من المفترض وجودها على وجهي البر والبحر، وكما أن كل هذه المخلوقات تدل دلالة ظاهرة جدا على عظمة وهيبة سلطنة ربوبيتك، وعظمة قدرتك المحيطة بكل شيء؛ فكذلك تدل على ما لا نهاية له من سعة رحمتك وحاكميتك التي تصل إلى كل شيء وتحكم كل شيء بدءًا من
212. صفحة
النجوم العظيمة البديعة الموزونة للغاية فوق السماوات، وانتهاءً إلى الأسماك الصغيرة جدًّا والمرزوقة بانتظام في أعماق البحار، وتشير إلى علمك المحيط بكل شيء، وحكمتك الشاملة لكل شيء، بانتظاماتها وفوائدها وحِكمها وميزانها وموزونيتها.
وإن وجود أحواضٍ للرحمة كهذه في دار ضيافتك -الدنيا- لضيوفك المسافرين، وكونها مسخَّرة لسير وسياحة الإنسان ولسفينته ولاستفادته؛ ليُشير إلى أن الذي يُكْرِمُ بهذا القدر من الهدايا البحرية ضيوفه الذين يمكثون ليلة واحدة في فندق شُيِّد على الطريق لا شك أنه قد وفّر بحار رحمة أبدية في مقر سلطنته الأبدية؛ بحيث إن هذه نماذج فانية وصغيرة لتلك.
أجل؛ إن وجود البحار حول الأرض بصورة رائعة كهذه بشكل عجيب، وإدارة وتربية مخلوقات البحار إدارةً وتربيةً في غاية الانتظام والإتقان؛ ليدل بالبداهة على أنها مسخَّرة لأمرك في مُلكك بقوتك وقدرتك وإرادتك وتدبيرك أنت وحدك، وأنها تقدِّس خالقها بألسنة أحوالها، وتقول "الله أكبر".
يا قدير يا ذا الجلال يا من جعلتَ الجبال أوتادًا ذات كنوز لسفينة الأرض، لقد فهمت من تعليم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ومن درس قرآنك الحكيم أنه مثلما تَعرِفُك البحار وتُعرِّفك بعجائبها؛ فالجبال كذلك تَعرفك وتُعرِّفك بحكمها وخدماتها التي تؤديها من أجل سكون الأرض وثباتها أمام تأثير الزلازل، وسكوتها أمام عواصف الانقلابات الداخلية التي تحدث في جوفها، وتخلصها من استيلاء البحار عليها، وتصفية الهواء من الغازات المضرة، والحفاظ على الماء وادِّخاره، وتخزين المعادن الضرورية لذوي الحياة.
أجل؛ ما من نوع من أنواع الأحجار في الجبال، وما من قسم من أقسام الموادّ التي هي دواء لمختلف الأمراض، وما من نوع من أنواع المعادن المتنوعة جدًّا والتي هي ضرورية جدًّا لذوي الحياة ولا سيما الإنسان، وما من نوع من أنواع النباتات
213. صفحة
التي تُزيِّن الجبال والصحارى بأزهارها وتُبهِجها بأثمارها إلا ويشهد بالبداهة على وجوب وجود صانع قدير مطلق، وحكيم مطلق، ورحيم مطلق وكريم مطلق، بحِكَمه وانتظاماته، وحسن خَلْقِه، ومنافعه التي لا يمكن نسبتها إلى المصادفة، وخاصة باختلاف طعم المعادن اختلافًا كبيرًا مع أنها تتشابه في صورتها كالملح وملح الليمون والسلفات والشب، وبالأخص بأنواع النباتات المختلفة الناشئة من تراب بسيط، وبأزهارها وثمارها المتغايرة، وتشهد أيضًا على واحدية الصانع وأحديته بما في مجموعها من وحدة الإدارة ووحدة التدبير، ومن حيث الوحدة في المنشأ والمسكن والخلقة والصنع والإبداع والرخص واليسر والكثرة والسرعة في الخلق.
وكما أن صنع المصنوعات التي على سطح الجبال وفي جوفها، وكلِّ نوع من الأنواع المنتشرة في أرجاء الأرض كلها، في الوقت نفسه وبالطريقة نفسها، وبلا خطأ وفي منتهى الإبداع والسرعة، وإيجادها بلا خلط مع أنها مختلطة بالأنواع الأخرى، ودون أن يمنع فعل فعلاً؛ نقول كما أن كل ذلك يدل على عظمة ربوبيتك وعلى عظمة قدرتك التي لا يصعب عليها شيء؛ كذلك فإن ملء سطح الجبال وجوفها بالأشجار والنباتات والمعادن البديعة المنتظمة المتقنة بشكل يوفر الحاجات غير المحدودة لجميع ذوي الحياة من المخلوقات الموجودة على سطح الأرض، بل حتى يشبع أذواقها المختلفة وشهياتها المتباينة، بل حتى يشفي أمراضها المتنوعة، وتسخيرَ تلك الأشجار والنباتات والمعادن للمحتاجين؛ ليدل على سعة رحمتك التي لا حد لسعتها، وعلى سعة حاكميتك التي لا نهاية لسعتها، وإن إحضارها الأشجار والنباتات والمعادن أيضا حسب الحاجات بعلم وبصيرة وانتظام وبلا سهو ولا خطأ مع أنها مخفية، وفي ظلمات واختلاط تحت طبقات التراب ليدل على إحاطة علمك الذي يتعلق بكل شيء، وعلى شمول حكمتك -التي تنظم كل شيء- جميع الأشياء، وإن إحضار الأدوية وادخار المواد المعدنية
214. صفحة
كذلك يشير إشارة واضحة، ويدل دلالة ظاهرة على محاسن تدابير ربوبيتك التي تتم بالرحمة والكرم، وعلى اللطائف المحاطة بعنايتك.
وإن كون الجبال الضخمة مستودعات احتياطيّة متقنة للأشياء الضرورية للمسافرين الضيوف في فندق الدنيا هذا واحتياجاتهم المستقبلية، وكونها مخازن للأجهزة، ومخزنًا بديعًا لودائع كثيرة ضرورية للحياة، ليشير بل يدل بل يشهد على أنه لا بد من أن لهذا الصانع الكريم والمحب للضيوف إلى هذه الدرجة، والحكيم المحب للشفقة إلى هذا القدر، والقدير المحب للربوبية إلى هذا الحد؛ خزائن أبدية لإحساناته الأبدية في عالم أبدي لأولئك الضيوف الذين يحبهم حبًّا جمًّا فالنجوم هناك تؤدي تلك الوظائف بدلا من الجبال هنا.
يا قادرًا على كل شيء، إن الجبال وما فيها من مخلوقات مسخراتٌ ومدخرات في ملكك أنت بقوتك وقدرتك وعلمك وحكمتك أنت، وهي تقدّس وتسبّح خالقها الذي وظَّفها وسخَّرها على هذه الصورة.
يا خالق يا رحمن، ويا رب يا رحيم، لقد فهمتُ بتعليم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وبدرس قرآنك الحكيم أنه كما أن السماء والفضاء والأرض والبحر والجبل تَعرِفك وتُعرِّفك بجميع ما تحتويه وبمخلوقاتها، فإن جميع الأشجار والنباتات التي في الأرض تُعرِّفك وتَعرِفك بالبداهة بأوراقها وأزهارها وثمارها، وكل ورقة من أوراق كل الأشجار والنباتات التي تهتزّ ذاكرة في جذبة، وكل زهرة من أزهارها التي تصف وتعرّف بزينتها أسماء صانعها، وكل ثمرة من الثمار المتبسمة من لطافتها ومن تجلي الرحمة عليها؛ كما أنها تشهد على وجوب وجود صانع رحيم كريم لا نهاية لرحمته وكرمه بدرجة البداهة، وبما لا يمكن نسبته إلى المصادفة بأي وجه من الوجوه من نظامها الذي تضمن الإبداع الرائع، وما في ذلك النظام من ميزان، وما في ذلك الميزان من زينة، وما في تلك الزينة
215. صفحة
من نقوش، وما في تلك النقوش من روائح طيبة مختلفة متنوعة، وما في تلك الروائح من طعوم مختلفة ومتنوعة للثمار؛ فإنها تشهد بالبداهة كذلك مجتمعةً على واحدية وأحدية الصانع الذي هو الواجب الوجود من حيث اتحادها، ووحدتها، وتشابه بعضها مع بعض، وتشابهها في ختم الخلق، وتناسبها في التدبير والإدارة، وبتوافقها في أفعال الإيجاد والأسماء الربانية التي تتعلق بها، وإدارتها لما لا حد له من الأفراد المتداخلة لمائة ألف نوع بلا خطأ ولا سهو معًا.
ثم مثلما أنها -تلك الموجوداتِ المذكورةَ- تشهد على وجوب وجودك ووحدتك؛ فإنها تدل كذلك بإعاشة وإدارة أفراد لا حد لهم في جيش ذوي الحياة المكوَّن من أربعمائة ألف أمة على وجه الأرض إدارة وإعاشة رائعة بمئات الآلاف من الطرز والأشكال بلا سهو ولا خلط على عظمة ربوبيتك في الوحدانية، وعلى عظمة قدرتك التي توجِد الربيع في سهولة كإيجاد زهرة واحدة، وعلى تعلقها بكل شيء، وتدل أيضًا على السعة المطلقة لرحمتك التي تحضر لحيواناتك التي لا تعد وللإنسان الأنواعَ المختلفة لأطعمة لا حد لها في كل مكان على وجه الأرض الضخمة الهائلة.
وإن جريان تلك الأمور بكمال الانتظام والإنعامات والإدارة والإعاشة والإجراءات التي لا حد لها، وإطاعة كل شيء وانقياده وخضوعه -حتى الذرات- لتلك الأوامر والإجراءات لَيَدُل دلالة قاطعة على السعة المطلقة لحاكميتك، وإن صنعَ كل شيء وكل أمر بعلم وبصر لكل ورقة ولكل زهرة ولكل ثمرة ولكل جذر وغصن وفرع من تلك الأشجار والنباتات حسب مراعاة الفوائد والمصالح والحكم ليدل دلالة ظاهرة جدًّا ويشير إشارة بما لا حد له من الأصابع إلى إحاطة علمك بكل شيء، وشمول حكمتك كل شيء، ويثني ويمدح بألسنته غير المحدودة جمال صنعتك الذي هو في منتهى الكمال، وكمال نعمتك الذي هو في منتهى الجمال.
216. صفحة
وإن ما تُقدم لنا بأيدي الأشجار والنباتات في هذه الدار المؤقتة والمَضِيف الفاني، وفي زمن قصير وعمر قليل إلى هذا الحد من أنواع الإحسان والإنعام، والمصروفات القيمة الثمينة إلى هذا الحد، وأنواع الإكرام التي لا مثيل لها ليشير بل يشهد على أن الرحيم القدير الكريم الذي يُقدِّم هنا لضيوفه هذه الأنواع من الرحمة، وهذه المصروفات القيمة الثمينة إلى هذا الحد؛ لا شك ولا بد من أنه قد أعد لعباده الذين سيُخلِّدهم في عالم أبدي وفي مملكة خالدة في جناته الخالدة من خزائن رحمته الأبدية أشجارًا مثمرة، ونباتات مزهرة خالدة تليق بالجنة، حتى لا يحوِّل نتائج التحبيب والتعريف إلى ضدها، أي حتى لا تقول المخلوقات ولا يجعلها تقول: إنه أذاقنا ولكنه أعدمنا قبل أن يسمح لنا بالأكل، ولكي تحول دون سقوط سلطنة ألوهيته، ولكيلا يُنكِر رحمته المطلقة، ولا يجعل الآخرين ينكرونها، ولكيلا يحوِّل جميع أحبته المشتاقين إلى أعداء بحرمانهم من تلك النعم، لأن النعم التي هنا ما هي إلا نماذج معروضة أمام الزبائن.
ثم إن جميع الأشجار والنباتات كما أنها تقدسك وتسبح لك وتحمدك بكلمات جميع أوراقها وأزهارها وثمارها؛ فإن كل كلمة من تلك الكلمات هي الأخرى تقدسك بذاتها، ولا سيما لب الثمار البديعة وصنعتها المختلفة جدًّا ونواتها العجيبة جدًّا، وتسبيحاتها التي هي لسان مقالها من حيث إرسال موائد الطعام البديعة الصنع المتقنة تلك إلى ضيوفه الأحياء بإيداعها في يد الأشجار، ووضعها على رُءوس النباتات، فترتفع إلى منزلة لسان المقال من حيث الظهور.
كل تلك مسخرات في ملكك أنت، وبقوتك وقدرتك أنت، وبإرادتك وإحسانك أنت، وبرحمتك وحكمتك أنت، ومطيعات لكل أوامرك.
يا صانع يا حكيم، ويا خالق يا رحيم، ويا من اختفى لشدة ظهوره، ويا من تستر واحتجب لكبرياء عظمته، إنني أقدسك عن القصور والعجز والشريك بألسنةِ وبعدد جميع أوراق جميع الأشجار والنباتات وأزهارها وثمارها، وأحمدك وأثني عليك.
217. صفحة
يا فاطر يا قدير، يا مدبر يا حكيم يا مربي يا رحيم، لقد فهمت بتعليم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وبدرس القرآن الحكيم وآمنتُ بأنه كما أن النباتات والأشجار تَعرفُك، وتعرِّف صفاتك القدسية وأسماءك الحسنى؛ كذلك فما من فرد من البشر والحيوانات الذين هم القسم ذو الروح من ذوي الحياة، إلا ويشهد على وجوب وجودك، وعلى تحقق صفاتك بأعضاء جسمه الداخلية والخارجية التي تعمل وتُستخدَم بمنتهى النظام كالساعات، وبما في بدنه من آلات وحواس أدرجت وركبت وجمعت بنظام في منتهى الدقة، وبميزان في غاية الحساسية، وبفوائد مهمة جدًّا، وبأجهزته البدنية التي أدرجت وأودعت في جسمه في صُنع في غاية الإبداع وفي فرش في منتهى الحكمة، وفي ميزان في غاية الدقة؛ لأنه لا يمكن للقوة العمياء، والطبيعة التي لا شعور لها، والمصادفة العشواء أن تتدخل البتة في الصنعة اللطيفة الدقيقة التي تتسم بالبصيرة إلى هذا الحد، والحكمة الدقيقة التي تشف عن الشعور، والتوازن التام الذي يتسم بالتدبير، ولا يمكن لهذه الأمور أن تكون من فعلها أبدًا.
أما تشكلها بنفسها فهو محال فيه محالات كثيرة؛ لأن كل ذرة من ذراتها في هذه الحالة ستعلم وترى وتستطيع أن تعمل كل شيء يخصها وكل أمر من أمورها، وتشكل جسدها، بل كل شيء تتعلق به في هذه الدنيا، ويكون لها علم وقدرة محيطان وكأنها إله، ثم بعد ذلك يمكن أن يحال إليها تركيب وتشكيل الجسد، ويقال إنها تتشكل بنفسها.
وما من كيفية في مجموعها من وحدة التدبير ووحدة الإدارة ووحدة النوع ووحدة الجنس، ومن الوحدة في ختم الفطرة المشاهد بالاتفاق في وجوه الجميع من عين وأذن وفم، والاتحاد في ختم الحكمة المشاهد في ملامح وجه كل فرد من أفراد كل نوع، والاشتراك في الإعاشة والإيجاد، ومن تداخل بعضها في بعضها الآخر؛ إلا ويشهد شهادة قاطعة على وحدانيتك، ويشير إلى أحديّتك في الواحديّة بوجود تجلي جميع الأسماء التي تتوجه إلى الكون في كل فرد من أفراده.
218. صفحة
ثم إن مائة ألف نوع من الحيوانات المنتشرة على كل وجه الأرض مع الإنسان كما تدل على درجة عظمة الربوبية بتجهيزها وتدريبها وإطاعتها وتسخيرها وكأنها جيش منظم، وبجريان أوامر الربوبية بانتظام في كل شيء ابتداء من أصغره وانتهاء إلى أكبره، وكذلك تدل على درجة عظمة القدرة بخلقها وجعلها مخلوقًا بديعا ذا قيمة مع كثرتها الكاثرة، وبإيجادها في منتهى السرعة مع الإتقان الكامل، وبنشرها في منتهى السهولة مع الإبداع الخارق؛ فإنها تدل أيضا على السعة المطلقة لرحمتك التي توصل أرزاق كل تلك المخلوقات إليها بدءًا من الجرثومة وانتهاء إلى الكركدن، ومن أصغر ذبابة إلى أكبر طير، تلك التي انتشرت من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، ويدل أداء كل واحد منها وظيفته الفطرية كالجندي الممتثل للأوامر، وكونُ سطح الأرض معسكرًا لجيش جُنّد مرة أخرى في كل ربيع بدل الذين سرّحوا في فصل الخريف؛ دلالةً قاطعة على السعة غير المتناهية لحاكميتك.
ثم إنه كما أن صنع كل واحد من الحيوانات الذي هو نسخة صغيرة ومثال مصغر للكون، بعلم عميق جدًّا، وبحكمة دقيقة جدًّا، وبلا خطأ ولا سهو ولا نقص، من غير خلط الأجزاء المختلطة المتداخلة، ومن غير التباس الصور المختلفة المتميزة لجميع الحيوانات؛ يشير بأعدادها إلى إحاطة علمك بكل شيء، وشمول حكمتك لكل شيء؛ فكذلك صنع كل واحد منها يشير بخلقه خلقًا بديعًا متقَنًا -لدرجة أنه أصبح معجزة صنعة وخارقة حكمة- إلى كمال حسن صنعتك الربانية وجمالها الفائق لتلك الصنعة التي تحبها حبًّا شديدًا وتريد أن تعرضها، وكل واحد منها يدل بإشارات لا حد لها على جمال عنايتك اللطيف جدًّا، ولا سيما بتغذية الصغار تغذية لطيفة رقيقة جدًّا، وبإشباع رغبتها وآمالها.
يا رحمن يا رحيم يا صادق الوعد الأمين ويا مالك يوم الدين، لقد أدركت بتعليم رسولك الأكرم وبإرشاد قرآنك الحكيم ما يلي:
219. صفحة
بما أن أعظم نتيجة منتخَبة للكون هي الحياة، وأن أعظم خلاصة مختارة للحياة هي الروح، وأن أكثر الأقسام انتخابا من ذوي الروح هم ذوو الشعور، وأن أجمع ذوي الشعور هو الإنسان، وأن الكون قاطبة مسخر للحياة ويسعى من أجلها، وأن ذوي الحياة مسخرون لذوي الروح، ومن أجلهم يرسَلون إلى الدنيا، وأن ذوي الروح مسخرون للإنسان ويساعدونه، وأن الإنسان يحب خالقه بفطرته حبًّا صادقًا، وأن خالقه يحبه ويحبب نفسه إليه بكل الوسائل، وأن استعداد الإنسان وأجهزته المعنوية متوجهة إلى عالم آخر باق، وإلى حياة أبدية أخرى، وأن قلب الإنسان ومشاعره يريدان البقاء والخلود بكل قوتهما، وأن لسانه يتضرع إلى خالقه بما لا حد له من الأدعية من أجل الخلود؛ فلا شك ولا ريب أنه لا يمكن جرح شعور الناس المحبّين والمحبوبين بعداوة أبدية بإماتتهم إماتة لا بعث بعدها، مع أنهم خُلقوا من أجل محبة أبدية، بل أُرسلوا إلى هذه الدنيا بحكمة من أجل أن يعملوا حتى يفوزوا بحياة سعيدة في عالم أبدي آخر، وتجليات الأسماء التي تتجلى على الإنسان في هذه الحياة الفانية القصيرة تشير إلى تجلياتها الأبدية التي ستتجلى على الناس الذين سيكونون مرايا لها في العالم الباقي.
أجل؛ إن الخليل الصادق للخالد السرمدي الباقي يكون خالدًا سرمديًّا باقيًا، ولا بد أن تكون مرآة الباقي ذات الشعور باقية.
وإنه يفهم من الروايات الصحيحة أن أرواح الحيوانات ستبقى خالدة، وأن بعض الأفراد الخاصة من الحيوانات سترحل إلى العالم الباقي بأرواحها وأجسادها مثل هدهد سليمان ونمله، وناقة صالح، وكلب أصحاب الكهف، وأنه سيكون لكل نوع جسد واحد ليستعمله ذلك النوع أحيانًا، فضلا عن أن الحكمة والحقيقة والرحمة والربوبية تقتضي ذلك.
يا قادر يا قيوم، إن جميع ذوي الحياة وذوي الروح وذوي الشعور قد وُظِّفوا في مملكتك بوظائف فطرية، وسخّروا لأوامر ربوبيتك بقوتك وقدرتك أنت وحدك،
220. صفحة
وبإرادتك وتدبيرك ورحمتك وحكمتك أنت وحدك، وقسم منها سخر للإنسان من قبل الرحمة ليس عن قوة الإنسان وغلبته بل لضعفه وعجزه فطرة، وكل واحد منها يؤدي عباداته الخاصة به مقدِّسا صانعه ومعبوده عن القصور والشريك، وشاكرا وحامدا له على نعمه بلسان حاله ولسان مقاله.
سبحانك يا من هو الأقدس الذي اختفى لشدة ظهوره، ويا من تستر واحتجب لعظمة كبريائه، إنني أقدسك بتسبيحات جميع ذوي الأرواح، وأنوي وأقول "سُبْحَانَكَ يَا مَنْ جَعَلَ مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ".
يا رب العالمين، ويا إله الأولين والآخرين، ويا رب السماوات والأرضين، لقد فهمت بتعليم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وبدرس القرآن الحكيم وآمنت أنه مثلما تعرفك السماء والفضاء والأرض والبر والبحر والشجر والنبات والحيوان بأفرادها وأجزائها وذراتها، وتشهد وتدل على وجودك ووحدانيتك وتشير إليهما؛ فإن الأنبياء والأولياء والأصفياء الذين هم خلاصة الإنسان الذي هو خلاصة ذوي الحياة الذين هم خلاصة الكون يشهدون ويخبرون بوجوب وجودك ووحدانيتك وأحديّتك بمشاهدات قلوبهم وعقولهم -التي هي خلاصتهم- وكشفياتها وإلهاماتها واستخراجاتها إخبارًا قاطعًا بقوة مئات الإجماعات ومئات التواترات، ويثبتون إخباراتهم بمعجزاتهم وكراماتهم وببراهينهم اليقينية.
أجل؛ ما من خاطر غيبي في القلوب يتوجه إلى من يلهم الخواطر وراء حجب الغيب، وما من إلهام صادق يلفت الأنظار إلى من يُلهم، وما من اعتقاد يقيني يكشف صفاتك القدسية وأسماءك الحسنى كشفًا بحق اليقين، وما من قلب نوراني في الأنبياء
221. صفحة
والأولياء يشاهد أنوار الواجب الوجود بعين اليقين، وما من عقل منور في الأصفياء والصديقين يصدق بعلم اليقين ويثبت آيات وجوب وجود خالق لكل شيء وبراهين وحدانيته؛ إلا ويشهد على وجوب وجودك وصفاتك القدسية، ووحدتك وأحديّتك، وأسمائك الحسنى، ويدل عليها ويشير إليها، ولا سيما ما من معجزة باهرة تصدق إخبار الرسول الأكرم الذي هو إمام جميع الأنبياء والأولياء والأصفياء والصديقين ورئيسهم وخلاصتهم، وما من حقيقة عالية تدل على أنه حقّ، وما من آية توحيدية قاطعة، وما من مسألة إيمانية قدسية للقرآن المعجز البيان الذي هو خلاصةُ خلاصةِ جميع الكتب المقدسة الحَقّة؛ إلا وتشهد على وجوب وجودك وصفاتك المقدسة، وعلى وحدتك وأحديتك وأسمائك الحسنى وتدل عليها وتشير إليها.
وكما أن جميع هؤلاء المخبرين الصادقين الذين يبلغون مئات الآلاف يشهدون على وجودك ووحدانيتك مستندين إلى معجزاتهم وكراماتهم وحججهم؛ فإنهم يعلنون ويخبرون ويثبتون أيضا بالإجماع والاتفاق مدى عظمة ربوبيتك الجارية ابتداء من إدارة الأمور الكلية للعرش الأعظم المحيط بكل شيء وانتهاء إلى علم أخفى خواطر القلب وآماله ورغباته وأدعيته وأكثرها جزئية، وسمعها وإدارتها، ويعلنون ويخبرون ويثبتون مدى عظمة قدرتك التي تُوجِد ما لا حدَّ له من الأشياء المختلفة أمام أعيننا دفعة واحدة، والتي تخلق أكبر شيء بسهولة خلق أصغر ذبابة من دون أن يمنع فعل فعلاً.
وكما أنهم يخبرون عن السعة المطلقة لرحمتك التي جعلت هذا الكون كله قصرًا بديعا لذوي الروح ولا سيما الإنسان، وأعدت الجنة والسعادة الأبدية للجن والإنس، والتي لا تنسى أصغر ذي حياة، والتي تسعى إلى إشباع وتلطيف أعجز قلب، ويثبتونها بمعجزاتهم وحججهم، والذين يخبرون عن السعة غير المتناهية لحاكميتك التي أخضعت لأوامرها وسخرت ووظّفت جميع أنواع المخلوقات بدءًا من الذرّات وانتهاء إلى الكواكب، ويثبتونها؛ فإنهم يشهدون ويدلون بالإجماع والاتفاق على إحاطة علمك بكل شيء ويشيرون إليه، ذلك العلم الذي جعل الكون كتابًا كبيرًا فيه رسائل بعدد أجزائه، والذي سجل وكتب جميع ما سيحدث لجميع الموجودات في "الإمام المبين" و"الكتاب المبين" اللذين هما سجلاّ اللوح المحفوظ، والذي سجل فهارس جميع الأشجار وبرامجها في جميع النوى والبذور، والذي سجل بدقة وإتقان تاريخ حياة ذوي الشعور في القوة الحافظة في
222. صفحة
رءوسهم بدون خطأ، ويشهدون ويدلون على شمول حكمتك القدسية لكل شيء، ويشيرون إليها، تلك الحكمة التي قلدت كل موجود كثيرًا من الحكم، حتى إنها جعلت كل شجرة تؤتي نتائج بعدد ثمارها، والتي راعت في كل كائن حي مصالح بعدد أعضائه بل بعدد أجزائه وخلاياه، بل حتى زودت لسان الإنسان بموازين صغيرة للتذوق بعدد أذواق الأطعمة، مع أنها وَظَّفت هذا اللسان بوظائف كثيرة، ويشهدون ويدلون كذلك على أن تجليات أسمائك الجلالية والجمالية التي تشاهد نماذجها في هذه الدنيا ستستمر في أبد الآباد أيضًا بأسطع صورة، ويشيرون كذلك إلى استمرار وبقاء إحساناتك المشاهدة نماذجُها في هذا العالم الفاني استمرارًا بصورة أكثر بهاء وعظمة في دار السعادة، وإلى مرافقة المشتاقين الذين شاهدوها في هذه الدنيا ومصاحبتهم لها في عالم الأبد كذلك.
ثم إن جميع الأنبياء الذين هم أصحاب الأرواح النيرة، والأولياء الذين هم أقطاب القلوب النورانية، والأصفياء الذين هم أرباب العقول المنورة -وعلى رأسهم الرسول الأكرم مستندًا إلى مئات من معجزاته الباهرة، والقرآن الحكيم مستندًا إلى مئات من آياته الجازمة- يبشرون بالسعادة الأبدية للجن والإنس مستندين إلى وعدك ووعيدك الذي كررته كثيرًا في جميع الصحف والكتب المقدسة، ومعتمدين على صفاتك وشئونك المقدسة كالقدرة والرحمة والعناية والحكمة والجلال والجمال، وعلى عزَّتك وجلالك وسلطنة ربوبيتك، يبشرونهم بكشفياتهم ومشاهداتهم واعتقادهم بعلم اليقين، ويخبرون ويعلنون عن وجود جهنم لأهل الضلالة، يؤمنون بهذا كله ويشهدون عليه.
يا قادر يا حكيم، ويا رحمن يا رحيم، ويا صادق الوعد الكريم، ويا قهار ذا الجلال ويا ذا العزة والعظمة والجلال، إنك مقدس كل التقديس ومنزه ومتعال تنزها وعلوًّا كبيرًا عن تكذيب هذا العدد من أوليائك الصادقين ووعودك وصفاتك وشئونك المقدسة، وعن ردّ ما تقتضيه قطعًا سلطنةُ ربوبيتك، وردّ ما لا حد له من أدعية ودعوات ما لا حد لهم من عبادك البررة الصالحين
223. صفحة
المقبولين الذين تحبهم وهم يحببون أنفسهم إليك بتصديقك وطاعتك، وعن تصديق أهل الضلالة وأهل الكفر -في إنكارهم الحشر- الذين يتعرضون لعظمة كبريائك، ويتعرضون لعزتك وجلالك، يتعرضون لهيبة وعظمة وعزة ألوهيتك، يتعرضون لشفقة ربوبيتك بكفرهم وعصيانهم وتكذيبهم إياك في وعدك، إنني أقدس عدالتك وجمالك ورحمتك المطلقة عن مثل هذا الظلم والقبح المطلقين، وأريد أن أتلوَ الآية ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾
(الإسراء: 43) بعدد جميع ذرات جسمي.
بل إن رسلك الصادقين وأنبياءك الذين هم دعاة سلطنتك الصادقين يشهدون بحق اليقين وعين اليقين وبعلم اليقين على وجود خزائن رحمتك الأخروية، وعلى كنوز إحساناتك في عالم البقاء، وعلى التجليات الجميلة البديعة لأسمائك الحسنى التي تتجلى تجليا تاما في دار السعادة، يشهدون عليها ويشيرون إليها ويبشرون بها، ويؤمنون بأن أعظم شعاع لاسم الحقّ الذي هو مرجع جميع الحقائق وشمسها وحاميها هو حقيقة الحشر الأكبر هذه، ويدرّسونه لعبادك.
يا رب الأنبياء والصديقين، إن هؤلاء جميعًا مسخرون وموظفون في ملكك أنت، بأمرك وقدرتك أنت، وإرادتك وتدبيرك أنت، وعلمك وحكمتك أنت، وقد أظهروا بالتقديس والتكبير والتحميد والتهليل الكرةَ الأرضية كأعظم محل للذكر، وهذا الكونَ كمسجد كبير.
224. صفحة
يَاربي، وَيَارَبَّ السَّماواتِ والأرضين، يَا خَالِقي، وَيا خَالِقَ كل شئ،
بحقِّ قدرتك وإرادتك وحكمتك وحاكميتك ورحمتك التي سخَّرَت السّمَوات بنجومها، والأرضَ بما اشتملت عليه، وجميع المخلوقات بجميع كيفياتها؛ سَخّر لي نفسي، وسخّر لي مطلوبي، وسخّر قلوب الناس لـ"رسائل النور" من أجل خدمة القرآن والإيمان، وهب لي ولإخواني الإيمان الكامل وحسن الخاتمة.
وكما سخرت البحر لموسى عليه السّلام، والنار لإبراهيم عليه السلام، والجبَالَ والحديد لداوُد عليه السلام، والإنس والجنّ لسليمان عليه السلام، وسخرت الشّمس والقمر لمحمدٍ ؛ فسخّر القلوب والعقول لـ"رسائل النور".
واحفظني واحفظ تلامیذ رسائل النور من شرّ النفس والشيطان ومن عذاب القبر ومن نار جهنم، وأسعدنا في جنات الفردوس، آمين، آمين، آمين.
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ﴾
﴿وَآخِرُ دَعوَاهُم أنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾
إن هذا الدرس الذي تلقيته من القرآن الكريم ومن الجوشن الكبير الذي هو مناجاة نبوية، أقدمه لبابك يا ربي الرحيم كعبادة فكرية، فإن كنت قد قصرت في هذا، فأرجو من رحمتك العفو عني مستشفعًا بالقرآن الكريم والجوشن الكبير.
225. صفحة
الحجة الإيمانية التاسعة
المقدمة الحشرية من "الشعاع التاسع"
﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ وَلَهُ مَن فِي السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم: 17-27)
ستُبيَّن في الشعاع التاسع هذا نكتةٌ كبرى وحجة عُظمَى لهذه الآيات الكبرى السماوية التي تشير إلى قطب من أقطاب الإيمان، ولهذه البراهين العظمى القدسية التي تثبت الحشرَ.
226. صفحة
عنايةٌ ربانيةٌ لطيفةٌ: إنه قبل ثلاثين سنة من الآن قال سعيد القديم في المقصد الثاني من المقاصد القرآنية في آخر كتاب "المحاكمات" الذي كتبَه مقدّمة للتفسير: "ستفسَّر وتبيَّن آيتان تشيران إلى الحشر"، وقال نحو: "بسم الله الرحمن الرحيم" ووقف، ولم يستطع أن يواصلَ الكتابة، فحمدا وشكرا لخالقي الرحيم بعدد دلائل وأمارات الحشر على أنه أحسن إلي ووفقني بعد ثلاثين سنة.
أجل؛ إنه جل وعلا أنعم عليَّ قبل تسع أو عشر سنوات من الآن بـ"الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين" اللتين تحتويان على الحجج الباهرة الساطعة والقوية جدًّا لواحدة من هاتين الآيتين للفرمان الإلهي وتفاسيرها وهي ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الروم: 50) فأسكتَ المنكرين.
وأنعم عليَّ بهذه الرسالة بعد تسع أو عشر سنوات من هاتين القلعتين المتينتين المنيعتين لعقيدة الحشر تفسيرا للآيات الكبرى المذكورة في البداية وهي الآية الثانية.
فالشعاع التاسع هذا عبارة عن تسعة مقامات عالية ومقدمة مهمة يشار إليها في الآيات المذكورة.
مقدمة: نقطتان عبارة عن بيان فوائد روحية كثيرة جدًّا لعقيدة الحشر، ونتيجةٍ جامعة من نتائجها الحياتية باختصار، وإظهارِ مدى ضرورتها ولزومها للحياة الإنسانية وخاصة حياتَه الاجتماعيةَ، وإبانة عن حُجَّة كلية من بين حُجَج عقيدة الإيمان بالحشر الكثيرة جدًّا بإجمال، وإفادة كيف أن تلك العقيدة الحشرية بدهية ولا شك فيها.
النقطة الأولى: نشير إلى أربعة أدلة -كمقاييس- من بين مئات من الأدلة التي تدل على أن عقيدة الآخرة هي أسُّ أساس الحياة الاجتماعية والحياة الشخصية للإنسان، وأنها أساسات سعادته وكمالاته.
227. صفحة
الدليل الأول: الأطفال الذين هم نصف البشر تقريبا لا يستطيعون أن يصمدوا أمام الوفيات والموت الذي يبدو ويتراءى لهم مرعبًا ومُبكيًا إلا بفكر الجنة، ويستطيعون أن يجدوا بهذه الفكرة قوةً معنوية في كيانهم الضعيف الرقيق جدًّا، ويستطيعون أن يجدوا أملاً ورجاء بفكر الجنة في مزاج روحهم الضعيف جدًّا والباكي سريعًا من أي مؤثر، فيمكنهم أن يعيشوا في فرح وسرور.
فمثلا: يقول بفكر الجنة: مات أخي الصغير أو صديقي، فأصبح طيرًا من طيور الجنة، يتجول فيها ويعيش ويتمتع ويتلذذ أحسن منّا؛ وإلا فإن وفاة أمثالهم من الأطفال والكبار حولهم تصدم أنظارَ هؤلاء المساكين الضعفاء القلقة، وتحطِّم متانتَهم وقوتَهم المعنويةَ، وتُبكي مع أبصارهم جميعَ لطائفهم كالروح والقلب والعقل، فهم إما سيضيعون وإما سيكونون كحيوانات شقية بائسة سائبة.
الدليل الثاني: الشيوخ والعجائز الذين هم -من ناحية- نصف البشر إنما بفكر الحياة الأخروية فقط يستطيعون أن يصمدوا أمام القبر القريب منهم، ويستطيعون أن يجدوا سلوانا مقابل انطفاء حياتهم التي يرتبطون ويتعلقون بها بشدة عما قريب، ومقابل انغلاق دنياهم الجميلة، وبأمل الحياة الباقية فقط يستطيعون أن يصمدوا أمام اليأس المرير المفزع الناشئ عن الموت والزوال في روحهم ومزاجهم الحساس المرهف، الذي أصبح كالطفل يتأثر سريعًا.
وإلا لكان سيشعر هؤلاء الأعزاء الموقَّرون الذين يستحقون الشفقة، والآباء والأمهات القلقون المتلهفون الذين يحتاجون بشدة إلى الهدوء والراحة القلبية؛ بصرخات روحية وخلجات قلبية، تجعل هذه الدنيا زنزانةً لهم، والحياةَ عذابًا قاسيًا.
الدليل الثالث: الشباب والفتيان هم أقوى مرتكز في الحياة الاجتماعية البشرية، والذي يوقف مشاعرَهم الفوَّارَة، ونفوسَهم وهواهم المفرطَ عن التجاوزات والظلم
228. صفحة
والتخريبات، والذي يجعل الحياةَ الاجتماعية تسير في مجراها الطبيعي إنما هو تذكُّرُ جهنم، وإلا فلو لم يكن الخوف من جهنم لحوَّل هؤلاءِ الشبابُ السكارى المنجرون وراء أهوائهم ورغباتهم الدنيا إلى جهنم في حق الضعفاء المساكين والعاجزين حسب قاعدة: "الحكم للغالب" ولحوَّلوا الإنسانية السامية إلى حيوانية في غاية السفالة.
الدليل الرابع: إن المركز الأكثر جمعًا والمنطلَق الأقوى أساسًا، والجنةَ والملجأَ والملاذَ للسعادة الدنيوية في الحياة الدنيوية لنوع البشر؛ هو الحياة العائلية، وإن بيت كل واحد هو دنياه الصغيرة، وحياة ذلك البيت وتلك الحياة العائلية وسعادتهما إنما تحصلان بالاحترام الخالص الجاد في وفاء، وبالرحمة الحقيقية ذات الشفقة في تضحية، وهذا الاحترام الخالص والرحمة الصادقة إنما تحصل بالصداقة الأبدية والرفقة الدائمة والمعية السرمدية وبالعقيدة والفكر -ضمن زمن غير متناه، وحياة غير محدودة- في وجود مناسبات بينهم ملؤها الأبوة والبنوة والأخوة والصداقة.
يقول مثلا: إن زوجتي هذه هي رفيقة حياتي الدائمة في عالم أبدي وفي حياة خالدة، ولا بأس إن صارت عجوزًا ودميمة الآن؛ لأن لها جمالاً أبديًّا سيأتي.
ويمكنه أن يعامِل زوجه العجوز بالمحبة والشفقة والرحمة وكأنها حورية حسناء، قائلا: إنني أقوم بكل تضحية ورحمة من أجل صداقة دائمة كهذه، وإلا فإن تلك الصداقة التي تتعرض للمفارقة والفراق الأبديين بعد رفقة صورية قصيرة تدوم بضع ساعات يمكنها أن تنتج -بلا شك- رحمة مجازية واحترامًا مصطنعًا يحملان معنى الرقة الجنسية الصوريةِ للغاية، والمؤقتة، والتي لا أساس لها كما في الحيوان.
وتتغلب المنافع الأخرى وسائر الأحاسيس الغالبة -كما عند الحيوانات- على ذلك الاحترام وتلك الرحمة، وتحوِّل تلك الجنة الدنيوية إلى جهنم.
229. صفحة
فنتيجة واحدة من مئات من نتائج الإيمان بالحشر تتعلق بحياة الإنسان الاجتماعية، فإذا قيست النتائج الأخرى من مئات من أوجه وفوائد هذه النتيجة الواحدة بهذه الدلائل الأربعة فسيُفهَم أنّ تحقق حقيقة الحشر ووقوعها قطعيٌّ بدرجة قطعية الحقيقة العلوية السامية للإنسانية وحاجتها الكلية، بل هي-أي حقيقة الحشر- أظهر من شهادة ودلالة وجود الاحتياج في معدة الإنسان على وجود الطعام، وتخبر عن تحققها إخبارًا أقوى وأشد.
وتُثبِت أن لو تجرّدت نتائجُ هذه الحقيقة الحشرية من الإنسانية لسقطت ماهية الإنسانية التي هي في غاية الأهمية والسمو والحيوية إلى منزلة جيفة متعفنة تكون مرتعًا ومزرعة للجراثيم.
فلترنَّ آذان الاجتماعيين والسياسيين والأخلاقيين الذين يُعنَوْنَ باهتمام شديد بإدارة البشر وأخلاقهم واجتماعياتهم! فليقولوا بماذا يستطيعون أن يملئوا هذا الفراغ، وبماذا يستطيعون أن يعالجوا هذه الجروح الغائرة؟!
النقطة الثانية: تُبيِّن برهانًا واحدًا من براهين حقيقة الحشر غير المحدودة يترشح من خلاصة الشهادات المنبعثة من الأركان الإيمانية الأخرى.
وذلك أن جميع معجزات سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- التي تدل على رسالته، وجميع دلائل نبوته، وجميع البراهين الدالة على صدقه وحقانيته كلها
-وبأجمعها- تشهد على تحقق حقيقة الحشر وتثبتها؛ لأن جميع قضايا هذا الرسول في كل حياته تتركز في الحشر وذلك بعد التوحيد، وإن جميع معجزاته وحججه التي تُصدِّق جميعَ الأنبياء وتجعل الناسَ يصدقونهم تشهد على الحقيقة نفسها.
وإن شهادته بـ [وكتبه] التي ترفع الشهادةَ التي تأتي بعد كلمة [ورسله] إلى درجة البداهة تشهد على الحقيقة نفسها، وذلك أن جميع معجزات القرآن المعجز البيان أولاً، وحقائقه وحججه التي تثبت حقانيته كلها وبأجمعها تشهد على تحقق حقيقة الحشر ووقوعها وتثبتها؛ إذ يكاد يتحدث ثلث القرآن عن الحشر، وإنه يرد في
230. صفحة
بدايات أكثر سوره القصيرة آيات الحشر القوية جدًّا، وإن القرآن بآلاف آياته يخبر صراحة وإشارة عن الحقيقة عينها ويثبتها ويظهرها.
فمثلا: إنه يشير في بداية ثلاثين أو أربعين سورة إلى أن حقيقة الحشر هي -بكل قطعيتها- أهم حقيقة من بين حقائق الكون، وأنها حقيقة واجبة، وذلك مثل هذه السور ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾.
ويبين الدلائلَ المتنوعة لتلك الحقيقة في الآيات الأخرى ويقنع بها.
فيا ترى! هل هناك إمكان بأي وجه من الوجوه لأن يكون الإيمان بالحشر -الذي يَظهر كالشمس بآلاف الشهادات والدعاوى- كالسالف ذكره -في كتابٍ تُثمِر إشارةٌ واحدة من آية واحدة منه الحقائقَ العلمية والكونية المتعددة في العلوم الإسلامية أمام أعيننا- باطلا؟!
ألا يكون هذا كإنكار الشمس بل كالقول بعدم الكون؟! ألا يكون هذا محالا وباطلا بمائة درجة؟
ويا ترى! أمن الممكن بأي وجه من الوجوه تكذيب آلاف أقوال ووعود ووعيد سلطان في غاية الوقار والعزة، في حين أن جيشًا كاملا يتحرك ويحارب أحيانًا حتى لا تكون إشارة واحدة للسلطان كاذبة؟ فهل يمكن أن تكون آلاف أقواله ووعوده وتهديداته غير حقيقية؟
وإذا كانت إشارة واحدة لهذا السلطان المعنوي ذي الشأن الذي هيمن على ما لا حد له من الأرواح والعقول والقلوب والنفوس في نطاق الحق والحقيقة، وربَّاها وأدارها طوال ثلاثة عشر قرنًا بلا انقطاع كافيةً لإثبات حقيقة كهذه؛ فيا ترى! أفلا يقتضي الأمر عذاب جهنم لأحمق جهول لا يعرف تلك الحقيقة بعدما بيّنها وأثبتها -ذلك السلطان- بآلاف التصريحات؟! أفلا يكون هذا عين العدالة؟
231. صفحة
ثم إن بيان جميع الصحف السماوية والكتب المقدسة التي حكمت على زمان من الأزمنة، ودور من الأدوار حسب عصورها وأزمنتها مع قبول تلك الحقيقة قبولا قاطعًا؛ حقيقةَ الحشر التي بينها وأثبتها بالتفاصيل والإيضاحات والتكرار القرآنُ الذي هيمن على كل المستقبل وجميع الأزمنة بأكملها، نقول إن ادَّعاءها وإثباتها هذه الحقائقَ بصورة قوية ومع بيانها بدون تفصيل، وباختصار، وبحجاب؛ ليَُصَدِّق دعوى القرآن بآلاف التوقيعات.
وتُدرَج هنا بمناسبة هذا البحث شهادةُ الأركان الأخرى، ولا سيما شهادة ركن "الإيمان بالرسل والكتب" على ركن "الإيمان باليوم الآخر" المذكور في نهاية "رسالة المناجاة" والتي هي حجةٌ من حجج الحشر التي ذكرت في صورة مناجاة، وهي قوية جدًّا، وملخصة، وتزيل جميع الأوهام، تدرج هنا كما هي.
فقد قال في المناجاة ما يلي:
يا ربي الرحيم، لقد فهمت بتعليم الرسول الأكرم وبدرس القرآن الحكيم أن جميع الكتب المقدَّسة والأنبياء، وعلى رأسهم القرآن والرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام يشهدون ويدلون ويشيرون بالإجماع والاتفاق إلى أن تجليات الأسماء الجلالية والجمالية التي تُشاهَد نماذجها في كل الأرجاء في هذه الدنيا ستستمر في أبد الآباد بصورة أجلى وأسطع، وإلى أن إحساناتك التي تشاهَد في هذا العالم الفانية تجلياتُه ونماذجه المليئة بالرحمة ستكون باقيةً، وستستمر في دار السعادة في أبهى صورة، وإلى أن المشتاقين الذين يشاهِدون ذلك الإحسان بتمتع، ويرافقونه بمحبة في هذه الحياة الدنيوية القصيرة، سيرافقونه في العالم الأبدي أيضًا، وسيكونون معه.
ثم إن جميع الأنبياء الذين هم أصحاب الأرواح النورانية -وفي مقدمتهم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وقرآنك الحكيم- المستندين إلى مئات من معجزاتهم الباهرة وآياتهم القاطعة، وإن جميع الأولياء الذين هم أقطاب القلوب
232. صفحة
المنورة، وإن جميع الصدِّيقين الذين هم معدن العقول النافذة ذات البصيرة المتوقِّدة الثاقبة المنورة يبشرون الناسَ بالسعادة الأبدية مستندين إلى آلاف من وعدك ووعيدك الذي ذكرته مرارًا وتكرارًا في جميع الصحف السماوية والكتب المقدسة، ومعتمدين على صفاتك وشئونك القدسية التي تقتضي الآخرة، كالقدرة والرحمة والعناية والحكمة والجلال والجمال، ومعتمدين على عزة جلالك وسلطنة ربوبيتك، وبناء على ما لا حد له من كشفياتهم ومشاهداتهم التي تنمُّ عن آثار الآخرة وترشحاتها، وبناء على اعتقادهم وإيمانهم الذي وصل إلى مرتبة علم اليقين وعين اليقين، ويخبرون ويعلنون أن هناك جهنمَ لأهل الضلالة، وجنةً لأهل الهداية، ويؤمنون بهما إيمانًا راسخًا، ويشهدون على ذلك شهادة قوية.
يا قدير يا حكيم، يا رحمن يا رحيم، يا صادق الوعد يا كريم، ويا قهار ذا الجلال وذا العزة والعظمة، إنك مقدس بمئات الآلاف من الدرجات، ومنزه ومتعالٍ تَنزهًا وعلوا غير متناه عن تفنيدٍ وتكذيبٍ إلى هذا الحدّ من أوليائك الصادقين، وإلى هذا الحد من وعودك، وإلى هذا الحد من صفاتك وشئونك، وعن تكذيب المقتضيات القاطعة لسلطنة ربوبيتك، وعدم القيام بهذه المقتضيات، وعن ردّ وعدم سماع ما لا حد له من الأدعية والدعاوى المتوجهة إلى الآخرة ممن لا حد لهم من عبادك المقبولين لديك، والذين تحبهم وهم بدورهم يحببون أنفسهم إليك بالتصديق بك وبإطاعتك، وعن تصديق أهل الضلالة وأهل الكفر الذين يمسون -بالكفر والعصيان وبتكذيبك في وعدك- عظمةَ كبريائك، ويسيئون إلى عزة جلالك، ويمسُّون عزة ألوهيتك، ويؤذون شفقة ربوبيتك، وعن إثبات هؤلاء في إنكار الحشر.
نقدس عدالتك المطلقة، وجمالك المطلق، ورحمتك المطلقة، تقديسًا مطلقًا عن ظلم مطلق كهذا، وقبح مطلق كهذا. ونؤمن بكل قوتنا أن شهادة مئات الآلاف من الرسل الصادقين والأنبياء والأصفياء والأولياء دعاة سلطنتك الصادقين الذين
233. صفحة
لا حد لهم بحق اليقين وعلمه وعينه على خزائن رحمتك الأخروية، وعلى كنوز إحساناتك في عالم البقاء، وعلى التجليات الجميلة البديعة لأسمائك الحسنى التي تتجلى في دار السعادة تجليا كاملا؛ حقٌّ وحقيقةٌ، وإشاراتهم صادقةٌ ومطابقةٌ، وبشاراتهم صادقة وواقعة.
وهم يؤمنون أن أكبر شعاع لاسم الحق -الذي هو مرجع جميع الحقائق وشمسها وحاميها- هو حقيقة الحشر الكبرى هذه، ويدَرِّسون لعبادك هذه الحقيقة بأمرك ضمن دائرة الحق، ويعلمونهم إياها كعين الحقيقة.
فيا رب، ارزقنا وارزق تلامیٖذ رسائل النور الإيمانَ الأكمل، وحسن الخاتمة بحق وحرمة دروس وتعاليم أولئك، وارزقنا شفاعتهم، آمين.
فكما أن جميع الأدلة والحجج التي تُثبِت حقَّانيةَ القرآن بل حقانيةَ جميع الكتب السماوية، وجميعَ المعجزات والبراهين التي تُثبِت نبوةَ حبيب الله بل نبوةَ جميع الأنبياء تدل في نفس الوقت على تحقق الآخرة التي هي قضيتهم الكبرى؛ كذلك فإن أكثر الأدلة والحجج التي تشهد على وجود واجب الوجود ووحدته، تشهد في نفس الوقت على وجود وانفتاح دار السعادة وعالم البقاء اللذين هما أكبر مدار ومظهر للربوبية والألوهية.
لأن موجودية الذات الواجب الوجود وجميع صفاته -كما سيبيَّن وسيثبَت في المقامات الآتية- وأكثر أسمائه وأوصافه وشئونه كالربوبية والألوهية والرحمة والعناية والحكمة والعدالة؛ تقتضي الآخرةَ بدرجة اللزوم، وتستلزم عالَمًا باقيًا بدرجة الوجوب، وتتطلب الحشر والنشر من أجل المكافأة والعقاب بدرجة الضرورة.
أجل؛ فبما أن الله الأزلي الأبدي موجود؛ فلا شك أن الآخرة التي هي المدار السرمدي لسلطنة ألوهيته موجودة.
234. صفحة
وبما أن هناك ربوبيةً مطلقة في غاية العظمة والحكمة والشفقة تُشاهد في هذا الكون وفي ذوي الحياة؛ فلا شك أنه ستكون دار سعادة أبدية تنقذ عظمة تلك الربوبية من التَّرَدِّي، وحكمتها من العبثية، وشفقتها من الغدر، وسيكون دخول فيها.
وبما أن ما لا حد له من أنواع الإنعام والإحسان واللطف والكرم والعناية والرحمة المشاهَدة بالعيون تُرِي وجود الرحمن الرحيم من وراء حجاب الغيب للعقول التي لم تنطفئ والقلوب التي لم تمت؛ فلا شك أنه ستكون حياة باقية في عالم باقٍ تخلص الإنعامَ من الاستهزاء، والإحسانَ من الخداع، والعنايةَ من العداوة، والرحمةَ من العذاب، واللطفَ والكرم من الإهانة، وتجعل الإحسانَ إحسانًا، والنعمةَ نعمة.
وبما أن قلم قدرة كتب مائة ألف كتاب متداخلة بلا خطأ في فصل الربيع في الصحيفة الضيقة للأرض، يعمل أمام أعيننا بلا لغوب وبما أن صاحب ذلك القلم تعهد ووعد مائة ألف مرة وقال إني سأكتب لكم كتابًا رائعًا خالدًا في مكان واسع بطريقة أسهل من كتاب الربيع المكتوب في اختلاط وتداخل في هذا المكان الضيق وسأقرئكموه، ويتحدث في كل فرماناته عن هذا الكتاب؛ فلا شك ولا ريب أن أصل ذلك الكتاب قد كُتب، وستكتب هوامشه وحواشيه بالحشر والنشر، وستسجَّل فيه صحيفة أعمال الجميع.
وبما أن هذه الأرض من جهة كثرة المخلوقات فيها ومن حيث هي مسكن مئات الآلاف من الأنواع المتعددة لذوي الحياة وذوي الأرواح المتجددة دومًا، ومنشؤها ومصنعها ومشهرها ومحشرها، وهي قلبُ الكون ومركزه وخلاصته ونتيجته وسبب خلقه؛ لذا فإن لها أهمية كبرى، بحيث إنها مع صغرها وضعت قبالة هذه السماوات الضخمة؛ فيقال في الفرمانات السماوية دائمًا ﴿رَبُّ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (ص: 66).
235. صفحة
وبما أن هناك نوعَ بني آدم الذي يحكم جميع أطراف الأرض التي هي على هذه الماهية، ويتصرف في أكثر مخلوقاتها، ويسخر أكثر موجوداتها ذات الحياة، ويجعلها تلتف حوله، وينظم أغلب مصنوعاتها ويعرضها ويزينها في غاية الروعة والجمال بهندسة أهوائه ورغباته ودساتير احتياجاته، ويجمع أنواعها التي هي تحفة أثرية نادرة جدًّا في بعض الأماكن وكأنه ينظمها في قائمة ويزينها، بحيث إنه يكتسب أهمية وقيمة كبيرة جدًّا، ليس بجذب أنظار الإنس والجن فحسب، بل بجذب انتباه وتقدير أهل السماوات وهذا الكون، وبجذب نظر استحسان صاحب الكون، وبهذه الحيثية يظهر بعلومه وفنونه أنه حكمة خلق هذا الكون، ونتيجته الكبرى، وثمرته القيِّمة، وأنه خليفة الأرض، ويُبقَى في الدنيا ويُؤَجَّل عذابُه على الرغم من عصيانه وكفره؛ لأنه ومن الوجهة الدنيوية يعرض وينظّم عرضًا وتنظيمًا رائعًا صنائع صانع العالم ذات المعجزات، ويُمهَل من أجل خدماته هذه، فيُوَفَّق.
وبما أن هناك مصرِّفًا ذا قدرة وحكمة وشفقة مطلقة جعل الكرة الأرضية الضخمة لنوع بني آدم فوق قوتهم واختيارهم كليًّا وهذه ماهيتهم، ومع أنه ضعيف وعاجز جدًّا من حيث فطرته وخلقته، وله احتياجات وتألمات لا حد لها مع غاية عجزه وفقره.. أقول إنه جعل الكرة الأرضية الضخمة كمخزن لكل نوع من أنواع المعادن الضرورية لنوع الإنسان، ومستودع لكل نوع من أنواع الأطعمة، ودكان يحتوي على كل نوع من أنواع البضائع التي تطيب لنوع الإنسان، فهو يرعى النوع الإنساني هكذا، ويطعمهم ويعطيهم ما يريدون.
وبما أن ربًّا بهذه الحقيقة يحب الإنسان، ويحبب نفسه إلى الإنسان، وأنه باق، وله عوالم باقية، ويفعل كل شيء بالعدل، وكل الأعمال بحكمة، وأن هذه الحياة الدنيوية القصيرة والعمر البشري القصير جدًّا وهذه الأرض المؤقتة الفانية لا تسع عظمة سلطنة ذلك الحاكم الأزلي وسرمدية حاكميته، وأن الظلم والمعاصي الكبيرة التي يرتكبها الجنس البشري، والتي تنافي وتخالف انتظام الكون وعدالته وموازنته وحسن جماله، وإهانة الإنسان وإنكاره وكفره لولي نعمته ولمن يرزقه
236. صفحة
بشفقة، كل ذلك يبقى بدون عقاب في هذه الدنيا، فيقضي الظالم الغاشم حياته في راحة، ويقضي المظلوم المسكين عمره في مشقات، ولكن ماهية العدالة المطلقة التي تُرَى آثارها في جميع الكون، منافيةٌ كليًّا لمساواة الظالمين الغاشمين مع المظلومين الآيسين ضمن الوفاة بلا بعث مرة أخرى، ولا تتحملها ولا تسمح بها.
وبما أن صاحب الكون كما أنه قد انتخب الأرض من الكون، ونوع الإنسان من الأرض، وأعطاه مقامًا عظيمًا، وأولاه أهمية كبيرة جدًّا، وكذلك قد انتخب الأنبياء والأولياء والأصفياء الذين هم أناس حقيقيون من بين نوع الإنسان، والذين يتوافقون مع مقاصد ربوبيته ويحببون أنفسهم إليه بالإيمان والاستسلام، فيجعلهم أولياء ومخاطبين له، ويكرمهم بالمعجزات والتوفيق، ويعذب أعداءهم بصفعات سماوية، وانتخب من بين أوليائه الأعزاء المحبوبين محمدًا عليه الصلاة والسلام الذي هو إمامهم وفخرهم، ونوَّر بنوره -عليه الصلاة والسلام- خلال القرون الطويلة نصف الكرة الأرضية ذات الأهمية، وخمس نوع الإنسان ذي الأهمية، إذ تَظهر جميع المقاصد به وبدينه وقرآنه وكأن الكون قد خلق من أجله هو، وقد أُعْطي عمرًا قصيرًا في مشقات ومجاهدات صعبة، وقَدَّرَه في ثلاث وستين سنة، مع أنه أهل ومستحِق لأخذ أجر خدماته الثمينة غير المحدودة بقدر ملايين السنين في زمن غير محدود.
فيا ترى! أهناك أي إمكان وأي احتمال وأية قابلية بأي وجه من الوجوه لئلاَّ يُبعَث هذا الرسول -عليه الصلاة والسلام- مع جميع أمثاله وأحبابه؟ وألا يكون الآن حيًّا روحًيا؟ وأن يُفْنَوْا بالإعدام الأبديِّ؟ حاشا مائة ألف مرة، حاشا وكلا!
أجل؛ إن كل الكون وحقيقة العالم تبغي بعثه، وتطلب من مالك الكون أن يحيا.
وبما أنه قد أثبت ثلاثةٌ وثلاثون إجماعًا عظيمًا -كل واحد منها بقوة الجبل- في رسالة "الآية الكبرى" وهي "الشعاع السابع"، أن هذا الكون قد صدر عن يدٍ واحدة، وأنه ملك لمَِن هو واحد، وأظهر بداهةً وحدةَ وأحدية الله اللتين هما مدار
237. صفحة
كمالاته، وكأن جميع الكون يصبح بالوحدة والأحدية قوةَ ذلكم الواحد وقدرتَه، وجميع المخلوقات جنودًا مؤتمرين بأوامره، وموظفين مأمورين مسخرين لذلكم الواحد سبحانه وتعالى، وأنه بمجيء الآخرة تتخلص كمالاته من السقوط، وعدالته المطلقة من الظلم المطلق في استهزاء، وحكمته العامة من العبثية في سفاهة، ورحمته الواسعة من التعذيب في لهوٍ، وعزة قدرته من العجز في ذلٍّ، وكلها تتقدَّس؛ فلا شك ولا ريب ولا بدّ أن القيامة ستقوم، بمقتضى الحقائق المذكورة في "بما أن" الثمانية من ضمن مئات النكت للإيمان بالله، وسيحدث الحشر والنشر، وستُفتَح دار للعقاب والمكافأة حتى تتحقق أهمية الأرض ومركزيتها المذكورة، وأهمية الإنسان وقيمته، وتتقررَ العدالة والحكمة والرحمة والسلطنة المذكورة للمتصرف الحكيم خالقِ الأرض والإنسان وربهما، ويتخلص أولياءُ ذلكم الرب الباقي ومشتاقوه المذكورون الحقيقيون من الإعدام الأبدي، ويجد أعظم أولئك الأولياء وأهمهم مكافأة لخدماته القدسية التي تُرضِي جميعَ الكون، وتجعله شاكرًا ممتنًّا، وتتنزه وتتقدس وتتبرأ كمالات السلطان السرمدي من النقص والقصور، وقدرته من العجز، وحكمته من السفاهة، وعدالته من الظلم.
الحاصل: بما أن الله موجود؛ فلا شك أن الآخرة موجودة.
وكما أن أركان الإيمان الثلاثة المذكورة تشهد بالحشر، وتدل عليه بجميع دلائلها التي تثبتها؛ كذلك ركنان اثنان للإيمان اللذان هما (وبملائكته وبالقدر خيره وشره من الله تعالى) يستلزمان الحشر ويشهدان ويدلان على عالم البقاء بقوة، كالآتي:
إن جميع الأدلة والمشاهدات والمكالمات غير المحدودة التي تثبت وجود الملائكة ووظيفة عبوديتهم، تدل كذلك على وجود عالم الأرواح وعالم الغيب وعالم البقاء وعالم الآخرة ودار السعادة التي ستُعمَّر لاحقًا بالإنس والجان وعلى وجود الجنة والنار؛ لأن الملائكة يمكنهم أن يشاهدوا هذه العوالم بالإذن الإلهي ويدخلونها، وجميعُ الملائكة المقربين الذين يلتقون بالناس كجبرائيل عليه السلام
238. صفحة
يُخبِرون متفقين عن وجود العوالم المذكورة، وأنهم يتجولون في تلك العوالم، فكما أننا نعرف بالبداهة وجود قارة أمريكا التي لم نرها بإخبار من يأتون منها، كذلك يجب الإيمان -بتلك القطعية- بوجود عالم البقاء ودار الآخرة والجنة والنار بإخبارات الملائكة التي هي بقوة مائة تواتر، وهكذا نؤمن.
ثم إن جميع الأدلة التي تثبت ركن (الإيمان بالقدر) في "رسالة القدر" التي هي "الكلمة السادسة والعشرون" تدل كذلك على الحشر ونشر الصحف ووزن الأعمال في الميزان الأكبر؛ لأن تقييدَ وتسجيلَ مقدرات كل شيء أمام أنظارنا في لوح النظام والميزان، وكتابةَ ما جرى في حياة كل ذي حياة في ذاكرتهم ونواتهم، وفي سائر الألواح المثالية، وتسجيل دفتر أعمال كل ذي روح -ولا سيما الإنسان- وتثبيته في الألواح المحفوظة؛ لا شك أن قَدَرًا محيطاً كهذا، وتقديرًا حكيمًا وتقييدًا مدقِّقًا وكتابة حفيظة؛ كل ذلك لا يمكن أن يكون إلا للمكافئة والمجازاة الدائمة عقب محاكمة عامة في المحكمة الكبرى، وإلا لبقي ذلك التقييد المحيط الدقيق وتلك المحافظة بلا معنى ولا فائدة، ويكون منافيًا كليًّا للحكمة والحقيقة، وإن لم يحصل الحشر لفسدت كل معاني كتاب هذا الكون الذي كُتب بقلم القدر؛ إذ لا يمكن ذلك بأي وجه من الوجوه.
وهذا الاحتمال محال، بل هذيان كإنكار وجود هذا الكون.
الحاصل: إن أركان الإيمان الخمسة تدل بجميع أدلتها على وجود الحشر والنشر ووقوعهما ووجود دار الآخرة وانفتاحها، وتقتضيها، وتشهد بها وتطلبها.
ولأن لحقيقة الحشر هذه أعمدة وبراهين عظيمة لا تتزعزع، وموافقة تمامًا لعظمة الحشر، فإن ثلث القرآن المعجز البيان تقريبًا يحتوي على الحشر والآخرة، ويجعلهما الحجرَ الأساس لحقائقه وأسَّ الأساس له، ويبني كلَّ شيء عليهما.
(لقد انتهت المقدمة)
239. صفحة
المقام الأول
وهو من تسعة مقامات حول تسع طبقات لبراهين الحشر التي أشارت إليها الآيات التي في البداية إشارةً معجزةً.
سيبيَّن وسيوضَّح -إن شاء الله الرحمن- البرهانُ الباهر والحجةُ القاطعة حول أمر الحشر التي تُظهرهما الآيات ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ﴾ ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (الروم: 17-19)
(لم تُكتب هذه المقامات بعد.)
240. صفحة
الحجة الإيمانية العاشرة
المقام الأول من "المكتوب العشرين"
باسمه وإن من شيء إلا يسبح بحمده
بسم الله الرحمن الرحيم
لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ
لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِلَيْهِ المَصِيرُ
لتكرار هذه الجملة التوحيدية بعد صلاتَيْ الفجر والمغرب فضائل جمّة ، وهي تحمل مرتبة الاسم الأعظم كما ورد في رواية صحيحة، وفيها إحدى عشرة كلمة؛ ولكل كلمة من كلماتها بشارة ومرتبة من مراتب توحيد الربوبية، وفيها كبرياء الوحدة وكمال الوحدانية بما فيها من سر الاسم الأعظم.
وبناء على وعد سابق نضع لها الآن فهرسة في صورة خلاصة مجملة تتكون من مقامين ومقدمة، محيلين إيضاح هذه الحقائق العظيمة العلوية إلى "الرسائل" الأخرى:
241. صفحة
المقدمة:
أيها الإنسان، اعلم يقينا أن أسمى غاية للخلقة وأن أرفع نتيجة للفطرة هي الإيمان بالله، وأنَّ أعلى مرتبة للإنسانية وأعظم مقام للبشرية هو معرفةُ الله الكامنةُ في الإيمان بالله، وأنَّ أسطع سعادة وأحلى نعمة للإنس والجن هي محبة الله الكامنة في معرفة الله، وأنَّ أنقى سرور لروح البشر وأصفى حبور لقلب الإنسان هو اللذة الروحانية الكامنة في محبة الله.
نعم؛ إن السعادة الحقيقية كلها والسرور الخالص والنعمة الحلوة واللذة الصافية إنما هي في معرفة الله ومحبة الله بلا شك، ولا سعادة ولا سرور ولا نعمة ولا لذة بدونهما، فالذي يعرف الله ويحبه ينال ما لا نهاية له من السعادة والنعم والأنوار والأسرار إما بالقوة وإما بالفعل، والذي لا يعرفه معرفة حقَّةً ولا يحبه حبا حقيقيا يصاب بشقاوة وآلام وأوهام معنوية ومادية لا نهاية لها.
نعم؛ ماذا يساوي -في هذه الدنيا التعسة وبين هؤلاء البشر البائسين الهائمين على وجوههم وفي حياة لا ثمرة لها- إنسان عاجز مسكين بلا مالك ولا حام ولو أصبح سلطانا للدنيا كلها؟
وهكذا يَفهم الكُلُّ أنه كم يكون الإنسانُ بائسا وتائها في هذه الدنيا التعسة الفانية وبين أنواع البشر السائبة إن لم يعرف صاحبَه ولم يجد مالكَه.
ولكنه إذا وجد صاحبَه وعرف مالكَه فعندئذ يلتجئ إلى رحمته ويستند إلى قدرته وتنقلب تلك الدنيا الموحشة إلى منتزه، وتصبح له سوقا للتجارة.
242. صفحة
المقام الأول
إن في كل كلمة من الكلمات الإحدى عشرة من هذا الكلام التوحيدي بشارةً، وفي تلك البشارة شفاء، وفي ذلك الشفاء لذة معنوية.
الكلمة الأولى: إن في (لا إله إلا الله) بشارةً كالآتي:
إن روح الإنسان المفتقرة إلى حاجات لا حد لها، والمستهدفة بهجوم أعداء لا حصر لهم تجدُ في هذه الكلمة نقطةَ استمداد تفتح لها أبواب خزائن رحمةٍ تضمن وتوفر لها كل احتياجاتها، وتجد في هذه الكلمة نقطة استناد تعرّفها إلى معبودها وخالقها صاحب القدرة المطلقة التي تعصمها من شرور جميع أعدائها، وترشدها إلى صاحبها، وتُرِيهَا من هو مالكها، وبهذه الإراءة تنقذ القلبَ من الوحشة المطلقة، والروحَ من الحزن الأليم، وتضمن لهما الفرحَ الأبدي والسرور الدائم.
الكلمة الثانية: (وحده): توجد في هذه الكلمة بشارة ملؤها الشفاء والسعادة، وذلك أن روح البشر وقلب الإنسان المرتبطين والمتعلقين بأكثر أنواع الكائنات واللذين وَصَلَا إلى حد الغرق من البؤس والتشويش من جراء تلك العلاقات والارتباطات؛ يجدان في كلمة (وحده) ملجأ وملاذا ينقذهما من كل ذلك البؤس والتشوش.
أي إن (وحده) تقول معنىً: إن الله واحد، فلا تَتْعب بمراجعة الآخرين، ولا تجعل لأحد عليك منَّة بالتذلل إليهم، ولا تخضع ولا تَحْنِ رأسَك بتملقهم، ولا ترهق نفسك باللهاث وراءهم، ولا ترتجف بالخوف منهم؛ لأن سلطان الكون واحد وعنده مفاتيح كل شيء وبيده زمام كل أمر، وبأمره يتم كل شيء ويُحَلُّ كل مشكل؛ فإن وجدتَه وجدت كل مطالبك وتخلصت من المِنن والمخاوف غير المحدودة.
243. صفحة
الكلمة الثالثة: (لا شريك له) أي: كما أنه لا شريك له في ألوهيته وسلطنته، ولأنه واحد يستحيل تعدده؛ فكذلك لا شريك له في ربوبيته وإجراءاته وإيجاداته، وقد يكون -أحيانا- السلطان واحدا لا شريك له في سلطنته؛ إلا أن مُوَظَّفِيهِ يُعدّون شركاء له في إجراءاته؛ ولا يسمحون لكل الأفراد بالدخول إلى حضرته، وإنما يقولون لهم: عليكم بمراجعتنا نحن كذلك.
ولكن الحق جل جلاله وهو سلطان الأزل والأبد كما أنه لا شريك له في سلطنته؛ فإنه كذلك لا يحتاج إلى مُعِينين ولا إلى شركاء في إجراءات ربوبيته، ولا يمكن أن يتدخل شيء في شيء بدون أمره وإرادته وحوله وقوته، ويمكن لكل فرد أن يراجعه مباشرة، ولا يقال لمن أراد أن يراجعه: ممنوع! لا يمكنك الدخول إلى حضرته؛ لأنه لا شريك له ولا معين.
وهكذا فإن هذه الكلمة تزفُّ بشرى لروح البشر، فتقول: إن روح البشر التي اكتسبت الإيمان يمكنها أن تدخل إلى حضرة الجميل ذي الجلال، والقدير ذي الكمال، الأزلي، والأبدي، ومالك خزائن الرحمة، وصاحب كنوز السعادة، بلا مداخلة ولا حائل(ولا ممانعة، وفي كل أحوالها، وعند كل مطالبها، وفي أي زمان، وفي أي مكان، وأن تَعرِضَ حاجاتها، ويمكنها أن تكتسب الفرح الكامل والسرور التام بدخولها في رحمته واستنادها إلى قدرته.
الكلمة الرابعة: (له الملك) أي إن الملك كله له، فأنت كذلك ملكه ومملوكه وتعمل في ملكه، وهذه الكلمة تزف بشرى ذات شفاء، وتقول:
أيها الإنسان، لا تحسبنّ نفسك مالكا لنفسك؛ لأنك لا تستطيع إدارة أمور نفسك بنفسك، فذلك الحمل ثقيل لا تَقدر عليها وحدك، ولا تستطيع أن تتجنب المصائب والبلايا، ولا يمكنك أن توفر احتياجاتك؛ إذن لا تتألم ولا تتعذب بدون فائدة، فالملك لمالكٍ غيرك، وذلك المالك قدير ورحيم، فاستند إلى قدرته، ولا تتهم رحمته، ودع الغم والهم وتمتع وابتهج، واترك التعب والعناء واظفر بالسعادة والهناء.
244. صفحة
وتقول: إن هذا الكون الذي تحبه وتتعلق به معنى، وتتألم لشقائه وبؤسه، ولا تقدر على إصلاحه مِلْكٌ لقدير رحيم، فسلِّم الملكَ لمالكه وفَوِّضْه له، ولا تُحَمِّلْ نفسك متاعبه ومشقَّاته، وتَمَتَّعْ بمسراته وهنائه؛ فهو حكيم ورحيم يتصرف في ملكه ويدبره كيف يشاء، وإذا أخذتك الدهشة فقل كما قال إبراهيم حقي:
لنر المولى ماذا يُقدِّر ويفعل فما يُقدِّره هو الأحسنُ والأجملُ.
فشاهد الكون -وما فيه من حادثات واضطرابات- من النوافذ ولا تقحم نفسَك فيها.
الكلمة الخامسة: (وله الحمد) أي إن الحمد والثناء والمدح والمنّة خاص به، ولائق به وحده، أي إن النعم كلها منه، فهي تصدر وتفيض من خزائنه، وهذه الخزائن دائمة.
فهذه الكلمة تزف البشرى وتقول: أيها الإنسان، لا تتألم من زوال النعمة؛ لأن خزائن الرحمة لا تنفَد، ولا تصرخ ولا تعول من الألم الناشئ عن تفكيرك في زوال اللذة؛ لأن ثمرة النعمة هي ثمرة لرحمة لا نهاية لها، فشجرتها باقية، فإن فَنِيَتْ وزالتْ الثمرة وُجد ما يحلّ محلها، ويمكنك أن تزيد لذة النعمة من درجة واحدة إلى مائة درجة، وذلك بتفكرك حامدًا في التفاتة الرحمة الكامنة في لذة النعمة التي هي ألذّ من تلك اللذة نفسها بمائة درجة.
فكما أن لذة تفاحة أهداها لك سلطانٌ ذو شأن تُشعرك وتحسن إليك لذة التفاتة سلطانية تفوق لذة مائة تفاحة، بل ألف تفاحة، فكذلك كلمة (له الحمد) تفتح لك باب لذة معنوية ألذّ من النعمة بألف درجة، وذلك بالحمد والشكر، أي بالشعور بالإنعام من خلال النعمة، أي بمعرفة المنعم وبالتفكر في إنعامه، أي بالتفكر في التفاتات رحمته واهتمام شفقته ودوام إنعامه.
الكلمة السادسة: (يحيي): أي إنه هو الذي يمنح الحياة، وهو الذي يديم الحياة بالرزق، وهو الذي يُهَيِّئُ مستلزمات الحياة، فالغايات السامية للحياة تعود إليه والنتائج المهمة لها متوجهة إليه، وتسعة وتسعون بالمائة من ثمراتها تخصه.
245. صفحة
فهذه الكلمة تخاطب البشر الفاني العاجز، وتزف إليه البشرى فتقول: أيها الإنسان لا تُتعب نفسك بحملك تكاليف الحياة الثقيلة على عاتقك، ولا تحزن بالتفكير في فناء الحياة، ولا تظهر الندامة والتحسر على مجيئك إلى الدنيا محدِّقًا في ثمرات الحياة الدنيوية التي لا أهمية لها وحسب، بل إن ماكينة الحياة الكامنة في سفينة جسمك هي ملك للحي القيوم، فهو الذي يوفر مصروفاتها ولوازمها، وإن لتلك الحياة غايات ونتائج كثيرة عديدة جدا، كلها ملك له وتعود إليه وتخصه، وما أنت في تلك السفينة إلا عامل دَفَّة، فقم بواجبك على أحسن وجه، وخذ أجرتك، وتمتع بحياتك، وتفكر في سفينة الحياة هذه؛ كم هي قيّمة! وكم من فوائد حسنة لها! وكم هو كريم ورحيم صاحب هذه السفينة! واسعد بذلك واشكر، وافهم أنك متى ما قمت بواجبك باستقامة فإن كل النتائج التي تثمرها تلك السفينة تُسجل في دفتر أعمالك من جهة، وتُحقِّق لك حياةً باقية، وتحييك حياة أبدية من جهة أخرى.
الكلمة السابعة: (ويميت): أي إنه هو الذي يخلق الموت، أي هو الذي يسرِّح من وظيفة الحياة، ويبدّل مكانك من الدنيا الفانية إلى عالم الأبد، ويُعفي ويحرر من كُلفة الخدمة وثقلها، أي ينقلك من الحياة الفانية إلى الحياة الباقية.
فهذه الكلمة تصيح بالجن والإنس الفانين فتقول: لكم البشرى، إن الموت ليس إعدامًا ولا ضياعا ولا فناء ولا انقراضا ولا انطفاء ولا فراقًا أبديًا ولا عدمًا ولا تصادفًا ولا انعدامًا بلا فاعل، بل هو تسريح من قبل فاعل حكيم رحيم، وتبديل مكان، وسَوْقٌ نحو السعادة الأبدية،إلى وطننا الأصلي، وباب وصالٍ إلى عالم البرزخ الذي هو مجمع تسعة وتسعين في المائة من الأحباب.
الكلمة الثامنة: (وهو حي لا يموت): أي إن لصاحب الجمال والكمال والإحسان الذي يفوق كماله وجماله وإحسانه -إلى أقصى حد- ما يُشاهَد على موجودات الكون قاطبة من كمال وجمال وإحسان، وهي وسائل المحبة.. وإن للمعبود -الذي
246. صفحة
لم يزل وللمحبوب الذي ما يزال والذي تغني مَسْحَةٌ واحدة من جماله عن كل المحبوبات- حياةً دائمةً أزليةً أبديةً منزهةً عن شوائب الزوال والفناء، ومبرأةً عن عوارض النقص والتقصير.
فهذه الكلمة تعلن للجنّ والإنس ولِجميع ذَوي الشعور ولأهل المحبة والعشق وتقول لهم: إليكم البشرى، إن لكم محبوبا باقيا يداوي الجروح المتولدة من افتراقاتكم غير المحدودة عن محبوباتكم ويمسحها بالمرهم، فما دام موجودا وباقيا فلا تقلقوا ولا تتلهفوا مهما أصاب الآخرين، بل إن الحسن والإحسان والفضل والكمال في تلك المحبوبات -التي هي سبب محبتكم لها- ما هي إلا ظِلٌّ لظِلٍّ ضعيفٍ للغايةِ لتجلي الجمال الباقي لذلك المحبوب الباقي نَفَذ وترشح عبر حُجُب وأستار كثيرة، فلا يؤلمنّكم زوال تلك المحبوبات؛ لأنها بمنزلة مرايا، وتبدُّل المرايا وتغيُّرها يجدد ويُجمِّل روعة الجمال وبهاءه، فمادام موجودًا فكلّ شيء موجود.
الكلمة التاسعة: (بيده الخير): أي إن الخير كله بيده، وكل ما تفعلونه من أعمال خيرة يكون منه وإليه، وما تقومون به من أعمال صالحة يسجل عنده، فهذه الكلمة تنادي الجن والإنس وتزف إليهم البشرى، فتقول:
أيها البائسون عديمو الحيلة، لا تقولوا عند رحيلكم إلى المقبرة: وا أسفاه! أصبحت أموالنا أثرًا بعد عين، وغَدَا سعيُنا هباء منثورًا، وخرجنا من هذه الدنيا الجميلة الفسيحة ودخلنا حفرة ضيقة، لا تدعوا بالويل، ولا تصرخوا يائسين؛ لأن كل أموركم وشئونكم حُفِظت، وكل عملكم كُتب، وكل خدماتكم سُجلت.
وإن (الذات) ذا الجلال الذي سوف يجزيكم على خدماتكم، والذي بيده الخير كله، والذي يَقدر على فعل الخيرات كلها؛ يجلبكم ويجعلكم تنتظرون مؤقتا تحت الأرض، ثم يُحضِركم إلى حضرته، فطوبى لكم! فقد أنهيتم خدماتكم ووظائفكم، وقد انتهت مشاقُّكم ومتاعبكم، وأنتم راحلون وماضون إلى الراحة والرحمة، فقد انتهت مشقة الخدمة وأنتم ذاهبون إلى أخذ الأجرة.
247. صفحة
أجل؛ إن القدير ذا الجلال الذي يحافظ على النوى والبذور -التي هي صحائف دفتر أعمال الربيع الماضي، وصنادیق صغيرة لخدماته- يحتفظ بها وينشرها في الربيع التالي بصورة أروع وأزهى بل بطرز أكثر عطاءً من أصلها؛ أجل إن ذلكم القدير ذا الجلال يحافظ حتما على نتائج حياتكم كذلك، وسيغدق عليكم مكافأة كبیرة مقابل خدماتكم.
الكلمة العاشرة: (وهو على كل شيء قدير) أي: إنه واحد أحد، قدير على كل شيء، ولا يئوده شيء، فخلقُ ربيع كامل سهلٌ عليه كخلق زهرة واحدة، وخلق الجنة هَيِّنٌ ويسير عليه كخلق الربيع، فمصنوعاتُه غير المحدودة التي يوجِدها ويخلقها بتجدد واستمرار في كل يوم وفي كل سنة وفي كل عصر كلّها تشهد بألسنة غير متناهية على قدرته غير المتناهية.
فهذه الكلمة أيضا تزف البشرى وتقول:
أيها الإنسان، إن الخدمات التي قمت بها والعبودية التي أديتها لا تذهب سدى، وقد هُيِّئَت لك دار مكافأة ومحل سعادة، وتنتظرك جنةٌ باقيةٌ بديلا عن دنياك الفانية هذه، فآمِنْ وثق بوعدِ الخالق ذي الجلال الذي تعبده وتعرفه واعتمد عليه؛ إذ إن الخُلْفَ في وعده محال، ولا نقص في قدرته بوجه من الوجوه أصلا، ولا يمكن أن يتدخل العجزُ في شئونه، فهو قادر على أن يخلق لك الجنة كما خلق لك حديقتك الصغيرة، بل قد خلقها فعلا ووعدك بها، ولأنه وعدك بها فهو حتما سيدخلك فيها، وبما أننا نرى بالمشاهدة أنه جل جلاله يحشر وينشر في كل سنة على وجه الأرض أنواعا وأمما تزيد على ثلاثمائة ألف من الحيوانات والنباتات بكمال الانتظام والميزان، وبكمال السرعة والسهولة؛ فلا شك أن مثل ذلكم القدير ذي الجلال -جل جلاله- مقتدر على أن يفي بوعده حتما.
وما دام قديرا مطلقا يُوجد في كلّ سنة نماذج للحشر والجنة على آلاف الأشكال، وما دام يَعِدُ بسعادة أبدية ويبشّر بالجنة في جميع خطاباته السلطانية
248. صفحة
السماوية، وما دامت إجراءاته وشئونه كلها حق وحقيقة وتتم بصدق وجد، وما دامت الكمالات كلها بشهادة آثاره تدل وتشهد على كماله غير المتناهي، وأنه لا نقص له من أية جهة ولا قصور، وما دام خلف الوعد والخلاف والكذب والخداع كلها خصال قبيحة للغاية ونقص وقصور؛ فلا شك أن ذلكم القدير ذا الجلال، وذلكم الحكيم ذا الكمال، وذلكم الرحيم ذا الجمال سيفي بوعده حتما لا محالة، وسيفتح أبواب السعادة الأبدية، وسيدخلكم يا أهل الإيمان الجنةَ التي هي الوطن الأصلي لأبيكم آدم عليه السلام.
الكلمة الحادية عشرة: (وإليه المصير) أي: إن الناس الذين أُرسلوا من أجل التجارة والمأمورية بوظائف مهمة إلى هذه الدنيا، التي هي دار امتحان واختبار سيعودون مرة أخرى إلى خالقهم الجليل الذي أرسلهم بعدما قاموا بتجارتهم، وأنهوا وظائفهم، وأتموا خدماتهم، وسيَصلون إلى مولاهم الكريم ويلاقونه، أي إنهم بعد رحيلهم عن هذه الدار الفانية سيتشرفون بالمثول بين يدي حضرته ذي الكبرياء جل جلاله في الدار الباقية، أي سيلقون ربَّهم الرحيم بلا ستار ولا حجاب في مقر سلطنته الأبدية بعد تخلصهم من فوضى الأسباب وحجب الوسائط المظلمة، وسوف يعرف ويجد كل واحد مباشرة دون واسطة مَن هو خالقه ومعبوده وربّه وسيده ومالكه.
فهذه الكلمة تزف بشرى تفوق كل البشارات، فتقول: أيها الإنسان، أتدري إلى أين أنت ذاهبٌ؟ وإلى أين تُساق؟ وكما قيل في آخر "الكلمة الثانية والثلاثين":
إنك ذاهب وسائر إلى دائرة رحمة، وإلى المقام العلوي لحضرة الجميل ذي الجلال، الذي لا تساوي ولا تضاهي حياةُ ألف سنة من حياة الجنة ساعةً واحدة من رؤية جماله، وإلى تلك الجنة التي لا تساوي ولا تضاهي حياةُ ألف سنة في سعادة من الدنيا ساعةً واحدة منها.
وإنكم ذاهبون وسائرون إلى ديوان حضرة المعبود الذي لم يزل، والمحبوب الذي ما يزال، والذي ما تشغفون وتفتتنون به وما تشتاقون إليه من حُسن وجمال
249. صفحة
الحجة الإيمانية الحادية عشرة
المقام الأول لـ”لكلمة الثانية والعشرين"
"الحكاية التمثيلية"
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم: 25)
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: 21)
ذات يوم قد استحمّ رجلان في حوض ما، وفقدا وعيهما بتأثير غير عادي، ولما فتحا عينيهما وجدا أنهما قد جيء بهما إلى عالم عجيب؛ إنه عالم كأنه مملكة من حيث كمال انتظامه بل كأنه مدينة بل قصر، وتلفّتا حوليهما من شدة تحيرهما، ورأيا أنه لو نُظر إليه من جهة يبدو أنهعالم عظيم، ومن جهة أخرى مملكة منتظمة، ومن جهة ثالثة مدينة رائعة، ومن جهة رابعة قصر يضم عالمًا رائعا عظيما للغاية، وأخذا يسيران ويتجولان في هذا العالم العجيب، فوجدا أن هناك مخلوقات تتكلم بطرز معين، ولكنهما لا يعرفان لغتها؛ إلاّ أنه يُفهم من إشاراتها أنها تقوم بأمور عظيمة، وتؤدي وظائف مهمة، وقال أحدهما لصاحبه:
"لا شك أن هناك مدبرًا لهذا العالم العجيب، ومالكًا لهذه المملكة المنتظمة، وصاحبًا لتلك المدينة الرائعة، وصانعًا لذلك القصر المصنوع، فعلينا أن نسعى لمعرفته؛ إذ يبدو أنه هو الذي أتى بنا إلى هنا، ولو لم نعرفه فمن الذي سيساعدنا، وماذا بوسعنا أن ننتظر من هذه المخلوقات العاجزة التي لا نعرف لغتها ولا هي تستمع إلينا؟ وإن الذي صنع عالمًا عظيمًا على صورة مملكة، وبطرز مدينة وبشكل
250. صفحة
قصر، وملأه من أقصاه إلى أقصاه بأشياء بديعة، وزيّنه بأنواع من الزينات، وزركشه وزوّده بمعجزات ذات عبر؛ لا شك أن له طلبًا عندنا وممن يأتون إلى هنا، فيجب أن نعرفه، ونعرف ما يطلبه منا"، فقال الرجل الآخر:
"أنا لا أصدق أن هناك شخصًا كهذا الذي تتحدث عنه، وأنه يدير وحده هذا العالم كله"، فردّ عليه صاحبه قائلاً:
"إن لم نعرفه ولم نعبأ به فلا فائدة من ذلك مطلقًا، وإن كان هناك ضرر فضرره عظيم جدا، ولو سعينا لمعرفته فمشقته خفيفة جدًّا، وإن كانت هنالك منفعة فمنفعته عظيمة جدا؛ لذا فإن عدم الاهتمام به ليس من العقل في شيء البتة"، فقال له هذا الرجل السفيه الأرعن:
"إني أجد كل راحتي ومتعتي في عدم التفكر فيه، فلن أشغل بالي بما لا يسعه عقلي كهذه الأشياء، وإن كل هذه الأمور تصادفية ومعضلة مشوشة، وتجري من تلقاء نفسها، وما لي أنا وهذه الأمور!"، فقال له صاحبه العاقل:
"إن تمردك هذا سيلقي بي بل بالكثيرين من أمثالي إلى البلايا، إذ تُخرَّب أحيانًا بلدةٌ بسبب رجل واحد قليل الأدب"، فقال له هذا الأحمق مرة أخرى:
"إما أن تثبت لي إثباتًا قاطعا أن لهذه المملكة العظيمة مالكًا واحدا وصانعًا واحدًا، وإما أن تدعني وشأني"، فردّ عليه صاحبه قائلاً: "بما أن عنادك قد وصل إلى درجة السذاجة والجنون، وستسوقنا بعنادك هذا وربما المملكة أيضًا بأجمعها إلى الهلاك؛ فسأريك باثني عشر برهانًا أن هناك صانعًا واحدًا لهذا العالم الشبيه بالقصر ولهذه المملكة الشبيهة بالمدينة، وأن الذي يدير كل الأمور إنما هو هذا الصانع، وأنه لا نقص فيه من أية جهة كانت، وأن هذا الصانع الذي لا نراه يرانا ويرى كل شيء، ويسمع كلامنا وكلام كل شيء، وأن كل أمر من أموره معجزة، وخارق للعادة، وأن كل مخلوق من تلك المخلوقات التي نراها ولا نعرف لغتها موظف عنده.
251. صفحة
البرهان الأول: تعال؛ فانظر إلى كل مكان، ودقّق النظر في كل شيء؛ إن هناك يدًا خفيةً تعمل في تلك الأمور كلها؛ لأن الشيء الصغير -صغر النواة- الذي ليس له قوة بقدر درهم(1)، يحمل آلاف الأرطال من الأثقال، والذي ليس له مثقال ذرة من الشعور(2) يقوم بالأمور بحكمة بالغة، إذن فكل تلك الأشياء لا تقوم بكل هذه الأمور من تلقاء نفسها، وإن هناك صاحب قدرة خفيًّا يديرها؛ ولو كانت كل هذه الأشياء تعمل من تلقاء نفسها للزم أن تكون كل الأمور في تلك المملكة التي شاهدناها من أقصاها إلى أقصاها معجزة، وأن تكون كل الأشياء خارقة ذات معجزات، وهذا سفسطة.
البرهان الثاني: تعال؛ فدقق النظر في الأشياء التي تزيِّن تلك السهول وتلك الميادين وتلك المنازل، إن في كل واحد منها أمورًا تخبر عن تلك الذات الخفية، وكأن كل واحد منها طُرَّة وسِكّة تخبر عن تلك الذات الغيبية، فها هي ذي أمام عينيك، فانظر ماذا تصنع من مثقال درهم من القطن(3)، وانظر كم لفافة من القماش والشاش والقماش المنقوش بالزهور تصدر عنها، وانظر كم من الحلوى والكفتة المدورة اللذيذة تُصنع منها، بحيث لو لبسها وأكلها آلاف من الأشخاص مثلنا لما نَفِدَت، ثم انظر إنها أخذت بقبضتها الغيبية هذا الحديد والتراب والماء والفحم والنحاس والفضة والذهب وجعلتها قطعة لحم(4) ، فلتبصر هذا!
فيا أيها الأبله، إن هذه الأمور خاصة بالذي تلك المملكةُ بجميع أجزائها تحت معجزة قوته، وإنها تخضع لجميع أوامره.
(1)إشارة إلى النوى التي تحمل الأشجارَ على رأسها. (المؤلف)
(2)شارة إلى مد النباتات الرقيقة -كسيقان العنب التي لا ترتفع وحدها، ولا تتحمل ثقل الأثمار- الأيدي اللطيفة إلى الأشجار والتفافها حولها، وإلى حمل أثقالها عليها. (المؤلف)
(3)إشارة إلى البذور، فمثلا: إن بذرة من بذور الأفيون كالذرة، ونواة من نوى المشمش كالدرهم، ونواة الشمام، كيف تأتي من خزانة الرحمة بأوراق نُسجت أحسن من القماش، وبزهور بيضاء وصفراء أشد بياضًا من الشاش الأبيض، وبثمار أحلى من الحلوى، وألطف وألذّ وأجمل من الكفتة وعلب المعلَّبات، وتقدمها إلينا. (المؤلف)
(4) إشارة إلى خلق جسم الحيوانات من العناصر، وإلى إيجاد ذوي الحياة من النطفة. (المؤلف)
252. صفحة
البرهان الأول: تعال؛ فانظر إلى كل مكان، ودقّق النظر في كل شيء؛ إن هناك يدًا خفيةً تعمل في تلك الأمور كلها؛ لأن الشيء الصغير -صغر النواة- الذي ليس له قوة بقدر درهم(1)، يحمل آلاف الأرطال من الأثقال، والذي ليس له مثقال ذرة من الشعور(2) يقوم بالأمور بحكمة بالغة، إذن فكل تلك الأشياء لا تقوم بكل هذه الأمور من تلقاء نفسها، وإن هناك صاحب قدرة خفيًّا يديرها؛ ولو كانت كل هذه الأشياء تعمل من تلقاء نفسها للزم أن تكون كل الأمور في تلك المملكة التي شاهدناها من أقصاها إلى أقصاها معجزة، وأن تكون كل الأشياء خارقة ذات معجزات، وهذا سفسطة.
البرهان الثاني: تعال؛ فدقق النظر في الأشياء التي تزيِّن تلك السهول وتلك الميادين وتلك المنازل، إن في كل واحد منها أمورًا تخبر عن تلك الذات الخفية، وكأن كل واحد منها طُرَّة وسِكّة تخبر عن تلك الذات الغيبية، فها هي ذي أمام عينيك، فانظر ماذا تصنع من مثقال درهم من القطن(3)، وانظر كم لفافة من القماش والشاش والقماش المنقوش بالزهور تصدر عنها، وانظر كم من الحلوى والكفتة المدورة اللذيذة تُصنع منها، بحيث لو لبسها وأكلها آلاف من الأشخاص مثلنا لما نَفِدَت، ثم انظر إنها أخذت بقبضتها الغيبية هذا الحديد والتراب والماء والفحم والنحاس والفضة والذهب وجعلتها قطعة لحم(4) ، فلتبصر هذا!
فيا أيها الأبله، إن هذه الأمور خاصة بالذي تلك المملكةُ بجميع أجزائها تحت معجزة قوته، وإنها تخضع لجميع أوامره.
(1)إشارة إلى النوى التي تحمل الأشجارَ على رأسها. (المؤلف)
(2)شارة إلى مد النباتات الرقيقة -كسيقان العنب التي لا ترتفع وحدها، ولا تتحمل ثقل الأثمار- الأيدي اللطيفة إلى الأشجار والتفافها حولها، وإلى حمل أثقالها عليها. (المؤلف)
(3)إشارة إلى البذور، فمثلا: إن بذرة من بذور الأفيون كالذرة، ونواة من نوى المشمش كالدرهم، ونواة الشمام، كيف تأتي من خزانة الرحمة بأوراق نُسجت أحسن من القماش، وبزهور بيضاء وصفراء أشد بياضًا من الشاش الأبيض، وبثمار أحلى من الحلوى، وألطف وألذّ وأجمل من الكفتة وعلب المعلَّبات، وتقدمها إلينا. (المؤلف)
(4) إشارة إلى خلق جسم الحيوانات من العناصر، وإلى إيجاد ذوي الحياة من النطفة. (المؤلف)
253. صفحة
البرهان الثالث: تعال؛ فانظر إلى بدائعه المتحركة (1)هذه، فإن كل واحد منها قد صُنع بطرز وكأنه نسخة صغيرة من هذا القصر الكبير، وكل ما في هذا القصر موجود في تلك الماكينات الصغيرة المتحركة، أفمن الممكن أنْ يأتيَ واحدٌ غيرُ صانع هذا القصر ويُدرج هذا القصر العجيب في ماكينة صغيرة؟! وهل من الممكن أن تكون أمور تصادفية أو عبثية في ماكينة صغيرة صغر العلبة مع أنها تضم في داخلها العالم بأجمعه.
إذن فإن الماكينات البديعة المشاهدة كلها بمنزلة سكة لهذه الذات الخفية، بل بمنزلة دلال معرِّف وورقة إعلان تقول بلسان أحوالها: "إننا بدائع لمن يستطيع أن يصنع عالمنا هذا بأجمعه بسهولة كما صنعَنا وأوجدَنا بسهولة".
البرهان الرابع: أيها الصديق العنيد، تعال؛ فسأريك أعجب من ذلك، انظر، فإن كل هذه الأمور والأشياء في هذه المملكة تتغير وتتبدل، فلا تستقر على حالة واحدة، فتأمل إن الأجسام الجامدة والعلب التي لا شعور لها والتي نشاهدها قد اتخذت صورة الحاكم المطلق، وكأن كل شيء يحكم على كل شيء، فانظر إلى هذه الماكينة( (2)القريبة منا، كأنها تأمر، فتهرع إليها من بعيد اللوازم والمواد الضرورية لعملها وتزيينها.
فانظر هناك، فإن هذا الجسم (3)الذي لا شعور له كأنه يشير إشارة، فيجعل
(1)إشارة إلى الحيوانات والبشر، وكأن كل ما في العالم موجودٌ نموذجه في الإنسان؛ إذ إن الحيوان فهرست مصغر لهذا العالم، وماهية الإنسان مثال مصغر لهذا الكون. (المؤلف)
(2)إن الماكينة هنا إشارة إلى الأشجار المثمرة؛ لأنها تنسج الأوراق والأزهار والأثمار العجيبة، وتزيِّنها، وتُنضجها، وتَمدها إلينا وكأنها تحمل على أغصانها الرقيقة مئات من المعامل والمصانع، والحال أن الأشجار الباسقة الضخمة كالصنوبر والقطران نصَبت معاملها على الصخور الصماء تعمل بنشاط ودأب. (المؤلف)
(3)إشارة إلى الحبوب والبذور وبويضات الذباب، فمثلا: إن ذبابة تترك بيضتها على ورق شجرة الحبة السوداء، فإذا بتلك الشجرة الضخمة تُحوِّل أوراقها إلى رحم أمّ ومهد ومخزن مليء بغذاء كالعسل، وكأن تلك الشجرة غير المثمرة تُثمر بهذه الصورة ثمارًا ذات أرواح. (المؤلف)
254. صفحة
أضخم الأجسام خادمًا له، ويجعلها تعمل في أعماله الخاصة به، وقس على هذا سائر الأمور والأشياء، وكأن كل شيء يسخِّر كل مخلوق في هذا العالم.
وإن لم تقبل وجود هذه الذات الخفية، فستُسنِد جميع مهارات هذه الذات وإبداعاتها وكمالاتها التي في أحجار تلك المملكة وترابها وحيواناتها ومخلوقاتها الشبيهة بالإنسان إلى تلك الأشياء واحدا فواحدا، فبدلاً من الصانع الواحد ذي المعجزات الذي يستبعده عقلك، فستقبل وجود مليارات من الصانعين ذوي المعجزات مثلها كل منهم مخالف للآخر ومثيله ومتداخل فيه، ومن دون أن يفسد هذا الانتظام، أو يخلّ بالأمور، والحال أنه لو كان يتدخل إصبعان في هذه المملكة الكبيرة لأفسدا؛ إذ لو كان هناك عمدتان في قرية وواليان في مدينة وسلطانان في مملكة لأفسداها، فكيف للحكام المُطْلَقين غير المحدودين أن يكونوا مجتمعين؟!
البرهان الخامس: فيا أيها الصديق الموسوس، تعال؛ فتأمل نقوش هذا القصر العظيم، وانظر إلى زينات تلك المدينة جمعاء، وأبصر تنظيمات هذه المملكة كافة، وتفكَّرْ في بدائع هذا العالم أجمع! فها انظر إن لم يعمل قلم الذات الخفية التي لها معجزات ومهارات لا نهاية لها، وأُسنِدت تلك النقوش إلى سائر الأسباب التي لا شعور لها، وإلى المصادفة العمياء والطبيعة الصماء؛ يجب حينئذ أن يكون كل حجر من أحجار تلك المملكة وكل عشب من أعشابها نقّاشًا ذا معجزات، وكاتبًا خارقًا للعادة حتى يستطيع أن يكتب آلافًا من الكتب في حرف واحد، وأن يُدرج ملايين الصنائع والبدائع في نقش واحد؛ إذ لو نظرت إلى النقوش في هذه الأحجار (1)لرأيت أن في كل واحد منها جميع نقوش ذلك القصر، وجميع قوانين التنظيمات لهذه المدينة، وجميع برامج التشكلات لتلك المملكة.
(1) إشارة إلى الإنسان الذي هو ثمرة لشجرة الخلقة، وإشارة إلى الثمار التي تحمل برنامج شجرتها وفهرستها؛ لأن قلم القدرة كتب في ماهية الإنسان إجمال ما كتبه في الكتاب الكبير للعالم، وما كتبه قلم القدر في الشجرة الضخمة كجبل أدرجه كذلك في ثمرتها الصغيرة كقلامة ظفر. (المؤلف)
255. صفحة
إذن فصنع تلك النقوش معجزة كصنع هذه المملكة بأجمعها؛ لذا فإن كل نقشٍ وصنعةٍ ورقةُ إعلانٍ لهذه الذات الخفية وخاتم لها، وبما أنه ما من حرف إلاّ ويدل على كاتبه، وما من نقش بديع إلاّ ويُعلن عن نقَّاشه، فكيف بالنقَّاش الذي كتب كتابًا ضخمًا في حرف واحد، ونقش ألف نقش في نقش واحد ألا يُعرَف بكتابه ونقشه؟!
البرهان السادس: تعال؛ لنذهب إلى هذا السهل (1) الواسع، فهناك جبل شامخ وسط هذا السهل، وسنصعد عليه ليتسنى لنا مشاهدة كل الأماكن، وكذلك سنأخذ معنا مناظیر مكبرة دقيقة تقرّب كل شيء؛ لأن هناك في تلك المملكة العجيبة أمورًا عجيبةً تحدث، وتحدث كل ساعة أمور لم تخطر على بالنا، فانظر، إن هذه الجبال والسهول والمدن تتغير دفعة أيما تغير بحيث تتغير معها بصورة منتظمة للغاية ملايين من الأمور المتداخل بعضها في بعض، وتحدث تحولات عجيبة جدًّا؛ إذ كأن ملايين الأقمشة المتنوعة تُنسج معًا ويتداخل بعضها في بعض.
انظر؛ فإن الأشياء المزينة المزهَّرة التي ألفناها وعرفناها قد غابت عن الأنظار، وحلت محلها بانتظام الأشياء الأخرى متشابهة معها من حيث الماهية، ومختلفة عنها من حيث الصور، وكأن كل واحد من تلك السهول والجبال صفحة تُكتب فيها مئات الآلاف من الكتب المختلفة المتنوعة، بل تكتب بلا خطأ ولا نقصان، فمحال بمائة درجة أن تحدث تلك الأمور من تلقاء نفسها.
أجل؛ إن تلك الأمور البديعة الدقيقة للغاية محال بألف درجة أن تحدث من تلقاء نفسها؛ إذ تدل على صانعها أكثر من نفسها، ولا يقوم بتلك الأمور إلا من
(1)إشارة إلى وجه الأرض في فصلي الربيع والصيف؛ حيث إن مئات الآلاف من الطوائف للمخلوقات المختلفة توجد معًا في آن واحد متداخل بعضها في بعض، وتُكتَب على وجه الأرض، وتُبدَّل بانتظام وبلا خطأ ولا قصور، وتُفرَش آلاف من موائد الرحمن، ثم تُرفع، ثم تأتي مكانها موائد جديدة طرية، وإن كل شجرة تكون في حكم خادمة، وكل بستان في حكم مِرجل. (المؤلف)
256. صفحة
هو صاحب معجزات؛ حيث لا يصعب عليه شيء، وكتابة ألف كتاب سهل عليه ككتابة حرف واحد، ومع هذا فانظر إلى كل مكان، إنه يضع كل شيء في مكانه المناسب بحكمة ويُكرم كلَّ واحد بلطف وسخاء وكرم كلاًّ حسب ما يليق به، ويرفع حجبًا، ويفتح أبوابًا عامةً بإحسان؛ بحيث يُشبِع رغبات كل واحد، ويفرش موائد بكرم وسخاء؛ بحيث تُعْطى مائدةُ نعمٍ خاصةٌ وملائمة لكل واحد من شعب تلك المملكة وحيواناتها وكل طائفة من طوائفها، بل تعطى لكل فرد منها خاصة باسمه ورسمه وصورته.
فهل هناك محالٌ في الدنيا أشد من هذا؛ أي أن تكون أمورٌ تصادفية في تلك الأمور التي نشاهدها، أو تكون عبثًا أو بلا فائدة، أو تتدخل فيها أياد متعددة، أو ألا يكون صانعها قادرًا على كل شيء، أو ألَّا يكون كل شيء مسخَّرًا له؟!
فيا أيها الصديق الرفيق، إن كانت عندك جرأة لأن تأتي بمبرر لهذا فأت به.
البرهان السابع: يا صاحبي، تعال؛ فالآن سنترك تلك الجزئيات، وسنتأمل أحوال أجزاء هذا العالم العجيب الشبيه بالقصر تجاه بعضها بعضًا.
فانظر، إن هناك أمورًا كلّيةً في هذا العالم تُجْرَى بانتظام، وانقلابات عامة تحدث، حتى إن كل الأحجار والتراب والأشجار وكل شيء في كل أرجاء هذا القصر يراعي الأنظمة الكلية لهذا العالم أجمع، وتتحرك وفقًا لهذا وكأنها فاعل مختار، فالأشياء المتباعد بعضها عن بعض تباعدا كليا تسعى لإمداد بعضها بعضًا، فانظر، إن هناك قافلة عجيبة (1)تأتي من الغيب، وتشبه مراكبُها الأشجارَ والنباتات والجبال، وتحمل على رءوسها موائد الأرزاق، وانظر، إنها تأتي بأرزاق الحيوانات المختلفة التي تنتظر هنا في هذه الجهة، ثم انظر، إن هذا المصباح الكهربائي العظيم (2)في هذه القبّة كما أنه يضيئها؛ فكذلك يطبخ جميع أطعمتها بصورة
(1)إنها قوافل الأشجار والنباتات التي تحمل أرزاق جميع الحيوانات. (المؤلف)
(2)إن ذلك المصباح الكهربائي العظيم إشارة إلى الشمس. (المؤلف)
257. صفحة
حسنة، إلا أن الأطعمة التي ستطبَخ تُعلَّق على حبل (1) من قبل يد خفية، وتُعرَض تجاهه، وانظر إلى تلك الجهة أيضًا لترى كيف أن مضختين (2) مملوءتين بالغذاء اللطيف قد عُلِّقتا أمام رءوس هذه الحيوانات المسكينة الصغيرة الضعيفة النحيفة التي لا حول لها ولا قوة كصنبورين، وحسبُ هذا المخلوق الضعيف أن يُلْصِقَ فمه بهما.
الحاصل: إن كل شيء في هذا العالم أجمع يساعد بعضه بعضًا وكأن بعضه ينظر إلى بعضه الآخر، ويكون يدًا بيد وكأنه يرى بعضه بعضًا، ويتكاتف لتكميل بعضه أعمال بعضه الآخر، ويعمل معًا متكاتفا، فقس كل شيء على هذا، وأمثال ذلك لا تعد ولا تحصى، فجميع تلك الأمور تدل دلالة قاطعة -كقطعية ضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعًا- على أن كل شيء مسخَّر لصانع هذا القصر العجيب؛ أي لصاحب هذا العالم الغريب، وأن كل شيء يعمل لحسابه هو، وأن كل شيء في حكم جندي مطيع لأوامره، وأن كل شيء يدور بقوته، وأن كل شيء يتحرك بأمره، وأن كل شيء ينتظم بحكمته، وأن كل شيء يعاون غيره بكرمه، وأن كل شيء يسعى لإمداد الآخرين برحمته، أي يُسيَّر.
فيا صاحبي، قل كلمة تجاه هذا إن كانت عندك جرأة.
البرهان الثامن: تعال؛ يا أيها الصديق الرفيق الأبله، الذي يظن نفسه عاقلاً مثل نفسي، إنك لا تريد أن تعرف صاحب هذا القصر العظيم، ولكن كل شيء يدل عليه، ويُشير إليه، ويشهد له، وكيف لك أن تُكذِّب شهادة جميع هذه الأشياء؟ إذن فأنكِر هذا القصر أيضًا، وقل إن هذا العالم غير موجود، وتلك المملكة غير موجودة، وأَنكرْ نفسك كذلك، واخرج من دائرة الوجود أو عد إلى رشدك، واستمع إليّ:
(1) إن الحبل والطعام المعلَّق على الحبل هما الأغصانُ الرقيقةُ للشجرة وثمارُها اللذيذة. (المؤلف)
(2) أما هاتان المضختان فإشارة إلى أثداء الأمهات. (المؤلف)
258. صفحة
فانظر، إن هناك في هذا القصر عناصر ومعادن (1) رتيبةً تحيط بتلك المملكة.
وكأن كل شيء يصدر عن تلك المملكة يُصنع من تلك المواد، إذن فمن كانت تلك المواد ملكَه فالأشياء التي تُصنع منها ملكه كذلك، ومن كانت المزرعة له فالمحاصيل كذلك له، ومن كان البحر ملكه فما فيه أيضا ملكُه.
وانظر؛ إن هذه الأشياء والأقمشة المنقشة المنسوجة تُصنع من مادة واحدة، فلا شك أن الذي يُحضر هذه المادة ويجلبها ويجعلها حبلاً هو كذلك واحد؛ إذ إن هذا العمل لا يقبل الاشتراك، إذن فجميع الأشياء المنسوجة البديعة خاصة به.
ثم انظر؛ إن كل جنس من أجناس تلك الأشياء المصنوعة المنسوجة موجود في كل أرجاء تلك المملكة، وتُصنع وتُنسَج مع بني جنسها منتشرة معًا ومتداخلة مع بعضها البعض، وفي آن واحد وبطرز واحد، إذن فهذه الأمور لمن هو واحد أحد، وتتحرك بأمر واحد منه، وإلاّ فالاتفاق والموافقة في آن واحد وبطرز واحد وبكيفية واحدة وبهيئة واحدة كهذا مُحال، إذن فإن كل واحد من تلك الأشياء البديعة في حكم ورقة إعلان تدل على الصاحب الخفي لهذا القصر، وكأن كل قماش مزين بالزهور، وكل ماكينة بديعة وكل لقمة لذيذة كسكة لهذه الذات ذات المعجزات، وخاتم وعلامة وطرة لها، تقول كل واحدة منها بلسان حالها: "من كنتُ مصنوعه فالصناديق والدكاكين التي أنا فيها ملكه كذلك"، وكل نقش يقول: "من نسجني فاللفافة التي أنا منها منسوجه أيضًا"، وكل لقمة حلوة تقول: "من يصنعني ويطبخني فالقدر الذي أنا فيه ملكه كذلك"، وكل ماكينة تقول: "من صنعني فهو صانع أمثالي المنتشرة في أرجاء المملكة أيضًا، ومُنشِئنا في جميع أنحاء المملكة، أي فهو مالك المملكة كذلك، إذن فمن كان مالك تلك المملكة وذاك القصر، فيمكنه أن يكون مالكًا لنا".
(1) أما العناصر والمعادن فإشارة إلى عناصر "الهواء والماء والضياء والتراب" التي لها وظائف كثيرة منتظمة والتي تسعى بالإذن الرباني لإمداد كل محتاج، وتدخل كل مكان وتمد يد العون بالأمر الإلهي، وتوفّر لوازم الحياة، وتُرضع ذوي الحياة، والتي هي منشأ ومولد ومهد لنسج المصنوعات الإلهية ونقشها. (المؤلف)
259. صفحة
فمثلاً: إن من أراد أن يكون مالكًا لحزام واحد، أو زرّ عسكري واحد خاص بالدولة، يجب أن يكون مالكًا لجميع المصانع التي تصنعه، حتى يكون مالكًا حقيقيًّا له، وإلاّ سيصادَر هذا الحزام وذلك الزرّ من هذا الأحمق الثرثار؛ لأنه ملك للدولة، ويعاقب.
الحاصل: كما أن عناصر تلك المملكة مادة تحيط بالمملكة؛ فلا يمكن أن يكون مالكها إلا من هو واحد أحد يملك المملكة بأجمعها، كذلك فالبدائع المنتشرة في كل أنحاء المملكة ولأنها تتشابه وتُظهر سكة واحدة، فإن جميع المصنوعات المنتشرة في كل أنحاء المملكة تدل على أنها إبداعات لواحد يحكم على كل شيء.
فيا أيها الصديق الرفيق، بما أن هناك علامة الوحدة وسكتها في تلك المملكة؛ أي في هذا القصر العظيم؛ إذ مع أن بعض الأشياء واحدة ولكنها محيطة، وبعضها الآخر مع أنه متعدد ولكنه يبدي نوعًا من الوحدة؛ إذ إنها متشابهة وموجودة في كل مكان، وأما الوحدة فتدل على الواحد؛ إذن يجب أن يكون صانعه ومالكه وصاحبه أيضا واحدًا، ومع ذلك فتأمل هذا، إنه يخرج حبلٌ سميك (1) من وراء ستار الغيب، فانظر؛ إن آلاف الحبال قد تدلت منه، فانظر إلى رأس كل حبل؛ إن ألماسًا وعلامة وإحسانًا وهدية قد عُلِّقت عليه، ويعطي هدية حسب كل واحد، فهل تَعرف يا تُرى كيف أن عدم معرفة هذا الذي يَمُدّ الإحسانات والهدايا العجيبة كهذه لتلك المخلوقات من وراء حجاب الغيب الغريب هذا، وعدم الشكر له تصرّفٌ جنونيّ؟ لأنك لو لم تعرفه لاضطررتَ لأن تقول: "إن هذه الحبال هي التي تصنع هذا الألماس وسائر الهدايا التي على رءوسها وتعطيها إياها"، وعندئذ يلزم أن يُعطَى لكل حبل معنى السلطنة والملَكية، والحال أن يدًا غيبية تصنع تلك الحبال أيضا
(1) أما الحبل السميك فإشارة إلى الشجرة المثمرة، وأما الآلاف من الحبال فإشارة إلى أغصانها، وأما الألماس والعلامة والإحسان والهدايا التي على رأس تلك الحبال فإشارة إلى أقسام الزهور وأنواع الثمار. (المؤلف)
260. صفحة
وتُعلقها أمام أعيننا، إذن فإن كل شيء في هذا القصر يدل على هذه الذات ذات المعجزات أكثر من دلالته على نفسه، وإن لم تعرفه فستهوي إلى دركة أحط من الحيوان بمائة درجة، لإنكارك جميع تلك الأشياء.
البرهان التاسع: تعال يا أيها الصديق عديم التفكر، إنك لا تعرف صاحب ومالك هذا القصر، ولا تريد أن تعرفه؛ لأنك تستبعده، وتنحرف إلى الإنكار بسبب عدم استيعاب عقلك بدائع صنعته العجيبة وحالاته، والحال أن الاستبعاد الحقيقي والمشكلات والصعوبات الحقيقية والمشقات المذهلة إنما هي في عدم معرفته؛ لأننا لو عرفناه فإن هذا القصر وذلك العالم سيكون سهلاً كصنع شيء واحد، ويكون مدارًا للرخص والوفرة المشاهَدة بين أيدينا وأمام أعيننا، ولو لم نعرفه ولو لم يكن غير موجود فعندئذ يكون كل شيء صعبًا كصعوبة هذا القصر؛ إذ إن كل شيء بديع كبداعة هذا القصر، ولن يبقى الرخص ولا الوفرة حينئذ، بل لن يبقى في أيدينا أي شيء من هذه الأشياء التي نراها ونشاهدها، بل لن يبقى في يد أحد، وحسبك أن تنظر إلى العلبة (1) الحلوة المعلَّقة على هذا الحبل، ولو لم تصدر عن مطبخه الخفي ذي المعجزات؛ لما استطعنا أن نشتريها بمائة ليرة مع أننا نشتريها الآن بأربعين فلسًا.
أجل؛ إن كل الاستبعاد والمشكلات والصعوبات والهلاك بل الاستحالة إنما هى في عدم المعرفة به؛ إذ كما أنه يهب الحياة للشجرة في جذر واحد وبقانون واحد ومن مركز واحد، فيسهل تَشَكُّل آلاف من الثمار كسهولة تشكُّل ثمرة واحدة، وإذا رُبطت ثمار تلك الشجرة بمراكز وجذور مختلفة بقوانين مختلفة لأصبحت كل ثمرة صعبة كصعوبة الشجرة كلها.
وكما أنه لو أُنتج عتاد الجيش كله في مركز واحد وبقانون واحد وفي مصنع واحد فيكون إنتاجه سهلا كسهولة صدور عتاد جندي واحد كميةً، وإن صُنِع عتاد
(1) العلبة إشارة إلى هدايا الرحمة كالشمام والبطيخ والرمّان التي هي معلَّبات القدرة، وكجوز الهند الذي هو علبة لبن. (المؤلف)
261. صفحة
كل جندي في مكان مختلف وجيء بها بعد ذلك؛ فيلزم عندئذ أن تكون لصنع أعتدة كل فرد من أفراد ذلك الجيش مصانع قادرة على صنع أعتدة جميع الجيش.
فكما في هذين المثالين فإن إيجاد كل هذه الأشياء في هذا القصر البديع وفي هذه المدينة الرائعة وفي تلك المملكة الراقية وفي ذلك العالم الرائع، لو أحيل إلى واحد لكان سهلاً، ولاكتسب خفة بحيث يكون سببًا لهذا الرخص والوفرة والسخاء غير المتناهي الذي نشاهده؛ وإلاّ فكل شيء سيكون غاليا وذا مشكلات بحيث لو بُذِلَتْ الدنيا ثمنًا لتلك الأشياء لما تسنى الحصول على واحد منها.
البرهان العاشر: تعال يا أيها الصديق الذي اقترب من الإنصاف شيئًا ما، إننا هنا منذ خمسة عشر (1) يومًا، وإن لم نعرف أنظمة هذا العالم، ولم نعرف السلطان فسنستحق العقاب، لم يعد لنا عذر؛ إذ لم يتعرضوا لنا وكأنهم أمهلونا خمسة عشر يومًا، فلاشك أننا لسنا سائبين طليقين، فلا نستطيع أن نتجول كالحيوان بين المصنوعات الرقيقة البديعة الموزونة اللطيفة ذات العِبر، ولا نستطيع أن نُخرّب، ولن يسمحوا لنا بالتخريب؛ فلاشك أن عقاب المالك الجليل لتلك المملكة كذلك شديد، وافهموا كيف أن الملك قدير وعزيز وجليل من هذا: إنه ينظم هذا العالم الضخم الكبير كتنظيم قصر، ويحركه كتحريك التروس، ويدير تلك المملكة الكبيرة كإدارة بيت كامل وبدون نقص في أي شيء، فانظر؛ إنها تملأ فترة بعد فترة هذا القصر وتلك المملكة وهذه المدينة بكمال الانتظام وتُفرغها بكمال الحكمة كملء طبق وإفراغه، وتأتي بأطعمة متنوعة واحدًا تلو الآخر وتطعم، وترفع هذه، وتأتي بالآخر كوضع مائدة ورفعها وبصورة كأنها تُوضع وتُرفَع من قبل يد غيبية، وإن المملكة الضخمة فيها موائد (2) متنوعة من أقصاها إلى أدناها،
(1) إن خمسة عشر يومًا إشارة إلى الخمس عشرة السنة التي هي سن التكليف. (المؤلف)
(2) أما الموائد فإشارة إلى وجه الأرض في الصيف حيث تُفرش مئات الموائد الرحمانية التي تأتي من مطبخ الرحمة طرية متنوعة مختلفة، وإن كل بستان قدر، وكل شجرة خادمة. (المؤلف)
262. صفحة
وأنت أيضا ترى وتشاهد ذلك، وتفهم إن كان لك عقل أن هناك كرمًا وسخاء لا حد لهما في تلك العظمة المذهلة.
ثم انظر أيضًا؛ فكما أن كل هذه الأشياء تشهد على سلطنة هذا الملك الغيبي ووحدته، كذلك فإن هذه الانقلابات وتلك التحولات الحقيقية المتعاقبة قافلة إثر قافلة والتي تُرفَع وتُسدَل ستارا وراء ستار تشهد على دوام هذا الملك وبقائه؛ لأن الأشياء التي تزول تزول معها أسبابها أيضًا، ولكن الأمور التي نسندها إلى تلك الأسباب الزائلة يتكرر حدوثها بعد زوال تلك الأسباب، إذن فالآثار لم تكن لهذه الأسباب، وإنما لواحد لا يزول، وكما أنه يزول حَباب النهر ويحل محله حباب يلمع مثل سابقه، فيُفهَم من هذا أن الذي يجعل الحباب يلمع هو الذي يملك نورًا دائما ساميًا؛ كذلك فتغير الأمور بسرعة، وتلوّن الأمور التي تعقبها باللون نفسه يدلان على أنها تجليات من هو واحد سرمدي لا يزول وأنها نقوشه ومراياه وبدائعه.
البرهان الحادي عشر: تعال يا صديقي، فسأبين لك الآن برهانًا باهرًا آخر بقوة عشرة من البراهين السابقة، إن هناك جزيرة بعيدة، تعال لنركب سفينة (1) ونذهب إلى هناك؛ لأن مفاتيح هذا العالم ذي الطلاسم هناك، والكل ينظرون إلى تلك الجزيرة، وينتظرون منها بعض الأشياء، ويتلقون أوامر من هناك، فانظر؛ ها نحن أولاء نذهب، والآن صعدنا على هذه الجزيرة، فانظر؛ إن هناك اجتماعًا عظيمًا جدًّا، ويبدو أن هناك احتفالاً مهمًّا وكأن جميع أكابر تلك المملكة قد اجتمعوا
(1) إن السفينة إشارة إلى التاريخ، والجزيرة إشارة إلى عصر السعادة، إننا إذا خلعنا في السواحل المظلمة لهذا العصر الملابس التي ألبستنا إياها المدنية التي هي بلا "ميم"، ودخلنا بحر الزمان، وركبنا سفينة التاريخ والسيرة النبوية، وذهبنا إلى جزيرة عصر السعادة وبلغنا ميدان جزيرة العرب، وزرنا فخر العالم صلى الله عليه وسلم وهو يزاول وظيفته، نفهم أن هذه الشخصية برهان توحيد باهر لدرجة أنها أنارت وجه الأرض من أقصاها إلى أقصاها، وأضاءت وجهي الزمان الماضي والمستقبل، وبدّدت ظلمات الكفر والضلال. (المؤلف)
263. صفحة
هنا، وأمعن النظر، فإن هناك رئيسًا لهذا الجمع العظيم، تعال؛ لنقترب أكثر فأكثر؛ إذ يجب أن نعرف هذا الرئيس، فانظر؛ إن له علامات (1) ساطعة نيرة باهرة يزيد عددها عن الألف.
وانظر كيف أنه يتحدث بكلام قوي! وكیف أن كلامه حلو! إني فهمت شيئًا ما من كلامهم خلال خمسة عشر يومًا، فافهم أنت مني، إن هذا الرئيس يتحدث عن السلطان ذي المعجزات لتلك المملكة، ويقول: "إن هذا السلطان ذا الشأن بعثني إليكم". انظر إنه يُظهر خوارق بحيث لا يدع شكًّا أو شبهة في أنه موظف خاص من قبل ذلك السلطان، فانتبه، ليست المخلوقات الموجودة في هذه الجزيرة فحسب تسمع ما قاله هذا الرئيس، بل تسمع كل المملكة بصورة خارقة؛ إذ كل واحد يحاول مهما كان بعده الاستماع إلى كلمته هنا، وليس الناس فحسب هم الذين يستمعون إليه، بل الحيوانات وحتى الجبال -انظر- تستمع إلى ما جاء به من الأوامر حيث تهتز وتتحرك في مكانها، وتلك الأشجار تهرع إلى حيث أشار، ويخرِج الماء حيثما يريد، وحتى إنه يجعل إصبعه كضرعٍ لماء كالكوثر، ويسقي منها ماء الحياة، فانظر؛ إن المصباح (2) المهم في القبة العالية لهذا القصر ينشق إلى شقين اثنين بإشارة منه بعد أن كان واحدًا؛ إذن فتلك المملكة بجميع موجوداتها تعرف أنه موظف، وتصغي إليه وتخضع له وكأنها تعرف أنه ترجمان صادق خاص لهذا السلطان الغيبي ذي المعجزات، ودلاّل سلطنته، وكشّاف طلسمه، ورسوله الأمين الذي يبلِّغ أوامره، فإن كل من له عقل سليم ممن حوله من الأشخاص يصدِّق كل ما يقوله هذا الشخص من كلام، ويقول: "نعم، نعم، إن ما يقوله
(1) أما العلامات البالغ عددها ألفا فهي المعجزات الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- البالغ عددها ألفا عند أهل التحقيق. (المؤلف)
(2) إن المصباح المهم هو القمر حيث أصبح شقين بإشارته هو؛ أي: كما قال مولانا جامي: "إن هذا الشخص الأمي الذي لم يكتب أبدًا، كتب حرف "الألف" بقلمه الإصبع في صحيفة السماء، وجعل الأربعين اثنين من الخمسينات"، أي كان يشبه الميمَ الذي هو الأربعين قبل الشق، وأصبح هلالين بعد الشق، وشابَه نُونَين وهما عبارة عن خمسين. (المؤلف)
264. صفحة
صدق"، وحتى الجبال والأشجار في تلك المملكة وسراج النور الكبير (1) الذي يضيء كل أنحاء تلك المملكة تقول بخضوعها لأوامره وإشاراته: "نعم، نعم، إن كل ما تقوله صدق".
فيا أيها الصديق والرفيق الأحمق، أمن الممكن أن يكون هناك كذبٌ وخدعةٌ -بأية حال من الأحوال- عند من هو صاحب المعجزات الذي تتحدث عنه بكل قوتها تحت تصديق جميع أشراف تلك المملكة هذه الشخصيةُ النورانية الممتازة الجادة التي تحمل ألف علامة خاصة بالخزانة الخاصة لهذا السلطان، وفي أوصافه التي تذكرها وفي أوامره التي تبلغِّها؟!
وإذا كان ذلك قابلا للكذب فيلزم تكذيب وجود وحقيقة هذا القصر وتلك المصابيح وهذه الجماعة، وإن كان لديك جرأة فمدّ إصبعك للاعتراض على هذا، وانظر كيف يُكسَّر إصبعك بقوة البرهان ويُُدخَل في عينك!
البرهان الثاني عشر: تعال يا أيها الأخ الذي عاد إلى رشده إلى حد ما، فسأبيِّن لك برهانًا آخر بقوة جميع ما سبق من أحد عشر برهانًا، فانظر إلى هذا الفرمان النوراني (2) النازل من الأعلى الذي ينظر إليه الكل بدقة كاملة إما من دهشتهم وإما من احترامه، وهذه الشخصية التي لها ألف علامة واقفة بجواره تبيِّن للناس معاني هذا الفرمان، فأسلوب هذا الفرمان يسطع بحيث يجذب استحسان الجميع، ويذكر المسائل الجادة والمهمة بحيث يضطر الجميع إلى الإصغاء إليه؛ لأنه يبيِّن واحدًا فواحدًا شئون وأفعال وأوامر وأوصاف من صنع هذا القصر ويُدير هذه المملكة بأجمعها ويُظهر تلك العجائب، وكما أن في الهيئة العامة لهذا الفرمان طرّةً عظمى؛
(1) إن سراج النور الكبير هو الشمس؛ حيث إن الإمام عليا رضي الله عنه لم يؤد ذات يوم صلاةَ العصر بسبب نوم الرسول صلى الله عليه وسلم في حجره، وظهرت الشمس من جديد بدوران الأرض من المشرق، فصلى صلاة العصر أداءً وليس قضاءً بناءً على هذه المعجزة. (المؤلف)
(2) إن الفرمان النوراني إشارة إلى القرآن، وأما الطرة المضروبة عليه فإشارة إلى إعجازه. (المؤلف)
265. صفحة
فانظر ففي كل سطر من سطوره وفي كل جملة من جمله كذلك طرّةٌ لا تُقلّد، ويبدو كذلك أن هناك طرزًا خاصًّا به كخاتم معنوي خاصّ على المعاني التي يفيدها والحقائق والأوامر والحِكم التي فيها.
الحاصل: إن ذلك الفرمان الأعظم يدل على هذه الذات العظمى كالشمس، ويبصره من لم يَعْمَ بصره.
فيا أيها الأخ، إن عدتَ إلى رشدك فنكتفي بهذا القدر، وإن كان لك كلام أو قول، فقُل الآن، فردّ عليه هذا الرجل العنيد قائلاً: "لا يسعني إزاء براهينك هذه إلا أن أقول: آمنتُ، الحمد لله، بل آمنت إيمانًا ساطعًا كالشمس ومنورًا كالنهار، وقبلتُ أن هناك مالكًا واحدًا ذا كمال لتلك المملكة، وصاحبًا واحدًا ذا جلال لهذا العالم، وصانعًا واحدًا ذا جمال لذلك القصر، ليرض الله عنك؛ إذ إنك أنقذتني من عنادي القديم ووضعي الجنوني، إن كل برهان من البراهين التي ذكرتها كان كافيًا لإظهار هذه الحقيقة وحده، ولكني انتظرت، وتماديت في الاستماع؛ إذ كلما ذكرت برهانًا انفتحت طبقات المعرفة وحجبها ونوافذ المحبة أسطع وأحسن وألطف وأنور وأجمل من سابقتها."
إنه قد تمت الحكاية التمثيلية التي تشير إلى الحقيقة العظمى للتوحيد، وإلى الإيمان بالله.
سنبيِّن في "المقام الثاني" بفضل الرحمن وفيض القرآن ونور الإيمان اثنتي عشرة لمعة من شمس حقيقة التوحيد مع مقدمة، مقابل ما جاء في الحكاية التمثيلية من اثني عشر برهانًا، ومن الله التوفيق والهداية.
"المقام الثاني" أدرج في "الكلمة الثانية والعشرين".
جدول المحتويات
جدول المحتويات


