اللمعة الحادية والعشرون
التنقل
281. صفحة
اللمعة الحادية والعشرون
تخص الإخلاص
كانت هذه اللمعة "المسألة الرابعة" للمسائل السبع لـ"المذكرة السابعة عشرة" من "اللمعة السابعة عشرة" إلا أنها أصبحت لمناسبة الإخلاص "النقطة الثانية" من "اللمعة العشرين"، وبناءً على نورانيتها صارت "اللمعة الحادية والعشرين"، فدخلت "اللمعات".
ينبغي أن تُقرأ هذه اللمعة مرةً كل خمسة عشر يومًا على الأقل.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلوُا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الانفال: ٤٦)
﴿وَقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ (البقره: ٢٣٨)
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَد خَابَ مَنْ دَسّاها﴾ (الشمس: ٩-١٠)
﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًَا قَليلا﴾ (البقره: ٤١)
فيا إخوتي في الآخرة، ويا أصحابي في الخدمة القرآنية، اعلموا -وأنتم تعلمون- أن أهم أساس، وأعظم قوة، وأرجى شفيع، وأمتن نقطة استناد، وأقصر طريق للحقيقة، وأقرب دعاء معنوي للقبول، وأكرم وسيلة للمقاصد، وأسمى خصلة، وأصفى عبودية في هذه الدنيا ولا سيما في الخدمات الأخروية؛ هو الإخلاص.
فبما أن في الإخلاص أنوارا كثيرة، وقُوى كثيرة كتلك الخصائص المذكورة، وبما أنه قد أُلقي على عاتقنا من قبل الإحسان الإلهي وظيفة إيمانية وخدمة قرآنية
282. صفحة
ثقيلة وعظيمة وعامة ومقدسة للغاية، مع أننا في غاية القلة والضعف والفقر في هذا الزمان العصيب إزاء أعداء ألدّاء، ومقابل ضغوطات شديدة، وفي خضم بدع وضلالات صائلة؛ فلا شك أننا مضطرون ومكلفون بالفوز بالإخلاص بكل قوتنا أكثر من الآخرين، ومحتاجون أشد الحاجة إلى ترسيخ سر الإخلاص في نفوسنا، وإلا لَضاع قسم مما كسبناه من الخدمة المقدسة إلى الآن، ولمَاَ دامت، فضلا عن أننا نحاسَب عليها حسابًا شديدًا، ويصيبنا النهي الإلهي المهدِّد بشدة في الآية ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنَا قَليلًا﴾ وبإخلالنا بالإخلاص على حساب السعادة الأبدية لإرضاء بعض نوازع تافهة ومنافع جزئية لا طائل من ورائها ولا فائدة، ومضرة ومكدِّرة ومتكبرة ثقيلة مرائية؛ نكون قد تعدينا على حقوق جميع إخواننا العاملين في هذه الخدمة، واعتدينا على حرمة الخدمة القرآنية وأسأنا الاحترام إلى قدسية الحقائق الإيمانية.
فيا إخواني، إن للأمور الخيرية المهمة العظيمة موانع كثيرة مضرة، فالشياطين يتسلطون كثيرًا على خدَّام تلك الخدمة، فتجاه هذه الموانع وهؤلاء الشياطين ينبغي الاستناد إلى قوة الإخلاص.
فاجتنبوا الأسباب التي تخل بالإخلاص كاجتنابكم الثعابين والعقارب، فلا وثوق بالنفس الأمارة، ولا اعتماد عليها كما قال سيدنا يوسف عليه السلام
﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (يوسف: ٥٣)، فلا تخدعنَّكم الأنانيةُ والنفسُ الأمارةُ بالسوء.
وللفوز بالإخلاص والحفاظ عليه ولدفع الموانع فلْتكن الدساتيرُ الآتيةُ مرشدَكم:
دستوركم الأول: ابتغاء مرضاة الله في أعمالكم، فإذا رضي هو فلا أهمية لإعراض العالم أجمع، وإذا قبل هو فلا تأثير لردّ كل الخلق جميعهم، وإذا أراد هو واقتضت
283. صفحة
حكمته بعد ما رضي وقبل جعل الناس يقبلون ويرضون ولو لم تطلبوا أنتم؛ لذا ينبغي جعل رضا الله وحده دون سواه القصدَ الأساسي في هذه الخدمة.
دستوركم الثاني: عدم انتقاد إخوانكم العاملين في هذه الخدمة القرآنية، وعدم إثارة نوازع الحسد بالتفاخر والاستعلاء؛ لأنه لا تُنافس يدُ الإنسان يدَه الأخرى، ولا تنتقد عينُه عينَه الأخرى، ولا يعترض لسانُه على أذنيه، ولا يرى القلبُ عيبَ الروح، بل يكمّل كلٌّ منها نقصَ الآخر، ويستر تقصيره، ويساعده على حاجته، ويعاونه في وظيفته؛ وإلا لانطفأت حياة جسم الإنسان، ولفرَّت روحه، وتحلل جسمه.
وكما أن تروس مصنع ودواليبه لا تعرقل -متنافسةً- عمل بعضها البعض، ولا يتقدم ولا يتحكم بعضها في بعض، ولا يدفع بعضها البعض إلى التعطل مثبِّطًا شوقه إلى السعي بانتقاده متَصَيِّدا تقصيرَها وأخطاءها، بل يعاون كل منها الآخر بكل ما لديه من استعدادات ليوجه حركات بعضها البعض إلى مقصدها المنشود، فتسير إلى غاية خلقتها بتساند واتفاق حقيقيَّيْن، فلو حصل مثقال ذرة من التعرُّض والتحكم لأفسد ذلك المصنع وجعله عقيمًا عديمَ النتيجة، ولقام صاحبه بتكسيره وتحطيمه كليًا.
فيا تلامیٖذ رسائل النور ويا خدام القرآن، نحن وإياكم جميعًا أعضاءُ شخصيةٍ معنويةٍ جديرة بأن يطلق عليها: الإنسان الكامل، وبمنزلة تروس مصنع يُنتج السعادة الأبدية في حياة خالدة، وخدام عاملون في سفينة ربانية تمخر بالأمة المحمدية إلى دار السلام التي هي شاطئ السلامة، إذن فلا شك أننا محتاجون بل مضطرون إلى التساند والاتحاد الحقيقيين مع الفوز بسر الإخلاص الذي يوفر قوة معنوية بمقدار ألف ومائة وأحد عشـر "١١١١" ناتجة عن أربعة أفراد فقط.
نعم، إن لم تتحد ثلاث "ألفات" فقيمتها ثلاث، أما إذا اتحدت بسر العددية فتكسب قيمة مائة وأحد عشر "١١١"، وكما أنه إذا كانت أربعُ "أربعات" متفرقةً فإن قيمتها ستة عشر، أما إذا توافقت وتكاتفت على خط واحد بسر الأخوة
284. صفحة
واتحاد المقصد واتفاق الوظيفة فعندها تكسب قوة وقيمة أربعة آلاف وأربعمائة وأربع وأربعين "٤٤٤٤"، كذلك فإن هناك وقائع تاريخية كثيرة جدًّا تشهد على أن القيمة والقوة المعنويةَ لستة عشر أخًا مضحين تزيد على أربعة آلاف شخص بسر الإخلاص الحقيقي، فإن سر هذا السر هو أن كل فرد يمكنه أن يرى بعيون سائر إخوانه، ويسمعَ بآذانهم في اتفاق حقيقي خالص، وكأن كل فرد من عشرة أشخاص متحدين اتحادا حقيقيا له من القوة المعنوية والقيمة ما يكون وكأنه ينظر بعشرين عينًا، ويفكر بعشرة عقول، ويسمع بعشرين أذنًا ويعمل بعشرين يدًا (1)
دستوركم الثالث: عليكم أن تعلموا أن قوَّتكم كل قوتكم في الإخلاص والحق. نعم، إن القوة في الحق والإخلاص، حتى إن قوة الجائرين كذلك؛ إذ يكسبون القوة لما يبدون من إخلاص في ظلمهم وباطلهم.
أجل؛ إن الدليل على أن القوة في الحق والإخلاص هو خدمتنا هذه، فشيء يسير من الإخلاص في هذه الخدمة يثبت هذه القضية ويكون دليلا بذاته؛ ذلك لأن ما قمنا به في أكثر من عشرين سنة في منطقتي وفي إستانبول من الخدمة الدينية والعلمية، قد قمنا هنا معكم بأضعافه مائة مرة خلال سبع أو ثماني سنوات، مع أن الذين كانوا يعاونونني في منطقتي وفي إستانبول هم أكثر منهم مائةَ مرة بل ألفَ مرة هنا، ولم تبق لي شبهة قطعًا في أن القوة المعنوية التي أظهرت التوفيق في خدمتي التي قمت بها معكم في سبع أو ثماني سنوات -وهي أكثر بمائة ضعف
(1) نعم، إن التساند والاتحاد الخالصين بسر الإخلاص كما أنهما سببان لمنافع كثيرة جدًّا، كذلك هما أهمّ مِتْراس ونقطة استناد تجاه المخاوف وحتى تجاه الموت. لأنه إذا حضر الموت لا يسلب إلا روحا واحدة. ولأن الذي ارتبط بإخوانه بسر الأخوة الخالصة في سبيل مرضاة الله وفي الأمور المتعلقة بالآخرة يحمل أرواحاً بعدد إخوانه، لذا يلقى الموت ضاحكا مستبشرا قائلاً: أنا لا أموت ولو ماتت واحدة منها لِتَسلَم أرواحي الأُخرى إذ أنها تديم لي حياة معنوية بإكسابها لي الثوابَ كل وقت. ويقول: أنا أعيش من حيث الثواب بوساطة تلك الأرواح ولا أموت إلا من حيث الذنوب ويرقد في قبره قريرَ العين. (المؤلف)
285. صفحة
من خدمتنا القديمة- ليست إلا من إخلاصكم أنتم، مع أنني هنا وحيد غريب شبه أميٍّ، وتحت رقابة موظفين غير منصفين، وتحت مضايقاتهم.
وإنني أعترف بأنكم قد أنقذتموني إلى حد ما بإخلاصكم الزكي من الرياء الذي يلاطف نفسي تحت ستار الشهرة والصيت، وإن شاء الله توفقون إلى الإخلاص التام وتُقحمونني فيه.
تعلمون أنه يبارككم ويقدركم كلٌّ من علي رضي الله عنه بكرامته الشبيهة بالمعجزة والغوث الأعظم قدس الله سره بكرامته الغيبية الخارقة بناءً على سر الإخلاص هذا، ويسليانكم بحمايتهما ويصفقان لخدماتكم معنىً.
نعم، لايساورنَّكم الشكُّ أبدًا في أن مباركتهما وتقديراتهما آتية من إخلاصكم، وإن أخللتم بهذا الإخلاص متعمدين فستتلقون لطماتهما، وتذكَّروا "لطمات الشفقة" المندرجة في "اللمعة العاشرة"! فإن أردتم أن تجدوا مثل هذين البطلين المعنويين ظهيرين وراءكم، وأستاذين أمامكم فاظفروا بالإخلاص التام بسر ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (الحشر: 9) وآثِروا نفوس إخوانكم على أنفسكم فيما يروق النفسَ كالشرف والمنصب وتوجه الناس وحتى في المنافع المادية، بل في تعليم ألطف وأجمل حقيقة إيمانية لمؤمن يحتاجها وهي في الحقيقة منفعة لا شائبة فيها، ولا ضرر، وروِّضوا أنفسكم ما استطعتم وعوِّدوها على إنجاز مثل هذه المهمة بيد صديق آخر لا يتطلع إلى ذلك لِئَلاَّ تأخذ نفوسَكم الأنانيةُ.
وإذا كانت لديك رغبة في كسب الثواب وحدك دون غيرك، وفي بيان مسألة لطيفة بنفسك؛ فلا إثم فيه ولا ضرر، إلا أنه قد يتسبب في إخلال سر الإخلاص فيما بينكم.
286. صفحة
دستوركم الرابع: الافتخار -شاكرين- بشرف إخوانكم معتبرين مزاياهم في أنفسكم وفضائلَهم في ذواتكم، فهناك اصطلاحات تدور بين المتصوفة أمثال: الفناء في الشيخ والفناء في الرسول، وأنا لست صوفيًا، ولكن مصطلحهم هذا يكون دستورا جميلا في مسلكنا على صورة "الفناء في الإخوان"، ويطلق على هذا بين الإخوان "تفاني" أي أن يفنى كل منهم في الآخر، أي أن ينسى كلُّ أخٍ حسياتِه النفسانيةَ، ويعيش فكرًا مع مزايا إخوانه وفضائلهم؛ حيث إن أساس مسلكنا هو الأخوة أصلا، وليست العلاقات التي بين الأب والابن وبين الشيخ والمريد هي التي بيننا، بل العلاقات الأخوية الحقيقية، اللهم إلا علاقة الأستاذية فقط، ولأن مسلكنا "الخليلية" فمشربنا "الخُلَّة".
وأما الخلة فتقتضي منك أن تكون صديقًا صدوقًا، وصاحبا مضحيًا، ورفيقًا يبارك ويؤيد أعمال رفيقه، وأخا شهما جوادا، وأس الأساس لهذه الخلة هو "الإخلاص الكامل". فمن يخل بالإخلاص الكامل فسيسقط من أعلى برج للخلة، ولربما يقع في حفرة عميقة جدًّا بحيث لا يستطيع أن يجد موضعا يتمسك به.
نعم، يبدو أن الطريق طريقان، فالذين يفارقون الآن مسلكنا هذا وهو الجادة القرآنية الكبرى فربما يحتمل أن يساعدوا القوة اللادينية التي تعادينا دون أن يشعروا، والذين يدخلون الدائرة المقدسة للقرآن المعجز البيان بواسطة رسائل النور سيُمِدُّون دائمًا النورَ والإخلاصَ والإيمانَ بالقوة، ولن يسقطوا في مثل هذه الْحُفَر إن شاء الله.
فيا أصحابي في خدمة القرآن، إن سببًا مؤثرًا من أسباب إحراز الإخلاص والحفاظ عليه هو "رابطة الموت".
نعم؛ كما أن الذي يجرح الإخلاص ويسوق إلى الرياء وإلى الدنيا هو "طول الأمل"، فإن الذي ينفِّر من الرياء ويُكسب الإخلاص هو "رابطة الموت"، أي تخلُّص المرء من دسائس النفس متذكِّرًا موته وملاحظًا أن الدنيا فانية.
287. صفحة
أجل، إن أهل الطريقة وأهل الحقيقة اتخذوا رابطة الموت أساسًا في سلوكهم بالدرس الذي تلقَّوه من آيات القرآن الحكيم مثل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمرن:١٨٥)، ﴿إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيّتُون﴾ (الزمر:٣٠) وأزالوا بتلك الرابطة توهّمَ الأبد الذي هو منشأ طولِ الأمل.
حيث إنهم يتصورون ويتخيلون أنفسهم أمواتًا بصورة خيالية وفرضية ويفترضون أنهم يُغسَّلون ويوضعون في القبر، حتى تتأثر النفس الأمارة بالسوء بهذا التخيل والتصور، فتتخلى عن آمالها الطويلة إلى حد ما.
ولهذه الرابطة فوائد كثيرة جدًًّا، فالحديث الشريف يعلِّمنا هذه الرابطة قائلا: "أكْثِروُا ذِكْرَ هَادِمِ اللّذَّاتِ" (أو كما قال).
وحيث إن مسلكنا ليس طريقةً صوفيةً بل حقيقة، فلسنا مضطرين لممارسة هذه الرابطة بصورة فرضية وخيالية كأهل الطرق، فضلا عن أن ذلك لا يناسب مسلكَ الحقيقة. فالرابطة الحقيقية ليست بجلب المستقبل إلى الزمن الحاضر بتفكر العقبى، بل بالذهاب فِكرًا من الزمن الحاضر إلى المستقبل من حيث الحقيقة ورؤية المستقبل بالنظر.
أجل؛ إن الإنسان يستطيع أن ينظر إلى جنازته التي هي الثمرة الوحيدة على شجرة العمر القصير دون الحاجة إلى الخيال والافتراض أصلا، وبذلك يرى موته هو، وحتى إذا ما ذهب بنظره شيئًا فشيئًا إلى أبعد من ذلك فإنه يرى موتَ عصرِه.
وكلما أعمل فكره شاهد موت الدنيا كذلك، فيشق طريقا إلى الإخلاص الأكمل.
السبب الثاني: إنه بقوة الإيمان التحقيقي وباللمعات النابعة من التفكر الإيماني في المصنوعات المنتجِ معرفةَ الصانع يكسب المرء استحضار رقابة الله نوعًا ما، ومن ثم يفكر في أن الخالق الرحيم حاضر وناظر، فلا ينبغي التوجه إلى غيره سبحانه، ويعرف أن التوجه إلى غيره والاستمداد ممن سواه في حضوره مخالف لآداب ذلك الحضور، فينجو بذلك من الرياء ويكسب الإخلاص.
288. صفحة
على أية حال ففي هذا درجات ومراتب كثيرة، وربح كل إنسان هو ما يستفيده على قدر حظِّه، فنقتصر هنا على هذا القدر محيلين إلى ما ذُكر في رسائل النور من حقائق كثيرة تخلِّص المرءَ من الرياء، وتُكسب الإخلاصَ، وسنبين باختصار سببين أو ثلاثة من الأسباب الكثيرة جدًّا التي تخل بالإخلاص وتسوق إلى الرياء.
أولها: إن المنافسة الناشئة عن المنافع المادية تخل بالإخلاص شيئًا فشيئًا، وتخلُّ بنتائج الأعمال الدعوية، وتُفوِّت تلك المنافع المادية أيضًا.
أجل؛ إن هذه الأمة قد وقَّرَتْ دائمًا العاملين من أجل الحقيقة والآخرة، وعاونتهم وحملت تجاههم هذا الشعور والوعي، ووقرتهم وساعدتهم بالمنافع المادية كالصدقات والهدايا حتى لا يضيعوا أوقاتهم في الانشغال بتوفير الحاجات المادية، وذلك بنية الاشتراك -فعلا- في إخلاصهم الحقيقي وخدماتهم الصادقة من جهة.
ولكن هذه المنافع والمساعدات والمعونات لا تُطلَب، وإنما تُوهَب وتُمنح، بل لا تُطلب حتى بلسان الحال كأن يرغبها الإنسان قلبًا ويظل ينتظرها.
وإنما توهب للمرء من حيث لا يَحْتَسِب، وإلا لأصاب إخلاصَه خلل، فيقترب من نهي الآية الكريمة ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ (البقرة:٤١) فيحبط بعض أعماله. فالرغبة في هذه المنافع المادية وانتظارها وترقبها يثير لدى المرء عرق المنافسة تجاه أخيه الحقيقي وتجاه صديقه في تلك الخدمة الخاصة، وذلك حتى لا تدع نفسُه الأمارةُ بأنانيتها تلك المنفعة ليظفر بها الآخرُ فيصيبه خللٌ في إخلاصه، وتفقد أعمالُه الدعوية قدسيتَها، ويكون مُستَثقَلا عند أهل الحقيقة، فضلا عن أنه يفقد تلك المنفعة المادية أيضًا، وعلى أية حال (فإن هذا العجين يتطلب ماءً كثيرًا)؛ لذا أختصر هنا وأذكر مثالين فحسب، يقوِّيان سر الإخلاص والاتفاق الصادق بين إخواني الحقيقيين:
289. صفحة
المثال الأول: إن أهل الدنيا بل حتى بعض أهل السياسة ومن يلعب دورًا مهمًا في الحياة الاجتماعية البشرية من أشخاص وجمعيات قد اتخذوا دستورَ الاشتراك في الأموال مرشدًا لهم من أجل الحصول على ثروات هائلة وقوة شديدة، بحيث يكسبون قوةً ومنافع هائلة عظيمة على الرغم من كل الأضرار والاستعمالات السيئة، وعلى الرغم مما في دستور الاشتراك في الأموال من أضرار كثيرة؛ فإنه لا تتغير ماهية كونِك صاحبَ المال بالاشتراك، فكل واحد من حيث الإشراف عليه ومن جهةٍ يُعدُّ مالكًا لكل الأموال، إلا أنه لا يستطيع أن يستفيد استفادة كاملة منها.
على أية حال فإن دستور الاشتراك في الأموال هذا لو دخل في الأعمال الأخروية لأصبح مدارًا لمنافع عظيمة دون أن يشوبها ضرر؛ لأن جميع الأموال سمتها أنها ملك كل فرد مشترِك فيها.
فكما أنه إذا كان هناك أربعة أو خمسة أشخاص، فبنية الاشتراك أتى الأول بالزيت، والثاني بالفتيلة، والثالث بالمصباح، والرابع بالزجاج، والأخير بالكبريت، فأشعلوا المصباح لصار كل واحد منهم يملك مصباحًا كاملا، ولو كان لكل واحد من المشتركين مرآة كبيرة على الحائط لانعكس مصباحٌ كامل في الغرفة وفي مرآته دون نقصان وتجزؤ.
فكما في هذا المثال تمامًا، فالاشتراك بسِرِّ الإخلاص في الأموال الأخروية، والتساند فيها بسِرِّ الأخوة، وتضافر المساعي فيها بسِرِّ الاتحاد؛ يتسبب في دخول جميع الحاصل وجميع النور الناتج عن ذلك الاشتراك في الأعمال بتمامهما في صحيفة أعمال كل من المشتركين، وهذا الأمر مشهود وواقع بين أهل الحقيقة، وهو من مقتضيات سعة الرحمة الإلهية وكرم الله.
فيا إخواني، لن تسوقَكم المنافع المادية إلى المنافسة إن شاء الله، إلا أنكم قد تنخدعون من حيث المنافع الأخروية كما انخدع بعض أهل الطرق، ولكنه أين الثواب الشخصي الجزئي من الثواب والنور الناجِمَين عن الاشتراك في الأعمال كما في المثال المذكور؟!
290. صفحة
المثال الثاني: إن أهل الفنون والصناعة لكي يحصلوا على نتائج فنية كثيرة يحصلون على ثروة هائلة من حيث الاشتراك في الصنعة والفن، حتى إنه كان هنالك عشرة رجال كانوا يصنعون إبرة الخياطة، فحاول كل رجل منهم أن يصنع بمفرده إبرًا، فكانت النتيجة لذلك العمل الفردي والثمرة لتلك الصناعة المنفردة ثلاث إبر فقط كل يوم.
ثم اتحد هؤلاء العشرة حسب دستور تضافر المساعي، فأتى أحدهم بالحديد والآخر أوقد النار والثالث ثقب الإبرة والرابع وضعها على النار والخامس أَحَدَّها، وهكذا..
ولأن كل واحد منهم اشتغل بعمل جزئي في صناعة الإبرة، ولأن ما يقوم به من عمل كان سهلا بسيطا فلَمْ يَضِع الوقتُ؛ واكتسب كل منهم مَلَكَةً، فأَدَّوْا أعمالهم بسرعة في تلك الصنعة، ثم قسَّموا فيما بينهم ثمرة تلك الصَّنعة التي حصلوا عليها نتيجة تضافر المساعي وتوزيع الأعمال، فوجدوا أن لكل واحد منهم نصيب ثلاثمائة إبرة في يوم واحد بدلا من ثلاث إِبَر، حتى أصبحت هذه الحادثة مثلا يجري على ألسن الصُّنّاع من أهل الدنيا من أجل الحث على تضافر المساعي.
فيا إخواني، بما أن النتائج الناتجة عن الاتحاد والاتفاق في الأمور الدنيوية وفي الموادِّ الكثيفة تفيد فوائد عظيمة جَمَّة جدًّا كهذه، فإنه يمكنكم أن تقيسوا كم هو ربح عظيم انعكاسُ جميعِ الثواب الأخروي والنوراني -بالفضل الإلهي ومن غير حاجة إلى التجزؤ والانقسام- في مرآة كل فرد، وامتلاكُ كل فرد ثواب ما كسبه الجميع! ولا ينبغي تفويت مثل هذا الربح العظيم بسبب التنافس والحسد، وبسبب عدم الإخلاص.
المانعُ الثاني المخِلُّ بالإخلاص:
هو كسب توجه الناس تحت ستار العزة والمجد بدافع حب الشهرة الناشئ عن حب الجاه، وملاطفة الأنانية بجذب أنظار الناس وإقبالهم على الذات وإعطاء
291. صفحة
النفس الأمارة مقاما ومنصبا؛ إنه مرض روحي عضال يمهد السبيل إلى الرياء الذي هو الشرك الخفي، وإلى التفاخر ومدح الذات، فيجرح الإخلاص ويخل به.
يا إخواني، لما كان مسلكنا في خدمة القرآن الحكيم هو الحقيقة والأخوة، ولما كان سر الأخوة هو إفناء المرء شخصيتَه بين إخوانه وإيثارهم على نفسه (1)، فينبغي ألا يؤثر فينا الحسد والمنافسة الناشئة عن هذا النوع من حب الجاه، لأنه ينافي مسلكنا كليًّا.
وبما أنه يمكن أن يعود ما للإخوان من شرف إلى كل فرد من أفراد الجماعة فأنا على أمل ورجاء من أن التضحية بذلك المجد والفضل المعنوي العظيم في سبيل مجد وشهرة جزئيين وشخصيين مشوبين بالأنانية والحسد والمنافسة؛ بعيدة كل البعد عن تلامیٖذ رسائل النور.
أجل؛ إن قلوب تلامیٖذ رسائل النور وعقولهم وأرواحهم تأنف من السقوط في مثل تلك الأمور الدنيئة المضرة السفلية، إلا أن لدى كل إنسان نفس أمارة بالسوء، فقد تمس النوازع النفسانية عروق الحساسية فتُجري أحكامها -إلى حد ما- رغما عن القلب والعقل والروح.
إنني لا أتهم قلوبكم وأرواحكم وعقولكم، بل أثق فيكم بناء على ما لرسائل النور من تأثير في نفوسكم، إلا أن النفس والهوى والحس والوهم يخدعون أحيانا، لذا تُحَذَّرون وتُنبَّهون بشدة أحيانا، فهذه الشدة تعود إلى النفس والهوى والحس والوهم، فكونوا على حذر دومًا.
أجل؛ لو كان مسلكنا مسلك الشياخة لكان هناك مقام واحد، أو لكانت هنالك مقامات بأعداد محدودة، ولكانت هنالك استعدادات متعددة تتطلع إليها، وعندها
(1) أجل؛ إن السعيد هو من يرمي بشخصيته وأنانيته اللتين هما كقطعة ثلج في حوض ويذيبهما فيه حتى ينال هذا الحوض الكبير العذب المترشح من الكوثر القرآني.المؤلف
292. صفحة
كان يمكن أن تحتكَّ في النفوس الأنانية المشوبة بالغبطة، ولكن مسلكنا مسلك الأخوة، فلا يمكن لأخ أن يكون أبًا لأخيه، ولا يمكنه أن يتخذ طور المرشد؛ إذ المقامات في الأخوة فسيحة واسعة بحيث لا يمكن أن يكون موضعًا للمزاحمة بالغبطة، اللهم إلا أن يكون الأخ معاونًا وظهيرًا لأخيه يكمل خدماته الدعوية ويعاضدها.
والدليل على أنه تحصل في المسالك التي فيها مقام الأبوة والإرشاد نتائج مضرة وخطيرة جدًّا من حيث الحرص على الثواب وعلو الهمة المشوبان بالغبطة؛ هو تلك النتائج الوخيمة الناتجة عن الخلافات والمنافسات الدائرة في ثنايا الكمالات والمنافع المهمة الجليلة لأرباب الطرق؛ بحيث لا تستطيع قواهم القدسية الهائلة أن تصمد أمام تيارات البدع.
المانع الثالث: هو الخوف والطمع؛ حيث شُرح هذا المانع شرحا وافيا في رسالة "الهجمات الست" مع قسم من الموانع الأخرى، فنحيل إيضاحه إليها.
نسأل اللهَ أرحمَ الراحمين مُشَفِّعِينَ جميع أسمائه الحسنى أن يوفقنا إلى الاخلاص التام، آمين.
اللهم بحقّ سورة الإخلاص اجعلنا من عبادك المخلَصين المخلِصين.
آمين.. آمين.. آمين.
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم
293. صفحة
رسالة خاصة إلى قسم من إخواني
سأذكرُ نكتة واحدة لحديثين شريفين لإخواني الذين يَملّون من كتابة واستنساخ رسائل النور، ويفضلون الأورادَ في الشهور الثلاثة -شهورِ العبادة- على كتابة واستنساخ رسائل النور التي تُعَدُّ عبادة من خمس جهات (1)
أولهما: [يُوزَنُ مِدَادُ العُلَمَاءِ بِدِمَاءِ الشُّهَدَاءِ] أو كما قال، يعني: إن ما يصرفه علماء الحقيقة من مداد يُوزن يوم الحشر بدماء الشهداء ويعادلها.
ثانيهما: [مَن تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ] أو كما قال، يعني: إن الذي يتمسك بالسُّنَّة السَّنِيَّة، والحقائق القرآنية، ويخدمهما عند استيلاء البدع والضلالات؛ يمكنه أن ينال ثواب مائة شهيد.
فيا إخواني الذين يَملّون من الكتابة والاستنساخ بسبب عِرق الكسل، والذين يحملون نزعةً صوفية، يبين مجموع هذين الحديثين أن درهمًا مما يسيل من نور أسود، ومن مداد باعث للحياة من الأقلام المباركة الخالصة التي تخدم الحقائقَ
(1) طلبنا من أستاذنا إيضاح خمسة أنواع من العبادة التي أشار إليها في هذه الرسالة القيمة، فأوضح لنا كالآتي:
1- الجهاد معنىً تجاه أهل الضلالة الذي هو الجهاد الأهم.
2- خدمة لأستاذه بمعاونته على نشر الحقائق.
3- خدمة المسلمين من حيث الإيمان.
4- تحصيل العلم بالقلم.
5 - عبادة تفكرية، حيث إن ساعة منها أحياناً تكون بمنزلة عبادة سنة. رشدي خسرو رأفت
294. صفحة
الإيمانيةَ وأسرارَ الشريعة والسُّنَّة السَّنِيَّة في مثل هذا الزمان؛ يمكن أن ينفعكم يوم الحشر كمائة درهم من دم الشهداء، فاسعوا إذن لتكسبوه.
فإن قلتم: إنه وردتْ في الحديث عبارةُ "العالِم"، بينما قسمٌ منَّا كُتَّاب ومستنسِخون فحسب.
فالجواب: إن من يقرأ هذه الرسائل وهذه الدروس بفهم وقبول خلال سنة كاملة، يمكن أن يكون عالمًا بالحقيقة مهمًّا لهذا الزمان.
وإن لم يفهمها؛ فبما أن لطلاب رسائل النور شخصيةً معنويَّةً فلا شك أن هذه الشخصيةَ المعنويةَ عالِمٌ كبير مهم لهذا الزمان.
وأما أقلامكم فهي أصابع تلك الشخصية المعنوية، وهبْ أنكم قد ارتبطتم بهذا الفقير؛ إذ منحتموه منزلة أستاذ وعالِم من حيث التبعية بناء على حسن ظنكم -مع أني لا أرى نفسي أهلا في نظري لهذه المنزلة- ولأني أمي لا أجيد الكتابة فإن أقلامَكم تُعَدُّ أقلامي أنا، وستنالون الأجرَ الوارد في الحديث الشريف.
ســعيد النورسـي


