رسالة الشكر
التنقل
308. صفحة
"المسألة الخامسة" من "المكتوب الثامن والعشرين"
رسالة الشكر
بسم الله الرحمن الرحيم
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
إن القرآن المعجز البيان يبين بتكرار الآيات مثل ﴿أَفَلَا يَشْكُرُون﴾ (يس: 73) ﴿وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 145) ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم:7)
﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (الزمر:66)، أن أهم شيء يطلبه الخالق الرحمن من عباده هو الشكر، ويدعو إلى الشكر في الفرقان الحكيم باهتمام بالغ، ويُظهر عدمَ الشكر في صورة التكذيب والكفران بالنعم، ويهدّد تهديدًا شديدًا في سورة "الرحمن" إحدى وثلاثين مرة بفرمانه في الآية ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ويبيِّن أن عدم الشكر تكذيبٌ وإنكار.
نعم؛ كما أن القرآن الحكيم يُظهر أن الشكر نتيجة الخلقة؛ فكذلك هذا الكون الذي هو القرآن الكبير يُظهر أن أهم نتائج لخلق العالم هي الشكر؛ لأنه لو دُقِّقَ النظرُ في الكون لشوهد أن نظام الكون نظّم بطريقة تُنتج الشكر، وكل شيء فيه يتوجه -من جهة- إلى الشكر، وكأن أهم ثمرة لشجرة الخلق تلك هي الشكر، وأرقى منتج من منتجات مصنع الكون هو الشكر؛ لأننا نُشاهد في خلقة العالم أن موجودات العالم نظِّمت في صورة دائرة وخُلقت فيها الحياة كنقطة مركزية؛ إذ
309. صفحة
الموجودات كلها تتوجه وتنظر إلى الحياة وتخدمها، وتوفِّر لوازم الحياة؛ بمعنى أن الذي خلق الكون يصطفي هذه الحياة منه، ثم نشاهد أنه يوجِد عوالم ذوي الحياة في صورةِ دائرةٍ، ويضع الإنسان في النقطة المركزية، وكأن الغايات المقصودة من ذوي الحياة تتمركز فيه. ويحشد الخالقُ ذو الجلال جميع ذوي الحياة حول الإنسان ويجعلها خادمة ومسخرة له، ويجعل الإنسان حاكمًا لها؛ بمعنى أن الخالق ذا الجلال يصطفي الإنسان من بين ذوي الحياة، ويريده ويختاره في العالم، ثم نرى أن عالم الإنسان بل عالم الحيوان كذلك؛ ينظَّم في صورة دائرة؛ إذ يوضع في النقطة المركزية الرزقُ، وكأنه جعَل كل الناس بل الحيوانات أيضًا عشّاقا للرزق، وجعلهم -عموما- خُدَّامًا ومسخَّرين له، فالذي يحكم عليهم هو الرزقُ، وجعل الرزقَ أيضا خزانة واسعًة متنوعة ثرة بحيث تجمع ما لا حد له من النعم، وحتى إنه قد وُضع في اللسان جهازٌ يسمى بحاسة الذوق وموازين معنوية دقيقة بعدد الأطعمة، لمعرفة طُعُوم نوع واحد من الأنواع الكثيرة للرزق. إذن فإن أعجب حقيقة في الكون وأغناها وأغربها وألطفها وأجمعها وأبدعها هي في الرزق.
فالآن نرى أنه كما أن كل شيء يحتشد حول الرزق ويتوجه إليه، كذلك فإن الرزق بجميع أنواعه قائم بالشكر معنى ومادة وحالاً ومقالاً، ويحصل بالشكر، ويُنتج الشكر، ويشير إلى الشكر؛ لأن اشتهاء الرزق والاشتياق إليه نوعٌ من شكر فطري، وحتى التلذذ والذوق شكر غير شعوري بحيث يوجد هذا الشكر في كل الحيوانات؛ إلاّ أن الإنسان يُغيِّر بضلاله وكفره ماهيةَ هذا الشكر الفطري، ويتردى من الشكر إلى الشرك، ثم إن الصور المزينة الجميلة جدا والروائح الزكية للغاية والأذواق الطيبة جدًّا للنعم التي تأتي بشكل الرزق هي دعاة الشكر، تدعو ذوي الحياة إلى الشوق، وتسوقهم بشوق إلى نوع من الاستحسان والاحترام، وتدفعهم إلى الشكر المعنوي، وتجلب أنظار ذوي الشعور إلى الإمعان فيها، وتُرغِّبهم في
310. صفحة
الاستحسان، وتحثّهم على احترام النعم، وترشدهم بها قولاً وفعلاً إلى الشكر، وتجعلهم يشكرون، وتُذيقهم أعلى وأحلى اللذائذ والأذواق من خلال الشكر؛ أي إن هذا الرزق الطيب وتلك النعمة اللذيذة مع لذتهما الظاهرية القصيرة المؤقتة يُكسبان -بالشكر- الالتفات الرحماني الذي يحمل ما لا حد له من لذة حقيقية دائمة وذوق حقيقي؛ أي يسوق الإنسان إلى التفكير في الالتفات ذي اللذائذ غير المحدودة للمالك الكريم لخزائن الرحمة، ويُذيق -معنىً- لذة باقية للجنة حتى في هذا العالم.
فالرزق مع أنه كنز جامع ثر غني ذو قيمة ثمينة بوساطة الشكر؛ فإنه يتردى ترديًا تامًا بالتخلي عن الشكر.
وكما بُيِّن في "الكلمة السادسة" إنه إذا توجهت حاسة الذوق في اللسان إلى الرزق لحساب الحق تعالى أي بوظيفة الشكر المعنوية، فحاسة الذوق هذا في اللسان تكون في حكم مفتش شاكر وناظر حامد عالي القدر لما لا حد له من المطابخ للرحمة الإلهية غير المتناهية، وأما إذا كانت لحساب النفس؛ أي: إذا توجهت إلى الرزق دون أن يُفكر في شكر منعمه، فتتردى حاسة الذوق هذه في اللسان من مقام الناظر عالي القدر إلى دركة بواب مانع لمصنع البطن وحارس إسطبل المعدة، وكما أن هذا الخادم للرزق يهبط إلى تلك الدركة بعدم الشكر؛ فكذلك تهبط ماهية الرزق وسائر خدامه، وتنزل من أعلى مقام إلى أدناه، بل تنحط إلى وضعية مخالفة لحكمة خالق الكون.
إن مقياس الشكر هو القناعة والاقتصاد والرضا، وأما ميزان عدم الشكر فهو الحرص والإسراف، وعدم احترام النعم، وأكْلُ كل شيء دون التمييز بين الحلال والحرام، أجل؛ كما أن الحرص يعني التخلي عن الشكر، فكذلك هو سببٌ للحرمان، وواسطة للذّل، وحتى النمل المبارك الذي له حياة اجتماعية، كأنه يَظلّ تحت الأقدام ويُداس بسبب الحرص؛ لأنه بينما كان يكفيه بضع حبات في السنة؛ لا يقنع ويسعى لجمع آلاف من حبات القمح إن استطاع إليه سبيلاً، وأما النحل
311. صفحة
المبارك فكأنه بسبب قناعته يطير فوق الرؤوس، ومن أجل قناعته يكرم الناس بالعسل بالأمر الإلهي، ويُطعمهم منه.
أجل؛ إن اسم "الرحمن" الذي هو الاسم الأعظم بعد لفظ "الله" الذي هو عَلَمٌ ذاتي للذات المقدسة واسمها الأعظم يتوجه إلى الرزق، ويمكن البلوغ إليه بالشكر الكامن في الرزق، ثم إن أظهر وأبرز معاني الرحمن هو الرزّاق، ثم إن هناك أنواعًا للشكر، وأجمع هذه الأنواع وفهرستُها العامُّ هو الصلاة، ثم إن في الشكر إيمانًا صافيًا وتوحيدًا خالصًا؛ لأن من يأكل التفاح ويقول الحمد لله يُعلن بهذا الشكر أن هذا التفاح تذكار من يد القدرة مباشرة وهدية من خزانة الرحمة مباشرة.
وبقوله واعتقاده هذا يسلِّم كلَّ شيء -جزئيًا كان أو كليًا- إلى يد قدرته جل وعلا، ويعرف تجلي الرحمة في كل شيء، ويبيِّن ويُظهر إيمانًا حقيقيًا وتوحيدًا خالصًا بهذا الشكر.
سنبيِّن وجهًا واحدًا فحسب من بين الوجوه الكثيرة يدل على مدى وقوع الإنسان الغافل في الخسارة بسبب كفرانه بالنعم، وذلك كالآتي: لو أكل الإنسان نعمةً لذيذةً، وأدّى شكره عليها، لأصبحت تلك النعمة بواسطة هذا الشكر نورًا وثمرةً أخروية للجنة.
وهذه النعمة -باللذة التي أورثتها للإنسان- تجعله يفكِّر في أنها أثر لالتفات الرحمة من الحق تعالى، وبذلك تورث لديه لذةً وذوقًا عظيمين دائمين.
وبهذا يكون قد أرسل هذه اللُبوب والخلاصات والمواد المعنوية إلى المقامات العلوية، وتكون أجزاؤها المادية الرمادية والقشرية -أي موادها التي أنهت وظيفتها ولم تعد هناك حاجة إليها- فضلات لتتحوّل إلى أصلها؛ أي إلى العناصر، وإن لم يُؤدّ الإنسان شكره عليها تترك هذه اللذة المؤقتة بزوالها إلى ألم وتأسّف، وتتحول إلى القاذورات؛ أي تنقلب تلك النعمة التي هي في ماهية الألماس إلى الفحم.
إن الأرزاق الزائلة تثمر لذائذ دائمة وثمارًا باقية بالشكر عليها، وبدون الشكر
312. صفحة
تتحول النعم من أجمل الصور إلى أقبحها؛ ذلك لأن عاقبة الرزق -حسب فكر هذا الغافل- هي التحول إلى فضلات بعد لذة مؤقتة.
أجل؛ إن للرزق صورة تليق بالعشق، وهذه الصورة تظهر بالشكر، وإن عِشْق أهل الغفلة والضلال للرزق حيوانية، وقس على هذا المنوال مدى خسارة أهل الضلال والغفلة.
إن أشد ذوي الحياة حاجةً إلى أنواع الرزق هو الإنسان، وإن الحق تعالى قد خلق الإنسان مرآة جامعة لجميع أسمائه، ومعجزةَ قدرةٍ تملك أجهزة تستطيع أن تزن وتعرف مدَّخَرات جميع خزائن رحمته، فهو خليفة الأرض الذي يحوي آلات يمكنها أن تزن دقائق تجليات أسمائه وبدائعه. لذا فقد أودع فيه احتياجًا لا حد له، وجعله محتاجًا إلى ما لا حد له من أنواع الرزق المادي والمعنوي.
إن واسطة صعود الإنسان -حسب تلك الجامعية- إلى مقام "أحسن تقويم" الذي هو أسمى مقام هي الشكر، وبدون الشكر يتردى ويهوي إلى "أسفل سافلين"، ويكون قد ارتكب ظلمًا عظيمًا.
الحاصل: إن أعظم أساس من الأسس الأربعة لطريق العبودية والمحبوبية الذي هو أعلى طريق وأسماه هو الشكر، وقد عُبِّر عن تلك الأسس الأربعة كالآتي:
در طريق عجز مندي لازم آمد چار چيز؛
عجز مطلق فقر مطلق شوق مطلق شكر مطلق أي عزيز
[أيها العزيز يجب في طريق عجز مندي -أي طريق الإحساس بالعجز أمام الله عز وجل- العجز المطلق والفقر المطلق والشوق المطلق والشكر المطلق]
اَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الشَّاكِرِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الشَّاكِرِينَ وَالْحَامِدِينَ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. آمين
وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
313. صفحة
باسمه سبحانه
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الصديقين
لقد كان المنافقون المتسترون يهجمون على رسائل النور بالقانون والقضاء خادعين بعضَ أركان الحكومة من جهة الأمن والإدارة، ولأننا كنا نتحرك حركة إيجابية؛ لذا فقد كنا في موقف دفاع عند الاضطرار، فبقيت خططُهم عقيمة في الوقت الراهن، بل إن هجومهم على رسائل النور وسَّع من دائرتها، ولكن هذه المرة لم يكن في نيتنا واختيارنا طبع مجموعة "عصا موسى" بالحروف الجديدة، وعلى الرغم من ذلك فكأنه قد أعطي لرسائل النور موقف المهاجم، ولا بد من أن الحكمة المهمة لهذه الحادثة هي:
إنه باعتبار رسائل النور المنقذ المعنوي لهذه البلاد المباركة فإني أظن أنه قد حان الوقت أو يوشك أن يحين ظهورها في عالم النشر، وتدريسُها من أجل دفع مصيبتين معنويتين هائلتين شديدتين الآن.
دفع إحدى هاتين المصيبتين الهائلتين: أن رسائل النور يمكن أن تؤدي وظيفة سد ذي القرنين -كسد قرآني- في هذا الوطن؛ تجاه الاستيلاء المعنوي لتيار الإلحاد الرهيب الذي ظهر في الشمال وتغلب على النصرانية وأنشأ الإرهاب.
الثانية: قد خطر على قلبي أنه لا بد من النطق بلسان وسائل النشر من أجل إزالة اعتراضات العالم الإسلامي واتهاماته الشديدة للغاية تجاه أهالي هذه البلاد المباركة.
314. صفحة
ولم يكن لدي علم بما يدور في العالم، ولكن حقائق رسائل النور كما أنها قلعة تجاه هيمنة التيار الرهيب الذي يسيطر على أوربا مستوليا عليها، والذي لا يستند إلى الأديان السماوية؛ فإنها معجزة قرآنية يمكن أن تكون وسيلة لإزالة اعتراضات العالم الإسلامي وقارة آسيا واتهاماته تجاه هذا الوطن المبارك في الوقت الراهن، ولإعادة محبتهما وأخوتهما القديمة مرة أخرى.
وإنه يجب على رجال السياسة المحبين لهذه البلاد أن يثوبوا إلى رشدهم سريعا، وأن يطبعوا رسائل النور وينشروها رسميًّا وبسرعة؛ حتى تكون متراسًا ضد هاتين المصيبتين.
فيا ترى لو لم تكن رسائل النور التي نشرت الإيمان التحقيقي في هذا الوطن نشرًا قويًّا في غضون عشرين سنة، أكان هذا الوطن المبارك يستطيع أن يحافظ على قرآنه وإيمانه حفاظًا تامًّا ضد أنواع الهجوم والصدمات العنيفة في هذا العصر الرهيب، وفي خِضَمِّ هذه الانقلابات والانفجارات!
على كل حال فإنه لا يُهجَم على رسائل النور بعد هذا بذريعة أنها تضر هذا الوطن والإدارة، ولا يمكن أن يَحمِلوا بتلك الذريعة أحدًا على تصديق ذلك بعد هذا، ولكن المنافقين غيروا الجبهة؛ إذ يحاولون أن يستعملوا بعض الشيوخ السذَّج، أو بعض المبتدعين، أو بعض سالكي الطرق الصوفية ذوي الأنانية، يحاولون أن يستعملوهم بشيء من أنواع المكر والخديعة تحت ستار الدين ضد رسائل النور كما حدث في إستانبول وما حول دنيزلي قبل بضع سنوات، ويريدون أن يعترضوا طريق رسائل النور وطلابها في جبهة أخرى.
ونرجو ألا يُوَفَّقوا إلى ذلك إن شاء الله، فلا ينجرّ تلامیٖذ رسائل النور إلى جدال معهم مع كامل الحيطة إن حدث أن هاجموا، ولا يأبهوا بهم، وإذا كان المنخدعون من أهل العلم وأهل الإيمان فليكونوا أحبابًا معهم، وليُطمئنوهم قائلين: إننا لا نسيء إليكم ولا نتدخل في أمركم، فلا تتدخلوا أنتم كذلك في أمورنا، فنحن إخوان لأهل الإيمان.
315. صفحة
ثانيا: يسأل أخونا علي الصغير ذو الروح الكبيرة وبطل المباركين الذي هو بمنزلة عبد الرحمن ولطفي وحافِظ علي الكبير سؤالاً، مع أن جواب هذا السؤال مبثوث في مائة موضع من رسائل النور، فيقول:
لم هذا الحشد الكبير بهذه الدرجة في رسائل النور حول الأركان الإيمانية؟ إذ إن الشيوخ القدامى علَّمونا أن إيمان مؤمن عامي كإيمان ولي كبير؟
الجواب: لقد بَيَّنت وقضت مباحث مراتب الإيمان وعلى رأسها رسالة "الآية الكبرى" المطبوعة والنقطة الثانية للمسألة الثالثة من "المكتوب الثامن والعشرين"، وكذلك بيّن وحكم مجدد الألف الثاني الإمام الرباني في أواخر عمره أن منتهى غاية جميع الطرق الصوفية وأكبر مقاصدها هو انكشاف الحقائق الإيمانية، وأن وضوح مسألة إيمانية واحدة وضوحًا تامًّا أفضل من آلاف الكرامات والكشفيَّات.
وكما أن آخر رسالة "الآية الكبرى" وجزء ذلك المكتوب المقتبس من مجموعة "الملاحق" وبيان كل ذلك مجتمعًا جوابٌ على ذلك السؤال؛ فإن المسألة العاشرة من رسالة "الثمرة" التي تدور حول التكرارات القرآنية، وجريان حكمة تكرارات القرآن وتحشيداته حول التوحيد وأركان الإيمان على نفس الشاكلة في رسائل النور التي هي تفسير حقيقي للقرآن هي الأخرى جواب كذلك.
ثم إن إيضاحات أجزاء رسائل النور التي تبين الإيمان التحقيقي والتقليدي والإجمالي والتفصيلي والتي توضح صمود الإيمان وعدم تزعزعه أمام جميع الهجمات والوساوس والشبهات؛ هذه الإيضاحات جواب على رسالة علي الصغير ذي الروح الكبيرة بما لا يدع حاجة إلينا أبداً.
الجهة الثانية: إن الإيمان ليس منحصرًا فقط في تصديق إجمالي وتقليدي فحسب، بل كما أن هناك انكشافات ومراتب بدءًا من النواة وانتهاء إلى النخلة الباسقة ومن الشمس المثالية التي تشاهَد في المرآة في اليد إلى انعكاس ضوئها على سطح البحر بل إلى الشمس نفسها؛ فإن للإيمان حقائقَ كثيرةً جدًّا متعلقة
316. صفحة
بألف اسم واسم من الأسماء الإلهية، وبسائر أركان الإيمان، وبحقائق الكون، حتى إن أهل التحقيق قد اتفقوا على أن أجلّ العلوم والمعارف وذروة الكمالات الإنسانية قاطبة هو الإيمان والمعرفة القدسية المفصلة والمبرهنة النابعة من الإيمان التحقيقي.
أجل؛ إن الإيمان التقليدي سرعان ما يُغلَب أمام الشبهات، أما الإيمان التحقيقي فهو أقوى وأوسع منه بكثير، وله مراتب كثيرة جدًّا، فمرتبة علم اليقين من تلك المراتب تصمد أمام آلاف الشبهات بقوة براهينها الكثيرة، بينما الإيمان التقليدي يغلب أحيانًا أمام شبهة واحدة.
ومن مراتب الإيمان التحقيقي مرتبةُ عين اليقين، ولها مراتب كثيرة، بل لها مراتب ظهور بعدد الأسماء الإلهية؛ حيث يسمو معها الإنسان إلى مرتبة يستطيع أن يقرأ الكونَ فيها كالقرآن.
ومن مراتبه حق اليقين، فلها مراتب كثيرة أيضًا، وإنه حتى لو هاجمت جيوش الشبهات من يملك هذا الإيمان فلن تستطيع زعزعته.
قد بَيَّنت آلاف المجلدات من كتب علم الكلام -المؤلفة استنادًا إلى العقل والمنطق- طريقا عقليا برهانيا واحدا فقط لتلك المعرفة الإيمانية، وأظهرت مئاتٌ من كتب أهل الحقيقة -استنادًا إلى الكشف والذوق- تلك المعرفةَ الإيمانيةَ من جهة أخرى، ولكن الحقائقَ الإيمانيةَ وتلك المعرفةَ القدسيةَ التي بينتها الجاَّدةُ الكبرى المعجزةُ للقرآنِ في علوٍّ وقوةٍ أرفعُ وأسمى بكثيرٍ من أولئك العلماء والأولياء، فرسائل النور تفسر هذه الجادة العالية الجامعة الكلية للسعادة ولمعراج المعرفة، وتتصدى باسم القرآن والإيمان للتيارات الكلية المدمرة التي تعمل منذ ألف سنة ضد القرآن ولضرر الإسلام والبشرية، ولحساب عوالم العدم والفناء، وتدافع عنهما.
317. صفحة
فلا شك أنها تحتاج إلى حشدِ ما لا حد له من الأدلة حتى تصمد أمام ما لا حد لهم من الأعداء، وتكون وسيلة للحفاظ على إيمان أهل الإيمان بنور القرآن.
لقد ورد في الحديث الشريف: "لأَنْ يهدي الله بك رجلاً خير من حمر النعم"، و"تفكر ساعة خير من عبادة سنة". حتى إن سبب اهتمام النقشبنديين بالذكر الخفي هو لبلوغ هذا النوع من التفكر.
نقرئ السلام لجميع إخواننا وندعو لهم واحدا واحدا، وأرجو التغاضي عن تقصيري؛ إذ كُتب ذلك على عجل، فلتصححوا أنتم ولتعدلوا.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سـعيد النورسي


