المقدمة

1. صفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مقدمة التحقيق

 

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه الكريم ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ([1])، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، وعلى آله وصحبه الأطهار الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد؛

فالقرآن الكريم كتاب الله ومأدبته، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، تحدّى الله به البلغاء والفصحاء أن يأتوا بسورة من مثله، بل بآية ، بل بكلمة، وأنى لهم أن يأتوا بمثله وهو كلام الله، وأنى لهم أن يأتوا بمثله وهو لغة، ومثل اللغة هو هي.

وقد انبرى العلماء منذ نزول القرآن إلى آننا هذا لدراسته ومدارسته، والوقوف على أوجه إعجازه، فكم من أسطر سطروا، وكتب كتبوا وخطوا، ومن أشهر من نصب لهذه المهمة الجليلة الإمام عبد القاهر الجرجاني صاحب الدلائل والأسرار، الذي استوت نظرية النظم -المعروفة في التراث العربي- على سوقها بين يديه، فجلاها جلاء واضحا في كتابه دلائل الإعجاز، وتبعه غيره من العلماء الأجلاء الذي عنوا بكتاب الله، وأفنوا أعمارهم في سبيله وأوقفوها عليه، وكان من هؤلاء الأجلاء الكرام الأفاضل، الإمام العالم العامل بديع الزمان سعيد النورسي، الذي أوقف حياته من أولها إلى آخرها على خدمة القرآن الكريم، فكانت حركته وسكنته بالقرآن ومن أجل القرآن، وكان تدريسه وإملاؤه كله حول القرآن وحقائق القرآن، فجاءت أعماله ومؤلفاته التي تجمعها رسائلُ النور رسائلَ حول الحقائق

([1]) سورة البقرة: 23.



2. صفحة

القرآنية، وتفسيرًا عصريًّا للقرآن الكريم من جهة، وكيف لا ومنه استمدت، وحوله دارت، وفيه بحثت؟!

وكان من ألصق أجزاء رسائل النور بموضوع التفسير وأقربها إليه ذلك الكتاب الموسوم بإشارات الإيجاز في مظان الإعجاز، ذلك الكتاب الذي كانت ملابسات تأليفه عَجَبًا في ذاتها، فقد أملاه الأستاذ بديع الزمان وهو في ساحة الجهاد في الحرب العالمية الأولى، كان في جبهتي جهاد في آن واحد، جبهة جهاد مع العدو الظاهر المرئي بالسيف والبندقية، وجبهة أخرى أعظم شأنا وأخطر أثرا لما تتسم به من امتداد على رقعتي المكان والزمان، وهي جبهة الإلحاد والتشكيك والكفر بالكتاب الكريم القرآن العظيم.

لقد كان الأستاذ بديع الزمان يملي على تلامذته وطلابه كتابه هذا وهو في ساحة المعركة، ينتظر بين لحظة والأخرى لقاء ربه شهيدا، وهي حالة يكون فيها الإنسان أعلى ما يكون في قربه من ربه وإخلاصه في عمله؛ إذ يرى الموت أمام عينيه شاخصًا قريبًا قريبًا، فيُطَلِّق الدنيا وما فيها طلاقا بائنا لا رجعة فيه، ويتوجه بكل فعلة يفعلها وكل كلمة يقولها إلى الله وحده راجيا منه القبول.

تلك هي حالة الأستاذ بديع الزمان في أثناء تأليف وإملاء هذا الكتاب.

أمر آخر جدير بالذكر وهو أن حالةً كتلك لا يصحب فيها المرء كتابا ولا دفترا، بل يصحب سلاحه وعدته العسكرية، فكان الأستاذ بديع الزمان يملي من رأسه من دون الرجوع إلى مصدر، أو مراجعة مرجع، وإنما معتمدا على ما تعلم وحفظ في سابق عهده، ومستمدا من فيوضات وسوانح القرآن عليه، وتلك مزية نصٍّ قبل أن تكون مزية شخص.

ومع تلك الحالة وملابساتها، وذلك الظرف وحيثياته جاء الإملاء تفسيرا دقيقا عجيبا، لفاتحة الكتاب، وإحدى وثلاثين آية من سورة البقرة، تلمَّس فيها الأستاذ بديع الزمان وجوه إعجاز الكتاب الكريم في نظمه وتراكيبه جملة جملة وكلمة كلمة وحرفا حرفا، محاولا استقصاء ما يمكنه استقصاؤه من القريب والبعيد من

3. صفحة

نكات ولطائف في تلك الآيات التي عرض لها، راجيا ومؤمِّلا أن يكون ما أملى أساسا يَبني عليه البانون، وينتهج نهجه المؤلفون حول كتاب الله العظيم من بعده، فها هو ذا يدعو الله أن يأتي من يفهم هذا ويُكْمِلُه فردا كان أو هيئة.

ولأن إشارات الإعجاز أُمليَ وكتب بلغة القرآن الكريم اللغة العربية، وبيئة الأستاذ وطلابه تركيا وأبناؤها آنئذ؛ فقد كانت ضرورة ترجمته إلى اللغة العثمانية، وقد قام بهذه المهمة أخوه عبد المجيد، إلا أن الأستاذ طالع الترجمة بنفسه، ولم تنل رضاه، فعهد بها مرة أخرى إلى تلميذه الأول الأستاذ أحمد خسرو الذي أبلى فيما عُهِد إليه به بلاء حسنا، فصاغها على روح رسائل النور؛ إذ كان هو ابن بجدتها، فقرت بها عينُ أستاذه وارتضى صنيعه فيها.

ونحن اليوم إذ نقدم هذا النص التفسيري لك -أيها القارئ العزيز- نقدمه مستعينين بالله على أن يكون في أحسن صورة وأبهاها، وأفضل حُلَّةٍ وأزينها، وتَطَلَّبَ ذلك منا أمورا نَقُصُّها فيما يلي:

أولا: جمعنا ما يمكن أن يكون أصلا لهذا الكتاب من نسخ كتبت باللغة العربية في حضرة الأستاذ بديع الزمان، وراجعها بنفسه، أو ترجمات ونشرات استفدنا منها بما حوت من تعليقات وإيضاحات، وقد توافر لنا من ذلك ما يلي:

1.   نسخة بخط عبد المجيد النورسي أخي المؤلف، وهي نسخة صححها وراجعها الأستاذ بديع الزمان بنفسه، واعتبرنا هذه النسخة الأم في التحقيق.

2.   نسخة أخرى لأحد تلامذة المؤلف كتبت بخط جميل، ونسقت تنسيقا بديعا، وظهر فيها من توافقات النسخ والكتابة الكثير، راجعها الأستاذ النورسي، وعلق على ما ظهر في كتابتها من توافقات بنفسه، ولم تختلف هذه النسخة في شيء عن سابقتها.

3.   نسخة مخطوطة بخط طاهر بن محمد الشوشي، واستفدنا من هذه النسخة فيما احتوت عليه من تعليقات وإيضاحات واستدراكات جيدة على النساخ، ورمزنا في حال أخذنا شيئًا منها بالرمز (ت).

4. صفحة

4.   الترجمة التركية التي ترجمها الملا عبد المجيد أخو الأستاذ النورسي، وقد استفدنا منها أيضا في تعليقاتها، ورمزنا في حال أخذنا شيئا من تعليقاتها بالرمز (ت).

5.   الترجمة التركية التي صاغها الأستاذ أحمد خسرو والتي ارتضاها الأستاذ بديع الزمان وأقرها متفقة مع روح رسائل النور، وقد استفدنا منها أيضا في تعليقاتها، واستيضاح ما استشكل علينا فهمه من النص الأصلي، ورمزنا في حال أخذنا شيئا من تعليقاتها بالرمز (خ).

6.   تحقيق حققه الشيخ صدر الدين البدليسي، استفدنا منه أيضا في بعض تعليقاته، ورمزنا في حال أخذنا شيئا من تعليقاته بالرمز (ب).

ثانيا: قمنا بضبط ما يشكل ويلبس على القارئ من كلمات وجمل، ليتضح المعنى، ويزول اللبس إن احتُمل.

ثالثا: قمنا بتخريج ما ورد في النص من آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة، وأشعار وأمثال وعبارت وجمل اصطلاحية، وقضايا نحوية ولغوية وغيرها، وعرَّفنا بالأعلام الواردة فيه، كل ذلك وفق ما يقتضي منهج التحقيق العلمي.

رابعا: تتبعنا الكلمات الغريبة، أو التي يمكن أن تستشكل على القارئ، ووضّحنا معانيها والمراد منها.

وتجدر هنا نقطة بالذكر، وهي أن ظروف تأليف الكتاب التي بيناها من قبل فضلا عن البيئة التي ألف فيها -التركية- كان لها الأثر الكبير في استخدام المؤلف لعدد من الألفاظ التركية التي لها شبه في الصورة اللفظية بالعربية، غير أن المؤلف أراد منها معناها التركي وليس العربي، وهو ما يمكن أن يلبس المعنى على القارئ، فيفهم من الكلام غير مراده، بل ربما لا يفهم من الكلام شيئا أصلا، لا المراد منه ولا غير المراد، ومن أمثلة ذلك استخدام المؤلف للفظة (ناموس) ، فهي في العربية بمعنى قانون، إلا أن معناها التركي (الشرف) وهو مراد المؤلف من استخدامها.

5. صفحة

وقد قمنا بتبيين مثل هذه الاستخدامات، عند أول ورود لها في النص، كذلك ألحقنا مسردا لها بنهاية الكتاب.

خامسا: ذكرنا ما احتوت عليه الترجمة من تعليقات توضيحية في موضعه، حيث كان لها دور كبير في توضيح كثير من الغوامض.

سادسا: ألحقنا بآخر الكتاب ما ألحقه به مؤلفه من شهادات فلاسفة أوربا وعلمائها حول القرآن الكريم وحقّانيته، ولم نستبدل بها غيرها كما فعلت إحدى النشرات السابقة للكتاب؛ إذ لو كان المؤلف أراد إلحاق غير ما ألحق بكتابه لكان فعل، وليس لأحد حق التغيير والتبديل فيما احتواه كتابه إلا هو، لهذا رأينا أن نبقي ما وضعه ملحقا لكتابه كما هو، مستعينين الله في ترجمته وفق ضوابط وإجراءات الترجمة والمراجعة الصارمة التي ألزمنا بها أنفسنا في بقية أجزاء رسائل النور.

سابعا: وضعنا فهرسا تفصيليًّا لموضوعات الكتاب ونكاته ونقاطه، بحيث يسهل على القارئ الوصول إلى مبتغاه فيه بسهولة ويسر.

وأخيرا أيها القارئ العزيز، ليس لنا إلا أن نعترف ونقر بأن ما في إخراج هذا الكتاب الجليل من فضل فهو من الله العلي العظيم، فهو وحده سبحانه تعالى الموفق والمسدد، وما فيه من قصور وتقصير ونقصان فهو منا وتلك عادة البشر ودأبهم، نسأل الله أن يجبر الكسر ويقيل العثرة ويرفع الزلل.

ونسأل الله قبول العمل

آمين!

لجنة الترجمة والبحوث العلمية


6. صفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

تنبيه: لقد أُلِّف هذا التفسير "إشارات الإعجاز" في السنة الأولى من سني الحرب العالمية الأولى في جبهة الحرب من دون مصدر أو مرجع من المراجع، وكُتِب مختصرًا وموجزًا بناء على أربعة أسباب، فضلا عن وجود الحرب، وقد ظلت الفاتحة والنصف الأول أكثر إجمالا واختصارًا.

أولا لم يكن ذلك الزمان يسمح بالتوضيح والبيان، فكان سعيد القديم يعبر عن مرامه بعبارات موجزة ومختصرة.

ثانيًا: كان يعتبر أفهام تلاميذه الأذكياء جدًّا، ولم يكن يفكر في فهم الآخرين.

ثالثًا: إن سعيداً القديم بَيَّن الإعجاز الموجز الذي في نظم القرآن الدقيق الرفيع؛ لذا ظل موجزًا ومختصرًا، ولكني قرأته بنظر سعيد الجديد، فوجدت أن ملاحظات سعيد القديم وتحقيقاته الدقيقة في هذا التفسير بديعة من بدائعه الرائعة، على الرغم من كل خطاياه.

وقد كان مستعدًّا للاستشهاد في أية لحظة في أثناء تأليفه، لذا كتبه بنية خالصة، مراعيًا ومطبِّقًا قواعد البلاغة ودساتير العلوم العربية، فلم أستطع أن أقدح أو أجرح واحدًا منها، ولعل الله سبحانه وتعالى يجعل هذا الأثر كفارة لذنوبه، ويخلق بإذنه من يفهم هذا التفسير فهمًا تامًّا.

فلولا الموانع كالحرب العالمية الأولى، لكان بَيَّن هذا المجلدُ الأول من هذا التفسير الإعجازَ النظمي الذي أحد وجوه الإعجاز، ولو كانت الأجزاءُ والرسائلُ الأخرى تتضمن حقائقَ التفسير المتفرقة؛ لكانت تفسيرًا بديعًا جامعًا للقرآن المعجز البيان.


7. صفحة

وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تكتب هيئةٌ محظوظةٌ تفسيرًا من هذا القبيل في المستقبل متخذة من "الكلمات" و"المكتوبات" الست والستين، بل المائة والثلاثين من أجزاء رسائل النور مصدرًا لها مع هذا التفسير الجزئي.

سعيد النورسي

 

إن سرَّ ذكر ما في كثير من المناسبات البلاغية من نكات غير مهمة ربما لا يفهمها الكثيرون ولا يستفيدون منها، ضمن إيضاح الآيتين اللتين تخصان الكفار المعاندين في هذا التفسير الرائع، وتفصيلِ الآيات الاثنتي عشرة الخاصة بالمنافقين، وإن حكمةَ شيءٍ يسيرٍ من التطرق إلى تفصيل ماهية الكفر وإلى الشبهات التي يتمسك بها أهل النفاق، خلافًا لما في الآيات الأخرى من التحقيق والتوضيح والتفصيل، وإن أسبابَ بيان الإشارات والدلالات الدقيقة لألفاظ القرآن وحدها باهتمام بالغ؛ هو ثلاث نكات:

النكتة الأولى: لقد أحسّ سعيد القديم من خلال السوانح التي جاءت من الإرشاد القرآني أنه سيظهر في هذا الزمان نظراء لمن ظهروا في صدر الإسلام من منافقي الكفار المعاندين الذين لا يهتدون بكتاب، ومنافقي الأديان القديمة، فبَيَّن الآيات التي تخص المنافقين مع بيان النكات الدقيقة فيها، ولكنه ترك ماهية مسلكهم والنقاط التي يستندون إليها مجملةً، ولم يبينها حتى لا يعكر أذهان القراء.

وفي الحقيقة إن مسلك رسائل النور هو:

الرد على شبهات المعارضين من دون ذكر هذه الشبهات خلافًا لسائر العلماء، حتى لا تترك أثرًا سيئًا في الأذهان، فلا يبقى مجال لأي وهم أو شبهة بعد.

فسعيد القديم أولى الاهتمام في هذا التفسير لدلالة اللفظ وإشاراته في البلاغة فقط؛ حتى لا يكدر الأذهان، كما هو نهج رسائل النور دائما.

النكتة الثانية: بما أن قراءة كل حرف من حروف القرآن لها قيمة وثواب عظيم يثمر كل حرف عشرًا، أو مائة، أو ألفًا، أو آلافًا من الحسنات والثمرات

8. صفحة

الأخروية الباقية؛ فلا شك أن توضيح سعيد القديم للنكات التي تتعلق بكلمات القرآن في هذا التفسير تعلقا بعيدا وتتصل بها اتصالا رقيقا دقيقًا كالشعرة أو الذرّة؛ ليس إسرافًا، وليس غير ذي أهمية، بل إنه شَعَر أنها قيّمة مثل الأهداب وذرات بؤبؤ العين، بحيث إن قذائف العدو في جبهة القتال لم تشوش ذهنه ولم تُثنِه عن التفكير في مثل هذه المناسبات الدقيقة دقة الشعرة وعن كتابتها في خضم هذه الحرب الهائلة الرهيبة([1]).

النكتة الثالثة: إن ترجمة هذا التفسير إلى اللغة التركية لم تستطع أن تحافظ على جزالته وبلاغته وقيمته الخارقة، بل جاءت مختصرة أحيانًا، ولذلك عزمتُ على ألاّ أنشر التفصيل الطويل عن المنافقين، ولكن بما أنه يعود إلى القرآن؛ فإن قيمة الذرة الخاصة بالقرآن عظيمة، ولعله ينفع بعضًا من الناس.

سعيد النورسي






9. صفحة

إفادة المرام

أقول: لما كان القرآنُ جامعًا لأشتات العلوم، وخطبةً لعامة الطبقات في كل الأعصار، لا يتحصّل له تفسير لائق من فهم الفرد الذي قلما يخلُص من التعصب لمسلكه ومشربه؛ إذ فهمُه يخصُّه، ليس له دعوة الغير إليه إلاّ إن يُعدّيه قبول الجمهور، واستنباطُه -لا بالتشهي- له العمل لنفسه فقط، ولا يكون حجةً على الغير إلاّ أن يصدّقه نوعُ إجماع.

فكما لابد لتنظيم الأحكام واطرادها ورفع الفوضى -الناشئة من حرية الفكر مع إهمال الإجماع- من وجود هيئة عالية من العلماء المحققين الذين -بمظهريتهم لأمنية العموم واعتماد الجمهور- يتقلدون كفالة ضمنية للأمة، فيصيرون مظهر سرّ حجِّيةِ الإجماع الذي لا تصير نتيجةُ الاجتهاد شرعاً ودستوراً إلاّ بتصديقه وسكّته؛ كذلك لابد لكشف معاني القرآن وجمع المحاسن المتفرقة في التفاسير وتثبيت حقائقه -المتجلية بكشف الفن وتمخيض الزمان- من انتهاض هيئة عالية من العلماء المتخصصين، المختلفين في وجوه الاختصاص، ولهم مع دقةِ نظر وُسْعةُ فكرٍ لتفسيره.

نتيجة المرام

إنه لابد أن يكون مفسر القرآن ذا دهاء عال واجتهاد نافذ وولاية كاملة، وما هو الآن إلاّ الشخص المعنوي المتولد من امتزاج الأرواح وتساندها، وتلاحق الأفكار وتعاونها، وتظافر القلوب وإخلاصها وصميميتها، من بين تلك الهيئة.

 فبسر للكلِّ حكمٌ ليس لكلٍّ كثيرًا ما يُرى آثارُ الاجتهاد وخاصةُ الولاية، ونورُه وضياؤها، من جماعة خَلَتْ منها أفرادُها. 


10. صفحة

 ثم إني بينما كنت منتظرًا  ومتوجهًا لهذا المقصد بتظاهر هيئة كذلك -وقد كان هذا غاية خيالي من زمان مديد- إذ سنح لقلبي من قبيل الحس قبل الوقوع تقرّب زلزلة عظيمة([1])، فشرعتُ -مع عجزي وقصوري والإغلاق في كلامي- في تقييد ما سنح لي من إشارات إعجاز القرآن في نظمه وبيان بعض حقائقه، ولم يتيسر لي مراجعة التفاسير، فإن وافقها فبِها ونِعْمَتْ، وإلاّ فالعُهدة عليّ.

فوقعتْ هذه الطامة الكبرى، ففي أثناء أداء فريضة الجهاد كلما انتهزتُ فرصة في خط الحرب قيدتُ ما لاح لي في الأودية والجبال بعبارات متفاوتة باختلاف الحالات، فمع احتياجها إلى التصحيح والإصلاح لا يرضى قلبي بتغييرها وتبديلها؛ إذ ظهرتْ في حالة من خلوص النية لا توجد الآن، فأعرضها لأنظار أهل الكمال لا لأنه تفسير للتنزيل، بل ليصير -لو ظفر بالقبول- نوعَ مأخذٍ([2]) لبعض وجوه التفسير، وقد ساقني شوقي إلى ما هو فوق طوقي، فإن استحسنوه شجعوني على الدوام.

ومن الله التوفيق.

سعيد النورسي


([1]) لقد أخبرنا مرارا في أثناء الدرس وقوع زلزلة عظيمة ( بمعنى الحرب العالمية) فوقع كما أخبر (حمزة، ومحمد شفيق، ومحمد مهدي) من تلاميذ المؤلف.

([2]) المأخذ: استخدام تركي بمعنى المصدر والمرجع.



11. صفحة

لمعة من تعريف القرآن

 فإن قلت: القرآن ما هو؟

قيل لك: هو الترجمةُ الأزلية لهذه الكائنات، والترجمانُ الأبدي لألسنتها التاليات للآيات التكوينية، ومفسّرُ كتاب العالَم، وكذا هو كشافٌ لمخفيات كنوز الأسماء المستترة في صحائف السماوات والأرض، وكذا هو مفتاحٌ لحقائق الشئون المضْمَرة في سطور الحادثات، وكذا هو لسان الغيب في عالم الشهادة، وكذا هو خزانة للمخاطبات الأزلية السبحانية والالتفاتات الأبدية الرحمانية، وكذا هو أساسٌ وهندسةٌ وشمسٌ لهذا العالم المعنوي الإسلامي، وكذا هو خريطةٌ للعالم الأُخروي، وكذا هو القولُ الشارح والتفسيرُ الواضح والبرهان القاطع والترجمان الساطع لذات الله وصفاته وأسمائه وشئنه، وكذا هو مربٍّ للعالم الإنساني، وكالماء وكالضياء للإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية، وكذا هو الحكمة الحقيقية لنوع البشر، وهو المرشد المهدي إلى ما خُلِقَ البشرُ له.

وكذا هو للإنسان: كما أنه كتابُ شريعةٍ كذلك هو كتاب حكمةٍ، وكما أنه كتابُ دعاء وعبودية كذلك هو كتابُ أمرٍ ودعوة، وكما أنه كتابُ ذكرٍ كذلك هو كتابُ فِكر، وكما أنه كتابٌ واحد لكن فيه كتبٌ كثيرةٌ في مقابلة جميع حاجات الإنسان المعنوية، كذلك هو كمنزل مقدسٍ مشحون بالكتب والرسائل، حتى إنه قد أبرز لمشْرَب كلِّ واحدٍ من أهل المشارب المختلفة، ولمسلك كلِّ واحدٍ من أهل المسالك المتباينة من الأولياء والصديقين ومن العرفاء والمحققين رسالةً لائقةً لمذاق ذلك المشرب وتنويره، ولمساق ذلك المسلك وتصويره حتى كأنه مجموعة الرسائل.

سعيد النورسي