سورة البقرة-13
التنقل
106. صفحة
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾
اعلم أن وجه نظم هذا النوع بالنوع الأول:
من حيث إنهما نصيحة وإرشاد؛ عطف الأمر بالمعروف والتحلية والترغيب، على النهي عن المنكر والتخلية والترهيب.
ومن حيث إنهما من الجناية؛ عطف تسفيههم للمؤمنين وغرورهم على إفسادهم، كما ربط إفسادهم بفسادهم اللذين كل منها غصن من شجرة زقّوم النفاق.
وأما وجه النظم بين جمل هذه الآية:
فاعلم أنه لما قيل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ وأشير بهيئاتها إلى وجوب النصيحة على سبيل الكفاية بإيمان خالص اتباعا للجمهور الذين هم الناس الكُمّل ليأمرهم الوجدان دائما بهذا الأمر؛ حكى وقال: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ إشارة إلى تمردهم وغرورهم ودعواهم أنهم على الحق كما هو شأن كل مبطل يرى باطله حقا ويعلم جهله علما؛ إذ بالنفاق فسد قلبُهم، وبالفساد نشأ غرورٌ وميلُ إفساد.
وبحكم الفساد تمردوا، وبحكم الإفساد يقول بعضهم لبعض متناجيا بالإضلال.
وبحكم الغرور يرون شدة الديانة وكمال الإيمان المقتضيين للاستغناء والقناعة سفالة وسفاهة وفقرًا.
107. صفحة
ثم بحكم النفاق ينافقون في كلامهم هذا أيضًا؛ إذ ظاهره: كيف نكون كالسفهاء ولسنا مجانين ونحن أخيار كما تطلبون؟! وباطنه كيف نكون كالمؤمنين الذين أكثرهم فقراء وهم في نظرنا سفهاء تحزبوا من أوْباش([1]) الأقوام؟
وعليك التطبيق بين دقائق الجزئين من الشرطية([2]).
ثم ألقمهم الحجر بقوله: ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾؛ إذ من كان متمردًا بهذه الدرجة وجاهلا بجهله فحقهم الإعلان بين الخلق، وتشهيرُهم بانحصار السفاهة، وأنه من الحقائق الثابتة، وأن تسفيههم لسفاهة أنفسهم.
ثم قال: ﴿وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ إشارة إلى أنهم جاهلون بجهلهم فيكون جهلا مركبًا فلا يجديهم النصيحة، فلابد أن يعرض عنهم صفحًا؛ إذ لا يفهم النصيحة إلا من يعلم جهلَه.
وأما وجه النظم في هيئات كل جملة:
ففي جملة ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ لفظ ﴿إِذَا﴾ بجزميته([3]) رمز إلى لزوم الإرشاد بالأمر بالمعروف.
وبناء المفعول في﴿قِيلَ﴾ إيماء إلى أن وجوب النصيحة على سبيل الكفاية كما مر.
ولفظ ﴿آمِنُوا﴾ بدل "أخلصوا في إيمانكم" إشارة إلى أن الإيمان بلا إخلاص ليس بإيمان.
ولفظ ﴿كَمَا آمَنَ﴾ تلويح بالأسوة الحسنة وحسن المثال ليخلصوا على منواله.
وفي لفظ ﴿النَّاسُ﴾ نكتتان: وهما السبب في جعل الوجدان أمرًا بالمعروف دائما؛ إذ ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ يترشح بـ "فاتبعوا جمهور الناس إذ مخالفة الجمهور خطأ، من شأن القلب ألا يقدم عليه".
([1]) الأوباش: الأخلاط والمتفرقون من الناس، انظر: لسان العرب ( و - ب - ش) 1/796. ([2]) يقصد بالشرطيه جملة الشرط وبالجزأين فعل الشرط وجوابه . ([3]) لعل المؤلف يقصد بجزميتها إفادتها للشرط؛ لأن إذا ليست من أدوات الشرط الجازمة، كما لا يخفى على المصنف، وإذا تفيد غلبة توقع الحدوث في المستقبل بخلاف إنْ التي للتشكيك، ولو التي للامتناع، وسيتكرر هذا كثيرا، فاحمله على هذا.
108. صفحة
وأيضًا يلوح بأنهم هم الناس فقط، كأن مَنْ عَدَاهم ليسوا بإنسان إلا صورةً، إما بترقى هؤلاء في الكمالات وانحصار حقيقة الإنسانية بهم، وإما بتدني أولئك عن مرتبة الإنسانية.
أما جملة ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ التي مآلها: لا نقبل النصيحة، كيف نكون كهؤلاء الأذلاّء؛ إذ هم في نظرنا سفهاء ولا نقاس نحن معاشر أهل الجاه عليهم، ففي لفظ ﴿قَالوُا﴾ رمز إلى تبرئة النفس وترويج المسلك والاستغناء عن النصيحة والغرور والدعوى.
وفي لفظ ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ بالاستفهام الإنكاريّ إشارة إلى شدة تمردهم في جهلهم المركب، كأنهم بصورة الاستفهام يقولون: أيها الناصح راجع وجدانك هل ترى إنصافك يقبل ردّنا؟
ثم إن في متعلق ﴿قَالوُا﴾ وجوهًا ثلاثة مترتبة؛ أي: قالوا لأنفسهم، ثم لأبناء جنسهم، ثم لمرشدهم، كما هو شأن كل متنصح إذا نصحه الناصح؛ فأول الأمر يشاور مع نفسه، ثم يحاور مع أبناء جنسه، ثم يراجعك بنتيجة محاكمتهم.
فعلى هذا؛
لما قيل لهم ما قيل، راجعوا قلوبَهم الفاسدة ووجدانهم المتفسخ فأشارت عليهم بالإنكار، فقالوا مترجمين عما في ضميرهم.
ثم راجعوا بنظر الإفساد إلى إخوانهم، فأشاروا عليهم أيضًا بالإنكار فأخذوا بنجواهم ومحاورتهم.
ثم رجعوا بطريق الاعتذار والسفسطة إلى الناصح، فشاغبوا وقالوا: "بيننا فرق، لا نقاس عليهم؛ إذ هم فقراء مضطرون مجبورون، فشدتهم في الديانة وتصوّفهم بالاضطرار، أما نحن فأهل عزة وجاه"!
فبحكم الغرور يحيلون الناصح على إنصافه، وبحكم الخداع والحيلة يتكلمون بكلام ذي لسانين، أي: أيها المرشد! لا تظننا سفهاء ولا نكون كالسفهاء في نظركم، بل نفعل كما يفعل المؤمنون الخلص، مع أن مرادهم باطنًا: لا نكون
109. صفحة
كهؤلاء المؤمنين الفقراء؛ إذ لا اعتداد بهم في نظرنا، ففي هذا اللفظ رمز خفيّ إلى فسادهم وإفسادهم وغرورهم ونفاقهم.
﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ أي: الذين تظنونهم الناسَ الكاملين هم في نظرنا أذلاء فقراء مجبورون مع كثرتهم، كلٌّ منهم سفيهُ قوم، ففي دعواهم الفرق في القياس إشارة إلى أن الإسلامية كهف المساكين، وملجأ الفقراء، وحامية الحق، وحافظة الحقيقة، ومانعة الغرور، وقامعة التكبّر، وما مقياس الكمال والمجد إلاّ هي.
وأيضًا في الفرق إشارة إلى أن سبب النفاق في الأغلب هو الغرض والغرور والتكبر كما يفسره: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾([1]).
وأيضًا في الفرق إشارة خفية إلى أن الإسلامية لا تصير وسيلة التحكم والتغلب في أيدي أهل الدنيا والجاه؛ بل إنما هي واسطة لإِحقاق الحقِّ في أيادي أهل الفقر والضرورة خلافَ سائر الأديان، ويشهد على هذه الحقيقة التاريخُ.
أما جملة ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ فاعلم أن القرآن الكريم إنما أكثر من التشديد والتشنيع على النفاق لأجل أنّ أكثر بليات العالم الإسلامي من أنواع النفاق.
ثم إن لفظ ﴿أَلاَ﴾ للتنبيه وتشهير سفاهتهم على رءوس الأشهاد، ولاستشهاد فكر العموم على سفاهتهم، وأصل معنى ﴿أَلاَ﴾ ألا تعلمون أنهم سفهاء؟ أي: فاعلموا!
ثم إن ﴿إِنَّ﴾ مرآة الحقيقة ووسيلة إليها كأنه يقول: راجعوا الحقيقة لتعلموا أن سفسطتهم الظاهرية لا أصل لها!
ثم لفظ ﴿هُمُ﴾للحصر لرد تبرئة أنفسهم، ودفع تسفيههم للمؤمنين الذي أشاروا إليه بـ ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، أي: إن السفيه مَن ترك الآخرة بالغرور والغرض واللذة الفانية دون من اشترى الباقي بترك الهوسات([2]) الفانية.
([1]) سورة هود: 27. ([2]) الهوس: استخدام تركي بمعنى الهوى، ورغبات النفس.
110. صفحة
ثم إن الألف واللام في ﴿السُّفَهَاءُ﴾ لتعريف الحكم([1])، أي: معلوم أنهم سفهاء، وللكمال، أي: كمال السفاهة فيهم.
أما ﴿وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ففيه "إشارات ثلاث":
إحداها:
إن تمييز الحق عن الباطل، وتفريق مسلك المؤمنين عن مسلكهم محتاج إلى نظرٍ وعلم، بخلاف إفسادهم وفتنتهم، فإنه ظاهر يحس به مَن له أدنى شعور، ولهذا ذيّل الآية الأولى بـ ﴿وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾.
والثانية:
إن ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾ وأمثالها من فواصل الآيات من ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾، و﴿لاَ يَتَفَكَّرُونَ﴾، و﴿لاَ يَتَذَكَّرُونَ﴾ وغيرها تشير إلى أن الإسلامية مؤسَّسة على العقل والحكمة والعلم، فمن شأنها أن يقبلها كلُّ عقل سليم، لا كسائر الأديان المبنية على التقليد والتعصب، ففي هذه الإشارة بشارة كما ذكرت في موضع آخر.
والثالثة:
الإعراض عنهم وعدم الاهتمام بهم؛ إذ النصيحة لا تجديهم؛ إذ لا يعلمون جهلَهم حتى يتحرّوا زوالَه.
([1]) يقصد بها (أل) العهدية .


