سورة البقرة 19-20
التنقل
142. صفحة
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ _ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعلم أن مدار النظر في هذه الآية أيضًا من "ثلاثة وجوه"؛ نظمها بسابقتها، والنظم بين جملها، ثم النظر بين هيئات جملة جملة، مثلها في الارتباط كمثل الأمْيال العادّة للساعات والدقائق والثواني.
أما وجه النظم بينها وبين سابقتها فهو: أنه كرر التمثيل وأطنب في التصوير إشارةً إلى احتياج تصوير حال المنافقين في دهشتهم وحيرتهم إلى نوعين منه، إذ:
خلاصة التمثيل الأول هي:
إن المنافق يرى نفسَه في صحراء الوجود منفردةً عن الأصحاب، مطرودةً عن جمعية الكائنات، خارجةً عن حكم شمس الحقيقة، يصير كلُّ شيء في نظره معدومًا ويرى المخلوقات أجنبيةً كلَّها، ساكنة وساكتة استولت عليها الوحشة والخمود.
وأين هذا من حال المؤمن الذي يرى بنور الإيمان كل الموجودات أحبّاءه ويستأنس بكل الكائنات؟!
وخلاصة التمثيل الثاني هي:
إن المنافق يظن أن العالَم بأجزائه ينعى عليه بمصائبه، ويهدده ببلاياه، ويصيح عليه بحادثاته، ويحيط به بنوازله، كأن الأنواع اتفقت على عداوته، فانقلب النافع ضارًّا، وما هذه الحالة إلا لعدم نقطتي "الاستمداد" و"الاستناد" كما مر.
وأين هذا من حال المؤمن الذي يسمع بالإيمان تسبيحات الكائنات وتبشيراتها؟!
143. صفحة
وأيضًا تكرار التمثيل إيماءٌ إلى انقسام المنافقين إلى الطبقة السفلية العامية المناسبة للتمثيل الأول، وإلى الطبقة المتكبرة المغرورة الموافقة للتمثيل الثاني.
وأما وجه النظم بين الجمل:
فاعلم أن التنزيل لما قال ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ مشيرًا إلى أنهم كالذين اضطروا إلى السفر في صحراء موحشة في ليلة مظلمة تحت مطر شديد،كأن قطراتِه مصائبُ تصيب مرماها بصَوبها، وقد ملأت الجوّ بكثرتها؛ استيقظ ذهن السامع منتظرًا لبيان السبب في أنْ صار الصيّبُ الذي هو في الأصل رحمةٌ مرغوبة مصيبةً هائلة فقال مصورًا لدهشته: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ مشيرًا إلى أن المطر كما هو ظرف لظلمة السحاب ولكثافته؛ كذلك لأجل عمومه وكثرته وإحاطته كأنه ظرف للّيلة المُتَفَتتَة قطراتٍ مسودةً بين قطراته.
ثم ما من سامع يسمع ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ إلا وينتظر لبيان، كأن المتكلم سمع صدى الرعد من ذهن السامع، فقال: ﴿وَرَعْدٌ﴾ مشيرًا إلى تهويل الحال وتشديدها بأن السماء أميرةُ الموجودات عزمت على إهلاكهم، وتصيح عليهم برعدها؛ إذ المصاب المدهوش يتخيل من الكائنات المتعاونة على إضراره حركةً مزعجة تحت سكونها، ونطقًا مهيبًا تحت سكوتها، فإذا سمع الرعد توهَّم أنها تتكلم بما يهدده وتصيح عليه؛ إذ بالخوف يحسب كلَّ صيحة عليه.
ثم إن السامع لا يسمع الرعد إلاّ ويستهلّ فيبرق في ذهنه رفيقه الدائميّ، ولذلك قال: ﴿وَبَرْقٌ﴾ مشيرًا بالتنكير إلى أنه غريب عجيب.
نعم؛ هو في نفسه عجيب؛ إذ بتولده يموت عالمٌ من الظلمات، فتُطوى وتلقى إلى العدم، وبموته فجأةً يَحْيا ويُحشر عالم من الظلمات، كأنه نار حينما تنطفئ تورث ملء الدنيا دخانًا، ومن شأن المصاب بها أن يمعن النظر، ولا يمر بنظر سطحي بناءً على الألفة والمناسبة حتى يتكشف عن دقائق صنع القدرة.
ثم بعد هذا التصوير كأن ذهن السامع يتحرك سائلا: "كيف يعملون؟ وبِمَ يتشبثون؟"
144. صفحة
فقال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ مشيرًا إلى أن لا مناص ولا ملجأ ولا منجى لهم حتى إنهم كالغريق يتمسكون بما لا يُتَمَسك به، فمن التدهُّش يستعملون الأصابع موضع الأنامل كأن الدهشة تضرب على أيديهم، فيدخِلون الأصابع من الوجع في الآذان، ومن التبله أنهم يسدون الآذان لئلا تصيبهم الصواعق.
ثم بعد هذا يتحرى ذهنُ السامع سائلا: "أعمّت المصيبة أم خصّت فيُرجى؟"
فقال: ﴿وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ مشيرًا إلى أن هذه المصيبة جزاءٌ لكفرانهم النعمة، يؤاخذهم الله تعالى به لشذوذهم عن القانون الإلهي المودع في الجمهور.
ثم لما سمع شدة الرعد يحدّث نفسه بـ "ألا يفيدهم البرق بإراءة الطريق"؟
فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ مشيرًا إلى أنه كما أن الرعد يعاديهم فلا يستطيعون السمعَ؛ كذلك البرقُ يخاصمهم بإضاءته فيُظلِم أبصارَهم.
ثم بعد سماع تجاوب الكائنات على عداوتهم ينادي ذهن السامع بـ "فما مصير حالهم وما يفعلون؟ وبم يشتغلون؟"
فقال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ مشيرًا إلى أنهم مشوشون، مترددون، متحيرون، مترقبون لأدنى فرصة ولأدنى رؤية للطريق، فكلما تراءت لهم يتحركون، لكن كحركة المذبوح لاضطراب أرواحهم، ويخطون خطىً يسيرة مع علمهم بأن لا فائدة، وكلما غشيتهم الظلمة فجأة يتجمدون في مقامهم.
ثم يستعد ذهنُ السامع للاستفسار بـ "لِمَ لا يموتون، أو يعمون، أو يصمون بالمرّة فيخلصون عن الاضطراب؟"
فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ أي ليسوا مستحقين للخلاص من الاضطراب، ولهذا لا تتعلق المشيئة بإماتتهم، ولو تعلقت لتعلقت بذهاب سمعهم وبصرهم، ولكن بقاءَ السمع لاستماع العقاب ووجودَ البصر لرؤية العذاب أجدر بمن شذ ونشز عن قانونه تعالى.
145. صفحة
ثم إن هذه القصة لما احتوت على نقاط يتلوح من معاطفها استطرادًا: العظمة والقدرة الالهية وتصرفُه تعالى في الكائنات، ولا سيما يتذكر السامع تبعا في تلافيفها عجائب الرعد والبرق والسحاب، كان من حق السامع المتيقظ وجدانُه أن يعلن ويقول: سبحانه! ما أعظم قدرةَ مَنْ هذه الكائنات تجلِّي هيبته، وهذه المصيبات تجلِّي غضبه! فقال: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وأما نظم هيئات جملةٍ جملةٍ:
فاعلم أن ﴿أَوْ﴾ في ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ إشارةٌ إلى انقسام حال الممثل إلى قسمين، ورمزٌ إلى تحقيق المناسبة بين التمثيلين وبينهما وبين الممثَّل له، وإيماءٌ إلى مسلّمية المشابهة.
وأيضًا متضمِّن لـ "بل" الترقية[1]؛ إذ التمثيل الثاني أشدّ هَوْلا، وإن ﴿كَصَيِّبٍ﴾ لعدم مطابقته للمثل يقتضي تقديرَ لازم، والسكوتُ عن إظهار المقدَّر للإيجاز، والإيجاز في اللفظ لإطناب المعنى بإحالته على خيال السامع بالاستمداد من المقام، فبعدم المطابقة كأنه يقول: "أو كالذين سافروا في صحراء خالية وليلة مظلمة فأصابتهم مصائب بصيب".
وإن العدول عن لفظ "المطر" المأنوس المألوف إلى "الصيب" رمزٌ إلى أن قطرات ذلك المطر كمصائب تُرْمَى إليهم بقصدٍ فتصيبهم مع فقد الساتر عليهم.
وإن ذكر ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ مع بداهةِ أن المطر لا يجيء إلاّ من جهتها إيماءٌ بالتخصيص إلى التعميم وبالتقييد إلى الإطلاق، نظير التقييد في ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾([2]) أي: مطبق آخذ بآفاق السماء.
وما استدل بعض المفسرين بلفظ ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هنا وفي آية ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾[3] على نزول المطر من جِرْمِ السماء حتى تخيَّل بعضٌ وجود
[1] انظر في ورود (أو) بمعنى (بل) في الجمل في النحو310، ومغني اللبيب 91، وحروف المعاني للزجاجي 13.
([2])سورة الأنعام: 38.
[3] سورة النور: 43.
146. صفحة
بحر تحت السماء، فنظرُ البلاغة لا يرى عليه سكةَ الحقيقة، بل المعنى: من جهة السماء، والتقييد لما عرفت، وقد قيل: السماء ما علاك([1])، فالسحاب كالهواء سماء.
وتحقيق المقام:
هو أنك إن نظرت إلى القدرة تتساوى الجهاتُ، أي: يمكن النزول من أية جهة كانت، وإن نظرت إلى الحكمة الإلهية المؤسِّسة للنظام الأحسن في الأشياء المستلزِم لمحافظة الموازنة العمومية المرجِّحة لأقرب الوسائل، فالمطر إنما هو من تكاثف البخار المائي المنتشر في كرة الهواء التي أحد أجزائها العشرة ذلك البخار المائيّ المنتشر في أعماقها.
وتوضيحه:
إن ذراته إذا أمرتْها الإرادة الإلهية، يمتثل كلٌّ، ويتسللن من الأطراف ومن كلٌّ فجٍّ عميق، فيتحزَّبن سحابًا هامرًا([2])، ثم بإرادة أمرها يشتدّ تكاثفُ بعضٍ فتصير قطراتٍ تأخذها بأيديهم الملائكةُ الذين هم ممثلو القوانين ومعكس النظامات؛ لئلا يزاحم ويصادم بعضٌ بعضًا فيضعونها على الأرض، ولأجل محافظة الموازنة في الجوّ لابد من بدلِ ما يتحلل بالتقطر، فيُبخَّر البحر والأرض فيملأ منازلها.
وأما تخيل بعضٍ وجود بحر سماويّ فمَحْمله أنه تصور المجاز حقيقةً؛ إذ لإراءة خضرة الجوّ لون البحر، ولاحتواء الجو على ماء أكثر من البحر المحيط ما استبعد تشبيهه بالبحر.
أما ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ ([3]) فاعلم أن الجمود على الظاهر مع التوقد في استعارتها جمودٌ بارد وخمود ظاهر؛ إذ كما تَضَمَّنُ ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ ([4]) استعارة بديعة؛ كذلك يحتوي ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾([5]) على
([1]) انظر: أدب الكاتب 67، والمخصص5/117، ولسان العرب ( سمو) 14/398، والتاج ( سمو) ، والمزهر 1/331. ([2]) هامرًا، جاء في العين ( همر) 4/50 :" همر الماء وانهمر فهو هامر ومنهمر"، وانظر جمهرة اللغة ( همر) 2/804، وتهذيب اللغة ( همر) 6/158، ولسان العرب ( همر) 5/266، والسحاب هنا مجاز عن الماء. ([3]) سورة النور: 43. ([4]) سورة الإنسان: 16. ([5])سورة النور: 43.
147. صفحة
استعارة بديعة عجيبة مستملحة، فكما أن ظروف([1]) الجنة لم تكن من الزجاجة ولا من الفضة، بل في شفافية الزجاج وبياض الفضة، ومن حيث إن الزجاجة لا تكون من الفضة لتخالف النوعين أشار إلى الاستعارة بالإضافة بذكر ﴿مِن﴾.
كذلك ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ متضمنة لاستعارتين مؤسَّسَتين على خيالٍ شعريّ بالنظر إلى السامع، وذلك الخيال مبني على ملاحظة المشابهة والمماثلة بين تمثل العالم العلويّ وتشكل العالم السفليّ، وتلك الملاحظة مبنية على تصور المسابقة والرقابة بين الأرض والجوّ في لبس الصور من يد القدرة؛ كأن الأرض لما برزت بجبالها اللابسة للبيض من حلل الثلج والبَرَد في الشتاء، والمتعممة بها في الربيع، ثم تزينت في الصيف ببساتينها المتلونة فأظهرت في نظر الحكمة بانقلاباتها معجزة القدرة الإلهية؛ قابلَها جوُّ السماء محاكيًا لها مسابقًا معها لإظهار معجزة العظمة الإلهية، فبرز متبرقعًا ومتقمصًا بالسحاب المتقطع جبالا وأطوادًا[2] وأودية، والمتلون بألوان مختلفة مصورة لبساتين الأرض، ملوحا ذلك الجو بأجلى دلائل العظمة وأجلها.
فبناء على هذه الرؤية والمشابهة والتوهم الخياليّ استحسن أسلوب العرب تشبيه السحاب -لاسيما الصيفيّ- بالجبال، والسفن، والبساتين، والأودية، وقافلة الإبل، كما تسمع من العرب في خطبهم، فيخيل إلى نظر البلاغة أن قطعات السحاب الصيفي سيَّارةٌ وسبّاحة في الجو، كأن الرعد راعيها وحاديها، كلما هزّ عصا بَرقه على رءوسهم في البحر المحيط الهوائي اهتزت تلك القطعات وارتجت، وتراءت جبالا صادفت الحشر، أو سفنا تلعب بها يد العاصفة، أو بساتين ترججها من تحتها الزلزلة، أو قافلة شردت من هجوم قُطَّاع الطريق، ومع ذلك يسيرون ويجرون بأمر خالقهم، حتى كأن كل ذرة من ذرات ذلك البخار تكمَّنتْ في مكانها أوّلا ساكتةً ساكنة منتظرة لأمر خالقها؛ ولما ناداها الرعدُ -كالآلة المعروفة في العسكر- بـ"حَيَّ على الاجتماع والاتحاد!" تسارعوا من منازلهم مهطعين[3] إلى داعيهم فيحشرون سحابا. ثم بعد إيفاء الوظيفة وأمرهم بالاستراحة يطير كلٌّ إلى وكره.
([1]) ظروف جمع ظرف، وظرف الشيء وعاؤه، انظر: اللسان ( ظرف) 9/229.
[2] الطود: الجبل العظيم، انظر اللسان (ط – و- د) 3/271.
[3] مهطعين : مقبلين على الشيء ببصرهم لا يرفعونه عنه، انظر اللسان ( هـ – ط – ع) 8/372.
148. صفحة
فبناء على هذه المناسبة الخيالية، وعلى المجاورة بين السحاب والجبال -إذ الجبل لجذب الرطوبة يتظاهر ويتشكل السحاب عليه بمقداره ويلبس لباسه- وعلى تلون السحاب بنظير بياض الثلج والبرد وتكيفه برطوبتهما وبرودتهما، وعلى وجود الأخوة بينهما ومبادلة الصورة واللباس لهما في كثير من مواضع القرآن ومصافحتهما في منازل التنزيل كمحاورتهما ومعانقتهما في كثير من سطور صحيفة الأرض من كتاب العالم، فترى السحاب متوضِّعا على الجبل، ويصير الجبل كأنه مرسى لسفن السحاب ترسو عليه، أو مجلسٌ تتشاور عليه، أو وكرٌ تطير إليه -استحق بحكم المجاورة في نظر البلاغة أن يتبادلا ويستعيرا لوازمهما فيعبّر عن السحاب بالجبل- مع تناسي التشبيه.
فإذا قد عرفت ما سمعت من المناسبات فـ ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أيْ: من جهة السماء، ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ أي: من سحاب كالجبال، ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ أي: في لونه ورطوبته وبرودته.
فيا هذا، ما جبرك مع وجود هذا التأويل الذي تقبله البلاغة على اعتقاد نزول المطر بدقيقتين من مسافة خمسمائة سنة المخالفِ لحكمة الله الذي أتقن كل شيء صُنعًا؟!
أما هيئات جملة: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ المسوقة للتهويل.
فتقديم ﴿فِيهِ﴾ إشارةٌ إلى أن خيال المصاب المدهوش والسامع المستحضر خياله لتلك الحال يتوهم أن ظلمات الليالي الكثيرة أُفْرِغَتْ بتمامها في تلك الليلة.
وأما الظرفية مع أن الصيب مظروف فرمز إلى أن المتدهش بتلك المصيبة يظن فضاء العالم حوضًا قد ملئ من المطر، فما الليل إلا مظروفٌ مفتت بين أجزائه.
وأما جمع "الظلمات" فإيماءٌ إلى تنوعها من ظلمة سواد السحاب وكثافته وانطباقه، ومن تقارب دفعات المطر وتكاثف قطره، ومن تضاعف ظلمة الليل.
وأما تنكير ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ فللاستنكار، ولجهل المخاطب فهو تأكيد ﴿ظُلُمَاتٌ﴾.
149. صفحة
وأما جملة ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ فاعلم أن المقصد تصوير حيرتهم ودهشتهم، وأن المصاب المتحير يجمع تمام دقته ونظره إلى أدنى حادث، فلإمعان النظر يتفطنون لما في الرعد والبرق من الانقلابات العجيبة والتحول الغريب؛ إذ بينما يرى المصابون ظلمةً استولت على الكائنات وابتلعت الموجودات - نظير العدم - فتنقلب حيرتُهم بالغمِّ اليتميّ والسكوت الميتيّ؛ إذ يرون أظهر دلائل الوجود، وهو تكلم العلويات، ثم ظهورها بكشف الحجاب فينقلب نظرهم إلى نظر المدهوش المتحير الخائف؛ إذ كما أنهم إذا رأوا ظلمات غير محصورة في فضاء غير متناه، لا ضعفَ فيه بجانبٍ يُبقي لهم أملا، ينظرون نظر اليأس؛ كذلك إذا فاجأهم بغتةً انعدام الظلمات بأن أفرغت من الفضاء، وملئ بدلها نورًا ينقلب يأسهُم المطلق إلى رجاء.
اعلم أن الرعد والبرق آيتان ظاهرتان من جهة العالم الغيبيّ في أيدي الملائكة الموكَّلين على عالم السحاب لتنظيم قوانينه.
ثم إن الحكمة الإلهية ربطت الأسباب بالمسَّببَات، فإذا تشكَّل السحاب من بخار الماء المنتشر في الهواء؛ صار قسم حاملا "للكهرباء السالبة" وقسم حاملا "للكهرباء الموجبة"؛ فحينما يتقاربان يتصادمان دفعة فيتولد البرق، ثم بالهجوم والانقلاع دفعة وامتلاءِ موضعه بآخرَ لعدم الخلو، تهتز وتتموج الطبقات فيتولد صدى الرعد، ولا تجري هذه الحالات إلا تحت نظامٍ وقانون يتمثلهما مَلَك الرعد والبرق،
وأما ظرفية الـ﴿صيّب﴾ لهما مع أن الظرف هو السحاب فلأن المدهوش والسامع المتدهش بدهشته يرى الصيب محيطا بكل شيء لإحاطته بنفسه.
وأما إفراد الـ﴿رعْد﴾ والـ﴿َبَرْق﴾ مع جمع الظلمات؛ فإشارةٌ إلى أن منشأ الدهشة تخيل المصاب تكلمَ السماء وتهديدَها بالإرعاد، وكشفَ الحجاب بالإبراق.
وهما معنى مصدريّ للكلام واليد البيضاء.
وأيضًا كل منهما نوعٌ واحد وإن تعددت أفراده.
150. صفحة
وأما تنوينُ ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ فبدلٌ من الصفة، أي: رعد قاصف، وبرق خاطف.
ودالةٌ على عدم الألفة بهما بسبب التفطن بالدقة لما فيهما من العجائب.
وأيضًا فيها إيماءٌ إلى أنهم لا يعرفون ذلك الرعد والبرق لسد السمع وغض البصر.
وأما هيئات جملة ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾؛
فاعلم أنها جوابٌ لسؤال مقدر واستئناف حسن؛ إذ السامع لما توجه إلى هذه القصة الحسية التمثيلية حصل له ميلانٌ شديد لكشف حال المصيبة. ثم بعد أن كمّل التصويرُ التصويرَ وقضى منه الوطر انثنى مجرى الميلان إلى كشف حال المصاب، فكأنه يقول السائل: كيف حال المصاب حينئذ وبم يتشبث للنجاة؟ فأجاب القرآن بقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾.. الخ. أي: لامناص لهم، إنما هم كالغرقى يتمسكون بغير متمسك فيريدون التحفظ من مجانيق السماويين بسد الأسماع، وكونه سببًا محالٌ، فلا سبب.
وأما لفظ ﴿يَجْعَلُونَ﴾ بدل "يدخلون" فإيماءٌ إلى إنهم تحروا الأسباب فما صادفوا إلا ما سببيته بجعلهم وظنهم فقط.
وصورة المضارع المستحضرة للحال فرمزٌ إلى أن السامع في مثل هذا المقام المهيج للحيرة، يحضر بخياله زمان الواقعة ومكان الحادثة.
ثم في المضارع استمرار تجددي، وفي استمراره إيماءٌ إلى تواتر تقتقة السحاب.
وأما ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾ بدل "أناملهم" فإشارةٌ إلى شدة الحيرة باستعمال الأصابع موضع الأنامل.
وأما في ﴿آذَانِهِمْ﴾ فإيماءٌ إلى شدة الخوف من صدى الرعد حتى يخيل إليهم أنه لو دخل الرعد في شبكة الآذان لطيّر الأرواح من أبواب الأفواه.
وفيه رمزٌ لطيف إلى أنهم لما لم يفتحوا آذانهم لنداء الحق والنصيحة عوقبوا من تلك الجهة بنعرات الرعد، فسدوا هنا ما سدوا هناك، كمن أخرج كلاما شنيعا مِن ِفيهِ يُضْرَب على فمه فيُدْخِل يمين الندامة في فيه، ويضع يسار الخجالة على عينه.
151. صفحة
وأما ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ فإشارةٌ إلى اتحاد الرعد والبرق على إضراره؛ إذ الصاعقة صوتٌ شديد معه نارٌ محرقة تصرع من صادفت.
وأما ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ فإشارةٌ إلى أن البلاء جذّ([1]) اللحم إلى العظم، وجاز الأحوال إلى الحياة، فما يعنيهم إلاّ غم الموت وحفظ الحياة.
وأما هيئات جملة ﴿وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾؛
فاعلم أن "الواو" تقتضي المناسبة، وما المناسبة إلا بين هذه وبين التابع لمآل السابقة، فكأن هذه "الواو" تقرأ عليهم: "هم قومٌ فروا من العمارة، ونفروا من الحضارة، وعصوا قانون كون الليل سباتا، ولم يطيعوا نصيحة الناصح فظنوا النجاة بالخروج إلى الصحراء، فخابوا وأحاط بهم بلاء الله".
وأما لفظ ﴿الله﴾ فرمزٌ إلى قطع آخر رجائهم؛ إذ المصاب إنما يلتجئ ويتسلى أولا وآخرًا برحمة الله، فحين استحقوا غضب الله تعالى انطفأ ذلك الرجاء.
وأما لفظ ﴿مُحِيطٌ﴾ فإيماءٌ إلى أن هذه المصائب المحيطة آثار غضبه تعالى، فكما أن السماء والسحاب والصيّب والليل تهجُم عليهم من الجهات الست؛ كذلك غضبه تعالى وبلياته محيطة بهم، وأيضًا علمه تعالى وقدرته محيطان بكل الكائنات، وأمره شامل لكل الذرات، فكأن ﴿مُحِيطٌ﴾ يتلو عليهم: لا تنفذون من أقطار السموات والأرض، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾([2]).
وأما تعلق "الباء" فرمزٌ إلى أنهم وقعوا فيما هربوا منه فصاروا هدفا للسهام.
وأما التعبير ﴿بِالْكَافِرِينَ﴾ فإشارةٌ إلى إراءة تمثال الممثل -أعني المنافقين- في مرآة التمثيل، لئلا يتوغل فيه ذهن السامع فينسى المقصد.
ورمزٌ إلى أن المشابهة وصلت إلى درجة تضايق المسافة بينهما إلى حدٍّ أنهما يتراءيان معا، فتمتزج الحقيقة بالخيال.
وأيضًا إيماءٌ إلى ظلمة قلوبهم؛ إذ وجدانهم أيضًا يعذبهم لقصورهم وجنايتهم؛ إذ من رأى جزاء جنايته لا يستريح وجدانُه.
([1]) الجذ: القطع المستأصل، انظر: اللسان ( ج - ذ - ذ) 3/479. ([2]) سورة البقرة 115.
152. صفحة
وأما هيئات جملة ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ فاستئنافها يشير إلى أن السامع يقول: ألا ينتفعون بالبرق المُخَفِّف لبلاء الظلمة عنهم؟ فأُجيبَ بأنهم يخافون من الضرر فضلا عن الفائدة.
وأما ﴿يَكَادُ﴾ فيشير اعتبار خاصته المشهورة إلى وجود سبب زوال البصر، لكن لم يَزُل لوجود مانع.
وأما ﴿يَخْطَفُ﴾ باعتبار استعماله كاختطفته الغُول والعُقاب ففيه بلاغةٌ لطيفة تبرق للذهن وتشير إلى أن البرق يسابق شعاع العين من قبل أن يصل إلى الأشياء ليأخذ صورها، يمرّ هو عليه فيقطعه، ويضرب على جفنه فيذهب بنوره، كأن نور العين لما خرج من بيته مسرعًا لاجتناء صور الأشياء يسارعُ البرق الذي هو شعاعُ عينِ الليل، فيأخذ من يد شعاع العين صورتَه قبل إيصاله إلى المخزن، أي يختلس البرق صورته من يده.
وأما ﴿أَبْصَارَهُمْ﴾ فرمز -بناء على كونها مرآةً للقلوب- إلى عمل بصائر المنافقين المتعامية عن البراهين القاطعة القرآنية.
وأما هيئات جملة ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾؛ فاستئنافها يشير إلى أن السامع حينما رأى اختلاف المصيبة وتغيُّرَها سأل عن شأنهم في الحالتين فأجيب بذلك.
وأما ﴿كُلَّمَا﴾ في الإضاءة و ﴿إِذَا﴾ في الإظلام فإشارةٌ إلى شدة حرصهم على الضياء ينتهزون أدنى الضياء فرصة.
وأيضًا ﴿كُلَّمَا﴾ متضمن لقياس مستقيم استثنائي.
وأما ﴿أَضَاءَ لَهُمْ﴾ بلام الأجْلية([1]) والنفع فرمزٌ إلى أن المصاب المدهوش يستغرق في حاجة نفسه حتى يظن الضياء الذي تنشره يد القدرة في العالم لآلاف حِكمٍ كلية أنه المراد به خاصة، ويد القدرة إنما أرسلته لأجله.
وأما ﴿مَشَوْا﴾ مع اقتضاء الفرصةِ السيرَ السريع فإشارةٌ إلى أن المصيبة أقعدتهم فما سيرهم السريع إلاّ مشي وحركة على مهل.
([1]) انظر: اللامات للزجاجي 138.
153. صفحة
وأما ﴿فِيهِ﴾ فإشارةٌ إلى أن مسافة حركتهم الضياءُ الذي هو لون الزمان، فكأنه يحدد لهم المكان.
وأما ﴿وإِذَا﴾ فـ "الواو" رمزٌ إلى تجديد المصيبة لتشديد التأثير.
وأما الإهمال والجزئية في ﴿إِذَا﴾ عكس ﴿كُلَّمَا﴾ فإشارةٌ إلى شدة نفرتهم وتعاميهم، فتأخذهم وهم منغمسون في آن الفرصة.
وأما ﴿أَظْلَمَ﴾ بالإسناد إلى البرق فإشارةٌ إلى أن الظلمة بعد الضياء أشد.
وإيماء إلى أن خيال المصاب لما رأى البرق طرد الظلمة ثم ذهب وامتلأ موضعه بالظلمات يتخيل أنه انطفأ وأورث دخانًا.
وأما ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الملوِّح بالضرر فإشارةٌ إلى أن الإظلام ليس تصادفيا بل جزاء لعملهم؟
ورمزٌ إلى أن المدهوش يتخيل الظلمةَ المالئة للفضاء كأنها تقصد -من بين الأشياء- ذلك الإنسان الصغير الذليل، وتجعله خاصةً هدفَ هجومها وإضرارها.
وأما ﴿قَامُوا﴾ بدل "سكنوا" فإشارةٌ إلى أنهم بالمصيبة وشدة التشبث تقوّسوا كالراكعين كما هو شأن المجدِّين في العمل.
وأما هيئات جملة ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾؛ فـ "الواو" بسر الربط تلوّح إلى أن يد القدرة تتصرف تحت حجاب الأسباب، وأن نظر الحكمة يُرَاقِبُ من فوق جميع العلل.
وأما ﴿لَوْ﴾ فمتضمنة لقياس استثنائيّ غير مستقيم، أي: عدم المشيئة علةٌ لعدم ذهابهما، كما أن عدم الذهاب دليل على العلم بعدم المشيئة بذهابهما.
وأيضًا رمزٌ إلى أن السبب بلغ النهاية.
وأما ﴿شَاءَ﴾ فإشارةٌ إلى أن الرابط بين السبب والمسبَّب إنما هو المشيئة والإرادة الإلهية، فالتأثير للقدرة، وما الأسباب إلا حجاب العزة والعظمة لئلا تباشر يد القدرة بالأمور الخسيسة في ظاهر نظر العقل.
154. صفحة
وأما التصريح بلفظة ﴿الله﴾ فإشارةٌ إلى زجر الناس عن الابتلاء بالأسباب والانغماس فيها.
وأيضًا لدعوة الأذهان إلى رؤية يد القدرة خلف كل الأسباب.
وأما حذف مفعول ﴿شَاءَ﴾ وإن كان واجبا بالقاعدة المطردة فيجوز بقرينة أخواته أن يكون إيماءً إلى عدم تأثر المشيئة والإرادة الإلهية بأحوال الكائنات، وعدمِ تأثير الأشياء في الصفات الإلهية كما تتأثر إرادة البشر بحسن الأشياء وقبحها وعظمتها وصغرها.
وأما ﴿لَذَهَبَ﴾ فإشارةٌ إلى أن الأسباب ليست مسلطةً ومستوليةً على المسبَّبات حتى إذا رُفعت بقيت المسببات في جوف العدم تلعب بها يد التصادف وتشتِّتُها بالاتفاق، بل يد القدرة حاضرةٌ خلف الأسباب، إذا أخرجت الأشياء تأخذها يدُ الحكمة الإلهية بقانون الموازنة والانتظام، وترسلها إلى مواقع أُخر ولا تهملها، كما أن الحرارة إذا خرّبت بنية الماء، فبالنظام المندمج في الهواء يذهب البخار في مجرىً معينٍ، ويسوقه صانعه إلى موقعٍ معين.
وكذا في ﴿ذَهَبَ﴾ رمزٌ إلى أن الحواسَّ الخمس الظاهرة ليست متولدةً عن الطبيعة، ولا لازمة لتجاويف([1]) السمع والبصر، بل إنما هي هداياه تعالى وعطاياه، وما التجاويف والأسباب إلاّ شرائط عادية.
وأما التعدية بـ"الباء" بدل "الهمزة" فإيماءٌ إلى أن يد القدرة لا تطلق الأشياء من حبل الأسباب، غَاربُها([2]) على عنقها؛ بل تضع أزمّتها بيد نظام.
وأما إفراد "السمع" مع جمع "البصر" فإشارةٌ إلى إفراد المسموع وتعدد المبصر؛ إذ ألف رجل يسمعون شيئًا واحدًا مع تخالف المبصَّرات.
([1]) تجاويف: جمع تجويف، وهو الفراغ داخل الشيء انظر اللسان ( ج - و- ف)9/36، ويقصد هنا الأذن والعين.
([2]) الغارب: الكاهل، ومن البعير ما بين السنام والعنق وهو الذي يلقى عليه خطام البعير إذا أرسل ليرعى حيث شاء، ويقال للإنسان حبلك على غاربك اذهب حيث شئت، انظر: اللسان ( غ - ر- ب) 1/644، ومجمع الأمثال 2/210، والظاهر أن المؤلف هنا أطلق الغارب وأراد به الحبل مجازا.
155. صفحة
وأما هيئات جملة ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فاعلم أنها فذلكةٌ لتحقيق الدهشة في التمثيل والمُمَثَّلِ له، تشير إلى أنه كما لا تُهمَل دقائق أحوال المصابين المتمثلة لجزئيات أحوال المنافقين؛ كذلك يُرى في كل ذرة تصرف القدرة الإلهية.
وأما ﴿إِنَّ﴾ فمع إشارتها إلى أن هذا الحكم من الحقائق الراسخة، رمزٌ إلى عظمة المسألة وسعتها ودقتها، وعجز البشر وضعفه وقصوره عنها المولِّدة للأوهام المنتجة للتردّد في اليقينيات.
وأما التصريح بلفظة ﴿الله﴾ فإيماءٌ إلى دليل الحكم؛ إذ القدرةُ التامة الشاملة لازمةٌ للألوهية.
وأما ﴿عَلَى﴾ فإيماءٌ إلى أن القدرة المخرجة للأشياء من العدم لا تتركها سُدىً هَمَلا([1])، بل ترقب عليها الحكمةُ وتربيها.
وأما ﴿كُلِّ﴾ فإشارةٌ إلى أن آثار الأسباب، والحاصل بالمصدر من الأفعال الاختيارية أيضًا بقدرته تعالى.
وأما لفظ ﴿شَيْءٍ﴾ بمعنى مشيء([2]) أي: ما تعلقت به المشيئة، فإشارةٌ إلى أن الموجودات بعد وجودها لا تستغني عن الصانع، بل تفتقر في كل آن لبقائها -الذي هو تكرر الوجود- إلى تأثير الصانع.
وأما لفظ ﴿قَدِيرٌ﴾ بدل "قادر" فرمزٌ إلى أن القدرة ليست على مقدار المقدورات فقط، وأنها ذاتية لا تغير فيها، ولازمة لا تقبل الزيادة والنقصان لعدم إمكان تخلل ضدها حتى تترتب شدةً ونقصانًا.
وتلويح إلى أن القدرة كالجنس وكميزان الصرف -أعني (فَعَلَ)- لجميع الأوصاف الفعلية من الرزاق والغفار والمحيي والمميت وغيرها، تفكر فيما سمعت حق التفكر!
([1]) الهمل: بالتحريك، المهمل المتروك ليلا ونهارا بلا رعاية ولا عناية، انظر: اللسان ( هـ - م - ل)11/710.
([2]) في الكليات 525 :"الشيء في حق الله بمعنى الشائي وفي حق المخلوق بمعنى المشيء"، وفي البحر المحيط في أصول الفقه2/492 :"الشَّيْءَ مَصْدَرُ شَاءَ يَشَاءُ فَهُوَ من أَسْمَاءِ الأَفْعَالِ، فَإِطْلاقُهُ على الذَّوَاتِ من بَابِ إطْلاقِ الْمَصْدَرِ على الْمَفْعُولِ"، وانظر: أيضا: التبيان في تفسير غريب القرآن 64.


