سورة البقرة 2-3
التنقل
40. صفحة
﴿ذلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾
مقدمة
اعلم أن من أساس البلاغة الذي به يبرق حسنُ الكلام تَجَاوُبَ الهيئات وتداعيَ القيود وتآخذَها على المقصد الأصلي، وإمدادَ كلٍّ بقدْرِ الطاقة للمقصد، الذي هو كمجمع الأودية أو الحوض المتشرب من الجوانب، بأن تكون مصداقًا وتمثالا لما قيل:
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ([1])
مثلا: تأمَّل في آية ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾([2]) المسوقة للتهويل المستفاد من التقليل بسر انعكاس الضد من الضد!
أفلا ترى التشكيكَ في ﴿إِنْ﴾ كيف يمد التقليل.
والمسّ بدل الإصابة في ﴿مَسَّتْ﴾ كيف يشير إلى القلة والتروّح فقط.
والمرتّية([3]) والتحقير في جوهرِ وصيغةِ وتنوينِ ﴿نَفْحَةٌ﴾ كيف تلوِّح بالقلة.
والبعضية في ﴿مِنْ﴾ كيف تومئ إليها.
وتبديل النكال بالـ ﴿عَذَاب﴾ كيف يرمز إليها.
والشفقة المستفادة من الـ ﴿رَبّ﴾ كيف تشير إليها، وقس؟!
فكلٌّ يمد المقصد بجهته الخاصة، وقس على هذه الآية أخواتها، وبالخاصة ﴿الـم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ لأن هذه الآية ذُكرت لمدح القرآن، وإثبات الكمال له.
([1]) البيت بلا نسبة في سنن ابن ماجه 1/307 ومرقاة المفاتيح 11/302، والبرهان للزركشي 2/160. ([2]) سورة الأنبياء: 46. ([3]) يقصد المرة الواحدة المستفادة من صيغة نفحة.
41. صفحة
ولقد تجاوب وتآخذ على هذا المقصد: القَسَم بـ ﴿الـم﴾ على وجهٍ([1])، وإشارةُ ﴿ذَلِكَ﴾ ومحسوسيته وبُعديته، والألف واللام في ﴿الْكِتَابُ﴾، وتوجيه إثباته بـ ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾، فكلٌّ كما يمد المقصد ويلقي إليه حصته، يرمز ويشفّ من تحته عن ما يستند إليه من الدليل وإن دقّ.
فإن شئت فتأمل في القَسَم بـ ﴿الـم﴾ إذ إنه كما يؤكِّد، كذلك يُشعِر بالتعظيم الموجِّه للنظر الموجِبِ لانكشاف ما تحته من اللطائف المذكورة؛ ليبرهن على الدعوى المرموز إليها.
وانظر الإشارة في ﴿ذَلِكَ﴾ المختصةِ بالرجوع إلى الذات مع الصفات؛ لتعلم أنها كما تفيد التعظيم -لأنها إما إشارة إلى المشار إليه بـ ﴿الـم﴾ أو المبشّر به في التوراة والإنجيل- كذلك تلوّح بدليلها؛ إذ ما أعظم ما أقسم به! وما أكمل ما بشَّر به التوراة والإنجيل!
ثم أمعن النظر في الإشارة الحسية إلى الأمر المعقول لترى أنها كما تفيد التعظيم والأهمية؛ كذلك تشير إلى أن القرآن كالمغناطيس المنجذب إليه الأذهانُ، والمتزاحم عليه الأنظارُ، المجْبِر لخيالِ كلٍّ على الاشتغال به، فتظاهر بدرجةٍ - تراه العيون من خلفها إذا راجعت الخيال - يرمز بلسان الحال إلى وثوقه بصدقه وتبرّيه عن الضعف والحيلة الداعيين إلى التستر.
ثم تفكّر في البُعدية المستفادة من ﴿ذَلِكَ﴾؛ إذ إنها كما تفيد علوّ الرتبة المفيد لكماله؛ كذلك تومئ إلى دليله بأنه بعيد عما سلك عليه أمثاله، فإما تحت كلٍّ وهو باطل بالاتفاق، ]وإما فوق[([2]) فهو فوق الكل.
([1]) هذا على رأي من قال إن الحروف المقطعة في بداية السور أقسام أقسم الله بها كما أقسم بالقمر والشمس وغيرها، وهو ما روى عن ابن عباس رضي الله عنه انظر تخريج الأحاديث والآثار 1/34، ومعاني الزجاج1/56، وموسوعة أقوال الدارقطني 46، والإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به 1/175، وتفسير البحر المحيط 1/156. ([2]) زيادة يستلزمها السياق.
42. صفحة
ثم تدبر في "ال" ﴿الْكِتَابُ﴾؛ لأنها كما تفيد الحصر العرفي([1]) المفيد للكمال؛ تفتح باب الموازنة وتلمِّح بها إلى أن القرآن كما جمع محاسن الكتب قد زاد عليها فهو أكملها.
ثم قف على التعبير بـ﴿الْكِتَابُ﴾ كيف يلوّح بأن الكتاب لا يكون من مصنوع الأمّيّ الذي ليس من أهل القراءة والكتابة.
أما ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ففيه "وجهان":
إرجاع الضمير إلى الحكم، أو إلى الكتاب([2]):
فعلى الأول -كما عليه المفتاح([3])- يكون بمعنى يقينًا، وبلا شك، فيكون جهةً وتحقيقا لإثبات كماله.
وعلى الثاني -كما عليه الكشاف([4])- يكون تأكيدًا لثبوت كماله.
وعلى الكل يناجي من تحت ﴿لاَ رَيْبَ﴾ بـ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾([5]) ويرمز إلى دليله الخاص.
والاستغراق في ﴿لاَ﴾ بسبب إعدام الريوب الموجودة ينشد:
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلا صَحِيحًا وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ([6])
([1]) قال الكفوي: "وأما الحصر فمعناه نفي غير المذكور وإثبات المذكور... وهو زائد على الاختصاص لأن الاختصاص إعطاء الحكم للشيء، والسكوت عما عداه وما عليه الأكثر أن الاختصاص هو الحصر نفسه لأنه يفيد مفاده" انظر: الكليات 59 وفيه أيضا أنه "هو إثبات الحكم ونفيه عما عداه، يحصل بتصرف في التركيب كتقديم ما حقه التأخير من متعلقات الفعل والفاعل المعنوي والخبر، وتعريف المسند والمسند إليه"، انظر: الكليات: 303. ([2]) انظر ذلك الرأي في تفسير الطبري: 1/98. ([3]) هو مفتاح العلوم للعلامة سراج الدين أبى يعقوب يوسف بن أبى بكر بن محمد بن علي السكاكي المتوفى سنة 626هـ، وهو غرة مصنفاته وبه اشتهر وقد قسمه إلى ثلاثة أقسام أساسية، الأول لعلم الصرف والثاني لعلم النحو والثالث لعلم المعاني والبيان، انظر: مفتاح العلوم 19، وأسماء الكتب 286، وأبجد العلوم 2/126، و3/56، واكتفاء القنوع 357. ([4]) هو الكشاف عن حقائق التنزيل للإمام العلامة أبى القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي المتوفي سنة 538هـ، انظر: أبجد العلوم 2/189، وأسماء الكتب 242، وكشف الظنون 2/1475. ([5])سورة البقرة: 23. ([6]) للمتنبي في ديوانه 4/246.
43. صفحة
ويشير إلى أن المحل ليس بقابلٍ لتولّد الشكوك؛ إذ أقام على الثغور أماراتٍ تتنادى من الجوانب وتطرد الريوب المتهاجمة عليه.
وفي ظرفية ﴿فِيهِ﴾ والتعبير بـ ﴿في﴾ بدل أخواتها إشارة إلى إنفاذ النظر في الباطن، وإلى أن حقائقه تطرد وتطيّر الأوهامَ المتوضعة([1]) على سطحه بالنظر الظاهر.
فيا من آنس قيمة التركيب من جانب التحليل، وأدرك فرق الكلّ عن كلٍّ!
انظر نظرةً واحدة إلى تلك القيود والهيئات لترى كيف يلقي كلٌّ حصته إلى المقصد المشترك مع دليله الخاص، وكيف يفور نورُ البلاغة من الجوانب.
اعلم! أنه لم يربط بين جمل ﴿الـم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ بحلقات العطف لشدة الاتصال والتعانق بينها([2])، وأخذِ كلٍّ بحُجَزِ([3]) سابقتها وذيل لاحقتها، فإنّ كل واحدة كما أنها دليلٌ لكلٍّ بجهة؛ كذلك نتيجة لكلِّ واحدة بجهة أخرى، ولقد انتقش الإعجاز على هذه الآية بنسج اثني عشر من خطوط المناسبات المتشابكة المتداخلة.
إن شئت التفصيل فتأمل في هذا:
﴿الـم﴾ فإنها تومئ بالمآل إلى: "هذا متحدًّى به، ومن يبرز إلى الميدان؟" ثم تلوح بأنه معجز.
وتفكر في ﴿ذَلِكَ الْكِتَاب﴾ فإنها تصرح بأنه ازداد على إخوته وطمَّ عليها، ثم تلمح بأنه مستثنى ممتاز لا يماثل.
ثم تدبر في ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ فإنها كما تُفصح عن أنه ليس محلا للشك تعلن بأنه منوّر بنور اليقين.
ثم انظر في ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ إذ إنها كما تهدي إليك أنه يُري الطريق المستقيم؛ تفيدك أنه قد تجسم من نور الهداية.
([1]) أي: الموضوعة . ([2]) انظر في ذلك الفصل: مفتاح العلوم 118. ([3]) الحجز: موضع شد الإزار من الوسط وموضع التكة من السراويل، ويقال هذا كلام آخذ بعضه بحجز بعض أي متناسق متماسك، انظر: اللسان ( ح - ج - ز ) 5/332.
44. صفحة
فكل منها باعتبار المعنى الأول برهانٌ لرفقائها وباعتبار المعنى الثاني نتيجة لكل منها.
ونذكر على وجه المثال "ثلاثا" من الروابط "الثنتي عشرة" لتقيس عليها البواقي:
فـ ﴿الـم﴾ أي: هذا يتحدّى كلَّ معارض، فهو أكمل الكتب، فهو يقينيٌّ؛ إذ كمال الكتاب باليقين، فهو مجسَّم الهداية للبشر.
ثم ﴿ذَلِكَ الْكِتَاب﴾ أي: هو ازداد على أمثاله فهو معجز - أو - أي: هو ممتاز ومستثنى؛ إذ لاشك فيه؛ إذ إنه يُري السبيل السويّ للمتقين.
ثم ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: يرشد إلى الطريق المستقيم، فهو يقينيٌّ، فهو ممتاز، فهو معجز، وعليك باستنباط البواقي.
أما ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾؛
فاعلم أن منبع حسن هذا الكلام من "أربع نقط":
الأولى: حذف المبتدأ؛ إذ فيه إشارةٌ إلى أن حكم الاتحاد مسلَّم، كأن ذات المبتدأ في نفس الخبر. حتى كأنه لا تغاير بينهما في الذهن أيضًا.
والثانية: تبديل اسم الفاعل بالمصدر([1])؛ إذ فيه رمزٌ إلى أن نور الهداية تجسَّمَ فصار نفس جوهر القرآن؛ كما يتجسم لونُ الحمرة فيصير قرْمِزًا([2]).
والثالثة: تنكير ﴿هُدًى﴾ إذ فيه إيماءٌ إلى نهاية دقة هداية القرآن حتى لا يُكْتنه كُنْهها، وإلى غاية وُسْعَتِها حتى لا يُحاط بها علمًا، إذ المنكورية([3]) إما بالدقة والخفاء، وإما بالوسعة الفائتة عن الإحاطة، ومن هنا قد يكون التنكير للتحقير وقد يكون للتعظيم.
([1]) أي: عدل عن هادٍ إلى هُدى. ([2]) القرمز: بالكسر، صبغ أرمني أحمر، يقال: إنه من عصارة دود يكون في آجامهم. ويقال: إنه حيوان تصبغ به الثياب انظر اللسان (قرمز) 5/394. ([3]) يتوسع الأستاذ النورسي في لغته العربية في المصادر الصناعية، ونرى ذلك عن عمد لجذب نظر القارئ إلى المعاني الدقيقة التي يريدها
45. صفحة
والرابعة: الإيجاز في ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بدل "الناس الذين يصيرون متقين به" أوجز بالمجاز الأول إشارة إلى ثمرة الهداية وتأثيرها، ورمزًا إلى البرهان "الإِنِّيّ"([1]) على وجود الهداية، فإن السامع في عصر يستدل بسابقه كما يستدل به لاحقه.
إن قلت: كيف تتولد البلاغة الخارجة عن طوق البشر بسبب هذه النقط القليلة المعدودة؟
قيل لك: إن في التعاون والاجتماع سرًّا عجيبًا؛ لأنه إذا اجتمع حسنُ ثلاثة أشياء صار كخمسة، وخمسة كعشرة، وعشرة كأربعين بسر الانعكاس، إذ في كل شيء نوعٌ من الانعكاس ودرجةٌ من التمثيل، كما إذا جَمَعْتَ بين مرآتين تتراءى فيهما مرايا كثيرةٌ، أو نوَّرتَهما بالمصباح يزداد ضياء كلٌّ بانعكاس الأشعة؛ فكذلك اجتماع النكت والنقط، ومن هذا السر، والحكمة ترى كلَّ صاحبِ كمال وصاحب جمال يرى من نفسه ميلا فطريًا إلى أن ينضم إلى مثيله ويأخذ بيد نظيره ليزداد حسنًا إلى حسنه، حتى إن الحجر مع حَجَريته إذا خرج من يد المعقِّد الباني في السقف المُحَدَّبِ يميل ويُخضع رأسَه ليماسّ رأس أخيه ليتماسكا عن السقوط، فالإنسان الذي لا يدرك سر التعاون لهو أجمد من الحجر؛ إذ من الحجر من يتقوس لمعاونة أخيه!.
إن قلت: من شأن الهداية والبلاغة البيانُ والوضوح وحفظ الأذهان عن التشتت، فما بال المفسرين في أمثال هذه الآية اختلفوا اختلافًا مشتتًا، وأظهروا احتمالات مختلفةً، وبينوا وجوه تراكيب متباينة، وكيف يُعرَف الحق من بينها؟
قيل لك: قد يكون الكل حقًّا بالنسبة إلى سامعٍ فسامعٍ؛ إذ القرآن ما نزل لأهل عصرٍ فقط بل لأهل جميع الأعصار، ولا لطبقة فقط بل لجميع طبقات الإنسان، ولا لصنف فقط بل لجميع أصناف البشر، ولكلٍّ فيه حصةٌ ونصيب من الفهم. والحال أن فهم نوع البشر يختلف درجة درجة، وذوقَه يتفاوت جهة جهة، وميلَه يتشتت جانبًا جانبًا، واستحسانه يتفرق وجهًا وجهًا، ولذته تتنوع نوعًا
([1]) البرهان الإني: ما يكون الحد الأوسط فيه علته للنسبة في الذهن فقط. انظر: معجم مقاليد العلوم: 127 و دستور العلماء: 161.
46. صفحة
نوعًا، وطبيعته تتباين قسمًا قسمًا، فكم من أشياء يستحسنها نظرُ طائفة دون طائفة، وتستلذها طبقة ولا تتنزل إليها طبقة، وقس!
فلأجل هذا السر والحكمة أكْثَرَ القرآنُ من حذف الخاص للتعميم ليقدِّر كلٌّ مقتضى ذوقه واستحسانه، ولقد نظم القرآن جُمَله ووضعها في مكان ينفتح من جهاته وجوه محتملة لمراعاة الأفهام المختلفة ليأخذ كلُّ فهمٍ حصته، وقس!
فإذًا يجوز أن تكون الوجوه بتمامها مرادةً بشرط ألاَّ تردها علوم العربية، وبشرط أن تستحسنها البلاغة، وبشرط أن يقبلها علم أصول مقاصد الشريعة.
فظهر من هذه النكتة أن من وجوه إعجاز القرآن نظْمَه وسبكه في أسلوب ينطبق على أفهام عصر فعصر، وطبقة فطبقة.
﴿اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾
اعلم أن وجه نظم المحصل مع المحصل انصباب مدح القرآن إلى مدح المؤمنين وانسجامه به؛ إذ إنه نتيجة له، وبرهان إنّيّ عليه، وثمرة هدايته، وشاهد عليه، وبسبب تضمن التشويق إشارة إلى جهة حصة هذه الآية من الهداية، وإلى أنها مثال لها.
أما وجه ﴿الذين﴾ مع ﴿المتقين﴾ فتشييع التخلية بالتحلية التي هي رفيقتها أبدًا؛ إذ التزيين بعد التنزيه.
ألا ترى أن التقوى هي التخلي عن السيئات؟! وقد ذكرها القرآن بمراتبها الثلاث، وهي: ترك الشرك، ثم ترك المعاصي، ثم ترك ما سوى الله.
والتحلية فعل الحسنات: إما بالقلب، أو القالب، أو المال، فشمس الأعمال القلبية "الإيمان"، والفهرستة الجامعة للأعمال القالبية "الصلاة" التي هي عماد الدين، وقطب الأعمال المالية "الزكاة"؛ إذ هي قنطرة الإسلام.
اعلم أن ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ مع أنه إذا نظرت إلى مقتضى الحال إيجاز، إلاَّ أنه إذا وازنت بينه وبين مرادفه وهو "المؤمنون" تظنه إطنابا؛
47. صفحة
فأبدل "ال" بـ﴿الذين﴾ الذي من شأنه الإشارة إلى الذات بالصلة فقط([1])، كأنه لا صفة له إلا هي للتشويق على الإيمان، والتعظيم له؛ والرمز إلى أن الإيمان هو المنار على الذات قد تضاءلت تحته سائر الصفات.
وأبدل "مؤمنون" بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ لتصوير وإظهارِ تلك الحالة المستحسنة في نظر الخيال، وللإشارة إلى تجدده بالاستمرار، وتجلّيه بترادف الدلائل الآفاقية والأنفسية، فكلما ازدادت ظهورًا ازدادوا إيمانًا.
﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي بالقلب، أي بالإخلاص بلا نفاق، ومع الغائبية، وبالغائب، وبعالم الغيب.
واعلم أن الإيمان هو النور الحاصل بالتصديق بجميع ما جاء به النبي عليه السلام تفصيلا في ضروريات الدين وإجمالا في غيرها.
إن قلت: لا يقتدر على التعبير عن حقائق الإيمان من العوام من المائة إلا واحد؟
قيل لك: إن عدم التعبير ليس عَلَمًا على عدم الوجود، فكما أن اللسان كثيرًا ما يتقاصر عن أن يترجم عن دقائق ما في تصورات العقل؛ كذلك قد لا يتراءى بل يتغامض عن العقل سرائرُ ما في الوجدان، فكيف يُتَرْجِم عن كل ما فيه؟!
ألا ترى ذكاء السكاكي([2]) ذلك الإمام الدَّاهي([3]) قد تقاصر عن اجتناء دقائق ما أبرزته سجية امرئ القيس([4])، أو بدويّ آخر؟ فبناء على ذلك، الاستدلالُ على وجود الإيمان في العامي يثبت بالاستفسار والاستيضاح منه، بأن تستفسر من العاميّ بالسؤال
([1]) لأن "الذين" من الأسماء المبهمة؛ لذا فإن صلته هي التي تميّزه وتعينه (ت:43)
([2]) هو أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد السكاكي من أهل خوارزم، علامة إمام في العربية والمعاني والبيان والأدب والعروض والشعر، متكلم فقيه ولد سنة (554هـ) وتوفي سنة (626) ومن أشهر مؤلفاته مفتاح العلوم، انظر ترجمته في معجم الأدباء: 5/649.
([3])الداهي: العاقل الخبير بالأمور والبصير بها، انظر لسان العرب ( د – هـ - و) 14/276.
([4]) هو الشاعر الجاهلي المعروف امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي صاحب المعلقة المشهورة التي مطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
انظر: ترجمته في طبقات فحول الشعراء: 1/51 وتاريخ مدينة دمشق: 9/224، ، وبغية الطلب في تاريخ حلب: 4/1991.
48. صفحة
المردّد بين النفي والإثبات هكذا: أيها العامي، أيمكن في عقلك أن يكون الصانع الذي كان العالم بجهاته الست في قبضة تصرفه أن يتمكّن([1]) في جهة من جهاته، أو لا؟ فإن قال: لا، فنفي الجهة ثابتٌ في وجدانه، وذلك كافٍ، وقس على هذا.
ثم إن الإيمان -كما فسّره السعد([2])- نورٌ يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء من عباده([3])، أي بعد صرف الجزء الاختياري([4]).
فالإيمان نورٌ لوجدان البشر وشعاع من شمس الأزل([5]) يضيء دفعةً ملكوتيةَ([6]) الوجدان بتمامها، فينشر أُنسيةً له مع كل الكائنات، ويؤسس مناسبةً بين الوجدان وبين كل شيء، ويلقي في القلب قوةً معنوية يقتدر بها الإنسان أن يصارع جميع الحوادث والمصيبات، ويعطيه وُسْعةً يقتدر بها أن يبتلع الماضي والمستقبل.
وكما أن الإيمان شعاعٌ من شمس الأزل؛ كذلك لمعةٌ من السعادة الأبدية، أي: الحشر، فينمو بضياء تلك اللمعة بذورُ كل الآمال، ونواةُ كل الاستعدادات المودعة في الوجدان، فتنبت ممتدةً إلى الأبد، فتنقلب نواة الاستعداد كشجرة طوبى([7]).
([1]) أي يتحيز في مكان.
([2]) هو سعد الحق والدين مسعود بن عمر التفتازاني الفارقي المعروف والمشهور الإمام المحقق من كبار علماء الشافعية ولد سنة (722هـ) بتفتازان وتوفي بسمرقند ونقل إلى سرخس ليدفن بها سنة (792هـ) وله مؤلفات جليلة عظيمة منها شرح تلخيص المفتاح وحاشية على تفسير الكشاف، انظر ترجمته في طبقات المفسرين للداودي: 310، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: 6/112.
([3]) في سير أعلام النبلاء رواية عن محمد بن سحنون: ".... وأما حقيقة الإقرار الذي هو التصديق فهو نور يقذفه الله في قلب عبده" انظر سير أعلام النبلاء: 13/63 في هذا المعنى ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإيمان) من أنه نور يقذف في القلب فينشرح، انظر تفسير الطبري: 8/26.
([4]) أي بعد أن يصرف العبد قلبه إلى الله وهو شيء يكون باختيار العبد للهداية فينعم الله عليه بقذف نورها فى قلبه.
([5]) تعبير أدبي مجازي معروف ومألوف في الأدب التركي والفارسي عن صفة الله "القديم".
([6]) الملكوت: عالم الغيب المختص بالأرواح والنفوس والعجائب، والملكوتية: العقول والنفوس المجردة، انظر لسان العرب
(م –ل- ك) 10/492، والتوقيف على مهمات التعاريف 283، والتعريفات 119.
([7]) طوبى هي شجرة في الجنة انظر اللسان (طيب): 1/564، وفي مسند أحمد ذكرها في حديث رقم 17679 جزء 4/183، حيث سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن فاكهة الجنة فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم، وفيها شجرة تدعى طوبى".
49. صفحة
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ﴾
اعلم أن وجه النظم أظهر من الشمس في رابعة النهار، وأن في تخصيص ﴿الصَّلوةَ﴾ من بين حسنات القالب إشارة إلى أنها فهرستة كل الحسنات وأنموذجها ومَعْكسها، كالفاتحة للقرآن، والإنسان للعالم، لاشتمالها على نوع صومٍ وحج وزكاة وغيرها، ولاشتمالها على أنواع عبادات المخلوقات، الفطرية والاختيارية من الملائكة الراكعين الساجدين القائمين، ومن الحجر الساجد، والشجر القائم، والحيوان الراكع.
ثم إنه أقام ﴿يُقِيمُونَ﴾ مقام "المقيمين" لإحضار تلك الحركة الحياتية الواسعة والانتباه الروحاني الإلهي في العالم الإسلامي إلى نظر السامع، ووضع تلك الوضعية المستحسنة والحالة المنتظمة من نواحي نوع البشر نصب عين الخيال؛ ليهيج ويوقظ ميلان السامع للتأسِّي؛ إذ مَنْ تَأمّل في تأثير النداء بالآلة المعروفة([1]) في نفرات([2]) العسكر المنتشرين المغمورين بين الناس وتحريك النداء لهم دفعةً، وإلقاء انتباه فيهم، وإفراغِهم في وضع مستحسن، وجمعِهم تحت نظام مستملح؛ يَرَ في نفسه اشتياقًا لأن ينساب إليهم، فهكذا الأذان المحمَّدي بين الإنسان في صحراء العالم (ولله المَثَلُ الأعْلَى).
وإنما لم يقتصر في مسافة الإيجاز على "يصلّون" بل أتمها بـ ﴿يُقِيمُونَ الصَّلوةَ﴾ للإشارة إلى أهمية مراعاة معاني "الإقامة" في الصلاة من تعديل الأركان، والمداومة، والمحافظة، والجد، وترويجها في سوق العالم، فتأمل!
ثم إن الصلاة نسبة عالية، ومناسبة غالية، وخدمة نزيهة بين العبد وسلطان الأزل، فمن شأن تلك النسبة أن يعشقها كلُّ روح، وأركانها متضمنةٌ للأسرار التي شرحها أمثال "الفتوحات المكية"([3])، فمن شأن تلك الأسرار أن يحبها كلُّ
([1]) يقصد البوق العسكري. ([2])استخدام عثماني بمعنى الجنود. ([3]) هو الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية لمحيي الدين ابن عربي المتوفى سن 638 هـ، وهو من أشهركتبه وآخرها تأليفًا، وفيه بعض الشطحات التى أنكرها العلماء، ومن أعظمها ما يوحى به كلامه من القول بوحدة الوجود، وقد اختصره عبد الوهاب الشعراني المتوفى سنة 973 هـ وسمى مختصره لواقح الأنوار القدسية المنتقاة من الفتوحات المكية، ثم اختصر هذا المختصر ثانيا وسماه الكبريت الأحمر من علوم الشيخ الأكبر، انظر كشف الظنون 2/1238 .
50. صفحة
وجدانٍ، وأنها دعوة صانع الأزل إلى سرادق([1]) حضوره خمس دعوات في اليوم والليلة لمناجاته التي هي في حكم المعراج، فمن شأنها أن يشتاقها([2]) كل قلب، وفيها إدامة تَصوُّرِ عظمةِ الصانع في القلوب، وتوجيه العقول إليها لتأسيس إطاعة قانون العدالة الإلهية، وامتثال النظام الرباني، والإنسان يحتاج إلى تلك الإدامة من حيث هو إنسان؛ لأنه مدنيّ بالطبع، فيا ويلَ من تركها! ويا خسارة من تكاسل فيها! ويا جهالة من لم يعرف قيمتها! فسحقًا وبعدًا وأفًّا وتفًّا([3]) لنفسِ مَن لم يستحسنها.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
وجه النظم:
أنه كما أن الصلاة عماد الدين وبها قوامه، كذلك الزكاة قنطرة الإسلام وبها التعاون بين أهله.
ثم إن من شروط أن تقع الصدقة موقعها اللائق:
ألا يسرف المتصدق فيقعد ملومًا.
وألا يأخذ من هذا ويعطي لذاك؛ بل من مال نفسه.
وألا يمنّ فيستكثر، وألا يخاف من الفقر.
وألا يقتصر على المال، بل بالعلم والفكر والفعل أيضًا.
وألا يصرف الآخذ في السفاهة، بل في النفقة والحاجة الضرورية.
فلإِحسان هذه النكت، وإحساس هذه الشروط تصدَّق القرآن على الأفهام بإيثار ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾([4]) على "يتصدقون" أو "يزكّون" وغيرهما؛
([1])السرادق: كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب، والفسطاط يجتمع فيه الناس لعرس أو مأتم وغيرهما، انظر المعجم الوسيط1/426 ([2]) في المعجم الوسيط (شوق) 1/500: "اشتاقه وإليه رغبت نفسه إليه". ([3]) الأف والتف: وسخ الآذان والأظفار، انظر لسان العرب (أفف): 9/6. ([4]) يأتي مزيد شرح لذلك في "رسالة الاقتصاد" وهي "اللمعة التاسعة عشرة".
51. صفحة
إذ أشار بـ ﴿من﴾ التبعيض إلى رد الإسراف،
وبتقديم ﴿مِمَّا﴾ إلى كونه من مال نفسه،
وبـ﴿رَزَقْنَا﴾ إلى قطع المنة، أي: أن الله هو المعطي وأنت واسطة،
وبالإسناد إلى ﴿نا﴾ إلى: "لاَتَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلاَلا"([1])،
وبالإطلاق إلى تعميم التصدق للعلم والفكر وغيرهما،
وبمادة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إلى شرط صرف الآخذ في النفقة والحاجات الضرورية.
ثم إن في الحديث الصحيح "الزَّكاةُ قَنْطَرَةُ الإسلام"([2]) أي: الزكاة جسر يغيث المسلمُ أخاه المسلم بالعبور عليها؛ إذ هي الواسطة للتعاون المأمور به، بل هي الصراط في نظام الهيئة الاجتماعية لنوع البشر، وهي الرابطة لجريان مادة الحياة بينهم، بل هي الترياق للسموم الواقعة في ترقيات البشر.
نعم؛ في "وجوب الزكاة" و"حرمة الربا" حكمةٌ عظيمة، ومصلحةٌ عالية، ورحمةٌ واسعة؛ إذ لو أمعنتَ النظر في صحيفة العالم نظرًا تاريخيًّا وتأملت في مساوئ جمعية البشر لرأيت أسَّ أساس جميع اختلالاتها وفسادها، ومنبعَ كل الأخلاق الرذيلة في الهيئة الاجتماعية كلمتين فقط:
إحداهما: "إِنْ شَبِعْتُ فلا عليَّ أَن يموتَ غيرِي من الجُوعِ".
والثانية: "اِكْتَسِبْ أَنْتَ لآكُلَ أَنَا، واتْعَبْ أنتَ لأَستريحَ أَنَا".
فالكلمة الأولى الغدَّارة النَهِمَة الشنعاء هي التي زلزلت العالم الإنسانيَّ فأشرف على الخراب. والقاطعُ لعرق تلك الكلمة ليس إلاّ "الزكاة".
([1]) هو جزء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد بلالا فأخرج إليه صبرا من تمر، فقال: ما هذا يا بلال؟ قال: تمرا ادخرته يا رسول الله، قال: أما خفت أن تسمع له نجارًا في جهنم، أنفِق بلال ولا تخافن من ذي العرش إقلالاً" انظر حديث رقم: 6040، في مسند أبي يعلي: 10/429، وانظر المعجم الكبير: 1/340 حديث رقم: 1021، 1/324 حديث رقم: 1025، 10/155 حديث رقم: 10300، وفي مسند الشهاب: 1/437 حديث رقم: 499. ([2]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 3/62 وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب 1/517.
52. صفحة
والكلمة الثانية الظالمة الحريصة الشوهاء هي التي هارت([1]) بترقِّيات البشر فأوشك أن تنهار بها في نار الهَرْج والمَرْج، والمستأصِلُ والدواء لتلك الكلمة ليس إلاّ "حرمة الربا"، فتأمل!
اعلم أن شرط انتظام الهيئة الاجتماعية ألا تتجافى طبقات الإنسان، وألا تتباعد طبقةُ الخواص عن طبقة العوام، والأغنياء عن الفقراء بدرجةٍ ينقطع خيط الصلة بينهم، مع أن بإهمال وجوب الزكاة وحرمة الربا انفرجت المسافة بين الطبقات، وتباعدت طبقات الخواص عن العوام بدرجة لا صلة بينهما، ولا يفور من الطبقة السفلى إلى العليا إلاّ صدى الاختلال، وصياح الحسد، وأنين الحقد والنفرة بدلا عن الاحترام والإطاعة والتحبب، ولا يفيض من العليا على السفلى بدل المرحمة والإحسان والتلطيف إلاّ نار الظلم والتحكم، ورعد التحقير، فأسفًا! لأجل هذا قد صارت "مزيةُ الخواص" التي هي سبب التواضع والترحم سببًا للتكبّر والغرور، وصار "عجزُ الفقراء" و"فقرُ العوام" اللذان هما سببا المرحمة عليهم والإحسان إليهم سببًا لأسارتهم وسفالتهم!
وإن شئت شاهدًا فعليك بفسادِ ورذالةِ حالة العالم المدنيّ، فلك فيه شواهد كثيرة، ولا ملجأ للمصالحة بين الطبقات والتقريب بينها إلاّ جعل الزكاة -التي هي ركنٌ من أركان الإسلامية- دستورًا عاليًا واسعًا في تدوير الهيئة الاجتماعية.
([1]) هار البناء: هدمه، انظر لسان العرب (هـ - و – ر): 5/267.


