سورة البقرة-30
التنقل
254. صفحة
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾
مقدمة
اعلم أن التصديق بوجود الملائكة أحد أركان الإيمان، ولنا هنا "مقامات":
المقام الأول:
إن من نظر إلى الأرض وقد امتُلئت بذوي الأرواح مع حقارتها، وتأمّل في انتظام العالم وإتقانه، تحدّس بوجود سكّان في هذه البروج العالية، فَمَثَلُ مَنْ لم يصدّق بوجود الملائكة كَمَثَل رجل ذهب إلى بلدة عظيمة وصادف دارًا صغيرة عتيقة ملوّثة بالمزخرفات[1] مشحونة بالناس، ورأى عرصاتها مملوءة من ذوي الأرواح، ولحياتهم شرائط مخصوصة كالنباتات والسِّماك، ثم رأى ألوفا من القصور العالية الجديدة قد تخلّلت بينها ميادين النزهة فيعتقد خلوها عن السكان لعدم جريان شرائط حياة هذه الدار في تلك القصور.
ومثل المعتقد بوجودهم كَمَثَل مَنْ إذا رأى هذا البيت الصغير وقد امتلأ من ذوي الأرواح ورأى انتظام البلدة، جزَم بأن لتلك القصور المزيَّنة أيضًا سكانًا يناسبونها وتوافقهم، ولهم شرائط حياة مخصوصة فعدم مشاهدتهم -لبعدهم وترفعهم- لا يدل على عدمهم.
فامتلاء الأرض من ذوي الحياة ينتج بالطريق الأولى وبالقياس الأولَويّ المؤسَّس على القياس الخفيّ المبني على الانتظام المطرد امتلاءَ هذه الفضاءات الوسيعة ببروجها ونجومها وسماواتها من ذوي الأرواح الذي يدعوهم الشرع بالملائكة المنطوية على أجناس مختلفة، فتأمل!
[1] استخدام تركي بمعنى الملوثات.
255. صفحة
المقام الثاني:
اعلم -كما مَرَّ- أن الحياة هي الكشافة للموجودات، بل هي النتيجة لها، فإذًا كيف تخلو هذه الفضاءات الوسيعة من ساكنيها وتلك السماوات من عامريها.
ولقد أجمع العقلاء إجماعًا معنويًا -وإن اختلفوا في طرق التعبير- على وجود معنى الملائكة وحقيقتهم، حتى إن المشّائيين([1]) عبّروا عنهم بالماهيات المجرَّدة الروحانية للأنواع، والإشْراقِيّين([2]) عبّروا عنها بالعقول وأرباب الأنواع، وأهل الأديان بملَك الجبال وملَك البحار وملك الأمطار مثلا، حتى إن الماديين الذين عقولهم في عيونهم لم يتيسر لهم إنكار معنى الملائكة، بل نظروا إليهم في القوات السارية في نواميس الفطرة.
فإن قلت: أفلا يكفي لارتباط الكائنات وحيويتها هذه النواميس وتلك القوانين الجارية في الخلقة؟
قيل لك: ما تلك النواميس الجارية والقوانين السارية إلا أمور اعتبارية بل وهمية، لا يتعين لها وجود، ولا يتشخص لها هُويّة الا بممثِّلاتها ومعاكسها ومَنْ هو آخذ برأس خيوطها، وإن هي إلاّ الملائكة.
وأيضًا قد اتفق الحكماء والعقل والنقل على عدم انحصار الوجود في عالم الشهادة الظاهر الجامد غير الموافق لتشكل الأرواح، فعالم الغيب المشتمل على عوالم -الموافق للأرواح كالماء للسِّماك- مشحون بها، مَظهرٌ لحياة عالم الشهادة.
فإذا شهدت لك هذه الأمور الأربعة على وجود معنى الملائكة فأحسن صور وجودهم التي ترضى بها العقول السليمة ما هو إلاّ ما شرحه الشرع من أنّهم عباد
([1]) هم أصحاب الاتجاه الفلسفي الأرسطي ولقبوا بذلك على ما قيل لأن أرسطو كان يلقي دروسه على تلاميذه ماشيا، وأصبحت المشائية بعد ذلك اصطلاحا للفكر الأرسطى ومن شايعه فى التفلسف، سواء من تلقى علّيه علوم الفلسفة بالمباشرة، أو من تتلمذ علّى كتبه إما بالدراسة فقط أو بالدراسة والشرح والتعليق، انظر المعجم الفلسفي لمراد وهبة 637، والمعجم الفلسفي د. عبد المنعم الحفني. ([2]) ترجع الفلسفة الإشراقية إلى الفيلسوف اليوناني أفلاطون، وقد يكون أفلاطون في إشراقيته متأثراً بالزردشتية في عهدها المتأخر، وتتخذ الإشراقية عند أفلاطون صيغة فيض العالم عن العقل الأول (العقل الفعال)، أما في صورتها الإسلامية فإنها تعود إلى حكمة المشارقة أهل فارس، وهي تعني (الكشف)، و بعبارة أخرى الإشراقية الإسلامية تعني الوصول إلى المعرفة الحقيقية عن طريق الذوق والكشف، وليس عن طريق البحث والبرهان العقليين، انظر: في تعريفها أيضا المعجم الفلسفي د. عبد المنعم الحفني 24.
256. صفحة
مُكْرَمون، لا يخالفون ما يُؤْمَرون، وكذا أنهم أجسام لطيفة نورانية ينقسمون إلى أنواع مختلفة.
المقام الثالث:
اعلم أن مسألة الملائكة من المسائل التي فيها يتحقق الكل بثبوت جزء واحد، ويُعلم النوع برؤية أحد الأشخاص؛ إذ من أنكر أنكر الكلَّ.
ثم كما أنه محال عندك -أيقظك الله- أن يُجْمِعَ أهل كل الأديان في كل الأَعصار من آدم إلى الآن على وجود الملائكة، وثبوت المحاورة معهم، وثبوت مشاهدتهم، والرواية عنهم كمباحثة الناس طائفة عن طائفة، بدون رؤية فرد بل أفراد منهم، وبدون ضرورة وجود شخص بل أشخاص منهم، وبدون الإحساس بالضرورة بوجودهم؛ كذلك محال أن يقوم وَهْم كذلك في عقائد البشر، ويستمر هكذا ويبقى في الانقلابات بدون حقيقة يتسنبل عليها، وبدون مبادئ ضرورية مولِّدة لذلك الاعتقاد العموميّ.
فإذًا ليس سند هذا الإجماع إلاّ حدس تولَّد من تفاريق أماراتٍ حصلت من واقعات مشاهدات نشأت من مبادئ ضرورية، وليس سبب هذا الاعتقاد العمومي إلا مبادئ ضرورية تولدت من رؤيتهم ومشاهدتهم في كرّات تفيد قوة التواتر المعنوي، وإلاّ رُفع الأمن من يقينيات معلومات البشر، فإذا تحقق وجود واحد من الروحانية في زمان مّا تحقق وجود هذا النوع، وإذا تحقق هذا النوع، كان كما ذكره الشرع وبيّنه القرآن الكريم.
ثم إن نظم مآل هذه الآية بسابقها من "أربعة وجوه":
الأول: أنه لما كانت هذه الآيات في تعداد النعم العظام، وأشارت الأولى إلى أعظمها -من كون البشر نتيجة للخلقة وكون جميع ما في الأرض مسخَّرًا له يتصرف فيها على ما يشاء- أشارت هذه إلى أن البشر خليفة الأرض وحاكمها.
والثاني: أن هذه الآية بيان وتفصيل وإيضاح وتحقيق وبرهان وتأكيد لما في الآية الأولى من أن أزِمَّة سلاسل ما في الأرض في يد البشر.
257. صفحة
والثالث: أن تلك لما بيّنت بناء المسكنين من الأرض والسماء أشارت هذه إلى ساكنيهما من البشر والملَك.
وأنها رمزت إلى سلسلة الخلقة، وأومأت هذه إلى سلسلة ذوي الأرواح.
والرابع: أنها لما صرحت بأن البشر هو المقصود من الخلقة، وأن له عند خالقه موقعًا عظيما، اختلج في ذهن السامع أنه كيف يكون للبشر هذه القيمة مع كثرة شروره وفساده؟ وهل تستلزم الحكمة وجوده للعبادة والتقديس له تعالى؟ فأشارت هذه إلى أن تلك الشرور والمفاسد تُغتفر في جنب السرّ المُودع فيه، وأن الله غني عن عبادته؛ إذ له تعالى من الملائكة المسبِّحين والمقدِّسين ما لا يُحصر، بل لحكمةٍ في علم علاّم الغيوب.
وأما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو:
أن الآية تنصبُّ بناء على اقتضاء "إذ" رديفا لها، وعطفه على ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إلى تقدير([1]) "إذ خلق ما خلق منتظما متقنا هكذا" ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلئِكَةِ﴾ إلخ،.
وأنه تعالى لما خاطب مع الملائكة -ليستفسروا سرّ الحكمة، ولتعليم طريق المشاورة قائلا ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾- توجه ذهن السامع بسرّ المقاولة إلى "ما قالوا"؟ وبسرّ الاستفسار عن حكمته مع التعجب إلى ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾؟ وبسر استخلافهم عن الجن المفسدين مع توديع القوة الغضبية والشهوية فيهم أيضًا إلى ﴿مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ بتجاوز القوة الثانية ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ بتجاوز القوة الأولى.
ثم بعد تمام السؤال والاستفسار والتعجب ينتظر ذهن السامع لجوابه تعالى، فقال: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي: فالأشياء ليست منحصرة في معلوماتكم، فعدم علمكم ليس أمارة على العدم، وإني حكيم، لي فيهم حكمة يغتفر في جنبها فسادهم وسفكهم.
أما نظم هيئات جملةٍ جملةٍ، فاعلم أن "الواو" في ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وكذا في ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا
([1]) وذلك لعدم وجود علاقة بين الآيتين. (ت: 228)
258. صفحة
مِنْ صَلْصَالٍ﴾[1] في آية أخرى بسر المناسبة العطفية إشارة إلى "إذ" و"إذ" كما مر، وكذا - بسرِّ أن الوحي يتضمن "ذَكِّرهُمْ بِذَلِكَ" إشارة إلى "واذكر لهم إذ" الخ.
وأن ﴿إِذْ﴾ المفيد للزمان الماضي لتسيير الأذهان في الأزمنة المتسلسلة الماضوية، ورفع وجلب وإحضار لها إلى ذلك الزمان لتنظره فتجتني ما وقع فيه.
وأنّ ﴿رَبُّكَ﴾ إشارةٌ إلى الحجة على الملائكة؛ أي: ربّاك وكمّلك وجعلك مرشدًا للبشر لإزالة فسادهم، أي: "أنت الحسنة الكبرى التي تَرَجَّحَتْ وغَطَّتْ على تلك المفاسد".
وأن ﴿لِلْمَلئِكَةِ﴾ إشارة في هذه المقاولة الكائنة على صورة المشاورة إلى أن لسكان السماوات أعني الملائكة مزيدَ ارتباط وعلاقة، وزيادة مناسبة مع سكان الأرض، أعني البشر، فإن من أولئك موكَّلين وحَفَظة وكَتَبَة على هؤلاء، فحقّهم الاهتمام بشأنهم.
وأن "إن" بناء على كونها لرد التردد المستفاد من ﴿أَتَجْعَلُ﴾ إشارة إلى عظمة المسألة وأهميتها.
وأن "ياء" المتكلم وحده هنا مع "نا" للمتكلم مع الغير في ﴿قلنا﴾ في الآيات الآتية إشارة إلى ألا واسطة في إيجاده وخلقه كما توجد في خطابه وكلامه.
ومما يدل على هذه النكت آية ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾[2] فقال ﴿أنزلنا﴾ بـ"نون" العظمة لوجود الواسطة في الوحي، وقال ﴿أراك الله﴾ مفردًا لعدم الواسطة في إلهام المعنى.
وأن إيثار ﴿جَاعِلٌ﴾ على "خالق" إشارة إلى أن مدار([3]) الجعل، والتخصيص لعمارة الأرض لا الخلق والإيجاد؛ لأن الوجود خير محض، والخلق فعله الذاتيّ لا يُسأل عنه.
وإن إيثار ﴿فِي﴾ في ﴿فِي الأَرْضِ﴾ على "على" مع أن البشر على الأرض لا يخلو من الإيماء إلى أن البشر كالروح المنفوخ في جسد الأرض، فمتى خرج البشر خربت الأرض وماتت.
[1] سورة الحجر 28.
[2] سورة النساء: 105
([3]) أي جعل البشر وتخصيصه لعمارة الأرض. (ت: 230)
259. صفحة
وأن ﴿خَلِيفَةً﴾ إشارة إلى أنه قد وُجد قبل تَهيؤ الأرض لشرائط حياة الإنسان مخلوقٌ مُدْرِك ساعدت شرائطَ حياته الأدوارُ الأوّليةُ للأرض، وهذا هو الأوفق لقضية الحكمة، والمشهور أن ذلك المخلوق المُدْرِك كان نوعا من الجن فأفسدوا فاستُخلفوا بالإنسان.
أما هيئات جملة ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ فاعلم أن استئناف ﴿قَالُوا﴾ إشارة إلى أن توجيه خطابه تعالى إلى الملائكة يلجئ السامع إلى السؤال بـ "كيف يتلقّون جيرانهم بيتَ بيتَ؟" و"أيرضون بهم قرناء؟"، و"ما رأيهم فيهم؟" فقال: ﴿قَالُوا﴾.
وأن وجه كونه جزاءً لـ ﴿إذ﴾ هو: أن حكم الله تعالى بجعل البشر خليفة في الأرض -التي وكّل عليها الملائكة- مع أنه لا مشير له تعالى ولا وزير يستلزم إظهار كيفية تلقيهم لهم.
وأن صورة القول إشارة إلى أسلوب المقاولة على صورة المشاورة لتعليم الناس مع تنزهه تعالى عنها.
وأن استفهام ﴿أَتَجْعَلُ﴾ فلتحقق الجعل بإخباره تعالى تمتنع حقيقتُه فيتولد منه التعجب الناشيء عن خفاء السبب فيتولد منه الاستفسار، أي: ما حكمة الجعل؟ فاستفهم عن المسبب بدلا عن السبب وليس للإنكار لعصمتهم([1]).
وإن الـ"جعل" رمزٌ إلى أن شئون البشر ونسبه الاعتبارية ووضعياته ليست من لوازم الطبيعة ولا من ضروريات الفطرة بل كل منها بجعل الجاعل؟
وإن ﴿فِيهَا﴾ مع ﴿فِيهَا﴾ مع قصر المسافة فللتنصيص والإيماء إلى معنى: ما حكمة جعل البشر روحًا منفوخًا في جسد الأرض لحياتها مع وجود الفساد والإماتة من حيث الأحياء؟
وإن التعبير بـ ﴿مَنْ﴾ إشارة إلى أنه لا يعنيهم شخصية البشر، وإنما يثقل عليهم عصيان مخلوق لله تعالى.
([1]) إن القصد من استفهام الملائكة ليس اعتراضاً على الجعل، إذ تحقق بإخباره تعالى، ولأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، وإنما هو استفسار عن حكمة الجعل، وذلك لخفاء السبب عنهم (ت:232).
260. صفحة
وإن إيراد ﴿يُفْسِدُ﴾ بدل "يعصي" إشارة إلى أن العصيان ينجرّ إلى فساد نظام العالم، وإن صورة المضارع إشارة إلى أن المستنكر تجدد العصيان واستمراره، وقد علموا ذلك إما بإعلامه تعالى، أو بمطالعة اللوح، أو بمعرفة فطرتهم من عدم تحديد القوى المودعة فيهم، فبتجاوز الشهوية يحصل الفساد، وبتعدي الغضبية ينشأ السفك والظلم.
و﴿فِيهَا﴾، أي: مع أنها كانت مسجدًا أُسِّس على التقوى، وإن موقع "الواو" الجمع بين الرذيلتين بمناسبة انجرار الفساد إلى سفك الدم.
وإن إيثار ﴿يَسْفِكُ﴾ على "يقتل" لأن السفك هو القتل بظلم.
ومن القتل ما هو جهاد في سبيل الله.
وكذا قتل الفرد لسلامة الجماعة كقتل الذئب لسلامة الغنم.
وأما ﴿الدِّمَاءَ﴾ فتأكيد لما في السفك من الدم لتشديد شناعة القتل.
وأما هيئات ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾؛ ف"واو" الحال إشارة إلى استشعارهم الاعتراض عليهم بـ "أما يكفيكم حكمة عبادة البشر وتقديسه له تعالى؟".
و﴿وَنَحْنُ﴾ أي: معاشر الملائكة المعصومين من المعاصي.
واسمية الجملة إشارة إلى أن التسبيح كالسجية لهم واللازم لفطرتهم وهم له.
أما ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ فكلمة جامعة؛ أي: نعلنك في الكائنات بأنواع العبادات، ونعتقد تنزهك عما لا يليق بجنابك بتوصيفك بأوصاف الجلال، وما هو إلا من نعمك المحمود عليها، ونقول "سبحان الله وبحمده"، ونحمدك ونصفك بأوصاف الجلال والجمال، ونقدس لك، أي: نقدسك، أو نطهر أنفسنا وأفعالنا من الذنوب، وقلوبَنا من الالتفات إلى غيرك.
فـ"الواو" للجمع بين الفضيلتين، أي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فيكون حذاء "الواو" الأول.
وأما هيئات ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ فاستئنافها إشارة إلى السؤال بـ "ماذا قال الله تعالى مجيبًا لاستفسارهم؟، وكيف بين السبب مزيلا لتعجبهم؟، وما
261. صفحة
الحكمة في ترجيح البشر عليهم؟" فقال ﴿قَالَ﴾ مشيرًا إلى جواب إجمالي، ثم فصل بعض التفصيل بالآية التالية.
و"إن" في ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ للتحقيق، ورد التردد والشبهة، وهو إنما يكون في حكم نظري ليس بمسلّم مع بداهة ومسلّمية علم الله تعالى بما لا يعلم الخلق وحاشاهم عن التردد في هذا، فحينئذ يكون "إن" منارًا على سلسلة جمل لخصها القرآن الكريم، وأجملها وأوجزها بطريق بيانيّ مسلوك، أي: إن في البشر مصالِحَ وخيرًا كثيرًا تُغْمَرُ في جنبها معاصيه التي هي شرٌّ قليل، فالحكمة تنافي ترك ذلك لهذا، وإن في البشر لسرًّا أهّله للخلافة غفلت عنه الملائكة وقد علمه خالقه.
وإن فيه حكمة رجحته عليهم لا يعلمونها ويعلمها من خلق.
وأيضًا قد يتوجه معنى "إن" إلى الحكم الضمني المستفاد من واحد من قيود مدخولها، أي: لا تعلمون بالتحقيق.
وأيضًا ﴿أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم، أي: يوجد ما لا تعلمون، إذ علمُه تعالى لازمٌ لكل شيء، فنفي العلم دليل على عدم المعلوم كما قال تعالى ﴿بِمَا لاَ يَعْلَمُ﴾[1]، أي: لا يمكن ولا يوجد، ووجود العلم دليل على وجود المعلوم.
ثم إنه قد ذكر في تحقيق هذا الجواب الإجمالي أن الله عليم حكيم، لا تخلو أفعاله تعالى عن حِكَم ومصالح، فالموجودات ليست محصورة في معلومات الخلق، فعدم العلم لا يدل على العدم، وأن الله تعالى لما خلق الخير المحض أعني الملائكة، والشر المحض أعني الشياطين، وما لا خير عليه ولا شر أعني البهائم، اقتضت حكمة الفيّاض المطلق وجودَ القسم الرابع الجامع بين الخير والشر؛ إن انقادت القوة الشهوية والغضبية للقوة العقلية فاق البشر على الملائكة بسبب المجاهدة، وإن انعكست القضية صار أنزلَ من البهائم لعدم العذر.
[1] سورة يونس: 18.


