سورة البقرة 31-32
التنقل
262. صفحة
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلئِكَةِ فَقَالَ أنْبِؤُنِي بِأَسْماءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ * قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تَبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
مقدمة
اعلم أن هذه معجزة آدم تحدِّيت بها الملائكة، بل معجزة نوع البشر في دعوى الخلافة، إن في القصَصَ لعبرًا.
ثم إني نظرًا إلى أن ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾([1])، ومستندًا إلى أن التنزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه؛ كذلك يعلّمك بإشارته ورموزه، لأفهم من إشارات([2]) أستاذية إعجاز القرآن الكريم في قَصَص الأنبياء ومعجزاتهم التشويقَ والتشجيعَ للبشر على التوسل للوصول إلى أشباهها، كأن القرآن بتلك القصص يضع أصبعه على الخطوط الأساسية ونظائر نتائج نهايات مساعي البشر للترقي في الاستقبال الذي يُبنى على مؤسسات الماضي الذي هو مرآة المستقبل، وكأن القرآن يمسح ظهر البشر بيد التشويق والتشجيع قائلا له: اسع واجتهد في الوسائل التي توصلك إلى بعض تلك الخوارق!
أفلا ترى أن الساعة والسفينة أول ما أهدتهما للبشر يد المعجزة!
وإن شئت فانظر إلى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، وإلى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾([3])، وإلى ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ
([1]) سورة الأنعام: 59. ([2]) فإن كنت في ريب فيما استخرجه من لطائف نظم التنزيل؛ فإنني أقول: قد استشرنا ابنَ الفارضِ تفاؤلاً فأجاب بـ: كأن الكرام الكاتبين تنزّلوا على قلبه وحيًا بما في صحيفة (حبيب). ([3]) سورة سبأ : 10.
263. صفحة
غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾([1])، "أي: النحاس" وإلى ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾([2])، وإلى ﴿وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾([3])!
ثم تأمل فيما مخّضه تلاحق أفكار البشر واستنبطه من ألوف الفنون الناطقة، كل منها -بخواص وصفات وأسماء- نوع من أنواع الكائنات حتى صار البشر مظهر ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
ثم فيما استخرجه فكر البشر من عجائب الصنعة من السكّة الحديدية والآلة البرقية وغيرهما بواسطة تليين الحديد وإذابة النحاس حتى صار مظهر ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ الذي هو أمّ صنائعه.
وفيما أفرخه أذهان البشر من الطيّارات التي تسير في يوم شهرًا حتى كاد أن يصير مظهر ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
وفيما ترقى إليه سعي البشر من اختراع الآلات والعصي التي تضرب في الأرض الرملة اليابسة فتفور منها عين نضّاخة، وتصير الرملة روضة حتى أوشك أن يصير مظهر ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾.
وفيما أنتجته تجارب البشر من خوارق الطب التي طفقت أن تبرئ الأكمه والأبرص والمزمن بإذن الله؛ تر مناسبة تامة يصح لك أن تقول تلك مقائسها، وذكرها يشير إليها ويشجع عليها.
وكذا انظر إلى قوله تعالى ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا﴾([4])، وإلى ﴿لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾([5]) أي: صورة يعقوب عاضًّا على أصبعه في رواية([6])، وإلى ﴿إِنِّي لأَجِدُ
([1]) سورة سبأ: 12. (burası da iki sutun)
([2]) سورة البقرة: 60.
([3]) سورة المائدة: 110.
([4]) سورة الأنبياء: 69.
([5]) سورة يوسف: 24.
([6]) انظر الطبري 12/186.
264. صفحة
رِيحَ يُوسُفَ﴾([1])، وإلى ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾([2])، وإلى ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾([3])، وإلى ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾([4]) وأمثالها، ثم تأمل فيما كشفه البشر من مرتبة النار التي لا تحرق، ومن الوسائط التي تمنع الإِحراق، وفيما اخترعه من الوسائل التي تجلب الصور والأصوات من مسافات بعيدة وتحضرها إليك قبل أن يرتد إليك طرفك، وفيما أبدعه فكر البشر من الآلات الناطقة بما تتكلم، وفي استخدامه لأنواع الطيور والحمامات وقس عليها، لترى بين هذين القسمين ملاءمة يحق بها أن يقال في هذه رموز إلى تلك.
وكذا تأمّل في خاصية المعجزة الكبرى التي هي خاصية الناطقية التي هي خاصية الإنسانية وهي الأدب والبلاغة، ثم تدبر في أن أعلى ما يربِّي روح البشر، وألطف ما يصفِّي وجدانه، وأحسن ما يزيِّن فكره ،وأبسط ما يوسِع قلبه؛ إنما هو نوع من الأدبيات، ولأمرٍ مّا ترى هذا النوع أبسط الفنون، وأوسعها مجالا، وأنفذها وأشدها تأثيرًا، وألصقها بقلوب البشر حتى كأنه سلطانها، فتأمل!
ثم إن لهذه الآية أيضًا الوجوه الثلاثة النظمية:
أما نظم مآلها بسابقتها فمن "وجوه أربعة":
الأول: أن التنزيل لما ذكر في الآية الأولى في بيان حكمة خلقة الإنسان ما هو أوّل الأجوبة، وأولاها، وأعمها للكل، وأيسرها، وأسهلها إقناعًا، وأجملها إجمالا، وأوجزها، بيّن بهذه الآية جوابًا تفصيليا يطمئن به العوام والخواص.
والثاني: أنه لما صرح في تلك بمسألة الخلافة للبشر برهن بهذه على تلك الدعوى بمعجزة ذلك النوع في مقابلة الملائكة.
والثالث: أنه لما أشار بتلك إلى ترجح البشر على الملَك رمز بهذه إلى لِميّة الرجحان.
([1]) سورة يوسف: 94. ([2]) سورة سبأ: 10. ([3]) سورة النمل: 16. ([4]) سورة النمل: 40.
265. صفحة
والرابع: أنه لما لوّح بها إلى مظهرية هذا النوع للخلافة الكبرى في الأرض لمح بهذه احتجاجا عليها إلى أن الإنسان هو النسخة الجامعة، والمظهر الأتمّ لكل التجليات لتنوع استعداداته وتكثر طرف استفاداته وعلمه فيحيط بالكائنات بحواسه الخمس الظاهرة والباطنة، لا سيما بوجدانه الذي لا قعر له. أفلا تراه يعلم أمثال حلاوة العسل بوجهين بل بوجوه خلاف الملَك، فتأمل!
أما نظم الجمل بعضها مع بعض؛ ففطريّ في غاية السلاسة:
فالأولى: تحقيق لمضمون ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، وتفصيل لما أجمل فيها، وتفسير لما أبهم.
وكذا إن خلافة الله تعالى في أرضه لإجراء أحكامه وتطبيق قوانينه تتوقف على علمٍ تام.
وكذا إن انصباب الكلام في الآية الأولى ينجر إلى "فخلقه وسوّاه، ونفخ فيه من روحه وربّاه، ثم علّم الأسماء، وأعده للخلافة".
ثم لما اصطفاه على الملائكة، وميّزه بعلم الأسماء في مسألة الرجحان واستحقاق الخلافة اقتضى مقام التحدِّي عرض الأشياء عليهم وطلب المعارضة منهم.
ثم لما أحسوا بالعجز من أنفسهم أقرّوا بحكمته تعالى واطمأنوا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿قالوا﴾؛ أي: متبرئين مما دسّه في استفسارهم أنانيةُ إبليس ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾([1]).
ثم لما ظهر عجزهم لعدم جامعية استعدادهم اقتضى المقام بيان اقتدار آدم حتى يتم التحدِّي فقال: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾.
ثم لما امتثل وظهر سر الحكمة فيه اقتضى المقام استحضار الجواب الإجمالي السابق، وجعله كالنتيجة لهذا التفصيل فقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
واعلم أنه قد تَشِفُّ وتُحَسُّ صورة المقاولة عن تولّد أنانية إبليس فيما بين الملائكة وتشعر بتداخل اعتراض طائفة بين استفسارهم.
([1]) لقد جاءت إلى لساني -دون اختيارٍ مني- هذه الآية الكريمة في ختام معظم "الكلمات" و"المكتوبات" من "رسائل النور"، والآن أدركت أن تفسيري هذا قد اختُتِم أيضاً بهذه الآية الكريمة، فجميع "الكلمات" إذاً ما هي إلاّ تفسير حقيقي لهذه الآية الكريمة، وجدول من بحرها يصب فيه في خاتمة المطاف؛ حتى لكأن كل "كلمة" من "الكلمات" تبدأ بهذه الآية الكريمة، فأنا إذًا لم أستكمل منذ ذلك الوقت طوال عشرين سنة تفسير هذه الآية كي أؤلف الجزء الثاني من التفسير. (المؤلف)
266. صفحة
أما نظم هيئات جملة جملة: فجملة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، أي: صوّره بفطرة تضمنت مبادئ أنواع الكمالات، وخلقه باستعداد زرع فيه أنواع المعالي، وجهزه بالحواس العشر، وبوجدان تتمثل فيه الموجودات، وأعدّه بهذه الثلاث لتعلّم حقائق الأشياء بأنواعها، ثم علّمه الأسماء كلها.
"الواو" فيها إشارة إلى الجمل المطوية تحت إيجازه كما مرّ.
و﴿عَلَّمَ﴾ فيه إشارة إلى تنويه العلم، ورفعة درجته، وأنه هو المحور للخلافة.
وكذا رمز إلى أن الأسماء توقيفية([1])، ويؤيده وجود المناسبة المرجحة للوضع -في الأغلب- بين الأسماء والمسميات.
وكذا إيماء إلى أن المعجزة فعل الله بلا واسطة خلافًا للفلاسفة الذين يقولون: "إن الخوارق أفعال للأرواح الخارقة".
و﴿آدَمَ﴾، أي: الشخص الأرضي الذي أراد الله تعالى خلافته وسماه آدم فالتصريح بالعلم لتنويهه وتشهيره وإحضاره بصورته.
و﴿الأَسْمَاءَ﴾ سمات الأشياء من الصفات والخواص والأسماء، أو اللغات التي اقتسمها بنو آدم.
وفيه إيماء بدليل ﴿عَرَضَهُمْ﴾ إلى أن الاسم عين المسمى كما عليه أهل السنة([2]).
و﴿كُلَّهَا﴾ تنصيص على منشأ التميز ومدار الإعجاز.
وجملة ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛
فـ ﴿ثُمَّ﴾ إشارة بسر التراخي، واقتضاء المقام إلى "وقال: هو أكرم منكم، وأحق بالخلافة".
وأما ﴿عَرَضَهُمْ﴾، أي: أظهر أنواع الأشياء مبسوطة للبيع لأنظارهم كعرض المتاع على المشتري، وعرض الصفوف على الأمير.
([1]) انظر في ذلك مفاتيح الغيب للرازي 2/161، وإرشاد العقل السليم 1/87.
([2]) انظر: شرح العقيدة الطحاوية131، وعمدة القاري 25/95.
267. صفحة
ففيه إشارة إلى أن الموجودات مالٌ للمُدْرِك يشتريها بالعلم، ويأخذها بالاسم، ويتملكها بتمثل الصورة.
وأما "هم" الدال على الذكور العقلاء فسِرُّ ما فيه من التغليبين، والمجاز ما يرمز إليه لفظ العرض([1])؛ إذ يتخيل من إرساله صور طوائف الموجودات مارة صفًّا صفًّا على الأنظار كونها قبائل من العقلاء يجيئون إليهم.
وأما ﴿عَلَى﴾ فإيماء إلى أن ما يعرض عليهم هي الصور المرتسمة في اللوح الأعلى.
([1]) حيث هناك تغليب الذكور على الإناث، وتغليب العقلاء على غيرهم، أما المجاز فهو في رجوع "هم" إلى أنواع الجمادات (ت:243).


