سورة البقرة 8-9-10

94. صفحة

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

اعلم أن وجه النظم:

إشارات جملها إلى التوبيخ على النفاق، ثم تشنيعه، ثم تقبيحهم، ثم التهديد عليه، ثم ترهيبهم، ثم التعجب منهم، ثم بيان مقصدهم من قولهم المذكور، ثم بيان علة قولهم، ثم بيان أولى الجنايات الأربع الناشئة من النفاق وهي الخداع، والإفساد، وتسفيه المؤمنين، والاستهزاء بهم، ثم تمثيل جناياتهم وحيلهم بأسلوب استعارة تمثيلية هكذا: بأنْ صوّر معاملتهم مع أحكام الله تعالى ومع النبي عليه السلام والمؤمنين -بإظهارهم الإيمان لأغراض دنيوية مع تبطّن الكفر، ومعاملة الله والنبي والمؤمنين معهم بإجراء أحكام المؤمنين عليهم استدراجا، مع أنهم أخبث الكفرة عند الله- بصورة خداع شخصين، أو الصياد مع الصيد الذي يحس الصياد بالخروج عن القاصعاء ثم يفر من النافقاء([1]).

أما نظم جمل الجناية الأولى من ﴿يُخَادِعُونَ﴾ إلى ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فانظر إلى ما تضمنت من النتائج المتسلسلة المترتبة في الجمل السبع، وهي: تحميقهم بطلب المحال، ثم تسفيههم بإضرار أنفسهم بنية المنفعة، ثم تجهيلهم بعدم التمييز بين الضر والنفع، ثم ترذيلهم بخبث الطينة ومرض معدن الصحة وموت منبع الحياة، ثم تذليلهم بتزييد المرض في طلب الشفاء، ثم تهديدهم بألم محض يولد ألمًا صرفًا، ثم تشهيرهم بين الناس بأقبح العلامات أعني الكذب.


([1]) القاصعاء جحر يحفره اليربوع، والنفقاء موضع يرققه من جحره، فإذا أوتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج انظر لسان العرب (قصع) 8/275، و(نفق) 10/358.



95. صفحة

وأما اتِّساقُ وانتظام تلك الجمل السبع، وانصباب الحكم فيما بينها فهو: أنك كما إذا أردت زجر واحد عن شيء ونصحه تقول له أولا: ياهذا، إنْ كان لك عقل فهذا محال!

ثم: إن كنت تحب نفسك فهذا يضرها!  

ثم: إن كان لك حسّ فلِمَ لاتميز بين الضر والنفع؟!

ثم: إنْ لم يكن لك اختيار فلا أقل من أن تعرف فساد سجيتك، وفيها مرض يحرِّف الحقيقة، ويريك الحلو مرًّا!

ثم: إنْ تطلب الشفاء فهذا يزيد مرضك ولا يشفي، مثلك كمثل من ابتلي بداء السهر، فاجتهد في النوم فأنتج له قلقا طيّر نعاسه أيضًا، أو كمن أصيب قلبه بداء "المرق"([1]) فاغتمّ لوجود المصيبة حتى صير المصيبة مصيبتين.

ثم: إن تتحرَّ اللذة فهذا فيه ألم شديد ينتج ألمًا أشد ليس كأمثاله التي فيها لذة مزخرفة.

ثم: إن لم تنتبه ولم تنزجر لا يبقى إلا أن يوسمَ على خرطومك بوسم قبيح، وتُعلَن بين الناس لمنع سراية فسادك إلى الناس.

كذلك إن الله تعالى قال لزجر المنافقين ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ بدل "يخادعون النبيّ" لتحميقهم، أي: كيف يخادعون النبيّ عليه السلام، والنبيّ مبلِّغ عن الله تعالى، فحيلتهم راجعة إلى الله، والاحتيال مع الله تعالى محال، وطلب المحال حمق، ومثل هذا الحمق مما يُتعجب منه؟!

ثم أتبعه ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ لتسفيههم، أي: ليس في فعلكم نفع بل فيه ضرر، وضرره يعود على أنفسكم، فكأنكم تخادعون أنفسكم.

ثم عقّبه ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ لتجهيلهم أي: أيّها الجهلاء، قد صرتم أضلّ من الحيوان، كالأحجار الجامدة لا تحسون بالفرق بين الضر والنفع.

ثم أردفه ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ لترذيلهم بانفساد الجوهر، أي: إن لم يكن لكم اختيار فلا أقل من أن تعرفوا المرض مرضًا، وإن سجيتكم فسدت! وإن النفاق

([1]) استخدام تركي بمعنى: التوهم والقلق، والاضطراب النفسي.



96. صفحة

والحسد مرض في الروح من شأنه تحريف الحقيقة وتغييرها حتى تظنوا الحلو مرًّا والمرّ حلوًا، والسوداء بيضاء، والأبيض أسود، فلا تتبعوه.

ثم زاد ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ لتذليلهم، أي: إن كنتم تطلبون بهذا الدواء والتشفي من غيظكم وحسدكم فهذا داء لا يزيدكم إلا مرضا على مرض، فأنتم كمن كَسرَ أحدٌ يدَه فأراد الانتقام، فضرَبَه بتلك اليد المكسورة، فازداد كسرًا على كسر.

ثم قال ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لتهديدهم، أي: إن تتحروا اللذة فما نفاقكم هذا إلا فيه ألم شديد عاجل ينتج ألمًا أشد آجلا، ليس كسائر المعاصي التي فيها نوع من اللذة السفلية العاجلة.

ثم أتمه بقول ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ لتوسيمهم بأشنع الوسم، أي: إن لم تنتبهوا ولم تنتهوا لم يبق إلا أن تُشَهَّروا بين الناس بالكذب المانع للاعتماد لئلا يَتَعَدَّى مرضكم.

أما وجه النظم بين أجزاء كل جملة:

ففي الأُولى: أعني جملة ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ هو:

إن في التعبير عن عملهم بالخداع مع المضارعية، لاسيما من باب المشاركة([1])، خصوصًا مع إقامة لفظة ﴿اللَّهَ﴾ مُقَام النبيّ، وإقامة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُقام "المؤمنين" تنصيصًا وتصريحًا بمحالية غرضهم من حيلتهم، وجعْل المحالية نصب العين بصورة تتنفر عنها النفوس وترتعد؛ إذ فيما في الخداع من الاستعارة التمثيلية ما يوقظ النفرة.

وفيما في المضارعية من التصوير مع الاستمرار ما يَشْمَئِزّ منه القلب.

وفيما في المشاركة من المشاكلة([2]) نظِير ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا([3]) ما ينتج عدم إنتاج حيلتهم؛ إذ في باب المشاركة فعل الفاعل سبب لفعل المفعول، وهنا

([1]) يقصد المفاعلة أي مثل ضارب وقاتل . ([2]) المشاكلة هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا، أو تقديرا، انظر: مقاليد العلوم 101 وقد يراد من المشاكلة التناسب المسمى بمراعاة النظير، انظر: الكليات 843. ([3]) سورة الشورى 40.



97. صفحة

فعل المفعول صار سببًا لعقم خداع الفاعل وعدم تأثيره، بل جعل الخداع صورة واهية كانعكاس المقصد فيما إذا استهزأتَ بأحدٍ لجهله، مع أنه مستبطنٌ علمًا ومستخفٍ استهزاءً بك.

وفيما في التصريح بلفظة ﴿اللَّهَ﴾ من التنصيص على محالية الغرض -إذ خداع النبي عليه السلام ينجرُّ إليه تعالى- ما يشيط العقلَ عن الحيلةِ.

وما في ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من جعل الصلة مدارًا إشارة إلى أن المنافقين يتحببون إليهم بصفة الإيمان ويهيِّجون عرق إيمانهم للتحبب والتداخل فيهم.

وفيه إيماء أيضًا إلى أن جماعة المؤمنين المنوِّرين عقولَهم بنور الإيمان لا تتستر عنهم الحيلة فينتج أيضًا عقم حيلتهم.

وفي الثانية: أعني جملة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ هو:

إن في هذا الحصر إشارةً إلى كمال سفاهتهم بعكس العمل في معاملتهم كمن رمى حجرًا إلى جدار فانثنى لكسر رأسه؛ إذ رشوا النبال لضرر المؤمنين فأُصيبت أنفسهم، فكأنهم يخادعون بالذات ذواتهم.

وفي تبديل "يضرون" بـ ﴿يَخْدَعُونَ﴾ إشارة إلى نهاية سفاهتهم؛ إذ يوجد في أهل العقل من يضر نفسه قصدًا، ولا يوجد من يخادع نفسه عمدًا إلا ان يكون حمارًا في صورة إنسان!

وفي عنوان ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ رمزٌ خفي إلى أن نفاقهم وحيلتهم لما كان لحظٍّ نفسانيّ وغرض نفسيّ أنتج نقيض مطلوبهم لنفسهم.  

إن قلت: هذا الحصر يومئ إلى أن خداعهم ما ضر الإسلام والمسلمين مع أن الإسلام ما رأى من شيء ضررًا مثل ما رأى من أنواع النفاق وشعباته المنتشرة كالسّم في عناصر العالم الإسلاميّ؟

قيل لك: وما تراه من الضرر المتعدي والسمّ الساري إنما هو من طبيعتهم المتفسدة، وفطرتهم المتفسخة، ووجدانهم المتعفن نظير سراية المرض؛ وليس نتيجة حيلتهم وخداعهم باختيارهم، إذ يريدون خداع الله والنبي وجماعة المؤمنين، 

98. صفحة

والله عالم بكل شيء والنبي عليه السلام يوحى إليه، وجماعة المؤمنين لا تستطيع الحيلة أن تتستر عنهم مدة مديدة فهم لا ينخدعون، فثبت أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم فقط.

وفي الثالثة: أعني جملة ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يحسون، هو:

إن في هذه الفذلكة([1]) تجهيلا؛ أيّ تجهيل لهم، لأنها تشعر بأنهم إن كانوا عقلاء فهذا ليس من شأن العقل، وإن كانوا حيوانات يتحركون بميل نفسانيّ فشأنهم أن يحسوا ويشعروا بمثل هذا الضرر المحسوس، فثبت أنهم صاروا مثل جمادات لا اختيار لها.

وفي الرابعة: أعني جملة ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هو:

إن سوقها يفيد أنهم لما لم يعملوا بمقتضى المحاكمة العقلية والشعور الحسيّ ظهر أن في روحهم مرضًا فلا أقل من أن يعرفوا أنه مرض ليجتنبوا عن القضايا ولا يحكموا عليها؛ إذ من شأن المرض؛ تغيير الحقيقة، وتشويه المزيَّن، وتحلية المرّ كما مر.

وفي لفظ ﴿فِي﴾ رمز إلى أن حسدهم وحقدهم مرض في ملكوت القلب وهي اللطيفة التي مر ذكرها.

وفي عنوان "القلب" إشارة إلى أنه كما أن جسم القلب إذا مرض اختلَّ جميع أفعال البدن؛ كذلك إذا مرض معنى القلب بالخداع والنفاق انحرف كل أفعال الروح عن منهج الاستقامة؛ إذ هو منبع الحياة ومَاكِنَتُها.

وفي تقديم ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ على ﴿مَرَضٌ﴾ إيماء إلى الحصر بجهتين، ومن الإيماء إشارة بطريق التعريض إلى أن الإيمان نور، شأنه أن يعطي لجميع أفعال الإنسان وآثاره صحة واستقامة.

وأيضًا في إيماء الحصر رمز إلى أن الفساد في الأساس فلا يجدي تعمير الفروعات.


([1]) الفذلكة: كلمة محدثة بمعنى مجمل ما فصل وخلاصته، انظر: المعجم الوسيط (ف – ذ – ل – ك) 2/678.



99. صفحة

وفي لفظ الـ﴿مَرَضٌ﴾ رمز إلى قطع عذرهم وإلقامهم الحجرَ بأن الفطرة مهيأة للحقيقة، وما الفساد والخراب إلاّ مرض عارض.

وفي تنوين التنكير إشارة إلى أنه في مكمن عميق لا يُرى حتى يداوى.

وفي الخامسة: أعني جملة ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هو:

أنهم حينما لم يعرفوا أنه مرض حتى يتجنبوا منه بل طلبوه مستحسنين له زادهم الله تعالى؛ إذ "مَن طلب وَجَد".

وفي "الفاء" التي هي للتعقيب السببي -مع أن وجود المرض ليس سببا لزيادته- رمزٌ إلى أنهم لما لم يشخصوا المرض فلم يتحروا وسائل الشفاء، بل توسلوا بأسباب الزيادة كمن يضارب خصمًا غالبًا بيده العليلة صاروا كأنهم طلبوا الزيادة، فزادهم الله مرضًا بقلبِ أملهم يأسًا مزعجا، بسبب ظفر المؤمنين، وقَلْبِ خصومتهم حقدًا محرقًا للقلب بسبب غلبة المؤمنين، فتولد من مرضَي اليأس والحقد داءُ الخوف وعلة الضعف ومرض الذّلة فاستولت على القلب.

ثم إن الله تعالى لم يقل "فزاد الله مرضهم" بل جعل المفعول تمييزًا للإشارة إلى أن المرض الباطنيّ القلبيّ سرى إلى الظاهر أيضًا، وتعدى إلى جميع الأفعال، فكأن هذا الداء الخبيث استولى على وجودهم، فكأن وجودهم نفس الداء، فزيادة جراحات المرض ونفطاته([1]) زيادة لنفس ذواتهم؛ إذ "اِشْتَعَلَ الْبَيْتُ نارًا" يفيد أن النار سرت إلى تمام البيت حتى كأن تمام الْبَيْت نارٌ تلتهب بخلاف "اشْتَعَلتَ نَارُ الْبَيْتِ" فإنه يصدق بتلهب النار من أيّ جانب كان([2]).

وفي السادسة: أعني جملة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هو:

إن "اللام" التي هي للنفع إشارةٌ إلى أنه لو كان لهم منفعة لكانت ألبتة ألمًا معذبًا دنيويًا، أو عذابًا أخرويًا مؤلمًا، وكونه منفعة من المحال، فمحال لهم المنفعة، وفي وصف العذاب بالأليم أي المتألم، مع أن الأليم هو الشخص رمز إلى أن

([1]) النفطة واحدة النفط وهي بثور ملأى بالماء بسبب داء الجدري انظر: لسان العرب (نفط) 7/417. ([2]) ينظر هذا الكلام في دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني 93.



100. صفحة

العذاب استولى على وجودهم وأحاط بذواتهم ونفذ في بواطنهم بحيث تحولوا بنفس العذاب، وصار العذاب عين ذواتهم، كانقلاب الفحم جمرة نار بنفوذ النار، فإذا نظر الخيال إلى صورة العذاب واستمع من جوانبه أنينًا وتألمًا وعويلا يتولد من الحياة المتجددة تحت العذاب يتخيل أن العذاب هو الذي يئنّ ويتألم، فما أشد التهديد لمن تأمل!

وفي السابعة: أعني جملة ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ هو:

إن في تعليق العذاب من بين جناياتهم المذكورة بالكذب فقط إشارة إلى شدة شناعة الكذب وقبحه وسماجته، وهذه الإشارة شاهدُ صدقٍ على شدة تأثير سمّ الكذب؛ إذ الكذب أساس الكفر، بل الكفر كذب ورأس الكذب، وهو الأُولى من علامات النفاق([1])، وما الكذب إلا افتراء على القدرة الإلـهية، وضد للحكمة الربانية، وهو الذي خرّب الأخلاق العالية، وهو الذي صيّر التشبثات العظيمة كالشبحات المنتنة، وبه انتشر السمّ في الإسلام، وبه اختلت أحوال نوع البشر، وهو الذي قيّد العالم الإنساني عن كمالاته، وأوقفه عن ترقياته، وبه وقع أمثال مسيلمة الكذاب([2]) في أسفل سافلي الخسة، وهو الحمل الثقيل على ظهر الإنسان فيعوقه عن مقصوده، وهو الأب للرياء والأم للتصنع، فلهذه الأسباب اختص بالتلعين والتهديد والنعي النازل من فوق العرش.

فيا أيّها الناس، لاسيما أيّها المسلمون، إن هذه الآية تدعوكم إلى الدّقة!


([1]) كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". انظر: صحيح البخاري: 1/21، حديث رقم 33. ([2]) هو: مسيلمة بن ثمامة ابن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هماز بن ذهل بن الزول بن حنيفة, رجل من بني حنيفة، يقال إن اسمه مسلمة وأن المؤرخين المسلمين يذكرونه باسم مسيلمة استحقاراً له. كان قد تسمى بالرحمان فكان أتباعه يلقبونه رحمان اليمامة، ادعى النبوة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، تزوج بسجاح مدعية النبوة أيضا، وكان يعمل كثيراً من أعمال الدجل، قتل في معركة اليمامة أيام خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وقيل إن عمره حينئذ كان يناهز مائة وخمسين سنة. انظر: خبره وترجمته في البدء والتاريخ 5/160، والمعارف لابن قتيبة 405، وتهذيب الأسماء للنووي 2/400. 



101. صفحة

فإن قلتم: إن الكذب للمصلحة عفوٌ؟

قيل لكم: إذا كانت المصلحة ضروريةً قطعية، مع أنه عذر باطل؛ إذ تقرر في أصول الشريعة: أن الأمر غير المضبوط، أي: "الذي لا يتحصل بسبب كونه قابلا لسوء الاستعمال" لا يصير علةً ومدارًا للحكم، كما أن المشقة لعدم انضباطها ما صارت علةً للقصر، بل العلةُ السفر([1])، ولئن سلّمنا فغلبة الضرر على منفعة شيء تفتى بنَسخه وتكون المصلحةُ في عدمه، وما ترى من الهَرْج والمَرْج في حال العالم شاهد على غلبة ضرر عذر المصلحة، إلا أن التعريض[2] والكناية([3]) ليسا من الكذب، فالسبيل مَثْنَى: إما السكوت؛ إذ "لا يلزم من لزومِ صدقِ كلِّ قولٍ قولُ كلِّ صدق"، وإما الصدق؛ إذ الصدق هو أساس الإسلامية، وهو خاصة الإيمان، بل الإيمان صدق ورأسه، وهو الرابط لكل الكمالات، وهو الحياة للأخلاق العالية، وهو العرق الرابط للأشياء بالحقيقة، وهو تجلّي الحق في اللسان، وهو محور ترقي الإنسان، وهو نظام العالم الإسلامي، وهو الذي يُسرع بنوع البشر في طريق الترقي -كالبرق- إلى كعبة الكمالات، وهو الذي يصيّر أخمد الناس وأفقرهم أعزّ من السلاطين، وبه تَفَوّق أصحابُ النبيّ  -عليه الصلاة والسلام- على جميع الناس، وبه ارتفع سَيّدنا محمد الهاشميّ عليه الصلاة والسلام إلى أعلى عليي مراتب البشر.

 


([1]) هذا كلام أصولي دقيق يفرق بين العلة والحكمة .

[2] التعريض في الكلام: ما يفهم به السامع المراد من غير تصريح، انظر التعريفات85، والتعاريف185، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها 2/276.

([3]) الكناية: هي أن يعبر عن شيء بلفظ غير صريح في الدلالة عليه لغرض من الأغراض؛ كالإبهام على السامع أو لنوع فصاحة، انظر الكليات761، والتعريفات240، والتعاريف610، ومعجم المصطلحات البلاغية وتطورها 3/154.