سورة الفاتحة 1-3

12. صفحة

بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيْم

﴿الرَّحْمَنُ  *  عَلَّمَ الْقُرْآنَ  *  خَلَقَ الإِنْسَانَ  *  عَلَّمَهُ الْبَيَانَ

فنحمده مصلين على نبيه محمد الذي أرسله رحمةً للعالمين وجعل معجزته الكبرى الجامعة برموزها وإشاراتها لحقائق الكائنات باقيةً على مر الدهور إلى يوم الدين، وعلى آله عامة، وأصحابه كافة.

أما بعد؛

فاعلم!

أولا: إن مقصدنا من هذه الإشارات تفسير جملةٍ من رموز نظْمِ القرآن؛ لأن الإعجاز يتجلى من نظمه، وما الإعجاز الزاهر إلاّ نقشُ النظم.

وثانيًا: إن المقاصد الأساسية من القرآن وعناصره الأصلية أربعةٌ: التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة؛ لأنه:

لما كان بنو آدم كركبٍ وقافلةٍ متسلسلةٍ راحلةٍ من أودية الماضي وبلاده، سافرةٍ([1]) في صحراء الوجود والحياة، ذاهبةٍ إلى شواهق الاستقبال، متوجهةٍ إلى جنّاته، فتهتز بهم المناسبات، وتتوجه إليهم الكائناتُ، كأنه أَرسلَتْ حكومةُ الخِلقة فَنَّ الحكمةِ([2]) مُستَنْطِقًا وسائلا منهم بـ "يا بني آدم، مِن أين؟ إلى أين؟ ما تصنعون؟ مَنْ سلطانكم؟ مَنْ خطيبكم؟"


(1) سافرة أي مسافرة، جاء في لسان العرب ( سفر) 4/367: "ورجل سافر ذو سفر وليس على الفعل لأنه لم يرد له فعل". ([2]) جاء في التعريفات ص 291 أن "الحكمة علم يبحث فيه عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في الوجود بقدر الطاقة البشرية فهي علم نظري غير آني". 



13. صفحة

فبينما المحاورة؛ إذ قام من بين بني آدم -كأمثاله الأماثل من الرسل أولي العزائم([1])- سيّدُ نوعِ البشر، محمّد الهاشمي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال بلسان القرآن:

"أيتها الحكمة، نحن معاشرَ الموجودات([2]) نجيء بارزين من ظلمات العدم بقدرة سلطان الأزل([3])، إلى ضياء الوجود، ونحن معاشر بني آدم بُعِثْنا بصفة المأمورية ممتازين([4]) من بين إخواننا الموجودات بحمل الأمانة، ونحن على جناح السفر من طريق الحشر إلى السعادة الأبدية، ونشتغل الآن بتدَارُكِ تلك السعادة وتنمية الاستعدادات التي هي رأسُ مالِنا، وأنا سيِّدُهم وخطيبهم، فها دونكم([5]) منشوري، وهو كلام ذلك السلطان الأزلي تتلألأ عليه سكّةُ([6]) الإعجاز، والمجيبُ عن هذه الأسئلة الجوابَ الصواب ليس إلا القرآنُ، ذلك الكتاب.

كانت([7]) هذه الأربعةُ عناصرَه الأساسية.

فكما تتراءى هذه المقاصد الأربعة في كلِّه([8])، كذلك قد تتجلى في سورةٍ سورةٍ، بل قد يُلْمَح بها في كلامٍ كلامٍ، بل قد يُرْمَز إليها في كلمةٍ كلمةٍ؛ لأن

([1]) يقصد أولي العزم من الرسل، وهم: سيدنا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم جميعا وسلم، انظر سنن البيهقي الكبرى 9/8 حديث رقم 1751.  ([2])جاء في التوقيف على مهمات التعاريف ص 719 أن "الموجودات ثلاثة أضرب: موجود لا مبدأ له ولا منتهى، وذلك ليس إلا الباري تعالى، وموجود له مبتدأ ومنتهى كالجواهر الدنيوية، وموجود له مبتدأ لا منتهى كالناس في النشأة الآخرة".  ([3]) جاء في التوقيف على مهمات التعاريف 53:" الأزل القدم الذي ليس له ابتداء ويطلق مجازا على من طال عمره، والأزل استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، كما أن الأبد استمراره كذلك في الحال، والأزلي ما ليس بمسبوق بالعدم، والموجود ثلاثة أقسام لا رابع لها: أزلي أبدي، وهو الحق سبحانه، ولا أزلي ولا أبدي، وهو الدنيا، وأبدي غير أزلي، وهو الآخرة، وعكسه محال، إذا ما ثبت قدمه استحال عدمه". ([4]) أي: متميزين منفردين، انظر: اللسان (ميز) 5/412 ([5]) دونكم: خذوا . ([6]) السكة: العلامة والنقش، انظر: لسان العرب ( س – ك – ك) 10/440. ([7]) جواب (لَمّا). (المؤلف) ([8]) تعود الهاء إلى القرآن الكريم، يقصد أن الإعجاز يتجلى في القرآن الكريم باعتباره كلا متكاملا. 



14. صفحة

كل جزءٍ فجزءٍ كالمرآة لكلٍّ فكلٍّ متصاعدًا، كما أن الكل يتراءى في جزءٍ فجزءٍ متسلسلا.

ولهذه النكتة - أعني اشتراك الجزء مع الكُلِّ - يُعرّف القرآنُ المشخَّصُ([1]) كالكُلِّيِّ ذي الجزئيات.

إن قلت: أرني هذه المقاصد الأربعة في ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ وفي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.

قلت: لما أنزل ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ لتعليم العباد كان "قُلْ"([2]) مقدَّرًا فيه، وهو الأُمّ في تقدير الأقوال القرآنية([3])، فعلى هذا يكون في "قُلْ" إشارةٌ إلى الرسالة.

وفي ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ رمزٌ إلى الألوهية.

وفي تقديم الباء تلويحٌ إلى التوحيد([4]).

وفي ﴿الرَّحْمَنِ﴾ تلميحٌ إلى نظام العدالة والإحسان.

 وفي ﴿الرَّحِيمِ﴾ إيماءٌ إلى الحشر.

وكذلك في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إشارةٌ إلى الألوهية، وفي لام الاختصاص([5]) رمزٌ إلى التوحيد.

وفي ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إيماءٌ إلى العدالة والنبوة أيضًا؛ لأن بالرسل تربيةَ نوع البشر.

وفي ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ تصريحٌ بالحشر. 


([1]) يقصد المصحف الشريف؛ فقد استخدم المؤلف لفظة المشخص في مؤلفاته كثيرا بدلالة الواقع أو الموجود أو القائم. ([2]) فالتقدير: قل: بسم الله الرحمن الرحيم.  ([3])أي: يا محمد قل هذا الكلام وعلمه الناس. ( ت: 13)  ([4])حيث يفيد الحصر. ( ت :13) ([5]) الاختصاص: أحد معاني اللام فقد قال ابن سيده إن اللام على خمسة أضرب: لام الاختصاص، ولام الملك، ولام الاستغاثة، ولام العلة، ولام العاقبة، وهذا كله راجع إلى معنى واحد وهو الاختصاص كقولك : الحمد لله والقدرة له والإرادة، وهذا كله راجع إلى معنى الاختصاص؛ لأن معناه دائر في سائر الأقسام". انظر المخصص 4/228 . 



15. صفحة

حتى إن صَدَف ﴿إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ يتضمن هذه الجواهرَ، هذا مثالا فانسج على منواله.

 ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ كالشمس يضيء نَفْسَه كغيرِه، فاستغنى([1])، حتى إن باءه مُتَعلِقةٌ بالفعل المفهوم من معناها - أي: أستعين به.

أو المفهوم عرفًا، أي: أتَيمّن به.

أو بما يستلزمه "قل" المقدَّر من "أقرأ" - المؤخّر[2] للإخلاص والتوحيد([3]).

أما "الاسم" فاعلم أن لله أسماءً ذاتيةً، وأسماءً فعليةً متنوعة كـ"الغفار" و"الرزاق" و"المحيي" و"المميت" وأمثالها، وتنوّعُها وتكثُّرها بسبب تعدد نسبة القدرة الأزلية إلى أنواع الكائنات([4])، فكأن ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ استنزالٌ لتأثير وتعلُّق القدرة ليكون ذلك التعلقُ روحًا مُمِدًّا لكسب العبد.

﴿الله﴾ لفظة الجلال نسخةٌ جامعة لجميع الصفات الكمالية) لدلالتها التزامًا([5]) عليه؛ بسر استلزام ذاته تعالى لصفاته بخلاف سائر الأَعلام، لعدم الاستلزام.

﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وجه النظم:

أن لفظ الجلال كما يتجلى منه الجلال بسلسلته، كذلك يتراءى الجمال بسلسلته من ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾؛ إذ الجلال والجمال أصلان تَسَلسَل منهما -بتجليهما في كل عالم- فروعٌ: كالأمر والنهي، والثواب والعذاب، والترغيب والترهيب، والتسبيح والتحميد، والخوف والرجاء إلى آخره.

([1]) انظر في ذلك تفسير الطبري 1/50. ([2]) انظر في دلالة تأخير الفعل المقدر في البسملة مفاتيح الغيب 1/90.  ([3])إن الأفعال المذكورة المتعلقة بالباء تقدر مؤخرا ليتضمن الإخلاص والتوحيد. ( ت: 14)  ([4])أي: بسبب علاقة القدرة الأزلية وتعلقها بأنواع الكائنات وأفرادها. ( ت:14) ([5]) يقصد دلالة الالتزام وهي أن يكون اللفظ له معنى وذلك المعنى له لازم من خارج فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ ينتقل الذهن من مدلول اللفظ إلى لازمه ولو قدر عدم هذا الانتقال الذهني لما كان ذلك اللازم مفهومًا، انظر الأحكام للآمدي 1/6 .  



16. صفحة

وأيضًا كما أن لفظ الجلال إشارةٌ إلى الصفات العينية([1]) والتنزيهية([2])؛ كذلك ﴿الرَّحِيمِ﴾ إيماءٌ إلى الصفات الغيرية الفعلية([3]).

و﴿الرَّحْمنِ رمزٌ إلى الصفات السبع([4]) التي هي لا عين ولا غير؛ إذ ﴿الرَّحِيمِ﴾ بمعنى الرزاق، وهو عبارة عن إعطاء البقاء، والبقاءُ تكررُ الوجود، والوجود يستلزم صفةً مُمَيِّزة وصفة مُخَصِّصَة وصفة مُؤَثِّرَة، وهي العلمُ والإرادة والقدرة، والبقاء الذي هو ثمرة إعطاء الرزق يقتضي عُرفًا ثبوتَ البصر والسمع والكلام؛ إذ لابد للرزاق من البصر ليرى حاجة المرزوق إن لم يَطلب، ومن السمع ليستمع كلامه إن طلب، ومن الكلام ليتكلم مع الواسطة إن كانت. وهذه الست تستلزم السابعةَ التي هي الحياة.

إن قلت: تذييل ﴿الرَّحْمنِ الدال على النِّعَمِ العظيمة بـ﴿الرَّحِيمِ﴾ الدال على النعم الدقيقة([5]) يكون صنعة التدلّي، والبلاغة في صنعة الترقِّي من الأدنى إلى الأعلى؟

قلت: تذييلٌ للتتميم كالأهداب للعين واللجام للفرس.

وأيضًا لمّا توقفت العظيمةُ على الدقيقة، كانت الدقيقة أرقى كالمفتاح للقفل واللسان للروح.


([1]) هي المعاني التي تدل على الكمال والعظمة، فيتصف بها الله جل جلاله ويستحيل أن يتصف بضدها؛ لأن ضدها نقص، وذلك كالعلم والقدرة والعزة والعظمة وغيرها، ومنها الصفات الخبرية التي جاءت في القرآن والسنة، ولا يدل عليها العقل، مثل: الوجه واليد، انظر: التعريفات 175.  ([2]) هي الصفات التي يكون معناها نفي ضدها عن الله تعالى، فهي تنفي النقص عنه سبحانه كقولنا من صفاته التنزيهية البقاء، فبذلك ننفي الفناء عنه جل جلاله، انظر: أصول الدين لجمال الدين أحمد بن محمد الغزنوي الحنفي63، ومفاتيح الغيب للرازي 1/117، والفروق للقرافي 3/83، و دستور العلماء 1/280، وآيات الأسماء والصفات لمحمد أمين الشنقيطي 17. ([3]) هي الصفات التي تتعلق بمشيئته وقدرته، إن شاء فعلها، وإن لم يشأ لم يفعلها، فيمكن أن يتصف بها أو بضدها، وذلك كالإحياء، والإماتة، والخلق، والرزق، انظر: التعريفات 175. ([4]) الصفات السبع هي العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام النفساني والسمع والبصر، انظر: المقصد الأسنى 1/160، والفروق 2/350. ([5]) انظر في دلالة الرحمن على النعم العظيمة الجليلة، ودلالة الرحيم على النعم الدقيقة ما جاء في لطائف الإشارات للقشيري 1/11، والكشاف 1/51، وانظر أيضا هذا السؤال وإجابته في الموضع ذاته من الكشاف، ومفاتيح الغيب1/189 ، واللباب في علوم الكتاب 1/148. 



17. صفحة

وأيضًا لما كان هذا المقام مقام التنبيه على مواقع النِعَمِ كان الأخفى أجدر بالتنبيه، فتكون صنعةُ التدلِّي في مقام الامتنانِ والتعدادِ صنعةَ الترقِّي في مقام التنبيه.

إن قلت: ﴿الرَّحْمنِ و﴿الرَّحِيمِ﴾ كأمثالهما بمبادئها محالٌ في حقِّه تعالى كرقَّةِ القلب، وإن أُريد منها النهايات([1]) فما حكمة المجاز([2])؟

قلت: هي حكمة المتشابهات([3])؛ وهي التنزلات الإلهية إلى عقول البشر؛ لتأنيس الأذهان وتفهيمها، كمن تكلم مع صبيّ بما يألفه ويأنس به، فإن الجمهور من الناس يجتنون([4]) معلوماتهم عن محسوساتهم، ولا ينظرون إلى الحقائق المحضة إلا في مرآة متخيلاتهم ومن جانب مألوفاتهم.

وأيضًا المقصود من الكلام: إفادةُ المعنى، وهي لا تتم إلا بالتأثير في القلب والحس، وهو لا يحصل إلا بإلباس الحقيقة أسلوبَ مألوف المخاطب، وبه يستعدُّ القلب للقبول.

﴿الْحَمْدُ

وجه النظم مع ما قبله:

أن ﴿الرَّحْمنِ و﴿الرَّحِيمِ﴾ لما دلّتا على النِعَم استوجبتا تعقيب الحمد.

ثم إن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قد كُرِّرَت في أربع سُوَرٍ من القرآن([5])، كل واحدة منها ناظرة إلى نعمة من النعم الأساسية([6]) التي هي: النشأة الأولى، والبقاء فيها؛ والنشأة الأُخرى، والبقاء بعدها.

ثم وجه نظمه في هذا المقام، أي: جَعْلَه فاتحةَ فاتحةِ القرآن هو: أنه كتصوّر العلة الغائية([7]) المقَدَّم في الذهن؛ لأن الحمدَ صورةٌ إجمالية للعبادة التي هي نتيجةٌ

 ([1])أي: إن قصد الإنعام الذي هو نتيجة ولازم لمعنى حقيقتهما (ت: 16). ([2]) المقصود هنا من المجاز أي الكلام عن الله بما يتشابه مع البشر.  ([3]) المقصود هنا التشابه في النتائج، وفي (ت :16) : التي محال استعمال معناها الحقيقي بحقه تعالى، كاليد. ([4]) اجتنى وجنى بمعنى واحد، انظر: المعجم الوسيط (جنى) 1/141.  ([5]) يقصد أربع سور غير الفاتحة وهى: الأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر. ([6]) انظر: نظم الدرر1/20. ([7]) العلة الغائية هي ما يوجَد الشيءُ لأجله، انظر: التعريفات 1004.



18. صفحة

للخِلقة، والمعرفةِ التي هي حكمةٌ وغايةٌ للكائنات، فكأن ذكرَه تصورٌ للعلة الغائية، وقد قال عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ([1]).

ثم إن المشهور من معاني الحمد إظهار الصفات الكمالية([2]).

وتحقيقه: أن الله سبحانه خلق الإنسان وجعله نسخة جامعة للكائنات، وفهرستة([3]) لكتاب العالَم المشتمل على ثمانية عشر ألف عالَم([4])، وأودع في جوهره أنموذجًا من كل عالَم تجلى فيه اسمٌ من أسمائه تعالى، فإذا صرفَ الإنسان كل ما أُنعِمَ عليه إلى ما خُلِقَ لأجله إيفاءً للشكر العرفي([5]) -الداخل تحت الحمد- وامتثالا للشريعة التي هي جلاء لصدأ الطبيعة، يصيرُ كلُّ أنموذجٍ مشكاةً لعالَمِهِ ومرآةً له، وللصفة المتجلية فيه، والاسمِ المتظاهر منه، فيكون الإنسان بروحه وجسمه خلاصةَ عالمَيْ الغيب والشهادة، ويتجلى فيه ما تجلى فيهما.


([1]) سورة الذاريات: 56. ([2]) انظر: نظم الدرر 6/147 والتقرير والتحبير 1/6، ودرر الحكام شرح غرر الأحكام 1/301، وروح المعاني 1/69، ودستور العلماء 2/44. ([3]) الفهرست والفهرس هو لَحْقٌ يوضع في أول الكتاب أو في آخره يُذكَر فيه ما اشتمل عليه الكتاب من الموضوعات والأعلام أو الفصول والأبواب مُرتَّبٌ بنظام معين، وهي كلمة فارسية معربة، انظر المعجم الوسيط (فهرس) 2/704.     ([4]) ذكر الإمام النورسي هذا الموضوع بشيء من التفصيل في "المكتوب السادس والعشرين" وفي رسائل أخرى من "رسائل النور".  

([5]) الشكر العرفي: هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خُلِق لأجله، فبين الشكر اللغوي والشكر العرفي عمومٌ وخصوص مطلق، كما أن بين الحمد العرفي والشكر العرفي أيضا كذلك، وبين الحمد اللغوي والحمد العرفي عموم وخصوص من وجه، كما أن بين الحمد اللغوي والشكر اللغوي أيضا كذلك وبين الحمد العرفي والشكر العرفي عموم وخصوص مطلق كما أن بين الشكر العرفي والحمد اللغوي عموما وخصوصا من وجه، ولا فرق بين الشكر اللغوي والحمد العرفي، والشكر اللغوي هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل على النعمة من اللسان والجنان والأركان، انظر التعريفات 168- 169 .



19. صفحة

فبالحمد يصير الإنسان مَظهرًا للصفات الكمالية الإلهية، يدل على هذا قول محيي الدين العربي([1]) في بيان حديث "كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِيَعْرِفُوني"([2]) أي: فخلقت الخلق ليكون مرآةً أشاهِدُ فيها جمالي.

﴿لله

أي: الحمد مختصٌّ ومُسْتَحَقٌّ للذات الأقدس المشخَّص([3]) الذي يُلاحَظ بمفهوم "الواجب الوجود"([4])؛ إذ قد يُلاحَظ المشخَّص بأمرٍ عام، وهذه اللام متعلقةٌ بمعنى نفسها([5])،كأنها تشربت معنى متعلقها([6])، وفي اللام إشارةٌ إلى الإخلاص والتوحيد.


([1]) هو محمد بن علي بن محمد بن عربي، أبو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي المعروف بمحيي الدين ابن عربي الملقب بالشيخ الأكبر: فيلسوف من أئمة المتكلمين في كل علم. ولد في مرسية (بالأندلس) وانتقل إلى إشبيلية. وقام برحلة فزار الشام وبلاد الروم والعراق والحجاز وأنكر عليه أهل الديار المصرية "شطحات" صدرت عنه، فعمل بعضهم على إراقة دمه. وحبس، فسعى في خلاصه علي بن فتح البجائي فنجا. واستقر في دمشق، فتوفي فيها وله نحو أربعمائة كتاب ورسالة، منها (الفتوحات المكية) في التصوف وعلم النفس و(فصوص الحكم) توفي سنة 638 هـ ، انظر: ترجمته في الأعلام 6/281 وفوات الوفيات 2/241 وميزان الاعتدال 3/108 وجامع كرامات الأولياء 1/118 وشذرات الذهب 5/190.

  وللإمام النورسي تعليقات وتقويمات حول أفكار محيي الدين بن عربي ولاسيما حول فكرة "وحدة الوجود" في رسائل متفرقة من "رسائل النور".

([2]) لا يُعرف له سند صحيح ولا ضعيف، إلاّ أن علي القاري قال: ولكن معناه صحيح، مستفاد من قوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون) أي ليعرفوني، كما فسره ابن عباس رضي الله عنهما، انظر: مرقاة المفاتيح 10/365 والجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث 1/175.

([3]) انظر روح المعاني 1/77. 

([4]) جاء في المقصد الأسنى: " ....قولنا واجب الوجود عبارة عن استغنائه عن العلة والفاعل، وهذا يرجع إلى سلب السبب عنه"، انظر المقصد الأسنى 51، وفي مفاتيح الغيب: " قولنا واجب الوجود لذاته ..معناه: أن ماهيته وحقيقته هي الموجبة لوجوده، وكل ما كان كذلك فإنه يكون ممتنع العدم والفناء، واعلم أن كل ما كان واجب الوجود لذاته وجب أن يكون قديما أزليا ولا ينعكس؛ فليس كل ما كان قديما أزليا كان واجب الوجود لذاته؛ لأنه لا يبعد أن يكون الشيء مُعَلَّلا بعلة أزلية أبدية فحينئذ يجب كونه أزليا أبديا بسبب كون علته كذلك، فهذا الشيء يكون أزليا أبديا مع أنه لا يكون واجب الوجود لذاته " انظر: مفاتيح الغيب 1/ 111.

([5]) هذا معنى مجازي للام يشير إلى أن اللام اكتسبت شرفها من مجاورتها للفظ الجلالة فلم تعد محتاجة إلى أن تتعلق بشيء على عكس أخواتها، وهذا الكلام لا يخص التعلق اللغوي. 

 ([6])بعد حذف متعلقها. (ت: 17)



20. صفحة

﴿رَبِّ

أي: الذي يربّي العالم بجميع أجزائه التي كلٌّ منها كالعالم عالَم؛ وذرَّاتهُ كنجومه متفرِّقةٌ متحرِّكةٌ بالانتظام.

واعلم أن الله عز وجل عيّن لكل شيءٍ نقطةَ كمالٍ، وأودع فيه ميلا إليها، كأنه أَمَرَه أمرًا مَعْنَويًّا أن يتحرك به إليها، وفي سفره يحتاج إلى ما يمدُّه ودفع ما يَعوقهُ، وذلك بتربيته عز وجل.

لو تأملتَ في الكائنات لرأيتها كبني آدم طوائف وقبائل يشتغل كلٌّ منفردًا ومجتمعًا بوظيفته التي عيَّنَها له صانِعُه ساعيًا مُجدًّا مطيعًا لقانون خالقه، فما أعجب الإنسان كيف يشذّ!

﴿الْعَالَمِينَ

"الياء" و"النون

إما: علامةٌ للإعراب فقط كـ "عشرين وثلاثين"([1]).

أو: للجمعية([2])؛ لأن أجزاء العالم عَوالم.

أو: العالمُ ليس منحصرًا في المنظومة الشمسية، قال الشاعر:

الَحَمْدُ لله كَمْ لله مِنْ فَلَكٍ       تَجرِي النّجُومُ بِهِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ([3])

وآثرَ جمعَ العقلاء مثل ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ([4]) إشارة إلى أن نظرَ البلاغة يُصَوِّّر كل جزء من أجزاء العالم بصورةِ حيّ عاقلٍ متكلِّم بلسان الحال؛ إذ العالَم اسمُ ما يُعلَمُ به الصانعُ، ويشهدُ عليه ويشير إليه، فالتربية والإعلامُ يُومِئان - كالسجود - إلى أنها كالعقلاء.


([1]) أي الملحق بجمع المذكر السالم. ([2]) يقصد جمع المذكر السالم. ([3]) البيت منسوبا لأبي العلاء المعري في تفسير الرازي وصدره هناك : يا أيها الناس كم لله من فلك  ..... انظر مفاتيح الغيب 1/18 ([4]) سورة يوسف: 4.



21. صفحة

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وجه النظم:

أنهما إشارتان إلى أساسَيْ التربية؛ إذ "الرحمن" لكونه بمعنى الرزاق يلائم جلب المنافع؛ و"الرحيم" لكونه بمعنى الغفار يناسب دفع المضارّ، وهما الأساسان للتربية.

 

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

أي: يوم الحشر والجزاء.

وجه النظم:

أنه كالنتيجة لسابقه؛ إذ الرحمة من أدلة القيامة والسعادة الأبدية؛ لأن الرحمةَ إنما تكون رحمةً، والنعمةَ نعمةً إذا جاءت القيامةُ وحصلت السعادة الأبدية، وإلاّ فالعقلُ الذي هو من أعظم النِعَم يكون مصيبةً على الإنسان، والمحبة والشفقة اللتان هما من ألطف أنواع الرحمة تتحولان ألمًا شديدًا بملاحظة الفراق الأبدي.

إن قلت: إن الله تعالى مالكٌ لكل شيء دائما، فما وجه الاختصاص([1]

قلت: للإشارة إلى أن الأسباب الظاهرية التي وضَعَها الله تعالى في عالم الكون والفساد لإظهار عظمته – أي: لئلا يُرى في ظاهر نظر العقل مباشرةُ يد القدرة بالأمور الخسيسة في جهة مُلْك الأشياء - ترتفع في ذلك اليوم وتتجلّى ملكوتيةُ كل شيء صافيةً شفّافةً، بحيث يَرى ويَعرف كلُّ شيء سيِّدَه وصانِعَه بلا واسطة.

وفي التعبير بلفظ "اليوم" إشارة إلى أمارةٍ حدسيةٍ([2]) من أمارات الحشر بناءً على التناسب البيِّن بين اليوم والسنة، وعُمرِ البشر ودوران الدنيا، كالكائن بين أَمْيال([3]) الساعة العادّة للثواني والدقائق والساعات والأيام، فكما أن مَن يرى ميلا

 ([1])في "مالك يوم الدين". (ت: 19) ([2]) الحدس: سرعة انتقال الذهن من المبادئ إلى المطالب ويقابله الفكر وهو أدنى مراتب الكشف، وهو الظن المؤكد، انظر: التعريفات 112. ([3]) يقصد عقارب الساعة.



22. صفحة

أتمَّ دَوْرَه يَحْدُس في نفسه أن مِن شأن الآخر أيضًا أن يتم دوره وإن كان بمهلة؛ كذلك إن من يرى القيامة النوعية المكررة في أمثال اليوم والسنة يتحدّس بتولد ربيع السعادة الأبدية في صبح يوم الحشر للإنسان الذي شخصُه كنوعٍ.

والمراد من ﴿الدِّينِ﴾:

إمّا: الجزاء، أي: يوم جزاء الأعمال الخيرية والشرية([1]).

أو: الحقائق الدينية، أي: يوم طلوعها وظهورها وغلبة دائرة الاعتقاد على دائرة الأسباب؛ لأن الله عز وجل أودع بمشيئته في الكائنات نظامًا يربط الأسبابَ بالمسبَّبات، وألجأ الإنسانَ بطبيعته ووهمه وخياله إلى أن يراعي ذلك النظام ويرتبط به، وكذا وجّه كل شيء إليه، وتَنَزَّه عن تأثير الأسباب في مُلكه، وكلّف الإنسان اعتقادًا وإيمانا بأن يراعي تلك الدائرة بوجدانه وروحه ويرتبط بها، ففي الدنيا دائرة الأسباب غالبةٌ على دائرة الاعتقاد؛ وفي الأُخرى تتجلى حقائق العقائد غالبة على دائرة الأسباب.

واعلم أن لكلٍّ من هاتين الدائرتين مقامًا معينًا وأحكامًا مخصوصة، فلابد أن يُعطى كلٌّ حقّه.

فمن نظر في مقام دائرة الأسباب بطبيعته ووهمه وخياله ومقاييس الأسباب إلى دائرة الاعتقاد اضْطُرَّ إلى الاعتزال([2]).

ومن نظر في مقام الاعتقاد ومقاييسه بروحه ووجدانه إلى دائرة الأسباب أنتج له توكلا تَنْبَلِيًّا([3])، وتمردًا في مقابلة المشيئة النظّامة.


[1] انظر ذلك المعنى والتأويل برواياته في تفسير الطبري 1/68.

([2]) المعتزلة فرقة كلامية ظهرت في بداية القرن الثاني الهجري (80هـ- 131هـ) في البصرة في أواخر (العصر الأموي) وقد ازدهرت في العصر العباسي، وقد اعتمدت المعتزلة على العقل في تأسيس عقائدهم و قدموه على النقل، وقالوا بأنّ العقل والفطرة السليمة قادران على تمييز الحلال من الحرام بشكل تلقائي، انظر الملل والنحل للشهرستاني 1/43، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين 38، وموسوعة الفرق والجماعات والمذاهب الإسلامية 358.

([3]) التنبل كلمة معربة تعني الكسل، انظر التاج 28/145، وهي هنا إشارة إلى الجبرية، والجبرية من الجبر وهو إسناد فعل العبد إلى الله تعالى، انظر التعريفات101، وموسوعة الفرق والجماعات والمذاهب الإسلامية 135.