سورة الفاتحة 4-7
التنقل
23. صفحة
﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾
في "الكاف" "نكتتان":
إحداهما: تَضَمُّنُ الخطاب بسر الالتفات([1]) للأوصاف الكمالية المذكورة؛ إذ ذكرُها شيئًَا شيئًا يحرّك الذهنَ ويُعدّه ويملأُهُ شوقًا، ويهزه للتوجه إلى الموصوف، فـ﴿إيَّاكَ﴾ أي: يا من هو موصوف بهذه الصفات.
والأخرى: أن الخطاب يشير إلى وجوب ملاحظة المعاني في مذهب البلاغة ليكون المقروء كالمُنْزَل، فينجرّ طبعًا وذوقًا إلى الخطاب، فـ ﴿إيَّاكَ﴾ يتضمن الامتثال بـ "اعْبُدْ رَبَّكَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ"([2]).
والتكلم مع الغير في ﴿نَعْبُدُ﴾ لـ"وجوه ثلاثة":
أي: نعبد نحن معاشر أعضاء وذرّات هذا العالم الصغير -وهو أنا- بالشكر العرفي الذي هو إطاعة كلٍّ لما أمر به.
ونحن معاشر الموحّدين نعبدك بإطاعة شريعتك.
ونحن معاشر الكائنات نعبد([3]) شريعتك الكبرى الفطرية ونسجد بالحيرة([4]) والمحبة تحت عرش عظمتك وقدرتك.
وجه النظم:
أن ﴿نَعْبُدُ﴾ بيانٌ وتفسير لـ ﴿الْحَمْدُ﴾ ونتيجة ولازم لـ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
واعلم أن تقديم ﴿إِيَّاكَ﴾ للإخلاص الذي هو روح العبادة، وأن في خطاب الكاف رمزًا إلى علة العبادة؛ لأن من اتصف بتلك الأوصاف الداعية إلى الخطاب استحق العبادة.
([1]) الالتفات مصطلح بلاغي يعني العدول عن الغيبة إلى الخطاب أو التكلم أو العكس انظر الكليات 169 . ([2]) انظر صحيح البخاري 1/ 27، وصحيح مسلم 1/39. ([3]) نعبد هنا بمعنى نخضع ونذل وننقاد ونعترف بـ، انظر المعجم الوسيط. 2/579. ([4])الحيرة: هنا استخدام تركي بمعنى الإعجاب، والانبهار.
24. صفحة
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
هذه كـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ باعتبار "الجماعات الثلاث":
أي: نحن معاشر الأعضاء ومعاشر الموحِّدين ومعاشر الكائنات نطلب منك التوفيق والإعانة على كل الحاجات والمقاصد التي أهمها عبادتك.
كرَّرَ ﴿إِيَّاكَ﴾ لتزييد لذة الخطاب والحضور، ولأن مقام العيان أعلى وأجلّ من مقام البرهان، ولأن الحضور أدعَى إلى الصدق وبألا يكذب، ولاستقلال كلٍّ من المقصدين.
واعلم أن نظم ﴿نَسْتَعِينُ﴾ مع ﴿نَعْبُدُ﴾: كنظم الأجرة مع الخدمة؛ لأن العبادة حق الله على العبد، والإعانة إحسانُه تعالى لعبده.
وفي حصر ﴿إِيَّاكَ﴾ إشارةٌ إلى أن بهذه النسبة الشريفة التي هي العبادة والخدمة له تعالى يترفَّعُ العبد عن التذلل للأسباب والوسائط، بل تصير الوسائطُ خادمةً له، وهو لا يعرف إلا واحدا، فيتجلى حُكْمُ دائرة الاعتقاد والوجدان كما مر، ومن لم يكن خادمًا له تعالى بحقٍّ يصير خادمًا للأسباب ومتذللا للوسائط، لكن يلزم على العبد وهو في دائرة الأسباب ألا يُهمِل الأسبابَ بالمرة لئلا يكون متمردًا في مقابلة النظام المودع بحكمته ومشيئته تعالى؛ لأن التوكل في تلك الدائرة عَطَالةٌ كما مر.
وكنظم المقدِّمة مع المقصود لأن الإعانة والتوفيق مقدمة العبادة.
﴿اِهْدِنَا﴾
وجه النظم:
أنه جواب العبد عن سؤاله تعالى كأنه يسأل: أيّ مقاصدك أعلَقُ بقلبك؟ فيقول العبد: اهدنا.
واعلم أن ﴿اهْدِنَا﴾ بسبب تعدد مراتب معانيه -بناءً على تنوّع مفعوله إلى الهادين والمستهدين والمستزيدين وغيرهم- كأنه مُشتقٌّ من المصادر الأربعة لفعل الهداية.
25. صفحة
فاهدنا باعتبار معشر "ثبِّتنا"، وبالنظر إلى جماعة "زدنا"، وبالقياس إلى طائفة "وفّقنا" وإلى فرقة "أَعْطِنا".
وأيضًا إن الله تعالى بحكم ﴿أعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾([1]) هدانا بإعطاء الحواس الظاهرة والباطنة.
ثم هدانا بنصب الدلائل الآفاقية والأنفسية.
ثم هدانا بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
ثم هدانا أعظم الهداية بكشف الحجاب عن الحقّ فظهر الحق حقا والباطل باطلا.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اِتِّبَاعَهُ وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.
﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
اعلم أن الصراط المستقيم هو العدل الذي هو مُلَخَّصُ الحكمة والعفة والشجاعة اللاتي هي أوساطٌ للمراتب الثلاث للقوى الثلاث([2]).
توضيحه:
أن الله عز وجل لَمَّا أسكن الروحَ في البدن المتحوِّل المحتاج المعروض للمهالك أودع لإدامتها فيه "قوىً ثلاثا":
إحداها: "القوة الشهوية" البهيمية الجاذبة للمنافع.
وثانيتها: "القوة الغضبية" السَبُعية الدافعة للمُضرات والمخرِّبات.
وثالثتها: "القوة العقلية" الملكية المميزة بين النفع والضر.
لكنه تعالى -بحكمته المقتضية لتَكمُّل البشر بسر المسابقة- لم يحدِّد بالفطرة تلك القوى كما حدد قوى سائرِ الحيوانات، وإنْ حدَّدَها بالشريعة؛ لأنها تنهى عن الإفراط والتفريط وتأمر بالوسط، يصدع عن هذا ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾([3])، وبعدم التحديد الفطري يحصل "مراتب ثلاث":
([1]) سورة طه: 50. ([2])انظر ذلك في مفاتيح الغيب 1/206. ([3]) سورة هود: 112.
26. صفحة
مرتبة النقصان وهي التفريط.
والزيادة وهي الإفراط.
والوسط وهي العدل.
فتفريط "القوة العقلية" الغباوة والبلادة، وإفراطها الجَرْبَزَةُ([1]) الخادعة والتدقيق في سفاسف الأمور، ووسطها الحكمة، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾([2]).
اعلم! أنه كما تنوع أصل هذه القوة إلى تلك المراتب، كذلك كل فرع من فروعها يتنوع إلى هذه الثلاث.
مثلا: في مسألة خَلق الأفعال: مذهبُ أهل السنة وسطُ الجبر والاعتزال([3])، وفي الاعتقاد: مذهبُ التوحيد وسط التعطيل والتشبيه([4])، وعلى هذا القياسُ.
وتفريط "القوة الشهوية" الخمودة وعدم الاشتياق إلى شيء، وإفراطها الفجور بأن يشتهي ما صادف حَلَّ أو حَرُمَ، ووسطها العفةُ بأن يرغب في الحلال ويهرب عن الحرام، وقس على الأصل كل فرع من فروعاته من الأكل والشرب واللبس وأمثالها.
وتفريط "القوة الغضبية" الجبانة؛ أي الخوف مما لا يُخاف منه والتوهم، وإفراطها التهوّر الذي هو والدُ الاستبداد والتحكم والظلم، ووسطها الشجاعة أي بذل الروح بعشق وشوق لحماية ناموس الإسلامية وإعلاء كلمة التوحيد، وقس عليها فروعها.
([1]) الجربزة: كلمة دخيلة كما في اللسان (جربز) 5/318 وهي بمعنى الخِبّ الذي يخدع الناس بعذب الكلام. ([2]) سورة البقرة: 269. ([3]) أنكرت المعتزلة خلق الأفعال فقالت: إنها ليست بمخلوقة لله، وأما الجبرية فينفون عن العبد القدرة على الفعل ولا يسمونه فاعلا إلا مجازًا انظر التوحيد 322 والإبانة عن شريعة الفرقة الناجية 1/164، وفي (ت:24): "الجبرية: إفراط حيث يحرم الإنسان من العمل، والمعتزلة تفريط حيث يمنح التأثير للإنسان، أما أهل السنة فهو الوسط، حيث يمنح بداية تلك الأفعال إلى الإرادة الجزئية ونهاياتها إلى الإرادة الكلية ". ([4]) التعطيل هو نفي صفات كماله سبحانه وتعالى وجحدها والتشبيه هو تشبيه صفاته سبحانه وتعالى بصفات خلقه، انظر: كشاف اصطلاحات الفنون 1/ 485، وشرح العقيدة الواسطية للهراس 67، وفتح رب البرية 15، وموسوعة مصطلحات علم الكلام لسميح دغيم1/ 311، وموسوعة الفرق والجماعات والمذاهب الإسلامية 356، و370.
27. صفحة
فالأطراف الستة ظلمٌ والأوساط الثلاثة هي العدل الذي هو الصراط المستقيم، أي العملُ بـ ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾([1]) مَن مرَّ على هذا الصراط يمر على الصراط الممتد على النار.
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
اعلم أن نظم درر القرآن ليس بخيط واحد بل النظم -في كثيرٍ- نقوشٌ تحْصُلُ من نسج خطوطِ نسبٍ متفاوتة قُربًا وبُعدًا، ظهورًا وخفاء؛ لأن أساس الإعجاز بعد الإيجاز هذا النقش. مثلا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يناسب:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لأن النعمة قرينةُ الحمد،
و﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن كمال التربية بترادف النِعَم،
و﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لأن المُنْعَمَ عليهم - أعني الأنبياء والشهداء والصالحين - رحمةٌ للعالمين ومِثالٌ ظاهر للرحمة،
و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لأن الدين هو النعمة الكاملة،
و﴿نَعْبُدُ﴾ لأنهم الأئمة([2])،
و﴿نَسْتَعِينُ﴾ لأنهم المُوَفَّقون،
و﴿اهْدِنَا﴾ لأنهم الأسوة بسر ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾([3]).
و﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لظهور انحصار الطريق المستقيم في مسلكهم، هذا مثال لك فقس عليه.
وفي لفظ ﴿الصِّرَاطَ﴾ إشارة إلى أن طريقهم مَسْلُوكةٌ محدودة الأطراف مَن سلكها لا يخرج عنها.
([1]) سورة هود: 112. ([2])لأنهم الأئمة في العبادة (ت: 25). ([3]) سورة الأنعام: 90.
28. صفحة
وفي لفظ ﴿الَّذِينَ﴾ -بناء على أنه موصولٌ، ومن شأن الموصول أن يكون معهودًا نصْبَ العين للسامع([1])- إشارةٌ إلى علو شأنهم وتلألؤهم في ظلمات البشر، كأنهم معهودون نصب العين لكل سامع وإن لم يتحرَّ ولم يطلب، وفي جمعيته رمز إلى إمكان الاقتداء بهم وحقّانية مسلكهم بسر التواتر؛ إذ (يَدُ الله مَعَ الْجَمَاعَةِ)([2]).
وفي صيغة ﴿أَنْعَمْتَ﴾ إشارة إلى وسيلة طلب النعمة، وفي نسبتها شافع له كأنه يقول: يا إلهي! من شأنك الإنعامُ وقد أنعمْتَ بفضلك، فأنْعِمْ عليّ وإن لم أستحق.
وفي ﴿عَلَيْهِمْ﴾ إشارة إلى شدة أعباء الرسالة وحمل التكليف، وإيماء إلى أنهم كالجبال العالية تتلقى شدائد المطر لإفاضة الصحارى، وما أجمل في ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يفسره ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِييِّنَ والصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء والصَّالِحِينَ﴾؛([3]) إذ القرآن يفسر بعضه بعضًا.
إن قلت: مسالك الأنبياء مُتفاوتةٌ وعباداتهم مختلفة؟
قيل لك: إن التبعية في أصول العقائد والأحكام؛ لأنها مُستمرةٌ ثابتة دون الفروعات التي من شأنها التَغيُّر بتبدل الزمان، فكما أن الفصولَ الأربعة ومراتبَ عمر الإنسان تؤثر في تفاوت الأدوية والتلبّس، فكم من دواء في وقت يكون داءً في آخر؛ كذلك مراتب عمر نوع البشر تؤثر في اختلاف فروعات الأحكام التي هي دواء الأرواح وغذاء القلوب.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾
وجه النظم:
اعلم أن هذا المقام لكونه مقامَ الخوف والتخلية يناسب المقامات السابقة؛ فينظر بنظر الحيرة والدهشة إلى مقام توصيف الربوبية بالجلال والجمال، وبنظر
([1]) حيث إن الاسم الموصول من المعارف؛ ولذلك فهو معروف ومعهود للسامع، وقد قال ابن عصفور:"الموصول فى التعريف بمنزلة ما عرف بالألف واللام" شرح جمل الزجاجي 1-207. ([2]) انظر الحديث في سنن الترمذي 4/466 حديث رقم 2166 وقال حديث حسن غريب وفي صحيح ابن حبان 10/438 حديث رقم 4277. ([3]) سورة النساء: 69.
29. صفحة
الالتجاء إلى مقام العبودية في ﴿نَعْبُدُ﴾، وبنظر العجز إلى مقام التوكل في ﴿نَسْتَعِينُ﴾، وبنظر التسلي إلى رفيقه الدائمي أعني مقام الرجاء والتحلية؛ إذ أوّلُ ما يتولد في قلب من يرى أمرًا هائلا حِسُّ الحيرة، ثم ميلُ الفرار، ثم التوكلُ عند العجز، ثم التسلي بعد ذلك الأمر.
إن قلت: إن الله عز وجل حكيم غني فما الحكمة في خلق الشر والقبح والضلالة في العالم؟
قيل لك: اعلم أن الكمال والخير والحسن في الكائنات هي المقصودة بالذات وهي الكليات؛ وأن الشر والقبح والنقصان جزئياتٌ بالنسبة إليها، قليلةٌ تبعية مغمورة في الخلقة، خلَقَها خالقها منتشرةً بين الحسن والكمال، لا لِذاتها، بل لتكون مقدمةً، وواحدًا قياسيًّا، لظهور -بل لوجود- الحقائق النسبية للخير والكمال.
إن قلت: فما قيمة الحقائق النسبية حتى استُحسن لأجلها الشرّ الجزئي؟
قيل لك: إن الحقائق النسبية هي الروابط بين الكائنات، وهي الخطوط المنسوج منها نظامُها، وهي الأشعة المنعكس منها وجودٌ واحد لأنواعها، وإن الحقائق النسبية أزيدُ بألوفٍ من الحقائق الحقيقية؛ إذ الصفات الحقيقية لِذاتٍ لو كانت سبعة كانت الحقائق النسبية سبعَمائة، فالشر القليل يُغْتَفَر، بل يُسْتَحْسَن لأجل الخير الكثير؛ لأن في ترك الخير الكثير -لأن فيه شرًّا قليلا- شرًّا كثيرًا، وفي نظر الحكمة إذا قابل الشرُّ القليل شرًّا كثيرًا صار الشرُّ القليل حسنًا بالغير، كما تقرر في الأصول في الزكاة والجهاد.
وما اشتهر من: "أن الأشياء إنما تُعْرَف بأضدادها" معناه: إن وجود الضد سببٌ لظهور ووجود الحقائق النسبية للشيء، مثلا: لو لم يوجَد القبحُ ولم يتخلل بين الحسن لما تظاهر وجودُ الحسن بمراتبه غير المتناهية.
إن قلت: ما وجه تفاوت هذه الكلمات الثلاث: فعلا، واسم مفعولٍ، واسمَ فاعلٍ، في: ﴿أَنْعَمْتَ﴾ و﴿الْمَغْضُوبِ﴾ و﴿الضَّالِّينَ﴾؟
30. صفحة
وأيضًا ما وجه التفاوت في ذكر: صفة الفرقة الثالثة، وعاقبة الصفة في الفرقة الثانية، وعنوان صفة الفرقة الأولى باعتبار المآل؟
قيل لك: اختار عنوان النعمة؛ لأن النعمة لذةٌ تميل النفسُ إليها، وفعلا ماضيا للإشارة إلى أن الكريم المطلق شأنُه ألا يسترد ما يعطي.
وأيضًا رمزٌ إلى وسيلة المطلوب بإظهار عادة المنعم، كأنه يقول: لأن من شأنك الإنعامُ وقد أنعَمْتَ فأنْعِم عليّ.
أما ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ فالمراد منه: الذين تجاوزوا بتجاوز القوة الغضبية فظلموا، وفسَقوا بترك الأحكام كتمرد اليهود.
ولما كان في نفس الفسق والظلم لذةٌ منحوسة وعزة خبيثة لا تتنفر منه النفس ذَكَرَ القرآنُ عاقبته التي تُنَفِّر كلَّ نفسٍ وهي نزول غضبه تعالى، واختار الاسم الذي من شأنه الاستمرار إشارة إلى أن العصيان والشر إنما يكون سِمةً إذا لم ينقطع بالتوبة والعفو.
أمّا ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ فالمراد منه: الذين ضلوا عن الطريق بسبب غلبة الوهم والهوى على العقل والوجدان ووقعوا في النفاق بالاعتقاد الباطل كسفسطة([1]) النصارى، اختار القرآن نفسَ صفتهم لأن نفسَ الضلالة أَلَمٌ، يُنَفِّر النفسَ ويجتنب منه الروحُ وإن لم يرَ النتيجةَ، واسمًا لأن الضلالة إنما تكون ضلالةً إذا لم تنقطع([2]).
واعلم أن كل الألم في الضلالة وكل اللذة في الإيمان.
فإن شئت فتأمل في حال شخص، بينما أخرجَتْه يدُ القدرة من ظلمات العدم وألقَتْهُ في الدنيا -تلك الصحراء الهائلة- إذ يفتح عينيه مستعطفًا، فيرى البليات والعللَ كالأعداء تتهاجم عليه، فينظر مسترحمًا إلى العناصر والطبائع فيراها غليظة القلب بلا رحمة قد كشرت على الأسنان([3])؛ فيرفع رأسه -مستمدًا- إلى الأجرام
([1]) السفسطة: قياس مركب من الوهميات، و الغرض منه إفحام الخصم وإسكاته، والسوفسطائية: فرقة ينكرون الحسيات والبديهيات وغيرها والواحد سوفسطائي، انظر المعجم الوسيط (س - ف - س - ط) 1/433. ([2])إذ انقطاعها إشارة إلى دخولها ضمن العفو. (ت: 29) ([3])يقال كشر على أنيابه، أي توعده، انظر: أساس البلاغة 544.
31. صفحة
العلوية فيراها مهيبة ومدهشة تهدده كأنها مَرَامٍ([1]) ناريةٌ من أفواه هائلة تمر حواليه؛ فيتحير ويخفض رأسه متسترًا ويطالع نفسه؛ فيسمع ألوفَ صيحاتِ حاجاته وأنين فاقاته، فيتوحش، فينظر إلى وجدانه ملتجئًا؛ فيرى فيه ألوفًا من آمال متهيجةٍ ممتدةٍ لا تُشبعها الدنيا.
فبالله عليك كيف حال هذا الشخص إن لم يعتقد بالمبدأ والمعاد والصانع والحشر؟! أتظن جهنم أشدَّ عليه من حاله وأحرقَ لروحه؟! فإن له حالةً تركبت من الخوف والهيبة والعجز والرعشة والقلق والوحشة واليتم واليأس؛ لأنه إذا راجع قدرته يراها عاجزةً ضعيفة؛ وإذا توجه إلى تسكين حاجاته يراها لا تسكت؛ وإذا صاح واستغاث لا يُسْمَع ولا يُغاث فيظن كلَّ شيء عدوًّا، ويتخيل كلَّ شيء غريبًا، فلا يستأنس بشيء؛ ولا ينظر إلى دوران الأجرام إلاّ بنظر الخوف والدهشة والتوحش المزعجة للوجدان.
ثم تأمل في حال ذلك الشخص؛ إذا كان على الصراط المستقيم واستضاء وجدانهُ وروحُه بنور الإيمان، كيف ترى أنه إذا وضع قدمه في الدنيا وفتح عينيه فرأى تهاجم العادياتِ الخارجية يرى إذًا "نقطة استناد" يستند إليها في مقابلة تلك العاديات، وهي معرفة الصانع فيستريح.
ثم إذا فتش عن استعداداته وآماله الممتدة إلى الأبد يرى "نقطة استمداد" يستمد منها آماله وتتشرب منها ماءَ الحياة وهي معرفة السعادة الأبدية.
وإذ يرفع رأسه وينظر في الكائنات يستأنس بكل شيء وتجتني عيناه من كل زهرة أُنسية وتحبّبا، ويرى في حركات الأجرام حكمةَ خالقها ويتنزّه بسيرها وينظر نظر العبرة والتفكر، كأن الشمس تناديه: أيها الأخ! لا تتوحش مني فمرحبا بقدومك! نحن كلانا خادمان لِذاتٍ واحد، مطيعان لأمره، والقمر والنجوم والبحر وأخواتها يناجيه كلٌّ منها بلسانه الخاص وترمز إليه: بأهلا وسهلا، أما تعرفنا؟! كلنا مشغولون بخدمة مالكك فلا تضجر ولا تتوحش ولا تخف من تهديد البلايا بنعراتها، فإن لجام كلٍّ بيد خالقك.
([1])يقصد بها القذائف والطلقات النارية.
32. صفحة
فذلك الشخص في الحالة الأولى يحس في أعماق وجدانه ألمًا شديدًا فيضطر للتخلص منه وتهوينه وإبطال حسه بالتسلي، بالتغافل، بالاشتغال بسفاسف([1]) الأمور، ليخادع وجدانَه وينام روحُه؛ وإلا أحس بألمٍ عميق يحرق أعماقَ وجدانه، فبنسبة البُعْدِ عن الطريق الحق يتظاهر تأثير ذلك الألم.
وأما في الحالة الثانية فهو يحس في قعر روحه لذةً عالية وسعادة عاجلة، كلما أيقظ قلبه وحرَّك وجدانه وأحسّ روحه استزاد سعادةً واستبشر بفتح أبواب جنات روحانية له.
اَللَّهُمَّ بِحُرْمَةِ هذِهِ السُّورَةِ اجْعَلْنَا مِنْ أهل الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
([1])السفساف، هو الرديء من كل شيء، ما دق منه، انظر لسان العرب ( س - ف - ف) 9/154.


