ذيل اللمعة الخامسة والعشرون
التنقل
49. صفحة
ذيل اللمعة الخامسة والعشرين
المكتوب السابع عشر
رسالة في عزاء من مات ولده
أدرج هنا لمناسبة المقام
باسمه
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۞ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
(البقرة:155-156)
أخي العزيز في الآخرة السيد الحافظ خالد!
أخي! لقد أحزنتني وفاةُ طفلك كثيرًا، ولكن -والحكم لله- الرضا بالقضاء والاستسلام للقدر من شعائر وخصائص الإسلام، أسأل الله أن يُفرِغ عليكم صبرًا جميلا، وأن يجعل لكم المرحوم ذخرًا للآخرة وشفيعًا فيها، نبين لكم ولأمثالكم من المتقين "خمس نقاط" تبشر بشرى عظيمة وتسلي سلوانًا حقيقيًّا.
النقطة الأولى:
إن معنى البشارة ﴿وِلْدَانٌ مُخَلّدُونَ﴾ (الإنسان:76) الواردة في القرآن الحكيم وسرها هو:
أن هذه الآية الكريمة ﴿وِلْدَانٌ مُخَلّدُونَ﴾ تبشر وتشير إلى أن أولاد المؤمنين الْمُتَوَفَّيْنَ قبل البلوغ سيُخَلّدُون في الجنة أطفالا محبوبين بما يليق بها، وأنهم
50. صفحة
سيكونون وسيلة لسرور أبدي في أحضان آبائهم وأمهاتهم الذين رحلوا إلى الجنة، ووسيلة لتحقيق ألطف ذوق ولذة لأبويهم كحب الأولاد ومداعبتهم، وأن كل شيء لذيذ يوجد في الجنة، وأن قول من يقول "ليس في الجنة حب الأولاد ومداعبتهم لعدم وجود التناسل فيها" ليس بحقيقة؛ وأن نيل محبة الأولاد ومداعبتهم الأبدية الخالصة الخالية من الألم مدة ملايين السنين، بدلا من محبتهم ومداعبتهم المشوبة بالآلام في عشر سنوات قصيرة في الدنيا، لهو أعظم وسيلة سعادةٍ لأهل الإيمان.
النقطة الثانية:
كان ذات يوم في أحد السجون رجل، وأُرسل إليه أيضًا ولده المحبوب، وأصبح هذا الرجل المسكين يقاسي آلامه، وفي الوقت نفسه يتألم بمعاناة عجزه عن تحقيق راحة ولده، ثم بعد حين أرسل إليه الحاكم الرحيم رجلا ليقول له: هذا الولد في الحقيقة ولدك، ولكنه أحد رعاياي وأحد أفراد شعبي، وسآخذه أنا، وأهتم بتربيته شخصيًّا في قصر جميل، فجزع الرجل وأخذ يبكي ويشتكي، وقال: "لن أسلمكم ولدي الذي هو مبعث سلوان لي"، وقال له أصدقاؤه في السجن: "لا معنى لأحزانك وأشجانك، إن كنت تشفق على ولدك وترحمه فإنه سيذهب إلى قصر واسع عامر بالفرح والسعادة بدلا من هذا السجن الملوث العفن الضيق المزعج، وإن كنت تحزن من أجل نفسك وتبغي مصلحتك، فستعاني كثيرًا وتتألم من مشقّات الولد إن بقي هنا مع حصولك على مصلحة مشبوهة مؤقتة؛ أما إذا ذهب هناك ففي ذهابه ألف مصلحة ومنفعة لك؛ لأنه يصبح وسيلة لجلب رحمة الملك إليك، ويكون بمنزلة الشفيع لك، وسيرغب الملك في أن تقابل ابنك، ولابد من أنه لن يرسله إلى السجن من أجل أن تلقاه، بل سيخرجك من السجن، وسيناديك إلى القصر، ويجعلك تقابل الولد، كل ذلك على شرط أن تثق بالملك وتعتمد عليه وتطيعه.
فكما في هذا المثال فإذا توفي أولاد المؤمنين من أمثالك أخي العزيز فيجب التفكير كما يلي:
51. صفحة
إن هذا الولد -المتوفى- بريء، وإن خالقه رحيم كريم، فهو قد ضمه إلى عنايته ورحمته الكاملتين بدلا من تربيتي وشفقتي الناقصة، وأخرجه من سجن الدنيا الأليم المليء بالمصائب والمشقات، وأرسله إلى جنات الفردوس، فطوبى لهذا الولد، ولا يعلم أحد ماذا كان يحصل له لو بقي في هذه الدنيا، ولذلك أنا لا أتألم لموته ولا أشفق عليه، بل أعتقد أنه سعيد، فكيف أشفق على نفسي من أجل مصلحة خاصة بي وأحزن وأتألم؟! لأنه لو كان قد بقي في الدنيا لكان يحقق لي محبة ولد مؤقتة تدوم عشر سنوات مشوبة بالآلام، ولو كان صالحًا تقيًّا وناجحًا مقتدرًا في أمور الدنيا ربما كان سيساعدني، ولكنه أصبح لي بوفاته مبعثَ محبة للأولاد طوال عشرة ملايين سن في الجنة الأبدية، ووسيلةً للسعادة الأبدية، وبمنزلة شفيع فيها. فلاريب ولاشك أن الذي يضيِّع مصلحة واحدة عاجلة مشكوكًا فيها، ويكسب ألف مصلحة ومنفعة محققة مؤجلة؛ لا يتألم ولا يحزن، ولا يصرخ في يأس وقنوط.
النقطة الثالثة:
لقد كان الولد المتوَفَّى مخلوقًا للخالق الرحيم ومملوكًا وعبدًا له، ومصنوعًا من مصنوعاته بكل كيانه، وصديقًا لأبويه حيث وُضِع تحت رعاية أبويه مؤقتًا، وقد سخر له الله تعالى والديه، ووهب لهما شفقة لذيذة كأجرة عاجلة مقابل تسخيرهما له، أما الآن فإذا أخذ الخالق الرحيم -الذي له تسعمائة وتسع وتسعون حصة من ألف حصةٍ- الولدَ من يدك بمقتضى حكمته ورحمته، وأنهى خدمتك له؛ فإن الحزن والعويل والصراخ في يأس -وكأنك تشكو بما في يدك من حصة واحدة ظاهرية صورية ضد صاحب ألف حصة- لا يليق بأهل الإيمان، بل يليق بأهل الغفلة والضلالة.
النقطة الرابعة:
لو كانت الدنيا أبدية خالدةً وكان الإنسان أبديًّا خالدًا فيها، وكان الفراق أبديًّا، لكان للأحزان في ألم وللأشجان في يأس معنى ومغزى، ولكن بما أن الدنيا دار
52. صفحة
ضيافة، وبما أننا وأنكم راحلون حيث رحل الطفل المتوفى، وهذه الوفاة ليست خاصة به بل هي جادّة عامة، وبما أن الفراق ليس أبديًّا، وأن هناك لقاء سيتحقق في البرزخ وفي الجنة؛ إذن فلابد من القول: "الحكم لله، فهو الذي أعطى وهو الذي أخذ"، وينبغي القول: "الحمد لله على كل حال" وينبغي الشكرُ في صبر.
النقطة الخامسة:
إن الشفقة التي هي من ألطف تجليات الرحمة الإلهية، وأجملها وأطيبها وأحلاها، هي إكسير نوراني، وهي أنفذ من العشق، وهي وسيلة توصل إلى الله تعالى بسرعة، كما أن العشق المجازي والعشق الدنيوي ينقلبان إلى العشق الحقيقي بمشكلات كثيرة، فيجد اللهَ، كذلك فالشفقة تربط القلب بالله؛ تعالى دون مشكلات بطريقة أقصر وأصفى وأنقى من العشق.
كل من الوالد والوالدة يحبان ولدهما ملء الدنيا، فإذا أُخذ من أحدهما ولده فإنه يُعرض عن الدنيا، ويجد المنعم الحقيقي إذا كان سعيدًا ومن أهل الإيمان حقًّا، ويقول: بما أن الدنيا فانية، فلا تستحق تعلق القلب بها، فيشعر في قلبه علاقة وتعلقا بديار رحل إليها ولده، ويظفر بحالة معنوية عظيمة.
أما أهل الغفلة والضلالة فهم محرومون من هذه السعادة والبشرى المذكورة في هذه الحقائق الخمس؛ واعرفوا إلى أي حد تكون حالتهم أليمةً بما يلي:
إن أحدًا من أهل الضلالة إذا رأى ولده الوحيد المحبوب الذي يحبه حبًّا جمًّا يعاني سكرات الموت، فسيفكر في تراب القبر بدلا من فراشه الناعم الوثير، لما يتصوره من أن الموتَ عدمٌ والفراقَ أبديّ نتيجة الغفلة والضلالة بحكم توهم الأبد والخلود في الدنيا، ولا يفكر بسبب غفلته وضلالته في رحمة جنة أرحم الراحمين ولا في نعم فردوسه، فيمكنك أن تعرف مدى حزنه اليائس، ومعاناته الآلامَ.
53. صفحة
ولكن الإسلام والإيمان اللذين هما وسيلة سعادة الدارين يقولان للمؤمن: "إن ولدك هذا الذي يعاني السكرات سيخرجه خالقه الرحيم من هذه الدنيا القذرة، وسيأخذه إلى الجنة، وسيجعله شفيعًا لك، وسيجعله ولدًا خالدًا أبديًّا لك، فالفراق مؤقت فلا تقلق، وقل: "الحكم لله"، و"إنا لله وإنا إليه راجعون" واصبر.
الباقي هو الباقي
سـعيد النورسي


