اللمعة السادسة والعشرون

54. صفحة

اللمعة السادسة والعشرون

رسالة الشيوخ

تحتوي على ستة وعشرين رجاء وضياء وتسلية.

تنبيه: إن الهدف من كتابتي همومي المعنوية في بداية كل رجاء بطريقة أليمة تثير فيكم أحزانا وأشجانا هو إظهار التأثير الخارق للعلاج النابع من القرآن الحكيم.

وهذه "اللمعة" التي تخص الشيوخ لم تحافظ على حسن البيان لأسباب عدة:

أولها: لأنها تخص ما جرى في حياتي الشخصية من وقائع وأحداث، وكُتبت عن طريق الذهاب -خيالا- إلى أزمان تلك الوقائع والأحداث، وسُجِّلت على تلك الحالة؛ فإنها لم تحافظ على انتظام البيان وتناسقه.

ثانيها: كُتبت بسرعة تحت ظروف قاهرة بعد صلاة الفجر، وكنت أعاني حينها تعبًا شديدًا؛ لذا فقد ظهر التشويش في عباراتها وأسلوبها.

ثالثها: لم يكن معي مستنسخون حين تأليفها، والكاتب الذي كان معي هو الآخر كان مشغولا بوظائف ومهام كثيرة متعلقة بدعوة رسائل النور، فلم نجد وقتا كافيا لمراجعتها وتصحيحها، ومن ثَمَّ فقد وقع فيها شيء من الاضطراب.

رابعها: أصابني والكاتب إرهاق عقب التأليف، فاكتفينا بمراجعةٍ وتصحيحٍ سطحيين جدًّا بدون التأمل في معانيها بدقة؛ لذا فلابد أنه سيوجد بعض التقصيرات في طريقة البيان.

أرجو الشيوخ الكرام أن ينظروا بالصفح والسماح إلى تقصيراتي في الأسلوب والبيان، وأن يجعل لي هؤلاء الشيوخ المباركون نصيبًا من دعواتهم حينما يرفعون أكفهم ضارعين إلى الرحمة الإلهية التي لا ترد أيديهم فارغةً.

سعيد النورسي 

55. صفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿كهيعص ۞ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ۞ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ۞ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا

(مريم: 1-4)

هذه اللمعة عبارة عن "ستة وعشرين رجاء".

الرجاء الأول:

أيها الإخوة الشيوخ المحترمون، أيتها الأخوات العجائز المحترمات، يا من بلغتم سن الكمال.

أنا أيضا شيخ عجوز مثلكم، سأكتب بعض حالات مرَّتْ عليَّ، وما وجدت من رجايا في وقت شيخوختي حينًا بعد حين؛ علّني أشرككم في نور السلوان الذي في تلك الرجاءات، إلا أن الأضواء التي رأيتها وأبواب الرجاءات التي صادفتها قد شُوهِدت وفُتِحَت حسب استعداداتي الناقصة والمشوَّشة، ولكن استعداداتكم الصافية الخالصة ستزيد إن شاء الله شدة الضياء الذي رأيته ضياءً على ضياء، والرجاءَ الذي وجدته قوَّةً على قوَّةٍ، فمنبع الرجاءات والأضواء الآتية ومعدنها وينبوعها إنما هو الإيمان.

الرجاء الثاني:

حينما دَخَلْتُ شيخوختي نظرت إلى الدنيا من قمة جبل عالٍ في يوم من أيام الخريف وقتَ العصر، فإذا بي تنتابني حالة في غاية الحزن والرقة من ناحية، وفي ظلام دامس من ناحية أخرى، فرأيت أنني شِخْتُ، والنهار أيضا شَاخَ، والسنة كذلك شَاخَتْ، والدنيا هي الأخرى شاخت، فهَزَّتني الشيخوخةُ هِزَّةً شديدةً؛ حيثُ إِنَّ زمن الفِراقِ عن الدنيا والافتراق عن أحبائي وعن كل ما أُحِبُّه قد اقترب مع

56. صفحة

أنواع هذه الشيخوخة، وبينما كنت في تلك الحالة إذا برحمة إلهية انكشفت بصورة حوَّلت ذلك الحزن الشَّجِيَّ والفراقَ الرقيقَ إلى نورِ رجاءٍ قويٍّ، وسلوانٍ مُشْرِقٍ.

نعم؛ أيها الشيوخ مثلي!

إن رحمة خالقنا الرحيم الذي يُقَدِّم نفسه لنا في القرآن الحكيم مائة مرة بِصِفَتَيْ "الرحمن الرحيم"، والذي يُرْسِلُ رحمتَه لإمداد ذوي الحياة الذين يسألون الرحمة دوما على الأرض، والذي يُسْعِفُنا - نحن المحتاجين إلى الرزق- كلَّ سنة بربيع من الغيب مَالِئًا إياه بنعمٍ وهدايا لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، والذي يُظهر جلوات رحمته أكثر كلما كان الضعف والعجز أكثر.. أجل؛ إن رحمة خالقنا الرحيم هي أكبر رجاء وأقوى ضياء لنا في شيخوختنا هذه.

أما العثور على هذه الرحمة والظفر بها، فيكون بالانتساب إلى ذلكم الرحمن بالإيمان به، وإقامة فرائضه وطاعته.

الرجاء الثالث:

حينما أفقت من نوم ليلة الشبيبة على صبح المشيب نظرت إلى نفسي، فوجدت جسمي يسير سيرا حثيثا نحو القبر، وكأنه يجري بسرعة من منحدر نحو الأسفل، ورأيت جسمي الذي هو بيت روحي ومأواها يَسْقُطُ كلَّ يَومٍ حجرٌ من أحجاره، فيتآكل ويتداعى كما قال نيازي المصري[1]:

سَقَطَ عَلَى الأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ حَجَرٌ مِنْ مَبْنَى عُمْرِي

وَالرُّوحُ رَاقِدَةٌ غَافِلَةٌ عَنْ خَرَابِ بَيْتِهَا لاَ تَشْعُرُ ولا تدري


[1]  هو شاعر تركي صوفي كبير، ولد في تركيا سنة 1618م، وتوفي سنة 1693م بإحدى الجزر التابعة لليونان ودفن بها، مؤسس الطائفة المصرية أو النيازية من الطريقة الخلوتية في القرن السابع عشر الميلادي، ولقب بالمصري لدراسته في مصر.

 



57. صفحة

وبدأتْ تنقطع آمالي ورغباتي وطموحاتي التي تربطني بالدنيا برباطٍ وثيق، فشعرت باقتراب وقت الفراق عن أحبابي وأصدقائي غير المعدودين، فبحثت عن مرهم ذلك الجرح المعنوي الغائر جدًّا، الذي يبدو كأنه لا دواء له، فلم أجدْه، وقلت مرةً أخرى كما قال نيازي المصري:

القلب في عشق البقاء مُتَيَّمٌ

وعلى الوجود الحقُّ قد كتب الفناءَ

داء عضال قد أصبت به ولم

يدر الحكـيم الألمعـي لـه دواء

 

وإذا بي أرى فجأة نورَ حبيبنا الرسول -عليه الصلاة والسلام- الذي هو لسان الرحمة الإلهية ومثالها وتمثالها ودلاّلها وممثلها، وشفاعَتَه وهديةَ هدايتهِ التي جاء بها للبشر؛ صارت مرهما ناجعا وترياقا نافعا لذلك الجرح الغائر الذي ظننته يستعصي على الدواء، وحوّلت يأسي المظلم إلى رجاء منوَّر.

أجل؛ أيها الشيوخ وأيتها العجائز، أيها الموقرون الذين يشعرون بشيخوختهم مثلي!

نحن ذاهبون راحلون، ولا فائدة من الغفلة، ولن يُبقونا هنا إذا أغمضنا أعيننا، والناس كلهم يساقون سوقا، ولكن مملكة البرزخ التي تبدو لنا كأنها مظلمةٌ وديارُ غربةٍ وفراق بسبب الغفلة وبسبب أوهام الظلمات الآتية من أهل الضلالة؛ في الحقيقة هي مجمع الأحباب، وهي عالم الوصال مع جميع أحبتنا، وعلى رأسهم شفيعنا حبيب الله عليه الصلاة والسلام.

أجل؛ إننا راحلون إلى عالَمٍ رحل إليه الرسول r الذي هو سلطان ثلاثمائة وخمسين مليونًا من الناس في كلّ سنة خلال ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، ومُرَبِّي أرواحهم، ومعلم عقولهم، ومحبوب قلوبهم، والذي يُضاف إلى سجل حسناته كلَّ يوم مثلُ ما قامت بها أمتُه من حسناتٍ بِسِرِّ: "السبب كالفاعل"، والذي هو مدار المقاصد السامية الإلهية في هذا الكون، وسبب سموّ قيمة الموجودات وتعاليها وترقّيها. 


58. صفحة

نعم؛ إننا راحلون إلى عالَمٍ رحل إليه ذلكم الرسول r الذي سيسعى بشفاعته إلى إمداد أمته حين يقول الجميع: "نفسي.. نفسي.." بأقدس تضحية وأسماها في المحشر قائلا "أمتي..أمتي.." كما قال دقيقةَ تشريفه الدنيا "أمتي..أمتي.."[1]، وإننا راحلون إلى عالم استضاء بأضواء تلك الشمس، وبنجوم الأصفياء والأولياء غير المعدودين لها؛ فالوسيلة الوحيدة للانضواء تحت لواء شفاعة ذلكم الرسول r، والاستفادة من نوره والنجاة من الظلمات البرزخية هي اتباع السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ.

الرجاء الرابع:

حينما وضعت قدمي في عالم الشيخوخة قبل سنين، كانت صحة جسمي -التي تديم الغفلة- قد سقُمت واعتلّت، وهجمت عليَّ الشيخوخة والمرض معا، ومنعاني النوم بضرباتهما المتتالية على رأسي، ولم تكن لي أواصر ووشائج تربطني بالدنيا كالأولاد والأموال، ونظرت إلى ثمار رأس مال عمري الذي ضيَّعته بطيش الشباب، فوجدتها كلها أخطاء وآثاما، فقلت كما قال نيازي المصري صارخًا:

ضيَّعتُ ثَرْوَةَ العُمْرِ هَبَاءً خُسْرَانًا،

فَلَمْ أُفْلِحْ بِالتِّجَارَةِ وَلَمْ أَظْفَرْ بالاستثمارِ!

عُدْتُ إِلَى الطَّرِيقِ

وَلَكِنْ لَمْ أَلْحَقْ بِالقَافِلَةِ

وَقَدْ رَحَلُوا

فسلكتُ الطريقَ وَحِيدًا غَرِيبا

أَتَأَوَّهُ وَأَصْرُخُ وأعول وأَبْكِي

وفي العينِ دموعٌ غِزَارٌ

وفي القلبِ نيرانٌ تستعر

والعقل حيران مضطرب!


[1]  لقد ثبت بروايات صحيحة وكشفٍ صادق أن الرسول  قال حين قدومه إلى الدنيا: "أمتي.. أمتي". (المؤلف)

 



59. صفحة

وحينها كنت في الغربة؛ إذ أحسست حزنا يائسا، وتأسُّفًا نادما، وتحسرا كله استغاثة واستمداد؛ وإذا بالقرآن المعجز البيان أَمَدَّنِي وفتح أمامي باب رجاء قوي، وأحاطني بضياء سلوان حقيقي يَقدر على إزالة اليأس الذي كان ينتابني ولو كان أضعاف ما كان مائة مرة، ويستطيع أن يبدد تلك الظلمات والظلم.

أجل؛ أيها الشيوخ المحترمون وأيتها العجائز المحترمات، يا مَنْ أخذت علائقهم مع الدنيا في الانقطاع، وشَرَعَتْ العُرَى التي تربطهم بالدنيا في الانفصام مثلي!

أمن الممكن للصانع ذي الجلال الذي خلق هذه الدنيا كأبدع قصر وأنظم مدينة، ألا يتكلم مع أهم ضيوفه وأحبائه وأوليائه الذين يقطنون فيهما؟! بما أنه قد بنى هذا القصر عن علم، ونظّمه وزيّنه عن إرادة واختيار، فلابد أن الفاعل يعلم، كما أن العالم يتكلم، وبما أنه قد جعل هذا القصر وهذه المدينة دار ضيافة جميلة، ومتجرا جميلا؛ فلابد أنه سيكون له دفاتر وكتب يبين فيها علاقته بنا ومطالبه منا.

وإن أكمل تلك الكتب المقدسة هو القرآن المعجز البيان الذي هو معجرة بأربعين وجها، والذي يجري كل دقيقة على ألسنة مائة مليون على الأقل، وينثر نورا، والذي في كل حرف من حروفه عشرة ثوابات وعشر حسنات على الأقل، بل عشرة آلاف أحيانا، وثلاثون ألف حسنة، وثمرة جنة، ونور برزخ، بِسِرِّ ليلة القدر، وليس ثمة كتاب في الكون على الإطلاق يتنافس معه ويناظره من هذه الناحية، ولا يستطيع أحد أن يَدَّعِي هذا.

وبما أن هذا القرآن الذي بين أيدينا هو كلام خالقُ السماوات والأرض ذي الجلال من حيث ربوبيته المطلقة، ومن جهة عظمة ألوهيته، ومن جانب إحاطة رحمته، وفرمانُه ومرسومُه، ومعدنُ رحمته؛ فاعْتَصِم وتمسَّكْ به، ففيه دواء لكلِّ داءٍ، وضياء لكل ظلام، ورجاء لكل يأس.

أما مفتاح هذا الكنز الأبدي فهو الإيمان به، والاستسلام له، والاستماع إليه، وقبول بما فيه، وتلاوته.


60. صفحة

الرجاء الخامس:

في بداية شيخوختي كنت قد رغبت في الانزواء والعزلة، فبَحَثَتْ روحي عن راحة في الوَحْدة في تلِّ يوشع المطل على مضيق البوسفور في إستانبول.

نظرت ذات يوم من ذلك التل المرتفع إلى جانب الأفق وحولي، فرأيت بإخطار الشيخوخة لوحة زوال وفراق تغمرها الأحزان والأشجان، وجُلْتُ بنظري من الْمَقام العالي للغصن الخامس والأربعين -الذي هو السنة الخامسة والأربعون- من شجرة عمري حتى الطبقات السفلى لحياتي، فرأيت في كلِّ سنةٍ من سنوات كل غصن من الأغصان ما لا يعد ولا يحصى من الجنائز لأحبائي وأقربائي ومعارفي، وفيما كنت مغموما بأحزان وأشجان معنوية بالغة، ناشئة عن ذلك الفراق والافتراق؛ فكرت في الأحباء الذين فارقوني، وتَأَوَّهْتُ وَتَوَجَّعْتُ، فبحثت عن سلوان ورجاء وباب نور، قائلا مثلما قال فضولي البغدادي:

أبكي كلما طاف بخيالي وصالك  وأنتحب مادام في جسمي النحيل نفَس

وإذا بنور الإيمان بالآخرة يمدني، ويمنحني نورا لا ينطفئ أبدًا، ورجاءً لا ينكسر مطلقًا.

أجل؛ أيها الإخوة الشيوخ وأيتها الأخوات العجائز!

بما أن الآخرة موجودة، وبما أنها باقية، وبما أنها أجمل من الدنيا، وبما أن من خلقنا حكيم ورحيم؛ إذن لا داعي للتأسف والشكوى من الشيخوخة، بل ينبغي أن نرضى ونُسَرَّ بها؛ لأنها علامة على الوصول إلى سِنِّ الكمال مع الإيمان والعبادة، وعلى الرحيل إلى عالم الرحمة للاستراحة بالتسريح من وظيفة الحياة.

أجل؛ إن مائة وأربعة وعشرين ألفا من الأنبياء الذين هم أفضل شخصيات البشر يخبرون مُتَّفقين ومستندين إلى الإجماع والتواتر، وبعضُهم مستندًا إلى الشهود، وبعضُهم الآخر إلى حق اليقين؛ عن وجود الآخرة، وعن أن الناس سيساقون إلى 

61. صفحة

هناك، وأن خالق هذا الكون سيأتي بالآخرة التي وعد بها وعدًا قاطعًا، كما أن شهادة مائة وعشرين مليونا من الأولياء -الذين يصدّقون بالكشف والشهود وبعلم اليقين ما أخبر به هؤلاء الأنيباء- تَدُلُّ على وجود الآخرة.

وكذا فإن جميع أسماء الصانع الحكيم لهذا الكون تدل على وجود عالم البقاء؛ إذ كلها تقتضيه بالبداهة بتجلياتها التي تُظهِرها في هذه الدنيا.

وكذا فإن "القدرة الأزلية" المطلقة المحيطة و"الحكمة الأبدية" غير المحدودة التي لا إسراف فيها، والتي تحيي كل سنة في كل ربيع على وجه الأرض ما لا يعد ولا يحصى من الجنائز القائمة المنتصبة للأشجار الميتة بأمر "كن فيكون"، فتجعلها مَظهرًا لـ"بعث بعد الموت"، وتحشر وتنشر ثلاثمائة ألف نوع من طوائف النباتات وأمم الحيوانات كنماذج لمئات من الحشر والنشر، وإن "الرحمة الباقية" و"العناية الدائمة" اللتين تُمِدَّان بِالرِّزْق والإعاشة جميع ذوي الأرواح المحتاجين إلى الرزق بإتقان وبكمال الشفقة، واللتين تُظهِران في كل ربيع وفي وقت وجيز ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى من أنواع الزّينة والمحاسن؛ كل ذلك -أي القدرة والحكمة والرحمة والعناية- يستلزم بالبداهة وجود الآخرة.

كذلك فإن ما لدى الإنسان -الذي هو أكمل وأبدع ثمرة للكون، وأحب مصنوع إلى خالق الكون، والذي هو أكثر ارتباطا وعلاقة بموجودات الكون- من عشق شديد قوي راسخ دائم للبقاء وشوق الأبد وآمال السرمدية؛ لَيَدُلُّ بداهةً على وجود الآخرة ويشير إليها.

وهكذا فإن جميع هذه الدلائل تثبت وجودَ عالَمِ بقاءٍ ودارَ آخرةٍ ودارَ سعادةٍ بعدَ هذا العالم الفاني إثباتا قاطعا قويًّا، إلى حدٍّ يستلزم قبول وجودِ الآخرةِ كقبول وجود الدنيا بالبداهة[1].


[1]  نعم؛ يَظْهَرُ مدى سهولة إخبارِ "أمرٍ ثبوتيٍّ" وإشكالية "النفي والإنكار" إلى غاية الحد في التمثيل الآتي: إذا قال أحدهم: "هنالك حديقة بديعة رائعة جدًّا على وجه الأرض ثمارها كمعلبات الحليب"، وإذا قال الآخر: "لا، لا توجد" فالمثبِت بمجرد إراءة موقع الحديقة أو بإظهار بعض ثمارها فقط يثبت دعواه بسهولة، أما النافي فلا يستطيع أن يثبت دعواه إلا بعد رؤية وإراءة جميع أنحاء الكرة الأرضية لأجل إثبات نفيه.

فكما في هذا المثال فالذين يخبرون عن الجنة، بقطع النظر عن أنهم يدلون على مئات الآلاف من ترشحاتها وثمارها وآثارها؛ فإن إشهادَهم لثبوتها شاهدَين صادقَين تكفي لإثباتها، في حين أن من ينكرها لا يستطيع أن يثبت إنكاره ويبرهن على عدمها إلا بعد مشاهدة الكون غير المحدود والزمن الأبدي غير المحدود، وتمشيطهما وغربلتهما.

فيا إخواني الشيوخ، افهموا مدى قوة الإيمان بالآخرة ومتانته ورصانته! (المؤلف) 



62. صفحة

وبما أن أهم درس يُلَقِّنُه لنا القرآنُ الحكيمُ هو الإيمانُ بالآخرةِ، وبما أنَّ ذلكَ الإيمانَ قوي ومتين إلى هذا الحد، وفيه رجاء عظيم وسلوان كبير إلى حَدِّ أَنْ لو اجتمعت مائةُ ألف شيخوخة على شخص واحد لكفاه السلوان النابع من هذا الإيمان؛ إذن فعلينا نحن الشيوخ أن نقول: "الحمد لله على كمال الإيمان" ونفرحَ ونُسَرَّ ونستبشر بشيخوختنا.

الرجاء السادس:

حينما كنت تحت قيد الأسر الأليم[1] قديما في بارلا توحشت من الناس، وانعزلت وحيدًا عنهم في قمة جبل جام؛ إذ كنت أبحث عن نور في الوحدة، وذات ليلة كنت في الغرفة الصغيرة غير المسقوفة المنصوبة على شجرةِ صنوبر مرتفعةٍ على تلك القمة العالية، فذكّرتني الشيخوخة بثلاثة أو أربعة أنواع من الغربة متداخل بعضها في بعض -كما وُضِّح في المكتوب السادس- حيث كان ينبعث في تلك الليلة الهادئة الصامتة صدى شَجِيٌّ من حفيفِ الأشجار وهَمْهَمَتِها، فأثار بشدّةٍ أحزان قلبي ورقة شيخوختي وعواطف اغترابي، فهمسَتْ الشيخوخةُ في أذن قلبي منبهة موقظة: كما أن النهار قد تبدل إلى هذا القبر المظلم، وتلفعت الدنيا بكفنه الأسود؛ فكذلك سينقلب نهار عمرك إلى الليل، ونهار الدنيا إلى ليل البرزخ، وصَيف الحياة إلى ليل شتاء الموت.





63. صفحة

فقالت نفسي مضطرةً:

أجل؛ علاوة على أنني غريب عن وطني، وقعت بعيدا عن أحبائي الذين أفلوا في خلال خمسين سنة من عمري، أبكي وراءهم، فهذه الحال غربة حزينة أليمة أكثر بكثير من غربة الوطن، وإنني أقترب مِنْ غُرْبَةٍ أشد حزنا وألما وكآبة من غربتي الحزينة على الجبل الغريب؛ إذ تخبرني الشيخوخة باقتراب زمن الفراق الدنيا بأسرها، فبحثت عن رجاء ونور وأنا في هذه الحال، غربة في غربة، وحزن في حزن.. وإذا بالإيمان بالله أمدني، وبعث في روحي أُنْسًا، حتى لو أن الوحشة المضاعفة التي تغمرني تضاعفت ألف مرة لكفى ذلك السلوان تجاهها.

نعم؛ أيها الشيوخ وأيتها العجائز، بما أن لنا خالقًا رحيمًا فلا غربة لنا أصلا؛ وبما أنه موجود فكل شيء موجود لنا؛ وبما أنه موجود وملائكته أيضا موجودون فليست الدنيا خالية إذن، فالجبال الخالية والقفار الخاوية مليئة بعباد الله تعالى، فأحجارها وأشجارها تكون أصدقاء مؤنسين بنوره تعالى وحسابه، علاوة على عباده ذوي الوعي، وتستطيع أن تتكلم معنا بألسنة أحوالها وتسلّينا!!

أجل؛ إن الدلائل التي تدل على وجوده سبحانه وتعالى بعدد موجودات هذا الكون وبعدد حروف كتاب العالَم الكبير هذا، والشهادات التي تَشْهَد على رَحْمَتِهِ تعالى بعدد جهازات ذوي الأرواح ومطعوماتهم ونعمهم التي هي مدار الشفقة والرحمة والعناية، كلُّها تدلنا على ديوان خالقنا وصانعنا وحامينا الرحيم الكريم الأنيس الودود، أما الشفيع الأرجى عند ذلك الديوان فهو العجز والضعف، وأما الوقت الأنسب لذلك العجز والضعف فهو زمان الشيخوخة، إذن يلزم ألا نكره ولا نمقت الشيخوخة التي هي شفيع مرتجى في مثل ذلكم الديوان، بل علينا أن نحبها.

الرجاء السابع:

ذات يوم وفي بداية شيخوختي، وفي أثناء انقلاب ضحكات سعيد القديم إلى بكاء سعيد الجديد، طلبني أهل الدنيا القابعون[1] في أنقرة إلى هناك ظنا منهم أنني




64. صفحة

سعيد القديم، فذهبت، وفي أواخر فصل الخريف صعدت قمةَ قلعة أنقرة القديمة التي أصابتها الشيخوخة أكثر مني، وقَدُمَتْ وبليَتْ أكثر منّي، فبدتْ لي هذه القلعة في صورة حوادث تاريخية متحجِّرة.

فموسم الشيخوخة للسَّنَة، وشيخوختي أنا، وشيخوخة القلعة، وشيخوخة البشر، وشيخوخة دولة آل عثمان الجليلة، ووفاة سلطنة الخلافة، وشيخوخة الدنيا جعلتني -وأنا في حالة حزينة رقيقة غريبة للغاية- أنظر من قمة تلك القلعة العالية إلى أودية الماضي وإلى شواهق المستقبل، فنظرت، وبحثت عن نور وعزاء وسلوى ورجاء في غياهب الشيخوخة الأربعة أو الخمسة المتداخل بعضها في بعض، والمحيطة بي؛ إذ كنت شعرت بحالة روحيّة[1] مظلمة حالكة في أنقرة.

وحينما كنت أبحث عن عزاء وسلوى ناظرًا إلى اليمين الذي هو الزمن الماضي بدا لي الماضي في صورة مقبرة كبيرة لأبي ولأجدادي ولنوعي الإنساني، فأوحشني بدلاً من أن يسلّيني، ونظرت إلى المستقبل الذي هو جهتي الشِّمال باحثًا عن حلّ، فبدا لي في صورة مقبرة كبيرة مظلمة لي ولأمثالي وللنسل الآتي، فأفزعني بدلاً من أن يؤنسني، ثم نظرت إلى يومي الحاضر بعدما استوحشت من اليمين واليسار، فبدا هذا اليوم الحاضر لنظري الغافل والشبيه بالتاريخ في صورة تابوت يحمل جنازة جسمي الذي مات نصفه ويضطرب كالمذبوح!!

ثم رفعت رأسي ونظرت إلى رأس شجرة عمري بعدما يئستُ من هذه الجهة أيضًا، فرأيت أن لهذه الشجرة ثمرةً واحدة، تلك هي جنازتي، وهي على تلك الشجرة تنظر إليّ، فاستوحشتُ من هذه الجهة أيضًا، وطأطأت[2] رأسي، فنظرت إلى أسفل شجرة العمر هذه -أي إلى جذورها- فرأيت أن التراب في الأسفل كأنه

[1]  كُتِبَت هذه الحالة الروحية في حينها كمناجاة باللغة الفارسية، وطُبعت ضمن رسالة "الحباب" في أنقرة. (المؤلف)



65. صفحة

اختلط فيه تراب عظامي بتراب مبدأ خلقتي ويُداسان تحت الأقدام، وهو كذلك لم يمنحني دواءً لهمومي بل زادني همًّا على هم.

ثم اضطررت لأن أنظر إلى ورائي فرأيت أن الدنيا الفانية التي لا أساس لها تتدحرج في وديان العدم وظلمات الفناء، فأضافت -تلك الجهة- إلى همومي سمًّا بينما كنت أبحث عن مرهم! ولم أجد في تلك الجهة كذلك خيرًا، فنظرت إلى جهة الأمام، فأرسلت بصري إلى قدام، فرأيت أن باب القبر يبدو مفتوحًا على طريقي مباشرة وينظر إليّ فاغرًا[1] فاه، ومن ورائِهِ تراءت أمام النظر الجادةُ التي تمتدّ إلى الأبد والقوافلُ التي تسير عليها، وليس بيدي تجاه كل ذلك الفزع وتلك المخاوف الآتية من هذه الجهات الست إلا جزء من الاختيار الجزئي كنقطة استناد وسلاح للدفاع.

وليس لذلك الاختيار الجزئي الذي هو السلاح الوحيد للإنسان تجاه أولئك الأعداء الذين لا حد لهم والأشياء المضرة التي لا تعدّ ولا تحصى إلا الكسب؛ إذ إنه ناقص وقصير وعاجز ولا يستطيع الإيجاد، ولا يمكنه أن ينفذ إلى الماضي حتى يُسكت الأحزان التي تأتيني منه، ولا إلى المستقبل حتى يمنع مخاوفي التي ستأتي منه، فرأيت أنه لا جدوى منه لآمالي وآلامي التي تعود إلى الماضي والمستقبل.

وبينما كنت مضطربًا مما أورثتني تلك الجهات الست من دهشة ووحشة وظلمة ويأس؛ إذا بأنوار الإيمان المتألقة في سماء القرآن المعجز البيان تمدّني وتنوّر تلك الجهات، وتضيء إلى حدِّ أنه لو تضاعفت تلك الوحشة والظلمات التي رأيتها مائة مرة لكان ذلك النور كافيًا ووافيًا تجاهها، وحوّل جميعَ تلك الدهشات واحدة فواحدة إلى سلوان، وتلك الوحشات واحدة تلو الأخرى إلى أُنس، وذلك: لأن الإيمان قد مزّق صورة الزمن الماضي الموحشة تلك التي تراءت لي كمقبرة كبرى، فأظهر بعين اليقين وبحق اليقين أنه مجلس منوّر، ومجمع أحباب ذو أُنس.


 



66. صفحة

ثم إن المستقبل الذي يبدو لنظر الغفلة في صورة مقبرة كبيرة، أظهره الإيمان بعلم اليقين في صورة مجلس ضيافة رحمانية في قصور السعادة المحبوبة.

ثم إن الإيمان قد حطّم الزمن الحاضر الذي يبدو بنظر الغفلة كتابوت، وحطّم الصورةَ التابوتيةَ لذلك اليوم الراهن، فأظهر بالمشاهدة ذلك اليومَ الراهن كمتجر أخروي، ودار ضيافة رحمانية عامرة رائعة.

ثم إن الإيمان قد أظهر بعلم اليقين أن الثمرة الوحيدة التي تبدو بنظر الغفلة كجنازة فوق شجرة العمر ليست جنازة، بل هي خروجُ روحِي التي هي أهل لحياة أبدية ومرشحة لسعادة خالدة من عُشها البالي للتنزه بين النجوم.

ثم إن الإيمان قد أظهر بسرّه أن عظامي وتراب مبدأ خلقتي ليست عظامًا بالية لا أهمية لها تداس تحت الأقدام، وإنما ذلك التراب باب للرحمة وستار لصالة الجنة.

ثم إن الإيمان قد أظهر بسر القرآن حقيقة الدنيا التي تتقلب ورائي في العدم وفي ظلمات العدم بأن الدنيا التي تتدحرج في تلك الظلمات في الظاهر قسم من المكتوبات الصمدانية، وصحائف نقوش سبحانية انتهت مهمتها، وأفادت معانيها، وتركت نتائجها في الوجود بدلاً من نفسها، فأَعلَمَ بعلم اليقين ماهية الدنيا.

ثم إن الإيمان قد أظهر بنور القرآن أن القبرَ الذي يحدِّق بي أمامي، والجادةَ التي تمتد من وراء القبر إلى الأبد ليس باب بئر، بل هو باب لعالم النور، وأن تلك الجادة ليست طريقًا مؤديا إلى العدم وإلى عالم العدم بل هي طريق إلى الوجود وعالم النور والسعادة الأبدية.

أقول إن الإيمان -ولأنه أظهر هذه الحقائق بصورة تورث قناعةً تامةً- أصبح سلوانا ومرهما لهمومي وأحزاني.


67. صفحة

ثم إن الإيمان يضع بيد ذلك الاختيار الجزئي -مقابل الاختيار الجزئي الضئيل الذي بيده كسبٌ جِدُّ جزئي- وثيقةً ليستند إلى قدرة غير متناهية، ولينتسب إلى رحمة غير محدودة تجاه أولئك الأعداء وتلك الظلمات غير المحدودة، بل الإيمان يصبح وثيقة بيد ذلك الاختيار الجزئي، ثم إن ذلك السلاح الإنساني الذي هو الاختيار الجزئي -وهو في الحقيقة عاجز وقاصر وناقص- مثله مثل جندي يقوم بأعمال تفوق قوَّتَه آلاف المرات إذا استعمَل قوتَه الجزئية باسم الدولة؛ فكذلك إذا استُعمِل ذلك الاختيار الجزئي الضئيل باسم الحق تعالى وفي سبيله بسر الإيمان، فيمكنه أن يَكسب جنةً بسعة خمسمائة سنة.

ثم إن الإيمان يأخذ زمام ذلك الاختيار الجزئي -الذي لا يستطيع النفوذ إلى الماضي والمستقبل- من يد جسمي ويسلمه إلى القلب والروح فيخرج ذلك الاختيار الجزئي من الجزئية ويكتسب كلية، وذلك أن دائرة حياة الروح والقلب تحتوي على سنوات كثيرة من الماضي وسنوات كثيرة من المستقبل لكونها لا تنحصر في الزمن الحاضر فقط، مثلما تنحصر دائرة حياة الجسم في الزمن الحاضر.

ويرقى -الاختيار الجزئي- بنور الإيمان إلى قمم أبعد الجبال العالية للمستقبل، ويزيلُ المخاوف، كما يستطيع أن ينفذ بقوة الإيمان إلى أودية سحيقة للأزمنة الماضية ويبدِّد ظلمات الأحزان.

فيا أيها الشيوخ والعجائز الذين يعانون مثلي من مشقّات الشيخوخة!

بما أننا أهل الإيمان والحمد لله، وبما أن في الإيمان كنوزًا نيرة ولذيذة ومحبوبة ولطيفة إلى هذا الحد، وبما أن شيخوختنا تسوقنا إلى قلب ذلك الكنز أكثر فأكثر؛ فينبغي -ولاشك- ألاّ نشتكي من الشيخوخة المؤمنة، بل ينبغي أن نشكرها آلاف الشكر. 


68. صفحة

الرجاء الثامن:

حينما شاب رأسي ذلك الشيب الذي هو من علامات الشيخوخة، وكانت تنتابني اضطرابات الحرب العالمية الأولى وتشويشات أَسْرِي[1] التي تُكَدِّرُ صفوي وتعمّق سُبَات[2] الشباب، وكان هنالك مدح وثناء وتوجه واهتمام كبير نحوي، أكثر بكثير مما أستحق، في آخر مرة حضرت إلى إستانبول، بدءًا من الخليفة وشيخ الإسلام والقائد العام حتى طلبة مدارس العلوم الإسلامية؛ كان سكر الشباب والحالة الروحية التي أورثتني إياها حالي المذكورة قد عمَّقا تلك الغفلة إلى حَدٍّ كنت أراني معه في حالة عجيبة، وكأن الدنيا دائمة، وأنا ملتصق بالدنيا وكأنني لن أموت.

وفي ذلك الزمان ذهبت إلى جامع بايزيد المبارك بإستانبول في شهر رمضان الشريف لأستمع إلى القرّاء المخلصين، فوجدت أن القرآن المعجز البيان يعلن بخطابه السماوي السامي على ألسنة القراء فرمان ومنشور ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (العنكبوت:57) الذي يخبر بقوةٍ عن فناء البشر ووفاة ذوي الحياة، فدخل في أذني، ونفذ إلى قرارة قلبي، واستقر فيه، وحطّم ذلك النومَ العميقَ للغفلة وطبقاتِ السكر.

خرجت من الجامع وثارت في رأسي عاصفة هوجاء، ونار مشوبة بالدخان بسبب نعاس ودوخة ذلك النوم القديم المستقر في رأسي منذ أمد بعيد، فرأيتني كسفينة فقدت بوصلتها وتاهت تتجاذبها الأمواج، وكلما نظرت إلى شَعْري في المرآة كانت تقول لي الشعرات البيضاء: انتبه! فتَوَضَّحَتْ الحالُ بإخطار تلك الشعرات البيضاء، ونظرتُ فوجدتُ أن "الشبابَ" الذي أثق به كثيرًا، وأفتتن بملذاته، يقول لي: الوداعَ! و"الحياة الدنيوية" التي أحبها حبًّا جمًّا رأيتها آخذةً في الذبول والأفول، و"الدنيا" التي أرتبط بها بوشائج وصِلات كثيرة وكأنني أعشقها




69. صفحة

هي الأخرى تقول لي: مع السلامة، وتُذَكِّرُني بأنني سأرحل عن دار الضيافة هذه، وهي نفسها تستعد للرحيل قائلة: الوداع!

وكان ينفتح وينكشف للقلب من كُلِّية ومن إشارات هذه الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ من آيات القرآن المعجز البيان هذه المعاني: إن "نوع الإنسان" نفْسٌ، فستموت لكي تُبعَث، وإن "الكرة الأرضية" هي الأخرى نفْسٌ، فستموت حتى تكتسب صورةً باقيةً، و"الدنيا" أيضًا نفسٌ، هي الأخرى ستموت لتتحول إلى الآخرة.

وفي هذه الحالة نظرت إلى حالي، ورأيت أن "الشباب" الذي هو مدار الأذواق ذاهب آفل، تأتي مكانَه الشيخوخةُ التي هي منشأ الأحزان، تذهب وترحل تلك الحياة اللامعة المتألقة الباهرة المشرقة، ويستعد الموت المظلم المذهل ظاهرًا ليَحُلَّ محله، والدنيا المحبوبة جدًّا التي يُظن أنها دائمةٌ والتي هي معشوقة الغافلين هي الأخرى تنتهي إلى الزوال.

ثم نظرت إلى ما أشعر به من "ملذات من المقام الاجتماعي" الذي كنت أحظى به في إستانبول فوق ما أستحق لأخدع نفسي وأدفن رأسي في الغفلة مرة أخرى، فرأيته بلا جدوى؛ إذ كل ما أرى من حفاوة وإقبال وسلوان يأتي من الناس لن يستطيع أن يبلغ إلا إلى باب القبر القريب مني، وينطفئ عنده، ورأيت أن "المجد وَالصِّيت " اللذين هما مطمح عبّاد الشهرة هما -تحت ستارهما الحلو اللطيف- رياء ثقيل، وأنانية باردة وعُجْب، وسكر وغفلة مؤقتة، فأدركت حينئذ أن هذه الأمور التي خدعتني حتى الآن لا تستطيع أن تمنحني أي سلوان أو عزاء، وليس فيها أي نور أو ضياء.

ولكي أستيقظ يقظة كاملة بدأت أستمع للقراء في جامع بايزيد مرة أخرى حتى أصغي إلى الدرس السماوي للقرآن من جديد، وعندها سمعت من ذلك الدرس السماوي منشورات وفرمانات قدسية، وبشارات من نوع ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ﴾ (البقرة:25).


70. صفحة

وبفضل الفيض الذي بعثه القرآنُ في رُوعي بحثت عن سلوان ورجاء ونور في الأمور التي تُذهلني وتوقعني في وحشة ويأس بالذات، ليس في خارجها.

فمائة ألف شكر لله تعالى؛ إذ وجدت الدواء في الداء نفسه، ووجدت النور في الظلمة نفسها، ووجدت السلوان في الشدة عينها! حيث نظرت أولا إلى وجه "الموت" الذي يخيف الكلَّ، ويُتوهم أنه مرعب، فرأيت بنور القرآن أن الوجه الحقيقي للموت منوَّرٌ وجميل بالنسبة للمؤمن وإن كان نقابه مظلمًا أسود قبيحا! وقد أثبتنا هذه الحقيقة بشكل قاطع في رسائل كثيرة وخاصة في "الكلمة الثامنة" وفي "المكتوب العشرين"، وخلاصتها: أن الموت ليس إعداما، وليس فراقا، بل هو مقدمةٌ لحياة أبدية ومبدؤها، وتسريحٌ من وظيفة الحياة وإعفاءٌ من تكاليفها، وتبديل مكان، ووصالٌ إلى قافلة الأحباب الذين رحلوا إلى عالم البرزخ، وهكذا فقد رأيت الوجهَ الحقيقيَّ الجميلَ للموت بواسطة مثل هذه الحقائق فلم أنظر إلى وجهه بخوف، وإنما باشتياق، ومِنْ ثَمَّ فهمت سرًّا مِنْ أسرارِ رابطة الموت التي هي مهمة لدى أهل التصوف.

ثم نظرت إلى شبابي الذي مضى في الآثام والغفلة، ذلك "الشباب" الذي يُبكي الكلَّ بزواله، ويجعل الكلَّ عاشقين له ومفتونين به، فرأيت وجهًا قبيحًا دميمًا سكرانَ طائشا تحت لباسه وملاءته الجميلة الزاهية، ولو لم أكن أعرف ماهيته لكان يُبكيني طوال عمري حتى وإن بقيت في الدنيا مائة عام بدلا من إسكاره وإضحاكه إيايَ بضع سنين، كما قال أحد الذين قضوا حياتهم في الغفلة باكيا:

أَلاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا     فَأُخْبِرَه بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ[1]

أجل؛ يبكي وينتحب بتأسف وحسرة الشيوخُ الذين لم يعرفوا ماهيةَ الشباب الحقيقيةَ مثل هذا الرجل كلما تذكروا شبابَهم، والحق أن الشباب إذا كان لدى



71. صفحة

المؤمنين العاقلين ذوي القلوب السليمة الذين هم أهل القلب وأهل الحضور[1] وصُرِف في العبادة والخيرات والتجارة الأخروية؛ يكون أقوى وسيلةً للتجارة، وأجملَ وألطفَ واسطة للخيرات، ويكون نعمة إلهية قَيِّمة ممتعة لدى من لا يسيئون استعماله ويعرفون وظائفهم الدينية.

وإن لم يرافق الشابَّ استقامةٌ وعفةٌ وتَقْوَى معًا، تحدث له مخاطر ومهالك كثيرة؛ إذ بطيشه يجرح سعادتَه الأبديةَ وحياتَه الأخرويةَ، بل ربما يُحَطِّمُ حياتَه الدنيوية أيضًا، ولربما يعاني سنوات طويلة في أثناء شيخوخته من غَمٍّ وهَمٍّ مقابلَ ملذات شبابٍ استمرَّ بضع سنين!

وبما أن عهد الشباب يمضي عند أغلب الناس ومعه الأضرار، فعلينا -نحن الشيوخ- أن نشكرَ الله على أننا تَخَلَّصْنَا مِنْ مخاطرِ الشباب وأضرارِه.

أجل؛ إن مُتَعَ الشبابِ وملذاتِه ذاهبةٌ لا محالةَ كما هو حال كل شيء، وإن كان قد صُرِف في العبادات والخيرات فستبقى ثماره بدلا منه، ويكون وسيلة لاكتساب شباب باق في الحياة الأبدية.

ثم نظرت إلى "الدنيا" التي يعشقها ويفتتن بها أغلب الناس، فرأيت بنور القرآن أن هناك ثلاثَ دُنَا كلية متداخل بعضها في بعض:

إحداها: متوجهة إلى الأسماء الإلهية، وهي مرآتها.

ثانيتها: متوجهة إلى الآخرة، وهي مزرعتها.

ثالثتها: متوجهة إلى أهل الدنيا، وهي ملعب أهل الغفلة وملهاهم.

ثم إن لكل شخص دنيا كبيرة خاصة به في هذه الدنيا، وكأن دنا بعدد الناس تداخل بعضها في بعض، إلا أن عمود دنيا كل واحد هو حياته، متى ما انكسر جسمه انهدمت دنياه وانهارت على رأسه وقامت قيامته، ولكن أهل الغفلة لا




72. صفحة

يدركون أن دنياهم الخاصة بهم تنهار بسرعة؛ لذا يظنونها دائمةً مثل الدنيا العامة؛ فيعشقونها ويفتتنون بها إلى حدِّ العبودية.

وبدأت أفكر وأتأمل في أن لي -أيضًا- دنيا خاصةً تنهدم وتنهار وتخرب سريعا كما للآخرين، وما فائدة دنياي الخاصة هذه لعمري القصير جدًّا؟ فرأيت بنور القرآن أن هذه الدنيا هي بالنسبة لي ولكل الناس متجر مؤقت، ومضيف يُمْلأُ ويُفْرَغُ كل يوم، وسوق أقيم على الطريق لتسوّق المارين، ودفتر متجدد للنَّقاش الأزلي يكتب ويمحو فيه بحكمة، وكل ربيع رسالة منمَّقة، وكل صيف قصيدة منظومة، وهي مرايا ذلكم الصانع ذي الجلال، تُجَدِّدُ وتعكس تجليات أسمائه Y، ومشتل الآخرة، ومَزْهَر للرحمة الإلهية، واستوديو يعد الأفلام والصور التي ستُعرَض في عالم البقاء، فشكرت الخالق ذا الجلال الذي خلقها على هذه الصورة مئات الآلاف من الشكر، وفهمت أن الإنسان مع أنه قد مُنِح حبًّا تجاه وجوه الدنيا الجميلة الباطنة المتوجهة إلى الآخرة وإلى الأسماء الحسنى؛ فإنه يسيء استعمال هذا الحب ويصرفه تجاه وجهها الفاني القبيح المضر ذي الغفلة، فصار ذلك مصداقا للحديث الشريف: "حب الدنيا رأس كل خطيئة"[1].

فيا أيها الشيوخ ويا أيتها العجائز!

إنني رأيت هذه الحقيقة بنور القرآن الحكيم، وبتذكير شيخوختي، وبما منحني الإيمان من بصيرة، وأَثْبَتُّهَا ببراهين قاطعة في رسائل كثيرة، ووجدت سلوانًا حقيقيًّا ورجاءً قويًّا وضياءً باهرًا لي، وفرحت بشيخوختي، وسُرِرْتُ بذهاب شبابي، فلا تبكوا أنتم أيضًا، واشكروا؛ وبما أن الإيمان موجود، والحقيقة هكذا، فَلْيَبْكِ أهل الغفلة، وَلْيَبْكِ أهل الضلالة!


[1]  ذكر الماوردي في أعلام النبوة: عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" انظر 286، وجاء في كشف الخفاء 1/412: "رواه البيهقي في الشعب بإسناد حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلا وذكره الديلمي في الفردوس وتبعه ولده بلا سند عن علي رفعه، انظر شعب الإيمان 7/223.

 



73. صفحة

الرجاء التاسع:

كنت أسيرًا في ولاية "قوستورما" البعيدة جدًّا في شمال شرق روسيا في أثناء الحرب العالمية الأولى، وكان هناك جامع صغير للتتار على حافة نهر "فولغا" المشهور، وكنت أتضايق بين زملائي الضباط الأسرى، فطلبت أن أسكن وحدي، ولم يكن يُسْمَحُ لي بالتجوال في الخارج بدون إذنٍ، فنقلوني بكفالة حي التتار إلى ذلك المسجد الصغير الذي يقع على حافة نهر فولغا، وكنت أنام فيه وحدي، وكان الربيع قد اقترب، وكثيرا ما كنت أبقى ساهرا في تلك الليالي الطويلة جدًّا في تلك المنطقة الشمالية. وفي تلك الليالي المظلمة، وفي تلك الغربة الحالكة، أيقظني من نوم الغفلة العميق مؤقتًا الخريرُ الحزين لمياه نهر فولغا، والرذاذات الرقيقة للأمطار، وهبوب الرياح المفعمة بأحزان الفراق مع أنني لم أكن أَعُدُّ نفسي شيخا بَعْدُ، إلا أن من رأى الحرب العالمية الأولى يُعَدُّ شيخًا؛ إذ مضت أيام تجعل الولدان شيبا، وكأن سرَّ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ (المزّمل:17) تجلى عليها؛ لذا وجدتني وكأنني في الثمانين من عمري في حين أنني كنت في الأربعين!

وفي تلك الليالي الطويلة، وفي تلك الغربة الحزينة، وفي تلك الحالة المحزنة انتابني يأس من الحياة والوطن، فنظرت إلى عجزي ووحدتي، وانقطع أملي ورجائي، وفيما أنا في هذه الحالة إذا بِمَدَدٍ من القرآن الحكيم قد وصلني، وَرَدَّدَ لساني ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، (آل عمران:173) وقال قلبي باكيا:

غَرِيبَمْ، بِيكَسَمْ، ضَعِيفَمْ، نَاتُوَانَمْ، اَلْأَمَانْ كُويَمْ، عَفُوْ جُويَمْ، مَدَدْ خوَاهَمْ، زِدَرْكَاهَدْ إِلهي.

أي؛ إنني غريب وحيد ضعيف أنشد الأمان وأطلب العفو والعون في بابك يا إلهي.

وروحي هي الأخرى فكرتْ في أحبائي القدامى في وطني، وتخيلتْ وفاتي، وبحثت عنهم في تلك الغربة، وقلتُ حينها كما قال نيازي المصري:


74. صفحة

مررت بأحزان الدنيا، وأطلقت جناحي للفراق،

وطرت في شوق في كل حين أنادي: صديقا! صديقا!

وعلى كل حال فقد أصبح ضعفي وعجزي شفيعين ووسيلتين عظيمتين لي في الديوان الإلهي، في ليلة الغربة الطويلة الحزينة الرقيقة المحاطة بالفراق، حتى إنني مازلت في حيرة من أمري؛ لأنني فررت وحدي بعد بضعة أيام بصورة لا تُتوقع، وقطعت مسافة يستغرق قطعُها بالمشيِ سنةً كاملة، ومع أنني لا أعرف اللغة الروسية؛ فنجوت بصورة خارقة بالعناية الإلهية التي أمدتني بناء على عجزي وضعفي، فوصلت إلى إستانبول مارًّا بوَارْسُو[1] والنمسا، فقد كانت النجاة بسهولة بهذه الصورة خارقةً جدًّا؛ حيث أكملت بمنتهى السهولة واليسر سياحة الفرار الطويلة التي لم يوفَّق في إكمالها أشجعُ الناس وأدهاهم[2]، ومن يعرفون اللغة الروسية.

ولكن الحالة في تلك الليلة المذكورة في الجامع الواقع على ضفة نهر "فولغا"، جعلتني أتخذ هذا القرار:

"سأقضي بقية عمري في الكهوف والمغارات، كفاني اختلاطًا بحياة الناس الاجتماعية، وبما أنني سأذهب إلى القبر وحدي في النهاية، فسأختار العزلة إذن من الآن حتى أُوَطِّنَ نفسي عليها".

ولكن مع الأسف فإن أحبابي الكثيرين المخلصين، والحياة الدنيوية الزاهية البرّاقة في إستانبول، ولاسيما الأمور العقيمة مثل الصيت والشرف المتوجهَيْن إليَّ بما يفوق حَدِّي كثيرًا؛ كل ذلك أنساني قراري مؤقتًا، فكأن ليالي الغربة التي قضيتها في الجامع الواقع على نهر فولغا كانت السواد المنوَّر في عين حياتي، والنهار الأبيض البراق الزاهي في إستانبول كان البياض غير المنوَّر لعين حياتي؛ إذ لم تستطع أن ترى المستقبل، فنامت مرة ثانية، إلى أن فتح عيني الشيخُ عبد القادر الجيلاني مرة أخرى بعد سنتين بكتابه "فتوح الغيب".




75. صفحة

فيا أيها الشيوخ ويا أيتها العجائز، اعلموا أن ما في الشيخوخة من العجز والضعف وسيلةٌ لجلب الرحمة والعناية الإلهية، فتجلي الرحمة أيضًا يُظهِر هذه الحقيقة على وجه الأرض بشكل ظاهر باهر، كما أنني أشاهدها في شخصي ونفسي؛ لأن أعجز الحيوانات وأضعفها هم الصغارُ، والذين تتجلى عليهم ألطف تجليات الرحمة وأجملها هم الصغار أيضًا، فتجلي الرحمة الذي يأتي بناءً على عجز الصغير الساكن في عشٍّ فوق الشجرة يُسَخِّرُ له أمَّه وكأنها جندي مطيع، فتطوف الأماكن وتأتيه بالرزق، فوَقْتَمَا نسي هذا الصغير عجزه بعدما يقوى جناحاه تقول له أمه: اذهب أنتَ فابحثْ عن رزقك، وجِدْه بنفسك، ولا تلقي السمع إليه بعد ذلك؛ فكما يجري سر هذه الرحمة في الصغار يجري كذلك في الشيوخ الذين أصبحوا بمنزلة الصغار بعجزهم وضعفهم.

ولي تجارب جعلتني أجزم وأقطع بأنه كما أن أرزاق الأطفال تُرسَل من قبل الرحمة بناء على عجزهم بشكل خارق من صنابير الأثداء وتُدَرُّ منها؛ كذلك فأرزاق الشيوخ المؤمنين الذين اكتسبوا البراءة تُرسَل إليهم على صورة البركة، حيث إن جزءًا من حديث شريف -"لَوْ لاَ الشُّيُوخُ الركَّعُ لَصُبَّ عَلََيْكُمُ البَلاءُ صَبًّا"[1]- يثبت هذه الحقيقة بمضمونه، فإن عماد البركة في البيوت هم العجائز، وإن الذين يحفظون ذلك البيت من البلايا والمصائب هم من فيه من الشيوخ والعجائز الأبرياء المتقوسة ظهورهم.

وبما أن الضعف والعجز في الشيخوخة هما مَدعاة لجلب الرحمة الإلهية إلى هذا الحدّ، وبما أن القرآن الحكيم يدعو الأولاد إلى الاحترام والتوقير والشفقة تجاه الوالدين العجوزين بأسلوب معجز في خمسة أوجه بآياته ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ

[1]  عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "مهلا عن الله مهلا، لولا شباب خشّع، وشيوخ ركّع، وأطفال رضّع، وبهائم رتّع، لصب عليكم العذاب صبًّا، ثم لرض رضًّا"، رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم 7085، والحديث له شواهد أخرى في المعجم الكبير للطبراني 785، ومسند أبي يعلى برقم 6402، والسنن الكبرى للبيهقي في 6183.

 



76. صفحة

الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا ۞ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء:23-24)، وبما أن الإسلام يأمر بتوقير الشيوخ والعجائز والرحمة بهم، وبما أن الفطرة الإنسانية تقتضي ذلك أيضًا؛ إذن فينبغي علينا -نحن الشيوخ- ألا نستبدل شيخوختنا بمائة من شبابنا؛ حيث إننا نتلقى الرحمة والاحترام المعنويين الدائمين والمهمين الناشئين عن العناية الإلهية والرقة الجنسية، ونتذوق الأذواقَ المعنوية الناشئة عن الرحمة والاحترام بدلا من ذوق مادي مؤقت ينشأ عن شهوات الشباب.

أجل؛ إنني أطمئنكم بأني لو أعطيت عشر سنوات من عهد شباب سعيد القديم لما استبدلتها بسنة واحدة من شيخوخة سعيد الجديد الآن، إنني راضٍ عن شيخوختي، وينبغي أن ترضوا أنتم كذلك.

الرجاء العاشر:

بعدما رجعت من الأسر غلبتني الغفلة ذات يوم مرة أخرى في إستانبول خلال سنة أو سنتين، وكان قد صرف جوّ السياسة نظري عن التفكر في نفسي، وشَتَّتَه في الآفاق، وذات يوم كنت أجلس على مرتفَع من مرتفعات مقابر أبي أيوب الأنصاري المطلة على الوادي، فنظرت إلى الآفاق التي تحيط بإستانبول، ولكن إذا بي يُخَيَّلُ إليَّ وكأن عالمي الخاص بي يموت فجأة، وتنسحب روحي في بعض النواحي، فقلت: يا ترى أهذه الكتابات الموجودة على شواهد هذه القبور هي التي تُخيِّل إلي هكذا، فصرفت نظري عنها إلى تلك المقبرة وليس إلى البعيد، فأُلهِم قلبي أن هذه المقبرة التي تحيط بك فيها مائة إستانبول؛ لأنه قد أُفرِغت إستانبول هنا مائة مرة، فلا يمكنك أن تنجو من قضاء الحاكم القدير الذي أفرغ جميع سكان إستانبول هنا وتبقى مستثنى منه، فأنت أيضًا راحل إليها.


77. صفحة

فخرجت من المقبرة وعلى رأسي هذا الخيال المفزع، ودخلت غرفة صغيرة في رحاب جامع أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه كنت أدخلها كثيرًا، فبدأت أتفكر هكذا: أنا ضيف من ثلاثة أوجه، فكما أنني ضيف في هذه الغرفة الصغيرة؛ فإنني ضيف في إستانبول أيضًا، بل أنا ضيف في هذه الدنيا كذلك، وعلى الضيف أن يفكر في سبيله وطريقه، وكما أنني سأخرج من هذه الغرفة، فسأخرج كذلك يومًا من إستانبول، وفي يوم آخر سأخرج من هذه الدنيا.

وبينما أنا في هذه الحال جثم على قلبي ورأسي حزن وغم أليم يثير الأحزان والأشجان وهموم الفراق؛ لأني لن أفقد صديقًا أو صديقين فقط، بل سأفارق آلافًا من أحبابي الذين في إستانبول، كما سأفارق إستانبول التي أحبها جدًّا أيضًا، وكما أنني سأفارق مئات الآلاف من أحبابي في الدنيا؛ فسأفارق الدنيا الحلوة الجميلة التي أحبها حبًّا جَمًّا وأفتتن بها كثيرًا أيضًا.

وبينما كنت أفكر هكذا ذهبت مرة أخرى إلى ذلك المرتفع في المقبرة، وحيث إنني كنت أختلف إلى السينما أحيانًا من أجل العبرة، شاهدت أهالي إستانبول في تلك اللحظة على صورة جنائز يسيرون على الأقدام، مثلما يعرضون المتوفين في السينما وهم يسيرون على أقدامهم عن طريق جلب الصور الماضية إلى الزمن الحاضر، فقال لي خيالي: بما أن بعضًا ممن يرقدون في هذه المقبرة يظهرون كما لو أنهم يسيرون ويتحركون في السينما، فأبصر الذين سيدخلون حتمًا في هذه المقبرة في المستقبل كما لو أنهم دخلوها، فهم أيضًا جنائز تمشي على الأرض.

وإذا بتلك الحالة الحزينة تنقلب بنور القرآن الحكيم وإرشاد الشيخ السيد عبد القادر الجيلاني إلى حال سارة مبهجة مفرحة، فلقد ذكّرني ونبهني النور الوارد من القرآن الحكيم تجاه هذه الحال الحزينة بما يلي:

كان لك من الضباط الأسرى صديق أو صديقان في الغربة في "قوستورما" الواقعة في شمال شرق روسيا، وكنت تعلم أنهما سيرجعان حتمًا إلى إستانبول، فلو 

78. صفحة

قال لك أحدهما هناك: أتريد أن تذهب إلى إستانبول أم تريد أن تبقى هنا؟ وكانت لك ذرة من العقل؛ لكنت تقبل حتما وبلاشك الذهاب إلى إستانبول بفرح وسرور؛ لأن تسعمائة وتسعة وتسعين من بين ألف صديق وصديق لك هم في إستانبول، ولم يبق هنا غير واحد أو اثنين، وهما أيضًا سيذهبان إلى إستانبول، فالذهاب إلى إستانبول إذن ليس فراقًا أليمًا وافتراقًا حزينًا بالنسبة لك، وها أنت ذا أتيت، ألم تفرح وتسعد؟ ألم تتخلص من الليالي المظلمة الطويلة ومن الشتاء القارس العاصف في بلاد العدوّ، ووصلت إلى إستانبول الجميلة التي هي كجنة الدنيا؟!

كذلك فقد رحل منذ صغرك حتى الآن تسعة وتسعون بالمائة من أحبابك إلى المقبرة التي تخيفك وترعبك، ولم يبق في الدنيا من أحبابك إلا واحد أو اثنان، وهما أيضًا سيرحلان إليها، فليست وفاتك في الدنيا فراقًا، بل هي وصال ولقاء مع أولئك الأحباب، فهم -أي الأرواح الباقية- تركوا أعشاشهم القديمة تحت التراب، يتجول بعضهم بين النجوم وبعضهم بين طبقات عالم البرزخ، هكذا أُلهم قلبي.

أجل؛ لقد أثبت القرآن والإيمان هذه الحقيقة إثباتًا قاطعًا؛ بحيث إن من لم يفقد قلبه وروحه كليًّا، أو لم تُغرِق الضلالةُ قلبَه؛ لابد أنه سيصدق بها وكأنه يراها؛ لأن الصانع الحاكم الرحيم الذي يزين هذه الدنيا هكذا بما لا حد له من أنواع اللطف والإحسان، ويظهر ربوبيته بصورة في غاية الكرم والشفقة، والذي يحفظ أحقر الأشياء كالنوى؛ لابد أنه لا يُعدِم بالبداهة الإنسانَ الذي هو أكمل مصنوعاته وأجمعها وأهمها وأحبها إليه، ولا يفنيه ولا يضيعه بلا رحمة وبلا عاقبة كما يبدو في الظاهر، بل يَضَعُ الخالقُ الرحيمُ ذلك المصنوعَ الذي يحبه مؤقتًا تحت التراب الذي هو باب الرحمة؛ كي يتسنبل في حياة أخرى مثل البذور التي ينثرها الْمُزَارِعُ على التراب[1].


[1]  لقد أُثبتَت هذه الحقيقة في سائر الرسائل ولاسيما في "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة العشرين" بدرجة اثنين في اثنين يساوي أربعًا. (المؤلف)

 



79. صفحة

وبعدما تلقيت هذا التنبيه والتذكير القرآني أصبحت تلك المقبرة أكثر أنسًا من إستانبول نفسها، وبدت لي العزلة والخلوة أعذب وأحلى من الصحبة والمعاشرة، فوجدت لنفسي مكانًا للخلوة في "صاري يَرْ" القريبة من البوسفور، فأصبح لي الإمام الرباني[1] بكتابه "المكتوبات" صديقًا مؤنسًا وشيخًا شفوقًا مثلما أصبح الشيخ عبد القادر الجيلاني أستاذًا وطبيبًا ومرشدًا لي بكتابه "فتوح الغيب"، وحينها رضيت بكل سرور بدخولي مرحلةَ الشيخوخة وانسحابي من ملذات المدنية ومتعها، وتجردي من الحياة الاجتماعية، وشكرت الله تعالى كثيرًا.

فيا مَنْ دخلوا مرحلة الشيخوخة مثلي والذين يتذكرون الموت كثيرًا بتذكير الشيخوخة به! علينا أن نرضى ونستطيب الشيخوخة والوفاة والمرض بفضل نور الدرس الإيماني الذي يعلمنا إياه القرآن، بل يجب أن نحبها من جهة، فبما أننا نمتلك نعمة ثمينة لا تقدر قيمتها كالإيمان؛ إذن فالشيخوخة طيبة، والمرض طيب، والموت أيضًا طيب، وإن كان ثمة شيء غير طيب فهو الإثم والذنب، والسفاهة والبدع والضلالة.

الرجاء الحادي عشر:

بعدما رجعت من الأسر كنت أسكن مع ابن أخي المرحوم عبد الرحمن في بيت كبير على تل "جامليجة" بإستانبول، وكان يمكن أن تُعَدَّ حياتي هذه أسعد حياة بالنسبة لأمثالي من حيث الحياة الدنيوية؛ لأني كنت قد نجوت من الأسر، وكنت من الموفَّقين لنشر العلم على أحسن ما يرام في "دار الحكمة الإسلامية"[2] بشكل يناسب مهنتي العلمية، وكان الصيت والشرف تجاهي يفوق حدي كثيرًا،

[1]  الإمام الرباني: هوأحمد بن عبد الأحد السرهندي الفاروقي (٩٧١ - ١٠٣٤هـ) برع في علوم عصره، وفقه الله تعالى إلى إخراج الدولة المغولية من الإلحاد إلى الإسلام، ويعدُّ مجدد الألف الثاني.

 




80. صفحة

وكنت أسكن في أفضل موقع في إستانبول وهو "جامليجة"، وكل شيء بالنسبة لي كان على أحسن ما يرام، وكان معي ابن أخي عبدُ الرحمن ذلك التلميذ والخادم والكاتب والابن المعنوي الذكي المضحّي لي.

وبينما كنت أعتبرني أكثر الناس سعادة في الدنيا نظرت إلى المرآة فرأيت شعرات بيضاء في شعري ولحيتي، وإذا بالانتباه الروحي الذي كنت أشعر به في الجامع في "قوستورما" أيام الأسر بدأ مرة أخرى، فبدأت أتأمل في الحالات والأسباب التي كنت مرتبطًا معها بالقلب، وكنت أظن أنها مدار سعادتي الدنيوية، وما من حالة أو سبب تأملت فيه إلا ورأيته ضعيفا هيِّنا رخوا، ولا يستحق التعلق به، بل إنه يخدعني، وفي تلك الأيام رأيت عدم الإخلاص بشكل غير متوقَّع، وعدم الوفاء بطريقة لا تخطر على بال، من صديق كنت أحسبه أخلص أصدقائي، وانتابني نفور واستيحاش تجاه الحياة الدنيوية، وقلت لقلبي:

يا تُرَى هل انخدعت كليًّا؟!

إذ كنت أرى أن أكثر الناس ينظرون بغبطة إلى حالنا التي يرثى لها في الحقيقة، فهل أصبح هؤلاء مجانين جميعًا؟! أم أني الذي جُنَّ الآن حتى بدأت أرى هؤلاء الناس العاشقين للدنيا مجانين؟! وعلى كل حال فقد رأيت أولا بالانتباه والصحوة الشديدة التي عشتها بالشيخوخة فناءَ الأشياء الفانية التي كنت أتعلق بها، ثم نظرت إلى نفسي، فرأيتها في منتهى العجز، وحينئذ صرخت روحي التي تطلب البقاء وتفتتن بالأشياء الفانية بتوهم البقاء، وقالت بكل قوتها:

"بما أني فانية جسمًا، فأي خير يصيبني من هؤلاء الفانين؟! وبما أني عاجزة فماذا أنتظر من هؤلاء العاجزين؟!"

فبدأت عندها أتحرى وأبحث عن باقٍ سرمدي، وقدير أزلي يستطيع أن يجد دواء لدائي، فرجعت أولا إلى العلم الذي تعلمته في الماضي، وبدأت أبحث عن 

81. صفحة

سلوان ورجاء، ولكن مع الأسف كنت قد ملأت حتى تلك اللحظة ذهني وفهمي بالعلوم الفلسفية مع العلوم الإسلامية، وقد كنت طننت ظنًّا خطأ جدًّا أن تلك العلوم الفلسفية معدن التكمل ومدار التنور، ولكن تلك المسائل الفلسفية كانت قد لوثت روحي كثيرًا، وحالت دون ترقياتي المعنوية، وبينما أنا في هذه الحال إذا بالحكمة القدسية التي في القرآن الحكيم تدركني وتسعفني بفضل الله سبحانه ورحمته، فغسلت ونظفت أدران تلك المسائل الفلسفية كما بُيِّن في كثير من الرسائل، وخلاصة الأمر: أن الظلمات الروحية الناشئة عن حكمة العلوم الفلسفية كانت تُغرِق روحي في الكون، وأينما نظرت فبحثت عن النور في تلك الناحية لم أجد نورًا في تلك المسائل، ولم أستطع أن أتنفس بارتياح، حتى أصبح التوحيد النابع من القرآن الحكيم والذي تلقنه جملة "لا إله إلا الله" نورًا ساطعًا، وبدد جميع تلك الظلمات، فتنفست في راحة وانشراح، ولكن النفس والشيطان هجما على القلب والعقل مُسْتَنِدَيْنِ إلى الدرس الذي تعلماه من أهل الضلالة وأهل الفلسفة، فانتهت المناظرات النفسية في هذا الهجوم بانتصار القلب بحمد الله، وقد كُتِب كثير من تلك المناظرات في كثير من الرسائل، نكتفي بها، إلا أني سأبين هنا برهانًا واحدًا من بين آلاف البراهين لإظهار انتصار القلب؛ حتى يقوم بتنظيف وتطهير أرواح بعض الشيوخ الذين لوثوا أرواحهم، وأسقموا قلوبهم، ودلّلوا وأطغوا أنفسهم في عهد شبابهم بمسائل ما يسمى بالفلسفة الأجنبية والعلوم الحضارية المدنية، التي قسم منها ضلال، وقسم منها أمور تافهة لا قيمة لها، فيتخلصوا وينجوا من شر النفس والشيطان في مسألة التوحيد، وذلك البرهان هو:

قالت نفسي باسم العلوم الفلسفية: إن الأسباب الموجودة في الكون لها تدخل بطبيعة الحال في الموجودات، فكل شيء يتوقف على سبب من الأسباب ويرتبط به، وينبغي أن تُطلب الثمرة من الشجرة، والحبوب من التراب، فما معنى أن يُطلب أصغر شيء وأحقره من الله عزَّ وجل، وما معنى الطلب منه بالتضرع والتوسل إليه؟


82. صفحة

فانكشف سر التوحيد بنور القرآن في تلك الأثناء كما يلي:

خاطب قلبي نفسي المتفلسفة قائلا: إن أصغر شيء وأكثره جزئيةً إنما يصدر مثل أكبر شيء عن قدرة خالق جميع هذا الكون وحده مباشرة، ويخرج من خزانته تعالى، وليس هناك طريق آخر في ذلك، أما الأسباب فهي حجب وأستار؛ ذلك لأن ما نحسبه ونظنه أنه أصغر المخلوقات وأحقرها وأتفهها قد يكون أعظم من أكبر المخلوقات من حيث الصنعة والإبداع والخلقة، فالذباب إن لم يكن أدق وأبدع من الدجاج من حيث الصنعة والإبداع فإنه لا يكون أهون وأقل منه، إذن لا يُفرَّق بين صغير وكبير، فإما أن يقسَّم الجميع بين الأسباب المادية، وإما أن يُسْنَدَ الجميع إلى الواحد الأحد، فهذا الشق واجب وضروري كما أن الشق الأول محال؛ وذلك:

لأن الشيء إذا أسند إلى واحد ونُسب إليه؛ أي إذا أسند إلى القدير الأزلي، وبما أن علمه -الذي تَحقَّق وجودُه بإتقانِ وانتظامِ جميع الموجودات وحِكَمها- يحيط بكل شيء، وبما أن مقدار كل شيء يتعين في علمه، وبما أن هناك مصنوعاتٍ متقنةً بديعة في منتهى الإتقان والإبداع تأتي إلى الوجود كل وقت من العدم بمنتهى السهولة كما هو مشاهَد، وبما أن ذلكم القدير العليم يَقدر بأمر "كن فيكون" على إيجاد كل شيء أيًّا كان كقدح كبريت كما أثبتنا ذلك بالدلائل القوية غير المحدودة في كثير من الرسائل، ولاسيما أن لذلكم القدير العليم قدرةً لا نهاية لها كما أثبت ذلك في "المكتوب العشرين" وفي ختام "اللمعة الثالثة والعشرين"؛ فلاشك[1] أن السهولة واليسر البديعين الفذّين المشاهدين إنما يأتيان من تلك الإحاطة العلمية، ومن عظمة تلك القدرة.

فمثلا: كما أنه إذا مُرِّرت مادة كيمياوية على كتاب كُتِب بحبر سري لا يرى بالعين المجردة؛ لإظهار كتابات الكتاب؛ فإن ذلك الكتاب الكبير يُظهِر في لحظةٍ



83. صفحة

وجودَه لكل عين وبصر، ويُقرِئ نفسه؛ كذلك فقد تتعين الصورة الخاصة بكل شيء في العلم المحيط للقدير الأزلي بمقدار معين، ويمرر القدير المطلق بقدرته غير المحدودة وإرادته النافذة -كالمادة الكيماوية التي تمرر على الكتاب- قوتَه التي هي من تجلي القدرة على تلك الماهية العلمية بأمر "كن فيكون" بمنتهى السهولة واليسر، ويمنح ذلك الشيء وجودًا خارجيًّا، ويريه للعيون والأبصار، ويقرئ نقوش حكمته.

وإن لم تُسنَد جميع الأشياء معًا إلى القدير الأزلي والعليم بكل شيء؛ لوجب عندئذ أن يُجمَع جسم أصغر شيء مثل الذبابة من أكثر أنواع العالم بميزان خاص، فضلا عن ذلك فإن جسم تلك الذبابة لا يمكنه أن يأتي إلى الوجود إلا بعلم الذرات العاملة في جسم تلك الذبابة الصغيرة سرَّ خلقة تلك الذبابة وإتقانَ صنعتها بكل دقائقها؛ لأن الأسباب الطبيعية والأسباب المادية لا تستطيع أن توجِد شيئًا من العدم بالبداهة وباتفاق جميع أهل العقول والألباب، إذن فلابد أنها ستجمعها إن كانت موجدة، وإن في كل كائن حي -أيًّا كان نوعه- نماذج من أكثر العناصر والأنواع، وكأن ذلك الكائن الحي بمنزلة خلاصة الكون ونواته، فلابد إذن من جمع عناصر النواة من الشجرة كلها، وعناصر الكائن الحي من سطح الأرض كله، بعد غربلتها بغربال دقيق، ووزنها بميزان حَسَّاس.

وبما أن الأسباب الطبيعية جاهلة جامدة ولا علم لها حتى تقدِّر وترسم خطة وفهرسًا ونموذجًا وبرنامجًا، وتُذيبَ الذرات حسب ذلك ثم تصبها في القوالب المعنوية المناسبة لها حتى لا تتشتت ولا يفسد انتظامها، ولأن شكل كل شيء وهيئته يمكن أن يكون ضمن أنماط وأشكال لا حد لها؛ فإن جَمْعَ ذرات العناصر -الجارية كالسيل على شكل ومقدار ضمن أشكال ومقادير لا تعد ولا تحصى- على هيئة كتلة بعضها فوق بعض بلا مقادير وقوالب متقنة دون أن تتبعثر وتتشتت، ومَنْحَ الكائن الحي جسمًا متقنًا؛ واضحٌ أنه بعيدٌ كل البعد عن الإمكان والاحتمال والعقل، فالذي ليس في قلبه عمى يرى ذلك.


84. صفحة

أجل؛ فبناء على هذه الحقيقة، وبسرّ هذه الآية العظيمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ (الحج:73)، لو اجتمعت الأسباب المادية كلها، وكان لها اختيار وإرادة، فلا تستطيع أن تجمع جسمَ ذبابة واحدة وأجهزة ذلك الجسم بميزان خاص، وحتى لو جمعته فلا تستطيع أن تُثبّت ذلك الجسم في مقاديره المعينة، وحتى لو فعلت ذلك فلا تستطيع أن تشغّل بانتظام وإتقان الذرات التي تتجدد باستمرار دائم والتي تأتي إلى ذلك الجسم وتعمل فيه؛ إذن الأسباب لا تستطيع أن تَدَّعِيَ تملّك هذه الأشياء بالبداهة، أي إن صاحبها ومالكها غيرُها.

أجل؛ إن هذه الموجودات لها مالك حقيقي يحيي الأحياء على وجه الأرض جميعه كسهولة إحياء ذبابة واحدة بسر الآية ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (لقمان:28)، ويوجِد الربيع كسهولة إيجاد زهرة واحدة، لأنه ليس بمحتاج إلى الجمع، ويخلق ويوجد كل شيء بمنتهى السهولة كسهولة قدح كبريت؛ لأنه مالك لأمر "كن فيكون"، ويُوجِد في كل ربيع صفات موجودات الربيع غير المحدودة وأحوالها وأشكالها من العدم فضلا عن عناصرها، وبرنامجُ كلِّ شيء ونموذجُه وفهرسُه وخطتُه معينةٌ ومحددةٌ في علمه، وجميع الذرات تتحرك ضمن دائرة علمه وقدرته.

ولا يخطئ أيُّ شيء حركتَه ولو بمقدار ذرة، فكما أن الكواكب جيش مطيع له، فكذلك الذرات بمنزلة جيش منظم له، وبما أنها تتحرك مستندةً إلى تلك القدرة الأزلية، وتسعى وتعمل وفق دساتير ذلك العلم الأزلي؛ فإن تلك الآثار تأتي إلى الوجود وفق تلك القدرة، وإلا فلا تصغر تلك الآثار بالنظر إلى ذواتها الصغيرة غير المهمة؛ إذ الذبابة الواحدة بقوة الانتساب إلى تلك القدرة تهلك نمرودَ، والنملة تدمر قصر فرعون، وبذرة الصنوبر الصغيرة صغر الذرة تحمل على كتفها أثقال شجرة صنوبر ضخمة كالجبل! وقد أثبتنا هذه الحقيقة في كثير من الرسائل؛ فكما أن جنديًّا واحدًا بفضل انتسابه إلى الملك والسلطان بالوثيقة العسكرية يتمكن من أداء أعمال عظيمة تفوق قوته مائة ألف مرة مثل أسرِ مَلِكٍ وسلطانٍ آخر؛ كذلك 

85. صفحة

فإن كل شيء بانتسابه إلى تلك القدرة الأزلية ينال الإبداع وإتقان الصنعة المعجزة بما يفوق قوة الأسباب الطبيعية مائة ألف مرة.

الخلاصة: إن الجسم الْمُتْقَنَ لكلِّ شيء وقدوم ذلك الجسم إلى الوجود بمنتهى السهولة واليسر، يدل على أنه آثار قدير أزلي مالكٍ لعلم محيط، وإلا فسيخرج عن دائرة الإمكان، ويدخل في دائرة الامتناع والاستحالة، ناهيك عن أن يأتي إلى الوجود ضمن مائة ألف محال، وسيخرج من صورة الممكن إلى ماهية الممتنع، ولن يأتي أي شيء إلى الوجود، بل سيكون خروجه إلى الوجود محالاً.

وهكذا فقد سكتت نفسي -التي هي تلميذة مؤقتة للشيطان، ووكيل لأهل الضلالة والفلسفة!- أمام هذا البرهان الذي هو في غاية الدقة وفي غاية القوة والرسوخ، وفي غاية العمق وفي غاية الوضوح، وآمنت -ولله الحمد- إيمانًا كاملا قويًّا، وقالت: نعم؛ يجب أن يكون لي خالق وربّ يعلم أخفى خواطر قلبي وأخفى تضرعاتي، ويكون صاحب قدرة يقدر بها على تحقيق أخفى حاجات ورغبات روحي، كما يقدر على تبديل الدنيا الضخمة العظيمة بالآخرة، ويقدر عل رفع هذه الدنيا وإقامة الآخرة مكانها؛ كي يمنحني السعادةَ الأبدية، ويقدر على خلق الذباب كما يقدر على إيجاد السماوات، ويقدر على تثبيت الشمس كعين في وجه السماء كما يقدر على وضع الذرة في بؤبؤ عيني، وإلا فالذي لا يقدر على خلق ذبابة لا يقدر على التدخل في خواطر قلبي، ولا يستطيع أن يسمع تضرعات روحي ومناجاتها، والذي لا يقدر على خلق السماوات لا يستطيع أن يمنحني السعادة الأبدية.

إذن إن ربي هو من يُصلِح خواطر قلبي، وكما أنه يملأ جو السماء بالغيوم ويفرغها منه في ساعة واحدة، فإنه يبدل الدنيا بالآخرة ويوجد الجنة، ويفتح بابها لي، ويقول هيا ادخل فيها.

فيا إخواني الشيوخ الذين صرفوا -نتيجة الشقاوة مثل نفسي- بعضًا من عمرهم في العلوم الأجنبية الفلسفية المظلمة التي لا ضياء فيها ولا نور! 


86. صفحة

اعلموا كيف أن الحُكْمَ القدسيَّ "لا إله إلا هو" -الذي يُردَّد على لسان القرآن دائمًا- ركنٌ إيماني قدسي قوي وراسخ، وذو حق وحقيقة! وكيف أنه ركن لا يتزلزل أبدًا، ولا يُجرَح ولا يتغير! حيث يبدد جميع الظلمات المعنوية، ويداوي الجروح المعنوية.

إن إدراجي هذه الحادثة الطويلة ضمن أبواب الرجاء لشيخوختي كأنه لم يكن باختياري، بل لم أكن أرغب في إدراجها، وكنت أخشى من إثارتها الملل لدى القراء، ولكنْ يمكنني أن أقول إنها أُمْلِيَت عليّ، وعلى كل حال أعود إلى صلب الموضوع.

لقد انتابني النفور من ملذات حياة إستانبول الدنيوية الحلوة المزينة الزاهية في الظاهر مع بدء بياض شعرات رأسي ولحيتي، ونتيجة عدم وفاء صديق وَفِيٍّ لي، وبحثت النفس عن الأذواق المعنوية بدلا من الأذواق التي افتتنت بها، وطلبت سلوانًا ونورًا في هذه الشيخوخة التي تبدو في نظر أهل الغفلة باردة وثقيلة وسمجة، ولله الحمد وألف شكر وشكر له؛ إذ وجدت الأذواق الإيمانية الحقيقية الدائمة الحلوة في "لا إله إلا الله" وفي نور التوحيد بدلا من جميع تلك الأذواق الدنيوية الْمُرَّةِ غير الحقيقية وغير المثمرة، كما أني رأيت الشيخوخة -التي تبدو في نظر أهل الغفلة باردة وثقيلة وسمجة- خفيفةً جدًّا، وذات شوق ودفء ومنوَّرة بنور التوحيد.

فيا أيها الشيوخ ويا أيتها العجائز، بما أنكم تملكون الإيمان، وبما أن معكم الصلوات والعبادات والتضرعات التي تنور الإيمان وتضيئه وتقويه وتزيده؛ يمكنكم أن تنظروا إلى شيخوختكم على أنها شباب أبدي؛ إذ يمكنكم أن تكسبوا بها شبابًا أبديًّا دائمًا.

أما الشيخوخة الباردة الثقيلة القبيحة المظلمة الأليمة -بما تعني هذه الكلمات من معان- فهي شيخوخة أهل الضلالة، بل شبابهم، فليبك هؤلاء وليقولوا: واأسفاه 

87. صفحة

واحسرتاه! أما أنتم أيها الشيوخ المؤمنون الموقّرون فعليكم أن تشكروا في سرور وسعادة قائلين "الحمد لله على كل حال".

الرجاء الثاني عشر:

بينما كنت وحيدًا بلا مؤنس ولا معين في ناحية بارلا التابعة لمحافظة إسبارطة في أسر معذب باسم النفي، وممنوعًا من الاختلاط بالناس، ومن الاتصال والمراسلة، وفي حالة البؤس والشقاء أعاني من المرض والشيخوخة والغربة؛ إذا بنور مسلّ لي حول نكات القرآن الحكيم وأسراره أنعم به الله تعالى عليَّ من كمال رحمته، وكنت أحاول أن أنسى به حالي المر الأليم الحزين، كنت أستطيع أن أنسى وطني وأحبابي وأقاربي، ولكن واحسرتاه! ما كنت أستطيع أن أنسى أحدهم وهو ابن أخي، وابني المعنوي، وأحسن تلميذ مضح لي، وأشجع أصدقائي، المرحوم عبد الرحمن، وكان قد فارقني منذ ست أو سبع سنوات، فلا هو يعرف مكاني حتى يسعى لمساعدتي ويسليني، ولا أنا أعلم حاله حتى نتبادل الأخبار ونتقاسم الهموم والأحزان، وكنت أحتاج في زمن هذه الشيخوخة إلى شخص صادق مخلص مضح مثله، وإذا بأحدهم يعطيني رسالة ذات مرة، ففضضت الرسالة، ووجدتها تظهر هوية عبد الرحمن إظهارًا تامًّا، وقد أُدرِجَ جزء من تلك الرسالة ضمن فقرات "المكتوب السابع والعشرين"[1] إدراجًا يُظهِر ثلاث كرامات ظاهرة، ولقد أبكتني تلك الرسالة في ذلك الوقت، ومازالت تُبكيني؛ إذ بين فيها بكل صدق وإخلاص أنه كره ملذات الدنيا، وأن أعظم ما يريده ويرغب فيه هو الوصول إلي واللحاق بي؛ ليقوم بخدمتي ورعايتي في شيخوختي هذه كما كنت أرعاه وأربيه أنا في صغره، وأن يعينني بقلمه القوي القدير في نشر الأسرار القرآنية التي هي وظيفتي الحقيقية في الدنيا، حتى إنه كان يقول في رسالته:" أرسِل إلي نحو

[1]  المكتوب السابع والعشرون يتكون من ثلاثة مجلدات تجمع مراسلات الإمام النورسي وتلامذته وهي: ملاحق بارلا، وملاحق أميرطاغ، وملاحق قسطموني، والإمام النورسي يشير هنا إلى مجموعة "ملاحق بارلا".

 



88. صفحة

ثلاثين رسالة، لأكتب وأستكتب من كل واحدة نحو ثلاثين نسخة"، ولقد بَعَثَتْ فِيَّ تلك الرسالة أملا قويًّا تجاه الدنيا، فنسيت ذلك الأسر المعذب، وتلك الوحدة والوحشة، وتلك الغربة والشيخوخة؛ إذ ظننت أنني وجدت تلميذًا مثله يملك ذكاء في درجة العبقرية سيخدمني بوفاء وعلاقة وارتباط أفضل بكثير من الابن الحقيقي، فكانت قبل هذه الرسالة قد وصلته نسخةٌ من "الكلمة العاشرة" الخاصة بالإيمان بالآخرة التي طبعتها، فكأن تلك الرسالة صارت ترياقًا له، حيث داوت وعالجت كل جروحه المعنوية التي أصابته خلال ما يقرب من سبع سنوات، وقد كتب إليَّ هذه الرسالة بإيمان قوي راسخ وكأنه كان ينتظر أجله.

وبينما كنت أظن أنني سأقضي حياة سعيدة في الدنيا بواسطة عبد الرحمن؛ إذا بي أتلقى خبر وفاته بعد شهرين تقريبًا، فواحسرتاه! لقد هزني هذا الخبر الأليم هزًّا؛ حتى إنني ما أزال تحت تأثيره منذ خمس سنين، حيث أورثني أسري المعذب وغربتي ووحدتي ووحشتي وشيخوختي ومرضي حزنًا أليمًا ورقة شديدة أكثر بكثير مما كنت أعانيه؛ إذ كنت أقول إن نصف دنياي الخاصة قد توفيت بوفاة أمي المرحومة، فرأيت الآن أن النصف المتبقي هو الآخر توفي بوفاة عبد الرحمن، فانقطعت علاقتي بالدنيا كليًّا؛ إذ لو أنه كان بقي في الدنيا لكان سندًا قويًّا للقيام بوظيفتي الأخروية فيها، ولأصبح خير خلف لي يحل مكاني بكل جدارة من بعدي، ولكان صديقًا مخلصًا مضحيًّا يبعث السلوان لي في الدنيا، ولصار أذكى تلميذ ومخاطب ومحافظًا أمينًا صادقًا على أجزاء "رسائل النور".

أجل؛ إن خسارة كهذه محرقة لأمثالي من الناس -باعتبار الإنسانية- ومفجعة وأليمة، والحق أني كنت أحاول أن أتحمل ظاهرًا، ولكن كانت في روحي عاصفة هوجاء، فلو لم يهدئها السلوان المنبعث من نور القرآن أحيانًا لما كان بوسعي أن أتحملها.

كنت أذهب وأتنزه وحدي في جبال بارلا وأوديتها في ذلك الوقت، وكنت أجلس في الأماكن الخالية، فكلما مرت في خيالي في تلك الأحزان الأليمة 

89. صفحة

لوحات حياة سعيدة قضيتها مع تلامذتي المخلصين مثل عبد الرحمن في الزمن القديم مثل الشريط السينمائي؛ كانت سرعة التأثر الناشئة عن الشيخوخة والغربة تُضْعِفُ صمودي ومقاومتي، ولكن قد انكشف فجأة سرّ الآية القدسية

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص:88) فأنطقني بـ"يا باقي أنت الباقي، يا باقي أنت الباقي" فأورثني سلوانًا حقيقيًّا به.

أجل؛ لقد رأيتني على رأس "ثلاث جنائز كبرى" في ذلك الوادي الخالي في تلك الحال الأليمة بسر هذه الآية القدسية كما أشير في رسالة "مرقاة السُّنَّةِ":

أولاها: لقد رأيتني كشاهد قبر يتضمن خمسة وخمسين سعيدًا ماتوا حتى الخامسة والخمسين من عمري، ودُفنوا في حياة عمري.

الجنازة الثانية: لقد رأيتني ككائن حي صغير مثل النملة يسيح ويتجول على وجه هذا العصر الذي هو كشاهد قبر للجنازة الكبرى التي هي جنازة بني جنسي ونوعي الذين توفوا ودُفنوا في قبر الماضي منذ زمن آدم عليه السلام.

الجنازة الثالثة: تجسمت أمام خيالي وفاة هذه الدنيا الضخمة بسر تلك الآية بوفاة دنيا متنقلة سيارة على وجه الأرض مثلما يموت الناس.

وهكذا فقد أدركني المعنى الإشاري لهذه الآية الكريمة ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (التوبة:129) التي تنور كليًّا هذا المعنى المرعب الناشئ عن الحزن على وفاة عبد الرحمن، وتبعث سلوانًا حقيقيًّا ونورًا لا ينطفئ.

وقد أبلغتني هذه الآية العظيمة أنه بما أن الله تعالى موجود، فهو بديل عن كل شيء، وبما أنه باقٍ فلابد أنه كافٍ، وتجلٍّ واحدٌ من تجليات عنايته يعدل الدنيا كلَّها، وتجلٍّ من تجليات نوره يمنح حياةً معنوية للجنائز الثلاث العظيمة المذكورة، ويُظهِر أنها ليست جنائز، بل هي إنهاء وظائف وارتحال إلى عالم آخر، 

90. صفحة

ولقد سبق إيضاح هذا السر في "اللمعة الثالثة" فأقول هنا مكتفيًا بذلك: إن "يا باقي أنت الباقي، يا باقي أنت الباقي" المكررتين اللتين تُظهِران معنى الآية الكريمة

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ قد أنقذتاني من تلك الحال الحزينة الأليمة جدًّا وذلك:

عندما قلت في المرة الأولى "يا باقي أنت الباقي" بدأ التداوي والمعالجة من نوع العملية الجراحية في ما لا حد له من الجروح المعنوية الناشئة عن زوال الدنيا وزوال أحبابي غير المعدودين الذين أتعلق بهم في الدنيا مثل "عبد الرحمن" وعن انقطاع روابطي بهم، وقلت في المرة الثانية "يا باقي أنت الباقي" فصار مرهمًا وترياقًا لجميع تلك الجروح المعنوية غير المحدودة.

أي: إنك باق يا ربي فليرحل من يرحل، وليفارق من يفارق، فأنت كافٍ، وبما أنك باقٍ فتجلٍّ واحد من تجليات رحمتك كافٍ لكل شيء زال، وبما أنك موجود فكل شيء موجود للإنسان الذي يعرف انتسابه إليك بالإيمان بك، ويتحرك ويتصرف وفق حقيقة الإسلام حسب ذلك الانتساب، فالفناء والزوال والموت والعدم حجب وستائر وتجدُّد، وبمنزلة التجول في منازل مختلفة، وبهذا التفكير فقد انقلبت تلك الحالة الروحية المحرقة الْمُفَرِّقة الحزينة الأليمة المظلمة الرهيبة إلى حالة سارة مفرحة ممتعة لذيذة منورة محبوبة مؤنسة، فقال لساني وقلبي بل جميع ذرات جسمي بلسان الحال "الحمد لله".

فجزء واحد من ألف جزء لتجلي تلك الرحمة هو:

أني عدت من ذلك الوادي -الذي هو موضع أحزاني- ومن تلك الحالة المليئة بالأحزان إلى بارلا، فإذا بشاب يدعى "مصطفى" من قرية "قولة أونو" جاءني ليسألني عن بعض المسائل المتعلقة بفقه العبادات العبادات الخاصة بالوضوء والصلاة، فمع أني لم أكن أقبل الضيوف في ذلك الحين فإن روحي قرأت بحس مسبق ما في روح ذلك الشابّ من إخلاص، وما سيُقدّمه من خدمات

91. صفحة

قيمة[1] لرسائل النور في المستقبل، فلم أرده على أعقابه بل قبلته[2]، ثم تبين لي أن الله تعالى قد أرسل إليَّ مصطفى نموذجًا بدلا من عبد الرحمن الذي كان سيكون خير خلف في دعوة رسائل النور من بعدي، ويؤدي وظيفة الوارث الحقيقي حق الأداء، وكأنه يقول لي: لقد أخذت منك عبد الرحمن واحدًا، وسأعطيك عوضًا عنه ثلاثين من عبد الرحمن كتلاميذ وأبناء أخ وأولاد معنويين وإخوان وأصدقاء مضحين في تلك الوظيفة الدينية مثل مصطفى الذي تراه، ولله الحمد فقد أعطاني ثلاثين عبد الرحمن، وقلت حينئذ: يا قلبي الباكي، بما أنك رأيت هذا النموذج، وبما أن ربك عالج وداوى بهذا النموذج أهم وأخطر جرح من جروحك المعنوية؛ فلابد لك أن تقتنع أنه سيداوي سائر الجروح التي تحزنك وتؤلمك.

فيا أيها الإخوة الشيوخ وأيتها الأخوات العجائز، يا من فقدوا مثلما فقدتُ أحبَّ أولادهم أو أقربائهم في شيخوختهم، ويا من يحملون الأحزانَ والهمومَ

[1]  فالأخ الصغير لمصطفى ويدعى "علي الصغير" قد كتب ونسخ بقلمه الطيب السليم أكثر من سبعمائة نسخة من رسائل النور فأصبح عبد الرحمن بالفعل، كما أنه ربى كثيرًا من عبد الرحمن. (المؤلف)

 

[2]  حقًّا إنه أثبت أنه أهل ليس للقبول فقط وإنما أهل للاستقبال أيضًا. (المؤلف)(*)

 *) حادثة تصدق حكم أستاذي حول كون مصطفى الذي هو أول تلميذ لرسائل النور جديرا بالاستقبال وهي:

كان أستاذي يريد أن يخرج للتنزه والتجول قبل يوم من يوم عرفة، فعندما أرسلني كي أحضر له الفرس قلت لأستاذي: لا تنزل إلى الأسفل، فأنا أغلق الباب من الداخل وأخرج من الباب الخلفي حيث مخزن الحطب، فقال أستاذي: لا، بل ستخرج أنت من الباب، ونزل، فبعدما خرجت أنا من الباب أغلق الأستاذ الباب من الداخل بالمزلاج، فذهبت أنا، فصعد هو ثم نام حسبما أخبرني، وبعد مدة جاء مصطفى مع الحاج عثمان، وكان أستاذي لا يقبل أحدًا وما كان سيقبل الرجلين معًا وخاصة في هذا الوقت، وكان سيردهما، ولكن عندما جاء مصطفى المذكور في هذا المقام مع الحاج عثمان فكأن الباب قال له بلسان حاله: "لن يقبلك أستاذك إلا أني سأنفتح لك، فانفتح الباب المغلق من الخلف بالمزلاج لمصطفى من تلقاء نفسه، أي كما أن المستقبل نفسه أظهر قول أستاذي عنه بأنه يستحق ويستأهل الاستقبال، فالباب أيضًا شهد على ذلك. (خُسْرَوْ)

أجل؛ إن ما كتبه خسرو صدق وصواب، وأنا أصدقه، فالباب استقبل هذا الأخ المبارك مصطفى بدلا مني وقبله. (سـعيد النورسي) 



92. صفحة

الثقيلة الناشئة عن الفراق فضلا عما يحملون على ظهورهم من الأعباء الثقيلة للشيخوخة؛ لقد علمتم حالي، فهي أشد من حالكم، ولكن بما أن الآية الكريمة شفتني؛ فلابد أن في صيدلية القرآن الحكيم القدسية أدوية تشفي عللكم وأدواءكم كلها، فإن راجعتموها بالإيمان وتناولتم تلك الأدوية بالعبادة، فستخفّ الأعباء الثقيلة للشيخوخة التي تحملونها على ظهوركم والأحزان التي تحملونها على رءوسكم.

إن سر كتابة هذا المبحث كتابة طويلة هو فكرة الإكثار من طلب الدعاء بالرحمة للمرحوم عبد الرحمن، فلا تملوا ولا تسأموا.

ثم إن مقصدي وهدفي من إظهار أشد وأخطر جروحي الحزينة التي ربما ستؤلمكم جدًّا وتنفركم بشكل مؤلم غير طيب هو رغبتي في إظهار مدى كون الترياق القدسي للقرآن الحكيم علاجًا ودواء خارقًا ونورًا ساطعًا لا مثيل له.

الرجاء الثالث عشر[1]:

سأتحدث في هذا الرجاء عن لوحة مهمة من لوحات أحداث حياتي؛ لذا فسيكون طويلا إلى حدٍّ ما، فأرجو ألا تسأموا ولا تستاءوا.

بعدما نجوت من أسر الروس في الحرب العالمية الأولى ثبتتني الخدمة الدينية التي قمت بها لمدة ثلاث سنوات تقريبا في دار الحكمة الإسلامية في إستانبول، ثم انتابني ملل وضجر من الحياة المدنية فيها، ونفور من الحياة الاجتماعية اللامعة البراقة، بإرشاد القرآن الحكيم، وهمة الشيخ عبد القادر الجيلاني، وانتباه شيخوختي وصحوتها، فساقني حنين الوطن الذي يسمى بـ"داء الصلة" إلى بلدتي، وقلت في نفسي: بما أني سأموت فلأمت في بلدتي، فذهبت إلى مدينة "وان"،

[1]  إنه من التوافق اللطيف أن حادثة المدرسة التي يتحدث عنها "الرجاء الثالث عشر" قد حدثت قبل ثلاث عشرة سنة. (المؤلف)

 



93. صفحة

فزرت فيها أولا وقبل كل شيء مدرستي التي تسمى بمدرسة "خُورْخُورْ"، ورأيت أن الأرمن أحرقوها كما أحرقوا سائر البيوت في وان في أثناء الاحتلال الروسي، وصعدت إلى قلعة "وان" المشهورة التي هي عبارة عن كتلة صخرية واحدة كالجبل، ومدرستي تحت هذه القلعة مباشرة وملتصقة بها، وقد مرت أمام عيني خيالات أصدقائي وإخواني وتلامذتي وأحبابي الذين كانو معي في مدرستي التي تركتها منذ سبع أو ثماني سنوات، وقد أصبح بعض من أصدقائي المضحين هؤلاء شهداء حقيقيين، وبعضهم الآخر قد توفوا شهداء معنويين نتيجة تلك المصيبة، فلم أستطع أن أتمالك نفسي من البكاء، وأنا في هذه الحال صعدت إلى قمة القلعة التي تطل على المدرسة من ارتفاع بقدر المئذنتين وجلست عليها، وذهبت بالخيال إلى ما قبل ثماني سنوات تقريبًا، فطاف بي خيالي مدة طويلة في ذلك الزمن إذ كنت قويّ الخيال، ولم يكن حولي أحد حتى يصرفني عن ذلك الخيال، ويجذبني من ذلك الزمان؛ إذ كنت وحيدًا، فكلما كنت أفتح عيني كنت أرى أن تحولات كثيرة حدثت وكأن قرنًا من الزمان مضى خلال ثماني سنوات، رأيت أن مركز المدينة المحيط بمدرستي، والموقع أسفل القلعة قد حُرِق ودُمّر تماما من أقصاه إلى أقصاه، ونظرت في هذه المرة نظرةً حزينة أشد حزنًا مما رأيت في المرة الأولى، وكأني جئت إلى العالم بعد مائتي سنة، وكنت صديقًا وصاحبًا لأغلب الرجال في تلك البيوت، وقد توفي أغلبهم رحمهم الله في أثناء الهجرة، وعانوا معاناة شديدة في الغربة، ورأيت أن بيوت جميع المسلمين في "وان" دُمِّرت غير محلة الأرمن.

فشعرت بوجع في أعماق قلبي، وحزنت حزنًا شديدًا؛ بحيث لو كانت لي آلاف العيون لبكت جميعها معًا، وكنت أظن أني رجعت إلى بلدتي ونجوت من الغربة، ولكن واأسفاه! لقد رأيت أشد أنواع الغربة وأفجعها في بلدتي.. رأيت مئات من تلامذتي وأصدقائي الذين تتعلق بهم روحي بشدة مثل عبد الرحمن -الذي سبق ذكره في "الرجاء الثاني عشر"- في القبر، ورأيت منازل ومساكن 

94. صفحة

أولئك الأحباب والأصدقاء خرابا مدمَّرا، كان في ذاكرتي بيت شعر منذ زمن بعيد لأحدهم، ولم أكن أدرك معناه، ولكني عرفت أمام تلك اللوحة الحزينة معناه حق المعرفة، وذلك البيت هو:

لو لا مفارقةُ الأحباب ما وَجَدَتْ     لها الْمَنايا إلى أرواحنا سبلا[1]

أي: إن أكثر ما يقتل الإنسان هو مفارقة الأحباب، نعم؛ إنه لم يؤلمني ولم يحرقني ولم يبكني شيء أكثر من هذه الحال، فلو لم يأتني مدد من القرآن والإيمان لأثر ذلك الغم والهم والحزن تأثيرًا بالغًا في روحي وكأنه يُطَيِّرُهَا.

وقد بكى الشعراء في أشعارهم على خراب المنازل التي كانوا يلتقون فيها مع أحبتهم بمرور الزمن، ورأيت أنا بعيني أشد لوحات الفراق ألَمًا، فأعانت عيني روحي وقلبي وبكوا جميعًا بحزنِ مَن يمر على مقام أحبته بعد مائتي سنة.

وعندها مرت أمام عيني خيالاتُ الأوقات والأزمنة التي كانت فيها هذه الأماكن الخربة عامرةً وذات بهجة وسرور، تلك الصفحات اللطيفة لحياتي التي قضيتها مع تلاميذي الأعزاء ما يقرب من عشرين سنة بالتدريس في أحلى حياةٍ، مرت كلها على صورة وكأنها تُبعَث وتحيا وتتمثل ثم تموت وترحل كما تمر مشاهد السينما أمام العين.

وحينها تعجبت من حال أهل الدنيا كثيرًا، كيف أنهم يخدعون أنفسهم؛ لأن تلك الحال أظهرت بالبداهة أن الدنيا فانية فناء تامًّا، وأن الناس ضيوف فيها، ورأيت بعيني مدى صدق قول أهل الحقيقة: "لا تنخدعوا بالدنيا فإنها غدارة، مكارة وفتانة وقبيحة"، ورأيت في عالمي الخاص بي أن الإنسان ذو علاقة مع قريته وبلدته، بل مع دنياه، كما أنه ذو علاقة مع جسمه وبيته، وذلك لأني بينما أبكي بعيني من رقة الشيخوخة من حيث جسمي ووجودي، أريد أن أبكي بعشر




95. صفحة

عيون ليس من أجل شيخوخة مدرستي فحسب، وإنما من أجل وفاتها أيضًا، وكنت أحتاج إلى البكاء بمائة عين على موت بلدتي الجميلة نصف الميتة، وقد روي في الحديث أن ملكًا ينادي ويصيح كل صباح قائلا: "لِدُوا للموت وابْنُوا للخراب"[1] وكنت أسمع هذه الحقيقة بأذني وأراها بعيني.

نعم؛ فكما أن حالي هذه قد أبكتني، فخيالي كذلك يبكي كلما مر بتلك الحال منذ عشر سنوات.

أجل؛ إن خراب المنازل فوق تلك القلعة العجوز التي عاشت آلاف السنين، وشيخوخة المدينة التي ظلت تحتها ثمانمائة سنة خلال ثماني سنوات، ووفاة مدرستي -الواقعة تحت القلعة- التي كانت تنبض بالحيوية والنشاط والتي كانت مجمع الأحباب وملتقاهم، حتى صارت الصخرة الكبيرة لقلعة "وان" شاهدَ قبر لها إشارةً إلى العظمة المعنوية للجنازة التي تشير إلى وفاة جميع ما في الدولة العثمانية من المدارس؛ جعلتني أرى وكأن تلاميذي المرحومين الذين كانوا معي في تلك المدرسة قبل ثماني سنوات يبكون معي في قبورهم، حتى الحيطان المدمرة والأحجار المتناثرة في تلك المدينة، رأيتها وكأنها تبكي معي! وقد علمت عندئذ أني لا أستطيع أن أتحمل هذه الغربة في بلدتي، وفكرت إما أن أذهب إليهم في قبورهم، أو أعتزل الناس في مغارة في جبل وأنتظر أجلي هناك، فقلت: بما أن في الدنيا مثل هذه الفراقات المحرقة المؤلمة التي تُضعِف الصبر ولا يمكن تحملها ومقاومتها؛ فلابد أن الموت أفضل من الحياة، وهذه الحال الثقيلة للحياة ليست من المشقات التي يمكن تحملها، فَأَجَلْتُ حينئذ النظر في الجهات الست، فوجدتها

[1]  رواه البيهقي في الشعب عن أبي هريرة والزبير مرفوعا برقم 10324، و10325 بلفظ أن ملكا بباب من أبواب السماء فذكر حديثا وفيه وأن ملكا بباب آخر يقول: "يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى" وأن ملكا بباب آخر ينادي "يا بني آدم لدوا للموت وابنوا للخراب" ورواه أحمد والنسائي في الكبير بدون شاهد منه وصححه ابن حبان، ورواه البيهقي أيضا عن أبي حكيم مولى الزبير رفعه "ما من صباح يصبح على العباد إلا وصارخ يصرخ: لدوا للموت واجمعوا للفناء وابنوا للخراب".

 



96. صفحة

مظلمة، وكشفت لي الغفلة -الناشئة عن شدة الألم والحزن- الدنيا رهيبة مفزعة خالية تمامًا، وكأنها ستسقط على رأسي؛ أما روحي فبينما هي تبحث عن نقطة استناد تجاه البلايا غير المحدودة التي اتخذت وضع العداء تجاهي، وتتحرى عن نقطة استمداد تشبع ما في روحي من الرغبات غير المحدودة التي تمتدّ إلى الأبد، وتنتظر وتتوقع سلوانًا تجاه الغم والحزن الناشئ عما لا حد له من الفراق والافتراق والتخريب والدمار والوفاة؛ إذا بحقيقة الآيتين من القرآن المعجز البيان ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۞ لَهُ مُلْكُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الحديد:1-2) تجلت، وأنقذتني من ذلك الخيال المرعب الحزين المليء بالرقة والفراق، وفتحتْ عيني، ورأيتُ أن الثمار فوق الأشجار المثمرة تنظر إلي مبتسمةً، وتقول: أنعم النظر إلينا أيضًا، ولا تنظر إلى الأماكن الخربة فحسب، فكانت حقيقة هذه الآية الكريمة تنبه وتذكر بالآتي:

لماذا يُحزِنك ويؤلمك إلى هذا الحد سقوط رسالةٍ كُتبت بيد ضيوف على صحيفة صحراء "وان" واتَّخَذَتْ صورةَ المدينة، ووقوعُها في بلاء سيل جارف يسمى بالاحتلال الروسي وانمحاؤها فيه؟ فانظر بدلا من ذلك إلى النقّاش الأزلي الذي هو المالك الحقيقي، وصاحب كل شيء وربه؛ حتى ترى أن مكتوباتِهِ في صحيفة "وان" تستمر وتُكتَب مرةً أُخْرَى بكمالِ العظمة والْهَيْبَةِ كما كنت تراها في الماضي.

إن بكاءك ونحيبَك على خُلُوِّ تلك الأماكن من الأهالي والسكان وخرابها، ينشأ عن الغفلة عن المالك الحقيقي، وعن عدمِ تصور الناس ضيوفًا، بل عن خطأِ توهمِك أنهم المالكون الحقيقيون، ولكن انفتح بابُ حقيقةٍ من ذلك الخطأ، ومن تلك الحال المؤلمة المحرقة، واستعدت النفس استعدادًا تامًّا لقبول تلك الحقيقة، نعم؛ كما أن الحديد يُدخل في النار كي يلين، ويُشكل بشكل نافع ومفيد، كذلك فقد صارت تلك الحال المحزنة وذلك الوضع المرعب نارًا فألانت نفسي، وأظهر لها القرآن المعجز البيان فيضَ الحقائق الإيمانية إظهارًا كاملاً بحقيقة الآية المذكورة، فجعلها تقبلها قبولا.


97. صفحة

نعم؛ وكما أثبتنا في "المكتوب العشرين" وغيره من الرسائل، فإن حقيقة هذه الآية قد منحت روحي وقلبي بفيض الإيمان -ولله الحمد- نقطةَ استناد تنكشف حسب قوة إيمان كل أحد؛ إذ هي قوة تنبعث من الإيمان بالله، تقدر على مواجهة المصائب الأكثر إخافة وضررًا من تلك الحالات المرعبة بمائة مرة، وذكرتني ونبهتني إلى ما يلي:

إن كل شيء مسخَّر لأمر مالكِ هذه الديار الحقيقي الذي هو خالقك، وإن زِمَامَ كُلِّ شيء بيده، فيكفيك أن تنتسب إليه.

فبعدما استندت إلى خالقي وعرفته، تخلت جميع الأشياء التي اتخذت صورة عداء لي عن عداوتها، والحالات الحزينة التي كانت تبكيني بدأت تبهجني وتسرني.

وكما أثبتنا بالبراهين القاطعة في كثير من الرسائل، فإن تلك الحقيقة -للآية الكريمة- وهبت لي مع النور الناشئ عن الإيمان بالآخرة تجاه تلك الرغبات التي لا حَدَّ لها نقطةَ استمداد تستطيع أن تكفي ليس لرغباتي وصِلاتي وارتباطاتي القصيرة الصغيرة المؤقتة بأحبابي الدنيويين فحسب، بل تكفي كذلك لرغباتي غير المحدودة في السعادة الأبدية، في عالم البقاء، في أبد الآباد.

ذلك لأن الذي يستند بالإيمان إلى رحمة الرحمن الرحيم الذي ينعم على ضيوفه بتجلٍّ من تجليات رحمته في كل ربيع بما لا حدَّ له من النعم الحلوة الطيبة البديعة في مائدة الربيع على وجه الأرض التي هي منزل من منازل هذه الدنيا التي هي مضيفه المؤقت؛ كي يُفرِحهم بضع ساعات، ويُدخِلَ السرور على قلوبهم، ويطعمهم تلك النعم وكأنها إفطار لهم، ثم يملأ الجنان الثماني الدائمة بالنعم غير المحدودة في وقت غير محدود، ويعدها لعباده في مسكنهم الأبدي.. أجل؛ إن الذي يستند إلى رحمة ذلكم الرحمن الرحيم بالإيمان ويعرف انتسابه إليه؛ لاشك أنه يجدُ نقطة استمداد؛ بحيث إن أدنى درجة من درجاتها يقوي الآمال الأبدية غير المحدودة ويديمها.


98. صفحة

ثم إن النور الذي انبعث من ضياء الإيمان بحقيقة تلك الآية تجلى بلمعان وسطوع حيث أنار الجهات الست المظلمة وأضاءها كالنهار؛ لأنه أنار الحالة التي جعلتني أبقى هنا وأبكي على تلامذتي وأصدقائي في هذه المدرسة وفي هذه المدينة؛ حيث نبهني إلى أن العالم الذي رحل إليه أحبابي ليس مظلمًا، بل بدلوا أماكنهم فقط، وذكَّرني بأننا سنلتقي مرة أخرى.

وأفهمني أني سأجد من يَحُلُّون محلهم ويشبهونهم في الدنيا، وأسكت بكائي تمامًا.

أجل؛ ولله الحمد لقد أحيا Y مدرسةَ "وان" المتوفاةَ بمدرسة "إسبارطة"، بل أحياها معنى بطلاب وأحباب أعزاء كثيرين أكثر وأفضل من أولئك الطلاب والأحباب، وأعلمني أن الدنيا ليست خالية فارغة، وأني كنت أتصور تصورًا خطأ أنها ديار خربة، بل إن مالكها الحقيقي يبدل بمقتضى حكمته اللوحاتِ المصنوعة من قبل الإنسان، ويجدد مكتوباتِهِ، وأن ما يحدث في البشر من زوال وفراق إنما هو تَجَدُّدٌ كمجيء ثمار جديدة عوضا عن بعض الثمار التي قُطِفت من شجرة ما، وليس حزنًا أليمًا ناشئًا عن انعدام الأحباب، بل هو تجدد يبعث حزنًا لذيذًا ناشئًا عن الفراق من أجل اللقاء في مكان آخر جميل من وجهة نظر الإيمان، ونوّر وجه موجودات الكون الذي يبدو مظلمًا من هول تلك الحالة، عند ذلك شعرت برغبة في تقديم الشكر على تلك الحالة، فأتتني هذه الفقرة العربية[1]، فصورت تلك الحقيقة بذاتها، حيث قلت:

"الحمد لله على نُورِ الإيمانِ المصَوِّرِ مَا يُتَوَهّمُ أَجَانِبَ أَعداءً أمواتًا موحشِين أيْتَامًا بَاكِينَ أَوِدّاءَ إخوانًا أحياءً مُؤنِسِينَ مُرَخّصِينَ[2] مَسرُورِينَ ذاَكرِينَ مُسَبِّحِينَ".





99. صفحة

أي: إنني أحمد الخالق ذا الجلال حمدًا لا حَدَّ له على نور الإيمان؛ إذ كنت أرى من قبل -بسبب توهم نفسي الغافلة بالغفلة الناشئة عن تأثير تلك الحالة الرهيبة المرعبة- بعضَ موجودات الكون أعداء وأجانب[1]، وبعضها جنائز مرعبة مفزعة، وبعضها الآخر أيتامًا يبكون من انعدام المعين والحامي، حيث رأيت بنور الإيمان بعين اليقين تلك اللوحةَ المرعبةَ؛ أي الذين كانو يتراءون وكأنهم أعداء وأجانب إنما هم أحباب وإخوان، وأن تلك الجنائز المرعبة قسم منها أحياء مؤنسون، وقسم آخر هم الذين سُرِّحُوا وأُعْفوا من وظائفهم، وأن عويل وصراخ أولئك الأيتام الباكين إنما هو زمزمة الأذكار والتسبيحات، فأحمد حمدًا لا حَدَّ له الخالق ذا الجلال الذي وهب لي الإيمان الذي هو منبع تلك النعم غير المحدودة.

وحيث إنه من حقي أن أستخدم جميع الموجودات -التي في دنياي الخاصة الكبيرة كبر الدنيا- في حمد الله وتسبيحه بالتصور والنية؛ فنقول معًا بلسان حال كل واحد منها وبلسان حال جميعها: "الحمد لله على نور الإيمان".

ثم إن ملذات الحياة التي انعدمت من جَرَّاء تلك الحالة الرهيبة الباعثة على الغفلة، والآمال التي غاضت كليًّا ونضبت تمامًا، وإِنَّ ما يخصني من النعم والملذات التي انحصرت في أضيق دائرة بل انعدمت وفنيت، كلَّها وَسَّعت فجأة بنور الإيمان تلك الدائرة الضيقة المحيطة بالقلب حتى احتوت الكون كله -كما أثبتنا ذلك قاطعًا في رسائل أخرى- وجعلت دار الدنيا ودار الآخرة كمائدتين للنعم والرحمة بدلا من تلك النعم اليابسة الفاقدة للّذّة في حديقة مدرسة "خور خور"، وأظهرت كل جهاز من أجهزة الإنسان التي تبلغ العشرة بل المائة كالعين والأذن والقلب مثل يد طويلة تمتد إلى هاتين المائدتين للرحمن حسب درجة كل مؤمن، وتجمع النعم من كل أنحائهما؛ لذا قلت حينئذ تعبيرًا عن تلك الحقيقة السامية وشكرًا على تلك النعم غير المحدودة:


[1]  أي المصائب كالزلازل، والعواصف، والطوفان، والطاعون، والحريق. (المؤلف)

 



100. صفحة

"الحَمْدُ لله عَلَى نُورِ الإيمانِ المُصَوِّر الدّارَيْنِ مَمْلُوءَتَيْنِ مِن النِّعمَة والرّحمة، لكل مُؤمِنٍ حَقٌّ في أن يستفيدَ مِنهما بِحَوَاسّه الكثيرةِ الْمُنْكَشِفَة بإذن خالقِه"

أي: إنني أحمد خالقي على نعمة نور الإيمان الذي يُرِي الدنيا والآخرة كمائدتين ممتلئتين بالنعم والرحمة، ويحقق الاستفادة لجميع المؤمنين الحقيقيين من هاتين المائدتين العظيمتين بأيدي جميع حواسهم التي انكشفت وانبسطت بنور الإيمان والإسلام؛ ولو كان بمقدوري أن أشكر خالقي الذي وهب ذلك الإيمان وأحمده بجميع ذرات جسمي بملء الدنيا والآخرة، لفعلت.

وبما أن الإيمان يفعل هذه التأثيرات العظيمة في هذا العالم؛ فلابد أنه سيكون له في عالم البقاء ثمرات وفيوضات لا يمكن الإحاطة بها ووصفها بالعقل في هذه الدنيا.

فيا أيتها العجائز وأيها الشيوخ الذين يعانون من آلام فراق كثير من الأحباب مثلي بسبب الشيخوخة! فإن كان أعجزكم أكبر مني سنًّا ظاهرًا فإني أعتقد أني أكثر شيخوخة منه معنىً؛ ذلك لأن في فطرتي حسّ شفقة ورحمة شديد تجاه بني جنسي، فأنا أتألم بسر هذه الشفقة والرحمة بآلام آلاف من إخواني الآخرين أكثر من تألمي من آلامي الشخصية؛ لذا فأنا شيخ عجوز وكأني عشت مئات السنين!!

وأنتم مهما عانيتم من ألم الفراق فإنكم لم تتعرضوا لذلك الألم مثلما تعرضت له أنا؛ فليس لي ابن حتى أفكر فيه وحده وأقلق عليه، فأنا أشعر وأحس برقة وألم تجاه آلاف من أبناء المسلمين، بل حتى تجاه آلام الحيوانات البريئة بسر الشفقة والرأفة الفطرية الشديدة الكامنة فِيَّ، وليست لي دار خاصة بي حتى أحصر فكري فيها، بل أنا ذو علاقة وثيقة من حيث الحمية الإسلامية بهذا الوطن بل بالعالم الإسلامي وكأنهما داري، وأتألم بآلام أبناء ديني الذين في هاتين الدارين العظيمتين، وأحزن لفراقهم، وهكذا فقد كفاني نور الإيمان كفاية تامة تجاه الأحزان الناشئة عن شيخوختي كلها وعن بلاء الفراق، ومنحني 

101. صفحة

رجاء لا ينكسر ولا يخيب، وأملا لا ينقطع، وضياء لا ينطفئ، وسلوانًا لا ينفد؛ فلاشك أن الإيمان كاف وواف لكم حيال الظلمات والغفلة والأحزان والآلام الناشئة عن الشيخوخة، وإن أظلم شيخوخة وأعتمها وأقلها سلوانًا في الحقيقة هي شيخوخة أهل الضلالة وأهل السفاهة، وإن أشد أنواع الفراق إيلامًا وأقساها هو فراقهم، فلا يمكن تذوق الإيمان الذي يهب ذلك الرجاء والضياء والسلوان وإحساسُ تأثيرِه إلا بتقلد العبودية اللائقة بالشيخوخة والموافقة للإسلام عن إدراك ووعي، وليس بالسعي إلى التشبه بالشباب ولا بتناسي الشيخوخة بالانغماس في غفلتهم بِسُكْرٍ.

تفكروا في الحديث الشريف: "خَيْرُ شَبَابِكُمْ من تَشَبَّهَ بِكُهُولِكُمْ، وَشَرُّ كُهُولِكُمْ من تَشَبَّهَ بِشَبَابِكُمْ"[1] أو كما قال، أي إن خير شبابكم من تشبه بشيوخكم في التريث والصبر والحيطة واجتناب السفاهة، وشر كهولكم وشيوخكم من تشبه بالشباب في السفاهة والانغماس في الغفلة.

فيا إخواني الشيوخ وأخواتي العجائز، لقد ورد في الحديث الشريف ما معناه: إن الرحمة الإلهية تستحيي أن تردّ يدَ شيخٍ مؤمن في الستين أو السبعين من عمره وهو يدعو الله تعالى رافعًا يديه إلى الحضرة الإلهية[2]، وبما أن الرحمة الإلهية توقركم وتحترمكم هكذا، فاحترموا أنتم أيضًا احترام هذه الرحمة وتوقيرها بعبوديتكم.

سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ


[1]   انظر المعجم الأوسط برقم 5904، والمعجم الكبير 202، ومسند أبي يعلى 7483، ومسند الشهاب برقم 1255.

 

[2]  أخرج الطبراني في المعجم الأوسط عن محمد بن أحمد بن البراء قال حدثنا المعافى بن سليمان قال حدثنا موسى بن أعين عن صالح بن راشد عن رجل يكنى أبا عبيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل ليستحيي من ذي الشيبة المسلم -إذا كان مسددا لزوما للسنة- أن يسأل الله فلا يعطيه". انظر المعجم الأوسط 5/270 حديث رقم 5286.

 



102. صفحة

الرجاء الرابع عشر

 فهرس "الشعاع الرابع"

أدرج هنا لمناسبة المقام

خلاصة مستهل الآية النورية الحسبية ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ التي هي "الشعاع الرابع".

عندما جردني أهل الدنيا من كل شيء قديمًا وقعت في خمسة أنواع من الغربة، فنظرت بسبب الغفلة الناشئة عن الضيق والضجر إلى قلبي، وتحسست من روحي مباشرة من دون النظر إلى أنوار "رسائل النور" الباعثة للسلوان والمدد، فرأيت أنه يهيمن عليَّ ويتحكم فِيَّ عشقٌ للبقاء في منتهى القوة، ومحبة شديدة للوجود، واشتياق كبير للحياة، وعجز غير محدود، وفقر لا منتهى له، ولكن فناءً رهيبًا يطفئ هذا البقاء، فقلت في تلك الحالة كما قال الشاعر الوله المتلهف[1]:

القلب في عشق البقاء مُتَيَّمٌ    وعلى الوجود الحقُّ قد كتب الفناءَ

داء عضال قد أصبت به ولم    يدر الحكـيم الألمعـي[2] لـه دواء

وطأطات رأسي يائسًا، فإذا بـ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ تأتي لنجدتي وإغاثتي قائلة لي: اقرأني بتأمل وإمعان، فقرأتها أنا خمسمائة مرة في اليوم، وكلما قرأتها تجلت لي من أنوارها القيمة الكثيرة "تسع مراتب نورية حسبية" ليس بعلم اليقين فحسب، وإنما بعين اليقين أيضًا.

المرتبة النورية الحسبية الأولى:

إن ما فيّ من عشق البقاء لا يتوجه إلى بقائي أنا، بل إن في ماهيتي ظِلاًّ من ظلال تجلٍّ من تجليات اسم من أسماء الحق تعالى ذي الكمال والجلال، الذي




103. صفحة

هو ذو الكمال المطلق والمحبوب بالذات بلا سبب أو داع، فكانت المحبة الفطرية التي في فطرتي -والتي تتوجه إلى وجود الكامل المطلق وكماله وبقائه- ضلت طريقها وتشبثت بالظل، وعشقت بقاء المرآة بسبب الغفلة، فجاءت "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"، ورفعت الستار، فرأيت وشعرت وتذوقت بحق اليقين أن لذة بقائي وسعادته موجودة بعينها وأفضل منها في تصديقي وإيماني وإذعاني ببقاء الباقي ذي الكمال وبكونه ربي وإلهي، وقد بُيِّنت أدلة ذلك في الرسالة الحسبية بـ ثم، ثم، ثم باثنتي عشرة مرة، وبشعور الإيمان بصورة في غاية الدقة والعمق تحير ذوي الإحساس والشعور.

المرتبة النورية الحسبية الثانية:

عندما هاجمني أهل الدنيا بدسائسهم وجواسيسهم وأنا في شيخوخة وغربة ووحدة وتجريد مع عجزي الذي لا حد له في فطرتي، قلت في قلبي: إن جيوشًا تهاجم رجلا واحدًا ضعيفًا مريضًا مكتوف الأيدي، فراجعت الآية ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قائلا: أليس لي من نقطة استناد أستند إليها؟ فأخبرتني هذه الآية:

إنك تنتسب بوثيقة الانتساب الإيماني إلى سلطانٍ مطلقِ القدرة، حيث يعطي بكمال الانتظام جميع جهازات جيوش الحيوانات والنباتات المركبة من أربعمائة ألف أمة في كل ربيع على وجه الأرض، ويضع كذلك جميع أرزاق جيش الأحياء الكبير العظيم وفي مقدمتهم الإنسان ليس كمستخلصات اللحم والسكر وسائر الأطعمة التي اكتشفها المتحضرون من الناس في الآونة الأخيرة وحسب، بل يضعها في المستخلصات الرحمانية التي تسمى البذور والنوى من جميع أنواع الأطعمة كلها والتي هي أبدع بمائة مرة مما اكتشفه الناس، ويغلف تلك المستخلصات في تعريفات قَدَرية خاصة بنضجها وانبساطها، ويُودِعها في صنيدقات وعليبات صغيرة لحفظها، ويتم إيجاد تلك الصنيدقات في مصنع "الكاف والنون" الموجود في أمر "كن" بسرعة وسهولة وكثرة؛ إذ يقول القرآن الكريم: إن الخالق يأمر،

104. صفحة

فيحدث، وبما أن الأمر هكذا فإنه يمكنك أن تستند إلى قوةٍ وقدرة لا نهاية لهما لعثورك بواسطة وثيقة الانتساب الإيماني على نقطة استناد مثل هذه، وأنا بدوري أجد قوة معنوية كلما تلقيت هذا الدرس من هذه الآية، فقلت بكل روحي ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ وأنا أشعر وأحسّ بقدرة إيمانية تَقْدِرُ على تحدي الدنيا كلها وليس تحدي أعدائي في الوقت الحاضر فحسب.

المرتبة النورية الحسبية الثالثة:

حينما لقنني الإيمان أنني مرشح لسعادة دائمة في عالم أبدي في دار باقية في وقتٍ وجدتُني فيه منقطع الصلة والعلاقة عن الدنيا بسبب مضايقات أنواع الغربة والمرض والظلم الذي مورس ضِدِّي؛ تخليت عن التأوه والتأفف الذي يقطر الحسرة، ونطقت بكلمات وعبارات تظهر البشاشة والسرور والبهجة، ولكن بدأت أفكر في أنه لا يمكن تحقق هذه الأُمنية وهدف الروح ونتيجة الفطرة إلا بالقدرة غير المحدودة للقدير المطلق الذي يعلم ويسجل جميع الحركات والسكنات والأحوال والأعمال القولية والفعلية لجميع مخلوقاته، والذي يتخذ هذا الإنسان الصغير العاجز عجزًا مطلقًا حبيبًا ومخاطبًا له، ويهب له مقامًا فوق جميع المخلوقات، ولا يمكن إلا بعنايته واهتمامه غير المحدود بالإنسان.

أجل؛ بينما كنت أفكر هكذا بحثت عن إيضاح يُطَمْئِنُ القلب ويكشف الإيمان ويزيده في هاتين النقطتين، أي: حول فعالية مثل هذه القدرة، والأهمية الحقيقية لهذا الإنسان الذي لا أهمية له في الظاهر، فراجعت مرة أخرى هذه الآية فقالت لي: أمعن النظر في "نا" في "حسبنا" وتأملها جيدًا، وأمرتني قائلة: استمع! مَن الذين يقولون معك "حسبنا" بلسان الحال ولسان المقال، فنظرت فإذا بي أرى أن الطيور غير المحدودة، والذباب الذي هو طويرات لا تعد، والحيوانات غير المعدودة والنباتات غير المتناهية، والأشجار غير المحدودة تذكر مثلي بلسان الحال معنى

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل﴾، وتُذكِّر الجميعَ بأن لهم وكيلا يتكفل لهم بجميع شروط 

105. صفحة

حياتهم ومقوماتها؛ حيث تُظهِر ضِمْنَ العظمةِ والجلال والهيبة لقدرةٍ تُوجِد وتخلق من البيوض المتشابهة المتحدة في المادة، ومن القطرات المتماثلة، ومن الحبوب التي بعضها كأنه عين لبعضها الآخر، ومن النوى والبذور المتشابهة؛ أنواعَ الطيور البالغة مائة ألف نوع، وطراز الحيوانات البالغة مائة ألف طراز، وأنواع النباتات البالغة مئات آلاف الأنواع، وأصناف الأشجار البالغة مئات آلاف الأصناف؛ تخلقها أمام أعيننا ولاسيما في كل ربيع ضمن نطاق في منتهى الكثرة والسهولة والسعة مزينًا جميلا وموزونًا، ومتقنًا ومنتظمًا، ومتميزًا بعضها عن بعضها الآخر، ومتفارقًا بعضها عن بعضها الآخر من غير خطأ ولا نقصان ولا التباس.

أجل؛ إن خلق جميع هذه الموجودات معًا مجتمعةً ومتشابهة ومتداخلة على نمط واحد يُظهِر وحدةَ ذلكم الوكيل وأحديّتَه مع عظمة تلك القدرة وجلالها وهيبتها، ويخبر ويعلن أنه لا يمكن التدخل والاشتراك في فعل الربوبية وتصرف الخلاقية اللذين يُبرِزان ويُظهِران مثل هذه المعجزات التي لا حَدَّ لها.

أجل؛ فهمت هكذا، فمن يُرِد أن يفهم هويتي الشخصية وماهيتي الإنسانية كما هي لكل مؤمن، ويرغب في أن يكون مثلي؛ فلينظر إلى تفسير "أنا" في جمع "نا" في "حسبنا"، أي إلى تفسير نفسِي فيها، وليفهم ما هو جسمي الذي يبدو صغيرًا فقيرًا مثل وجود كل مؤمن؟ وما الحياة؟ وما الإنسانية؟ وما الإسلام؟ وما الإيمان التحقيقي؟ وما معرفة الله؟ وكيف ينبغي أن تكون المحبة؟ ليفهم كل هذا وليتلقَ درسه.

المرتبة النورية الحسبية الرابعة:

اتفقتْ ذات يوم العوارضُ التي تهز وتزعزع كياني وجسمي كالشيخوخة والغربة والمرض والإحباط وقت غفلتي، وبدأت أفكر في ذهاب وجودي الذي أتعلق وأفتتن به بشدة، ووجود الحيوانات أيضًا إلى العدم، فأقلقني هذا التفكير قلقًا أليمًا، فراجعت آية الحسبية هذه مرة أخرى، فقالت لي: تأمل معناي، وتفكر 

106. صفحة

وتفكر فيه جيدًا، وانظر بمنظار الإيمان، فنظرت ورأيتُ بعين الإيمان أن وجودي الصغير صغر الذرة مرآةٌ لوجود غير محدود مثل وجود كل مؤمن، ووسيلة لكسب ما لا حَدَّ له من الوجودات بانبساط غير متناهٍ، وأنه كلمةُ حكمةٍ تثمر الوجوداتِ الباقيةَ المتعددة التي هي أهم وأفضل وأثمن منه، وأن حياته للحظة واحدة من حيث انتسابه ذاتُ قيمة عالية بقدر وجود أبدي، وعلمت ذلك علم اليقين؛ لأني فهمت بوعي الإيمان أن وجودي هذا أثرُ واجبِ الوجود وصنعته، وتجلٍّ من تجلياته، فتخلصت من الأوهام الوحشية، ومن أنواع الفراق غير المحدودة، ومن آلام ذلك الفراق والافتراق غير المحدودة، وعلمت أن هناك وصالاً دائمًا ضمن فراق مؤقت بيني وبين جميع الموجودات التي أحبها وأتخذ معها علاقات وصلات بروابط أخوية بعدد الأفعال والأسماء الإلهية المتعلقة بالموجودات ولاسيما الأحياء منها.

وهكذا يكسب وجودي هذا مثل وجود كل مؤمن بالإيمان وبالانتساب الذي في الإيمان أنوارًا لا فراق فيها لأنواع الوجود غير المحدودة، وحتى لو رحل وجودي فإن بقاء أنواع الوجود الأخرى وراءه يجعله راضيًا مسرورًا وكأنه هو الذي بقي، وخلاصة القول: إن الموت ليس فراقًا، بل هو وصال وتبديل مكان، وتسنبل ثمرة باقية.

المرتبة النورية الحسبية الخامسة:

لقد اهتزت حياتي وتزلزلت مجددًا تحت وطأة ظروف قاسية قاهرة؛ فحوَّلَتْ نظري إلى العمر والحياة، ورأيت أن عمري يمضي بسرعة وكأنه يجري، وقد اقترب من الآخرة، وأن حياتي أيضًا أخذت في الانطفاء تحت وطأة المضايقات، ولكن الوظائف المهمة للحياة ومزاياها العظيمة وفوائدها القيمة -التي وُضِّحت في رسالة حول اسم الله "الحي"- لا تليق بمثل هذا الانطفاء السريع، بل تليق بحياة طويلة، وحينما كنت أفكر وأتساءل هكذا متألِّمًا في هذا الأمر راجعت أيضًا معلمي وأستاذي الآية ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، فقالت لي: انظر إلى الحياة كما يريد 

107. صفحة

الحي القيوم الذي وهب لك الحياة، فنظرت ورأيت أنه إن كان للحياة وجه واحد يتوجه إليَّ؛ فإن لها مائة وجه يتوجه إلى الحي القيوم، وإن كانت نتيجتها التي تعود إليَّ واحدة، فإن نتائجها التي تعود إلى خالقي ألف، إذن فيكفيها أن تعيش لحظة واحدة وآنًا واحدًا ضمن مرضاة الله تعالى، ولا حاجة إلى وقت طويل.

هذه الحقيقة تُبيَّن بأربع مسائل، فالذين ليسوا أمواتًا، أو الذين يريدون أن يكونوا أحياء بحق عليهم أن يبحثوا عن ماهية الحياة وحقيقتها وحقوقها الحقيقية في تلك المسائل الأربع، وليظفروا بها، وليحيوا.

وخلاصتها هي: كلما كانت الحياة متوجهةً إلى الحي القيوم، وكلما كان الإيمان حياةً للحياة وروحًا لها؛ كانت الحياة تكسب البقاء، وتثمر ثمرات باقية، وتسمو وتعلو حتى تنال تجلي السرمدية، ولا يُنظَر بعد ذلك لقصر العمر أو طوله.

المرتبة النورية الحسبية السادسة:

عندما ازدادت الشيخوخة التي تذكر بفراقي الخاص ضمن أحداث آخر الزمان التي تقع عند الفراق العام الشامل وتخبر عن دمار الدنيا، وحينما ازداد ما في فطرتي من مشاعر الافتتان بالجمال والعشق له والافتتان بالكمال ازديادًا شديدًا لا يوصف في أواخر عمري؛ رأيت بشعور وحزن لا مثيل لهما الزوالَ والفناء المدمِّرَيْن دائمًا، والموتَ والعدم المفرِّقَيْن باستمرار أنها تضرب هذه الدنيا الجميلة وهذه المخلوقات الجميلة بضربات قاسية، وتُمزِّقها وتشوِّه جمالها؛ وعندما ثار العشق المجازي الذي في فطرتي تجاه هذه الحال وأخذ في الفوران والعصيان عليها بشدة؛ راجعت هذه الآية -آية الحسبية- مرة أخرى حتى أجد سلوانًا، فقالت لي: اقرأني جيدًا، وتمعن في معناي وتأمله، وأنا بدوري دخلت في مرصد الآية ﴿اللهُ نُورُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (النور:35) في سورة النور، ونظرت إلى أبعد طبقات الآية الحسبية بمنظار الإيمان، وإلى أدق أسرارها بمجهر الوعي 

108. صفحة

الإيماني، ورأيت أنه كما أن المرايا والزجاج والمواد الشفافة، بل حتى الفقاقيع والحباب، تُظهر الجمال المتنوع المخفي لضياء الشمس، وتُرِي الجمال المتنوع لألوان الطيف لذلك الضياء، وتجدد ذلك الجمال والحسن بتجددها وتحركاتها وبقابلياتها المختلفة وبانكساراتها، وتظهر بانكساراتها الحسنَ المخفي للشمس وضيائها وألوانها السبعة (الطيف) إظهارًا جميلا؛ كذلك فهذه المصنوعات الجميلة وهذه المخلوقات المحبوبة وهذه الموجودات الجميلة تأتي إلى الوجود وترحل باستمرار وبلا توقف من أجل أن تؤدي وظيفة المرآة لجمال الجميل ذي الجلال القدسي الذي هو شمس الأزل والأبد، وللجمال السرمدي لأسمائه الحسنى التي هي في منتهى الجمال، ومن أجل تجدد تجليات جمال تلك الأسماء، وتخبر وتعلن أن ما يظهر عليها من جمال وحسن ليس ملكًا لها، بل هو إشارات وعلامات وتجليات لجمال سرمدي مقدس يريد أن يتجلى، وحسن مجرد منزه عن النقص يتجلى دائمًا ويريد أن يظهر أبدًا.

وقد بُيِّنَ كثير من الدلائل القوية لهذه الحقيقة بتفصيل في "رسائل النور"، ولاسيما "المرتبة النورية السادسة" من "الشعاع الرابع" التي تبدأ بـ" سنذكر هنا ثلاثة من تلك البراهين والدلائل باختصار بصورة معقولة جدًّا" محيلة التفاصيل إلى "رسائل النور"، فكل من قرأ تلك الرسالة من أصحاب الذوق السليم ينبهر ويعجب بها أيما إعجاب، ويرى أن عليه أن يسعى لإفادة الآخرين فضلا عن استفادته هو، ولاسيما "النقاط الخمس" التي تُبَيَّن في "البرهان الثاني"، فمن لم يتفسخ عقله ولم يفسد قلبه لابد أنه سيُقَدِّرُ ويستحسن ويصوّب، ويقول ماشاء الله وتبارك الله، ويجعل وجوده الذي يبدو فقيرًا حقيرًا يسمو ويعلو، وسيدرك وسيصدق أنه معجزة عجيبة خارقة.[1]


[1] تنبيه: لقد كنا نوينا كتابة تسع مراتب من مراتب الآية الحسبية النورية، ولكننا أجلنا كتابة ثلاث منها لأسباب.

 



109. صفحة

الرجاء الخامس عشر[1]

لقد أُجبرت ذات مرة على الإقامة الجبرية في أميرداغ[2]، وكنت أعيش وحدي في غرفة، وكانوا يعذبونني بالترصد والمراقبة والتحكم الذي كان ثقيلاً عليَّ حتى مللت الحياة، وتأسفت لخروجي من السجن، وتمنيت بكل روحي أن أكون في سجن دنيزلي[3]، ورغبت في دخول القبر، وعندما كنت أفكر في دخول السجن أو القبر قائلا: السجن والقبر أفضل من مثل هذه الحياة، أدركتني العناية الإلهية، ووضعت آلة النسخ التي ظهرت حديثًا بيد طلاب مدرسة الزهراء الذين أقلامهم كتلك الآلة، وظهرت بقلم واحد خمسمائة نسخة من كل مجموعة من المجموعات القيمة لرسائل النور، وبدأت الفتوحات والانتشار، حيث حبَّبَ إليَّ ذلك الحياةَ المضجرة المملة، وجعلني أقول: الحمد لله والشكر له بلا عد ولا حد.

وبعد مدة أثارت الفتوحات النورية حفيظة أعداء "رسائل النور" الخفيين، فحرَّضوا الحكومة ضدنا، فبدأت الحياة تثقل عليَّ مرة أخرى، ثم إذا بالعناية الربانية تتجلى، فبدأ الموظفون المعنيون الذين هم أحوج الناس إلى رسائل النور يطالعون الرسائل المصادرة بحكم وظيفتهم بكمال التطلع والشغف والإمعان والتفحص، ولكن رسائل النور استمالت قلوبهم، وجعلتهم ينحازون إليها، وبدأوا يقدرونها بدلا من أن ينتقدوها، وتوسعت مدرسة النور كثيرًا، ونفعتنا أكثر من تضررنا المادي بمائة مرة، وأذهبت قلقنا المضايق المضجر.

ثم بعد ذلك لفت الأعداء المنافقون الخفيون المتسترون نظر الحكومة إلى شخصي، وذكَّروها بشكل أو بآخر بحياتي السياسية القديمة، فأثاروا الأوهام لدى

[1]  لقد كُتِبَ هذا "الرجاء الخامس عشر" من قبل أحد النوريين كي يكون مرجعًا ومصدرًا لتأليف رسالة الشيوخ وتتميمها وتكميلها؛ حيث إن زمن تأليف رسائل النور انتهى قبل ثلاث سنوات. (المؤلف)

 

[2]  ناحية تابعة لمحافظة آفيون، وقد نفي إليها الإمام النورسي.

 

[3]  محافظة في غرب تركيا، كان الإمام سجينًا فيها مدة من الزمن.

 



110. صفحة

الدوائر العدلية ووزارة التربية والتعليم، والأمن، ووزارة الداخلية، وتوسعت دائرة تلك الأوهام بفعل تيارات الأحزاب وإثارة الإرهابيين الذين يختفون تحت ستار الشيوعية، وضيقوا علينا الخناق واعتقلونا، وبدأوا يصادرون الرسائل التي وقعت في أيديهم، وتوقف نشاط طلاب النور وفعالياتهم، ونسب إليّ بعض موظفي الحكومة أقوالا وأفعالا لا يصدقها أحد، وسَعَوا إلى إشاعة افتراءات وأكاذيب عجيبة بغية جرح شخصيتي والطعن فيها، ولكنهم لم يستطيعوا أن يقنعوا أحدًا من الناس، فاعتقلوني بعد ذلك في أشد أيام الزمهرير برودةً بذرائع في غاية الدناءة، وسجنوني مدة يومين وحيدًا منفردًا في قاعة كبيرة باردة جدًّا لا مدفأة فيها، وقد كنت أتحمل البرودة بصعوبة بالغة بسبب الضعف والمرض، حتى عندما كنت أشعل المدفأة عدة مرات يوميًّا عادةً في غرفتي الصغيرة وكان في موقدها نار دائمًا، أما الآن عندما كنت أضطرب من الحمّى بسبب البرودة، ومن الضيق والضجر والغضب الشديد؛ قد انكشفت في قلبي حقيقة بالعناية الإلهية، وقيل لي معنى: إنك سميت السجن بالمدرسة اليوسفية، وإن الفرح والربح المعنوي في سجن دنيزلي أكثر من ضيقكم وعنتكم ومشقتكم بمائة ضعف، واستفادة السجناء فيه من رسائل النور، وفتوحات رسائل النور وانتشارها بين الدوائر الرسمية الكبيرة وغيرها من النتائج جعلتكم تشكرون الله ألف شكر بدلا من الشكوى، وصيرت كل ساعة من ساعات سجنكم ومشقتكم عشر ساعات من العبادة، وجعلت تلك الساعات الفانية باقيةً خالدة. أما هنا فاستفادة من نزلت بهم المصائب في هذه المدرسة اليوسفية الثالثة من "الأنوار"[1] ووجدانهم السلوانَ فيها سيبعث الحرارة والدفء في مشقتك وضيقك الثقيل البارد وسيحولها إلى سرور وفرح بإذن الله، أما الذين تغضب عليهم فإن كانوا قد انخدعوا فلا يستحقون هذا الغضب؛ إذ إنهم يظلمونك عن جهل ومن غير علم، وإن آذوك وعذبوك عن علم وسوء نية ولحساب الضلالة فإنهم سيدخلون بالإعدام الأبدي بالموت في سجن القبر




111. صفحة

الانفرادي في أقرب وقت، وسيعانون ويقاسون المشقة الدائمة والعذاب الأبدي، وأنت بسبب ظلمهم لك تكسب الثواب، وتجعل تلك الساعات الفانية ساعات باقية، وتنال اللذائذ المعنوية، وتكسب القيام بالوظيفة العلمية والدينية بإخلاص، هكذا ألهمت روحي، فقلت بكل ما أوتيت من قوة: الحمد لله، وأشفقت على أولئك الظالمين بحكم إنسانيتي، ودعوت ربي أن يصلح هؤلاء.

كما أنني كتبت إلى وزارة الداخلية في إفادتي حول هذه الحادثة الجديدة: إنها غير قانونية بعشرة وجوه، وإن الظالمين الذين يخالفون القانون باسم القانون هم المجرمون الحقيقيون؛ إذ حاولوا إيجاد تبريرات وذرائع واختلاق افتراءات وأكاذيب تُضحِك السامعين وتبكي أهل الحق، وأظهروا لأهل الإنصاف أنهم لا يستطيعون أن يجدوا مجالا أو مسوغا للتعرض لرسائل النور وطلابها من حيث القانون والحق فانحرفوا إلى الحمق والجنون.

وعلى سبيل المثال: لم يجد الموظفون الذين تَجَسَّسُوا علينا طوال شهر كامل ذريعة ضدنا فكتبوا على رقعة قالوا فيها: إن خادم سعيد اشترى خمرًا من أحد الدكاكين، وأخذها إليه، ولكنهم لم يجدوا أحدًا يوقع على هذه الرقعة، ثم قبضوا على رجل غريب سكّير، وهددوه كي يوقع على الرقعة، فرد عليهم: أستغفر الله، من يستطيع أن يوقع على مثل هذا الكذب العجيب؟! فاضطروا إلى تمزيق تلك الرقعة.

المثال الثاني: لقد أعطاني رجل لا أعرفه ولم أتعرف عليه حتى الآن عربة حصان حتى أتجول وأتنزه بها، فكنت أتجول بها ساعة أو ساعتين في أكثر الأيام في الصيف بقصد الاستراحة واستنشاق الهواء النقي من أجل اعتلال صحتي، وكنت وعدت أن أعطي صاحب العربة العربة والحصان من الكتب ما يساوي ثمنه خمسين ليرة، حتى لا أخل بمبدئي وقاعدتي[1] ولا أقع تحت المنة، فهل هناك

[1]  أي كان لا يقبل هدية من أي أحد دون مقابل، حيث ذكر بتفصيل أسباب ومبررات قاعدته هذه في "المكتوب الثاني" من المكتوبات.

 



112. صفحة

احتمال أن يكون في هذا الأمر ضرر؟ ولكن المحافظ ورجال العدل والشرطة والأمن استفسروا خمسين مرة: لمن هذا الحصان؟ فكأنه حدث سياسي كبير، وحادثة تتعلق بالأمن، وحتى تنقطع هذه الاستفسارات والاستجوابات التافهة التي لا معنى لها قال أحد الغيورين الشهام من الناس: إن الحصان لي، وقال آخر: والعربة لي، فاعتقلوهما معي من أجل هذا الكلام.

وقياسًا على هذه النماذج والأمثلة شاهدنا كثيرًا من لعب الأطفال، وبكينا ضاحكين، وأدركنا أن من يتعرضون لرسائل النور وطلابها بسوء يصبحون موضع سخرية واستهزاء!!

حوار لطيف من تلك الأمثلة:

لقد كتب في سبب اعتقالي في ورقة التقرير تهمة الإخلال بالأمن، وقلت للمدعي العام قبل أن أطلع على التقرير: لقد اغتبتك البارحة؛ إذ قلت لأحد رجال الشرطة الذين استجوبوني باسم مدير الأمن: لعنة الله عليَّ -ثلاث مرات- إن لم أكن قد خدمت الأمن العام في هذا البلد كخدمة ألف مدع عام، وألف مدير للأمن، وعندما كنت في أَمَسِّ الحاجة إلى الراحة في هذا البرد في هذه الأثناء وفي الدفء والحرارة وفي التفكير في الدنيا، شعرت باستياء شديد من أولئك الذين ساقوني إلى الهجرة والتجريد والاعتقال والمضايقة فوق ما أتحمل وبما يُشعر بسوء نية وقصد، وأحسست بغضب شديد عليهم، إلا أن العناية الربانية أدركتني فأُلهم قلبي معنى:

إن للقدر الإلهي الذي هو عين العدالة حصةً كبيرة في عين ظلم الناس لك، فلك رزق تأكله في هذا السجن، وهذا الرزق قد دعاك إلى هنا! ولابد من الرضا بحكم القدر والتسليم له. 


113. صفحة

ثم إن للحكمة والرحمة الربانية أيضًا حصةً كبيرة في هذا: وهي أن تُنوِّر السجناء في هذا السجن، وأن تبعث السلوان في قلوبهم فيُكسبك ذلك الثواب، إذن يجب تقديم آلاف الشكر لله تعالى على هذا الحظ في صبر.

ثم لنفسك أيضًا حصة في ذلك بسبب أخطائها وتقصيراتها التي تجهلها أنت، فلابد من أن تقول لنفسك مستغفرا وتائبا: إنك استحققت هذه الصفعة!

ثم إن للأعداء المتسترين أيضًا حصة باستغفالهم بعض الموظفين السُّذَّج الوهامين، وسوقهم إلى الظلم بدسائسهم وحيلهم، وقد ثأرت لك رسائل النور ثأرًا كاملا من هؤلاء المنافقين بما أنزلت بهم من صفعاتها المعنوية القوية الشديدة، فهي تكفيهم.

والحصة الأخيرة هي للموظفين الحكوميين الرسميين الذين تسببوا في هذه الأمور بالفعل، ولكنهم حينما كانوا يقرَأون رسائل النور بنظر النقد والجرح قد استفادوا منها حتما -ورغما عنهم- من جهة الإيمان؛ ولذا فإن العفو عنهم من أجل تلك الاستفادة وفق دستور﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ

(آل عمران:134) لهو شهامة ومروءة.

وبعد هذا التنبيه على هذه الحقيقية قررت بكمال السرور والفرح والشكر أن أبقى في هذه المدرسة اليوسفية الجديدة، بل قررت أن أرتكب جريمة لا ضرر فيها تستوجب العقوبة لي حتى أساعد أولئك الذين اتخذوا موقفًا معاديًا ضدي، ثم إن سبعين ألف نسخة من رسائل النور ظلت تتجول بحرية وهي تؤدي الوظيفة النورية بدلا من شخص مثلي؛ بلغ الخامسة والسبعين من عمره، ولا علاقة له بالدنيا، ولم يبقَ في الحياة من أحبابه في الدنيا إلا خمسة من كل سبعين شخصًا، فالقبر إذن خير من السجن بمائة مرة لرجل مثلي له إخوان ووارثون يقومون بالخدمة الإيمانية بألف لسان بدلا من لسان واحد، وهذا السجن أكثر راحة بمائة مرة مما في خارجه من الحرية التي هي أسر تحت الاستبداد والتسلط والتحكم، وأكثر نفعا منه؛ لأن 

114. صفحة

المرء إذا كان يتحمل وحده في الخارج استبداد مئات من الموظفين المعنيين؛ فإنه في السجن يضطر مع مئات من السجناء إلى تحمل الاستبداد الخفيف لرجل أو رجلين من أمثال مدير السجن ورئيس الحراس بناء على مصالحهم، وحيال ذلك يجد سلوانًا ومعاملةً كريمة أخويَّة من أصدقائه الكثيرين في السجن.

ثم إنني رضيت بالسجن؛ لأن شفقة الإسلام وفطرة الإنسان ترحمان الشيوخ الذين هم في هذه الحالة، فتحوِّلان مشقة السجن وعناءه إلى رحمة.

وعندما حضرت إلى هذه المحكمة الثالثة كنت أجد صعوبة في الوقوف بسبب الضعف والشيخوخة واعتلال الصحة والمرض، فجلست على كرسي خارج باب المحكمة، فإذا بقاضٍ أتى وغضب وقال في إهانة وازدراء: لم لا ينتظر واقفًا؟ وغضبت أنا من هذه القسوة وانعدام الرحمة لشيخوختي، والتفتُّ وإذا بي أرى أن كثيرا من المسلمين اجتمعوا حولنا ينظرون إلينا بنظرات ملؤها الرحمة والشفقة والأخوة، ولا يقدر أحد أن يفرقهم، فأُلهمتُ فجأة "حقيقتين اثنتين".

أولاهما:

إن أعدائي وأعداء الأنوار[1] الخفيين المتسترين غرّروا وخدعوا بعض الموظفين الحكوميين السذج، وساقوهم إلى مثل هذه المعاملة المهينة بقصد تحقير شخصيتي وإذلالها في نظر الناس، ظنا منهم أنهم سيستطيعون أن يَحُولُوا دون انتشار النور بكسر ما لا أرغب فيه من إقبال الناس عليَّ، ولكن العناية الإلهية قالت لي إكرامًا لخدمة رسائل النور للإيمان: "انظر بدلا من إهانة رجل واحد وتحقيره إلى هؤلاء المائة، كيف يقدرون خدمتكم، ويعطفون عليكم، ويستقبلونكم ويشيعونكم باهتمام بالغ"، حتى عندما كنت أجيب في اليوم الثاني عن أسئلة المدعي العام في طابق وكيل النيابة اجتمع ما يقرب من ألف من الأهالي تجاه نوافذ المحكمة في ساحة




115. صفحة

المبنى الحكومي، فبدوا وكأنهم يعبرون بأوضاعهم وحالاتهم ويقولون بلسان حالهم: لا تضايقوا هؤلاء، فما كانت الشرطة تستطيع أن تفرقهم، وأُلهم قلبي: إن هؤلاء الأهالي يطلبون في هذا العصر العصيب الخطير سلوانًا تامًّا ونورًا لا يمكن إطفاؤه، وإيمانًا قويًّا راسخًا وبشرى صادقة نحو السعادة الباقية، وينشدونها بفطرتهم، فهم قد سمعوا أن ما يبحثون عنه موجود في رسائل النور، ولذلك يبدون إقبالا وتوجهًا لشخصي الذي لا أهمية له أكثر من حَدِّي ومما أستحقه من أجل خدمتي الجزئية للإيمان.

الحقيقة الثانية: لقد ألهم قلبي أن مَنْ لا عَدَّ لهم من أهل الحقيقة والجيل القادم يُصفِّقون لكم ويرحِّبون بكم بتقدير واحترام، مقابل المعاملة السيئة المهينة المزرية من أشخاص قليلين محدودين مخدوعين بقصد إهانتنا وصرف الناس عنا بإيهامهم إخلالنا بالأمن والسلامة.

نعم؛ في الوقت الذي يسعى فيه الإرهاب إلى إفساد الأمن العام والإخلال به سعيًا رهيبًا تحت ستار الشيوعية؛ فإن رسائل النور وطلابها يوقفون هذا الإفساد الرهيب الهائل في كل أرجاء هذا الوطن بقوة الإيمان التحقيقي، ويكسرون شوكته، ويسعون لتحقيق الأمن والسلام، ولم تجد ولم تسجل خلال عشرين سنة ثلاث أو أربع محاكم وشرطة عشر محافظات تهتمّ بشئون طلاب النور الكثيرين في كل أنحاء البلد أي حادث متعلق بإخلالهم بالأمن، وحتى إن بعضًا من المنصفين من الشرطة في ثلاث محافظات قالوا: إن طلاب النور شرطة معنوية، وإنهم يساعدوننا في حفظ الأمن والنظام، ويضعون بالإيمان التحقيقي وازعًا رادعًا في رأس كل من يقرأ رسائل النور، ويسعون لتحقيق الأمن، وأحد أمثلة هذا هو سجن "دنيزلي"، فبدخول رسائل النور ورسالة الثمرة التي كُتبت للسجناء أصبح السجناء الذين يزيد عددهم فيه عن المائتين في طاعة وصلاح وتقوى فوق المعتاد خلال ثلاثة أو أربعة أشهر، حتى إن رجلا قتل ثلاثة أو أربعة أشخاص كان يخاف من أن يقتل بَقَّة الفراش، وبدأ يتحول إلى عضو غير مضر رحيم عطوف نافع للبلاد، فكان 

116. صفحة

الموظفون الرسميون ينظرون إلى هذه الحال نظرة حيرة وإعجاب وتقدير، بل قال بعض الشباب قبل أن يصدر الحكم في حقهم: إنْ بقي النوريون -طلاب رسائل النور- في السجن فسنسعى إلى دخول السجن حتى نتلقى منهم الدروس ونصبح مثلهم، ونصلح أنفسنا بما نتلقاه منهم من دروس.

وهكذا فالذين يتهمون طلاب رسائل النور الذين هم على هذه الشاكلة بتهمة الإخلال بالأمن؛ لاشك أنهم قد انخدعوا أو خُدِعوا بشكل فظيع، أو يستغفلون الحكومة عن علم أو جهل لحساب الإرهاب، ويسعون إلى سحقنا بأذاهم وتعذيبهم لنا.

فنحن نقول لهؤلاء:

"بما أن الموت لا يُقتَل، وأن القبر لا يُغلَق، وأن المسافرين في دار ضيافة الدنيا يدخلون تحت التراب بسرعةٍ واضطرابٍ قافلة إثر قافلة، ويختفون فيه؛ فلابد أننا سنفترق عن بعضنا البعض في القريب العاجل، إنكم ستلقون عقاب ظلمكم عقابًا شديدًا، وعلى أقل تقدير ستصعدون إلى المشنقة التي هي الإعدام الأبدي بالموت الذي هو تذكرة تسريح لأهل الإيمان المظلومين، وإن جميع الملذات الفانية التي كنتم تتمتعون بها في الدنيا بتوهم الأبد ستتحول إلى آلام باقية أليمة".

 ولكن مع الأسف إن أعداءنا المنافقين الخفيين المتسترين يطلقون اسم الطريقة الصوفية أحيانًا على الحقيقة الإسلامية التي كُسِبت وحُفِظت بدماء وسيوف مئات الملايين من شهداء هذا الشعب المتمسك بالدين، الذين هم في مقام الأولياء ومجاهديه الأبطال، ويظهرون مسلك الطريقة الصوفية الذي هو شعاع واحد من أشعة تلك الشمس على أنه الشمس عينها، ويخدعون بعضًا من موظفي الحكومة غير المنتبهين، ويطلقون على طلاب رسائل النور الذين يسعون سعيًا مؤثرًا في سبيل الحقائق الإيمانية والحقيقة القرآنية اسم المتصوفة أو الجمعية السياسية، وبذلك يريدون أن يحرضوهم ضدنا، فنحن نقول لهم ولمن يستمعون إليهم كما قلنا في محكمة دنيزلي العادلة: 


117. صفحة

ليكن رأسنا نحن أيضًا فداءً للحقيقة القدسية التي ضُحِّيَ في سبيلها بمئات الملايين من الرءوس؛ فلو جعلتم الدنيا كتلة نار على رءوسنا فلن تستسلم للزندقة هذه الرءوس التي هي فداء للحقيقة القرآنية، ولن تتخلى أبدًا عن وظيفتها القدسية إن شاء الله.

وهكذا فلا أبدل سَنَةً واحدة من أشد وأصعب سنوات شيخوختي -التي مضت بفضل السلوان القدسي الذي أتى من الإيمان والقرآن وأغاثني وأمدني فأزال الأوجاع واليأس الناشئين عن اضطرابات الشيخوخة- بعشر سنوات من أسعد أيام الشباب، وخاصة إذا كانت كل ساعة من ساعات السجن لمن يتوب ويؤدي الصلوات المفروضة فيه تتحول إلى عشر ساعات من العبادة، ويُكسِب كلُّ يوم فانٍ من أيام المرض والظلم عشرة أيام من العمر الباقي الأبدي من حيث الثواب، إذن كم يكون ذلك وسيلةَ شكر لرجل مثلي ينتظر دوره أمام باب القبر!

أجل؛ هكذا فهمت من ذلك التنبيه المعنوي وشكرت لربي شكرًا بلا حدود، وفرحت بشيخوختي، ورضيت بسجني؛ لأن العمر لا يتوقف، بل يمضي سريعًا، فإنْ مضى بالمتعة والفرح فإنه بحكم كون زوال اللذة والمتعة ألمًا يخلف الأسف والحسرة مكانه، ويترك وراءه بعض الآثام بسبب الغفلة وعدم الشكر فيفنى ويضيع، وإنْ مضى بالمشقة والعناء والسجن فلكون زوال الألم لذةً معنوية، ولكونه يعد نوعًا من العبادة فإنه يكون باقيا من جهة، ويكسب -من جهة أخرى- عمرًا باقيًا أبديًّا بثمراته الخيرة النافعة، ويصبح كفارة لما تقدم من الذنوب والأخطاء التي تسببت في السجن، ويطهرها.

ومن هذه الزاوية فعلى الذين يصلون الصلوات المفروضة من السجناء أن يشكروا الله تعالى صابرين.


118. صفحة

الرجاء السادس عشر:

لقد خرجت من سجن أسكي شهر في أيام شيخوختي بعدما قضيت فيه سنة كاملة من العقوبة، فنفوني إلى "قسطموني"[1] واستضافوني ثلاثة أشهر تقريبًا في مخفر الشرطة هناك، ولا يخفى على أحد مدى ما يعانيه من العذاب في مثل هذه الأماكن رجل مثلي مُنْزَوٍ يتضجر من مقابلة أصدقائه الصادقين الأوفياء، ولا يتحمل تغيير زيّه ولباسه[2]، فبينما أنا في هذا اليأس إذا بالعناية الإلهية أدركتني وأتت لإغاثة شيخوختي؛ إذ صار رئيس الشرطة وأفرادها في ذلك المخفر بمنزلة أصدقاء صادقين مخلصين لي، فكانوا يأخذونني متى شئت إلى تجوال حول المدينة وكأنهم خدمي، فضلا عن أنهم لم يفرضوا عليَّ لبس القبعة في أي وقت.

ثم بعد حين من الزمن دخلت مدرسة قسطموني اليوسفية التي تواجه ذلك المخفر، وبدأتُ بتأليف الأنوار[3]، فتردد طلاب الأنوار الأبطال أمثال فيضي وأمين وحلمي وصادق ونظيف وصلاح الدين على هذه المدرسة من أجل نشر الأنوار وتكثير نسخها، فأبدوا مذاكرة علمية قيمة أفضل مما كنت أقضيه مع تلاميذي القدماء في شبابي.

ثم أوهم أعداؤنا المتسترون الخفيون بعض الموظفين وبعض الشيوخ والعلماء الأنانيين ضدنا، وأصبحوا وسيلة لسوقنا إلى سجن دنيزلي ولجمع طلاب النور القادمين من عدة محافظات في تلك المدرسة اليوسفية.

وتفصيل هذا "الرجاء السادس عشر" هو الرسائل المرسلة من قسطموني والمدرجة في الملاحق، والرسائل الصغيرة التي كنت أرسلها سرًّا من سجن دنيزلي إلى إخواني هناك، ورسالة الدفاع في محكمة دنيزلي، حيث تُظهِر تلك




119. صفحة

الرسائل حقيقة هذا الرجاء بصورة واضحة، نحيل تفصيلها إلى الملاحق ورسالة الدفاع، وسنشير هنا إليها إشارة في غاية الاختصار.

لقد أخفيت في قسطموني المجموعات المهمة السرية ولاسيما الرسائل التي تبحث عن السفياني وعن كرامات رسائل النور تحت أكوام الحطب والفحم، حتى تنشر بعد وفاتي، أو بعد أن يستمع الرؤساء إلى الحقيقة ويعود إليهم رشدهم، فبينما كنت أقول هكذا وأواصل حياتي مستريحًا إذا بموظفي التحريات ونائب المدعي العام يقتحمون منزلي، ويخرجون تلك الرسائل السرية المهمة من تحت أكوام الحطب، ويعتقلونني ويرسلونني إلى سجن إسبارطة وأنا معتلُّ الصحة، وبينما كنت أتألم تألمًا شديدًا جدًّا وأحزن بسبب تلك الضربة التي نزلت برسائل النور؛ إذا بالعناية الإلهية تلحق بنا لإغاثتنا وإمدادنا، فبدأ رجال الحكومة الذين هم في أَمَسِّ الحاجة إلى تلك الرسائل المخبوءة بقراءتها بكمال الشغف والدقة، وقد صارت الدوائر الحكومية العالية وكأنها مدارس نورية، وأصبحوا يقدرونها في حين أنهم كانوا يقرأونها بنية الانتقاد، حتى قرأ رسالة الآية الكبرى المطبوعة سرًّا من دون أن نعلم كثيرٌ من الموظفين الرسميين وغير الرسميين في دنيزلي بصورة لا مثيل لها، فقَوَّوْا إيمانهم بها، وجعلوا مصيبة سجننا كأن لم تكن.

ثم أخذونا من سجن إسبارطة إلى سجن دنيزلي، وأدخلوني منفردًا وحيدًا في قاعة باردة متعفنة ذات رطوبة، فبينما كنت أتقلب في ضيق وهم وفي خضم آلام شيخوختي ومرضي ومشقة أصدقائي الأبرياء التي يعانونها بِسَبَبِي أنا، وفي أحزان كثيرة وأسف شديد على تعطيل ومصادرة رسائل النور؛ إذا بالعناية الإلهية تدركنا وتغيثنا، فحولت فجأة ذلك السجن الكبير إلى مدرسة نُورِيّة، وأثبتت أنه مدرسة يوسفية، وبدأت الأنوار تنتشر بالأقلام الألماسية لأبطال المدرسة الزهراء، حتى إن بطل رسائل النور قد استنسخ من رسائل الثمرة والدفاع أكثر من عشرين نسخة خلال أربعة أشهر تقريبًا في تلك الظروف القاسية العصيبة، فبدأت الانتشار والفتوحات داخل السجن وخارجه، وحولت خسارتنا في تلك المصيبة إلى منافع

120. صفحة

عظيمة، ومشقاتنا إلى أفراح ومسرات، وأظهرت سرّ ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لْكُمْ﴾ (البقرة:216) مرة أخرى.

ثم عندما كان المحققون في المرات الأولى ينتقدوننا بشدة بناء على التقريرات الخطأ السطحية، ويهاجمنا وزير التربية والتعليم هجومًا شديدًا وينشر تقريرًا ضدنا، حتى حينما كان يحاول إعدام بعضنا بسبب بعض الأخبار؛ أدركتنا عناية إلهية وأغاثتنا، فبينما كنا ننتظر من أهل التدقيق في أنقرة الانتقادت الشديدة جاء تقريرهم في تقدير وإعجاب، وحتى إنهم لم يجدوا إلا بضعة أخطاء من قبيل السهو في خمسة صناديق من رسائل النور، ومع ذلك قد أثبتنا في المحكمة أن تلك المواضع التي بينوا أن فيها أخطاء هي عين الحقيقة، وأنهم أخطأوا في تلك المواضع التي ادَّعوا أن فيها أخطاء، وأظهرنا في تقريرهم المكون من خمس ورقات ما يقرب من عشرة من أخطائهم.

فبينما كنا ننتظر أوامر شديدة مهددة مقابل رسائل الثمرة ورسالة الدفاع التي أرسلناها إلى سبع من الدوائر الحكومية، وجميع رسائل النور التي أُرسِلت إلى وزارة العدل، ولاسيما مقابل صفعات الرسائل السرية الشديدة المؤثرة؛ لم يتعرضوا لنا بسوء، بل كأنهم كانوا يريدون المصالحة معنا مثلما جاء في رسالة رئيس الوزراء التي أرسلها إلينا، وهي في منتهى اللين، بل كانت تبعث السلوان والأمل، وكل هذا أثبت إثباتًا قاطعًا أن حقائق رسائل النور غلبتهم بكرامة العناية الإلهية، وجعلتهم يقرأونها ويسترشدونها، وحولت تلك الدوائر الكبيرة إلى مدارس نورية نوعا ما، وأنقذت إيمان كثير من المترددين والمتحيرين، ومنحتنا فرحًا ونفعًا معنويًّا أكثر بمائة مرة مما نعانيه من المشقة والمعاناة.

ثم سممني الأعداء الخفيون المتسترون، فنُقِل بطل رسائل النور الشهيد المرحوم الحافظ علي إلى المستشفى بدلا مني، ورحل إلى عالم البرزخ بدلا مني، وأبكانا بكاء حزينا، وقبل هذه المصيبة قد قلت مكرّرًا في جبال قسطموني 

121. صفحة

صارخًا: يا إخواني، لا تعطوا الحصانَ لحمًا ولا الأسد عشبًا، أي لا تعطوا كل رسالة لكل أحد، حتى لا نتعرض للهجمات، وفي الوقت نفسه قد كتب الحافظ علي رحمه الله الذي كان على بعد سبعة أيام بالمشي وكأنه سمع بالهاتف المعنوي: أجل؛ يا أستاذي من كرامات رسائل النور أنها لا تعطي الحصانَ لحمًا ولا الأسد عشبًا، بل تعطي الحصان عشبًا والأسد لحمًا، حيث أعطت الشيخَ آرسلان رسالةَ الإخلاص، فتلقينا رسالته بعد سبعة أيام، فحسبنا أنه كان يكتب تلك الكلمات الغريبة في رسالته في الوقت الذي كنت أصرخ أنا بها في الجبل.

فبينما كانت تضايقنا وفاة مثل هذا البطل المعنوي لرسائل النور، وَسَعْيُ المنافقين الخفيين المتسترين إلى عقابنا بدسائسهم ضدنا، والقلق على الاضطرار إلى نقلي إلى المستشفى بالأوامر الرسمية من أجل مرضي الناشئ عن التسمم؛ إذا بالعناية الإلهية تغيثنا وتدركنا، حيث زال خطر السم بأدعية إخواني الخالصة، وقد أثبت انشغال ذلك الشهيد المرحوم بالأنوار في قبره بأمارات قوية، وإجابته ملائكة السؤال بالأنوار، والأعمال والخدمات العظيمة التي يقوم بها سرًّا بطل دنيزلي حسن فيضي وأصدقاؤه الذين سيحلون محل حافظ علي ويعملون على نهجه وطريقته وسيعملون على نشر رسائل النور بدلا منه، بل حتى بتأييد أعدائنا خروجَنا من السجن لسبب استقامة السجناء وإصلاح حالهم برسائل النور في فترة وجيزة، وتحويل طلاب النور أماكن المحنة والمشقة إلى كهوف ومغارات أصحاب الكهف وأهل الرياضة في القديم، وسعيهم إلى نشر رسائل النور واستنساخها براحة القلب واطمئنان البال، كل ذلك أثبت أن العناية الربانية أدركتنا وأغاثتنا.

وقد ورد إلى قلبي: بما أن أعاظم المجتهدين من أمثال الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه قاسوا آلام السجن، وأن مجاهدًا كبيرًا مثل الإمام أحمد بن حنبل عُذّب كثيرًا في السجن من أجل مسألة واحدة من مسائل القرآن الكريم، فلم يشتك بل صمد بكمال الصبر ولم يسكت في تلك المسائل، وأن كثيرًا من الأئمة والعلماء الأعلام عُذِّبُوا أكثر منكم بكثير ولكنهم شكروا الله تعالى بكمال الصبر، 

122. صفحة

ولم يتزعزعوا؛ إذن فلابد أن تقديم آلاف الشكر لله تعالى دَيْن في أعناقكم، على أنكم تعانون قليلا جدًّا من المشقة مع أنكم تنالون ثوابًا عظيمًا وربحًا كبيرًا من أجل حقائق القرآن المتعددة.

أجل؛ سأبين بيانًا قصيرًا تجليًا من تجليات العناية الربانية في ظلم البشر:

كنت أردد وأقول كثيرًا في العشرين من عمري: سأنزوي في آخر عمري إلى جبل أو مغارة، وسأنسحب من حياة الناس الاجتماعية مثل تاركي الدنيا الذين انزووا إلى المغارات في الماضي، وكنت قررت أيضًا عندما كنت أسيرًا في الحرب العالمية الأولى في شمال شرق روسيا أن أقضي بقية عمري بعد هذا في المغارات، وأتجرد من الحياة السياسية والاجتماعية، وأنه كفاني تدخُّلا فيها واحتكاكًا بها؛ وبينما كنت أقول هكذا تجلت العناية الربانية وعدالة القدر الإلهي، فحولت تلك المغارات التي كنت أتصورها إلى السجون والانزواء والمعتكَف في وحدة وانفراد ومنازل التجريد المطلق رحمةً بشيخوختي بصورة أفضل من قراري ورغبتي، وخيرًا منها؛ إذ حولت المدارس اليوسفية إلى منازل التجريد بصورة أفضل بكثير من مغارات أهل الرياضة والمنزوين في الجبال لكيلا نضيع أوقاتنا، وبهذا فقد أكسبتنا الفوائد الأخروية التي تُكتسَب في المغارات، ومنحتنا فرصة الجهاد في سبيل الحقائق الإيمانية والقرآنية، حتى كنت قد عقدت العزم على أن أرتكب جرمًا فأبقى في السجن بعد براءة أصدقائي، ويبقى معي خسرو وفيضي وأمثالهما من العزّاب، وأستحدث ذريعة فأبقى في غرفة التجريد لكيلا أقابل أحدًا من الناس، ولا أقضي أوقاتي في محادثات غير ضرورية وفي حالة من التكلف والإعجاب بالنفس وحب الظهور، ولكن القدر الإلهي ساقنا إلى معتكَف آخر، ومنحنا رحمةً بشيخوختي وظيفةً في هذه المدرسة اليوسفية الثالثة خارج إرادتنا وقدرتنا حتى يجعلنا نعمل بهمة ونشاط أكثر من السابق في الخدمة الإيمانية بسرّ "الخير فيما اختاره الله" و﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لْكُمْ ﴾ (البقرة: 216).


123. صفحة

أجل؛ إن في تحويل العناية الإلهية مغاراتي الخاصة بشبابي القوي الذي ليس له عدو خفي متستر إلى منازل التجريد والانفراد للسجن "ثلاث حِكَم"، وفيه "ثلاث فوائد مهمة" لدعوة النور.

الحكمة والفائدة الأولى: لا يتم اجتماع طلاب النور في هذا الزمان من غير ضرر إلا في المدرسة اليوسفية، والالتقاء والمحادثة والحوار بين بعضهم البعض في الخارج يكون مكلِّفًا ومثيرًا للشبهة، حتى إن بعضهم يصرف خمسين ليرة تقريبًا من أجل مقابلتي، فكان يقابلني مدة عشرين دقيقة، أو يرجع من دون مقابلتي، وكنت أرضى بمشقة السجن بسرور من أجل أن أرى بعض إخواني عن قرب؛ إذن فالسجن نعمة ورحمة لنا.

الحكمة والفائدة الثانية: إن الخدمة الإيمانية عن طريق الأنوار -رسائل النور- في هذا الزمان إنما تكون بالإعلانات والدعايات في كل مكان، ولفت أنظار المحتاجين إليها، وبسجننا تنجذب الأنظار إلى رسائل النور، ويصبح ذلك السجن بمنْزلة إعلان ودعاية لها، ويجدها أشدُّ الناس عنادًا أو حاجة، فينقذ إيمانَه، وينكسر عنادُه، وينجو من التهلكة، وتتوسع مدرسة النور.

الحكمة والفائدة الثالثة: إن طلاب النور الذين دخلوا السجن يتلقى بعضهم درسًا عن أحوال بعضهم الآخر، وعن سجاياهم وإخلاصهم وتضحيتهم، ففي دعوة النور لا يَجْرُونَ وراء المنافع الدنيوية.

أجل؛ إن طلاب النور يرون بأعينهم في المدرسة اليوسفية بأمارات كثيرة الفوائدَ الماديةَ والمعنويةَ لكلِّ مشقةٍ وعناء وضيقٍ، ونتائجَها الطيبةَ الجميلةَ، والخدماتِ الإيمانيةَ الخالصةَ الواسعةَ بعشرةِ أضعاف تلك المشقات والفوائد والنتائج، بل بمائة ضعف منها، وبذلك ينالون الإخلاص التام، ولا ينزلون إلى منافع جزئية وخصوصية، بل يترفعون عنها.


124. صفحة

فهذه المعتكفات وأماكن الانزواء مع أنها لطيفة حزينة بالنسبة لي؛ فإنها أيضًا حلوة لذيذة؛ وذلك أني أرى في هذه المدرسة اليوسفية الأحوال نفسها التي كنت أراها في بلدتي في عهد شبابي في المدرسة القديمة؛ لأن طعام بعض طلاب المدرسة كان يأتي من الخارج حسب العادة القديمة في المحافظات الشرقية، وأحيانًا كان يُطبَخ داخل المدارس، فهناك بضعُ نقاطِ تشابُهٍ بين المدارس الأهلية القديمة وبين هذه المعتكفات -السجون- وكنت كلما نظرت هنا ذهبت خيالا في اشتياقٍ لذيذ إلى عهد شبابي اللذيذ الحلو، وأنسى أحوال الشيخوخة مؤقتًا.

فالآن أُلهمت "نقطتين":

النقطة الأولى: مع أني أعاني عشرةَ أضعافٍ بل ثلاثين ضعفًا لِمَا يعانيه السجناء الآخرون حيث إنني أتألم بآلام إخواني الذين يعانون المشقة والعناء بِسَبَبِي، ولا أشتكي بل أشكر الله تعالى صابرًا؛ فلابد ألا يكون أولئك السجناء الشجعان الثابتون الصامدون الجلداء أدنى شأنًا من شيخ ضعيف مثلي.

النقطة الثانية: بما أن بعض إخواننا السجناء لا يشتكون مع أنهم يظلون في السجن بضع سنين بسبب ساعة من المتعة والراحة، فبالضرورة يجب ألا يشتكيَ وألا يضجرَ طلابُ رسائل النور من مشقة سجن تدوم بضعة أشهر بل مائة شهر بسبب الخدمة الإيمانية في سبيل كسب لذة وسعادة باقية تدوم مئات السنين، بل آلاف السنين، ويجب كذلك ألا يكونوا أدنى شأنًا من السجناء الذين هم إخوانهم الجدد.

سـعيد النورسي


125. صفحة

ذيل اللمعة السادسة والعشرين

المكتوب الحادي والعشرون

أُدرِج هنا لمناسبة المقام

بِاسْمِهِ

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا ۞ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ۞ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ (الإسراء:23-25)

أيها الغافل، الذي تقيم معه في بيته أمه العجوز، أو أبوه الشيخ، أو شخص مقعد من أقربائه أو إخوانه في الدين، أو شخص عاجز عليل، انظر إلى هذه الآية وأمعن النظر فيها، وانظر كيف أن آية واحدة تجلب الشفقة للوالدين العجوزين في خمس طبقات مختلفة!

أجل؛ إن أسمى حقيقةٍ في الدنيا هي شفقة الآباء والأمهات تجاه أولادهم ورأفتهم بهم، وإن أسمى الحقوق وأعلاها هو حق احترامهم وتوقيرهم مقابل شفقتهم ورأفتهم؛ ذلك لأنهم يُضَحُّونَ بحياتهم ويبذلونها من أجل حياة أولادهم بكمال اللذة، إذن فإن إحدى الوظائف الواجبة على كل ولد لَمْ تَسْقُطْ إِنْسَانِيَّتُهُ، ولم ينقلب إلى وحش بَعْدُ، هي أن يحترمَ أولئك الأحبةَ المحترمين الصادقين الْمُضَحِّينَ احتراما خالصًا، وأن يخدمهم خدمة صادقةً، ويسعى لكسب رضاهم وإدخال السرور على قلوبهم.


126. صفحة

إن العم والعمة بمنزلة الأب، والخال والخالة بمنزلة الأم، فاعلم كيف أنَّ استثقالَ وجود هؤلاء العجائز والشيوخ الميامين المباركين والرغبةَ في موتهم هو انعدام للضمير، وكيف أنه خسةٌ ودناءةٌ، اعلم هذا وأفق!

أجل؛ افهم أن الرغبة في زوال من يُضَحِّي بحياتِهِ من أجل حياتك، ما أشدها من ظلم! وما أشنعها من انعدام للضمير!

فيا أيها الإنسان المبتلى بهموم المعيشة، اعلم أن عماد البركة في دارك، ووسيلة الرحمة لك، ودافعَ البليةِ والمصيبة عنك هو قريبك الشيخ أو الأعمى الذي تستثقله، ولا تقولَنَّ إن معيشتي ضنك، فَأُعَانِي من ضيقِها ولا أستطيعُ أن أُدَبِّرَها؛ لأنه لولا البركة التي تأتي بسببهم لكان ضنكُ وضيقُ معيشتك أكثرَ وأشدَّ، فاسمع مني هذه الحقيقة وصَدِّقْهَا، وإني لأعرف كثيرًا من أدلتها القاطعة، وأستطيع أن أقنعك، ولكني أختصرُها خشيةَ الإطالة، فاقتنع بكلامي هذا وصدقه؛ وإني أقسمُ باللهِ إنَّ هذه الحقيقةَ ثابتةٌ ثبوتًا قاطعًا، حتى إن نفسي وشيطاني قد استسلما لها، فلابد للحقيقة التي قَصَمَتْ ظهرَ عنادِ نفسي، وأفحمت شيطاني، وأسكتته أن تُقْنِعَكَ.

أجل؛ إن الخالق ذا الجلال والإكرام الذي هو الرحمن الرحيم واللطيف الكريم بشهادة الكائنات؛ كما أنه عندما يرسل الأطفال إلى الدنيا يرسلُ رزقَهم كذلك من ورائهم بمنتهى اللطف، ويُسيله من صنابير الأثداء إلى أفواههم؛ فكذلك يرسل في صورة بركة أرزاقَ الشيوخِ العجائز الذين صاروا بمنزلة الأطفال، والذين يَسْتَحِقُّونَ الرحمةَ ويحتاجونَ إلى الرأفة أكثر من الأطفال، ولا يَكِلُ إعاشتهم إلى أناس طمّاعين بخلاء.

إن الحقيقة الكريمة التي تبينها هذه الآيات ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات:58) و﴿وَكَأَيِّن مِّنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (العنكبوت:60) إلخ، تصرخ بها أنواع المخلوقات من جميع الأحياء بلسان حالها، وتنطق بها، 

127. صفحة

حتى إنه ليس رزق الأقارب العجائز فقط الذي يُرسَل في صورة البركة، وإنما أرزاقُ بعض المخلوقات أيضا أمثال القطط التي وُهبت لمصاحبة الإنسان، والتي يُرسَل رزقها ضمن رزقِ الإنسان.

وأذكر حادثةً عشتها بنفسي كمثالٍ يؤيدُ هذه الحقيقةَ:

يعلم أصدقائي القريبون مني أنه كان لي طعام معين قبل ثلاث سنوات تقريبًا، وهو نصف رغيف كُلَّ يوم، وكان رغيف تلك القرية صغيرًا، ولم يكن يكفيني في أغلب الأحايين، ثم جاءتني أربع قطط ضيوفًا عليَّ[1]، فكفاني وكفاهم ذلك الطعام نفسه، بل كان يزيد في مرات كثيرة، وتكررت هذه الحال كثيرًا حتى أعطتني قناعة أني أستفيد من بركة القطط، وأُعْلِنُ إعلانًا قاطعًا أن تلك القطط ليست ثقلا وعبئًا عليَّ، وما كانت لي منة عليها، بل أنا الذي كنت تحت مِنَّتِها وفضلها!!

فيا أيها الإنسان، بما أن حيوانًا في صورة الوحش يكون وسيلة للبركة عندما يحل ضيفًا في منْزل الإنسان؛ إذن فالإنسان الذي هو أكرم المخلوقات، وأهل الإيمان الذين هم أكمل الناس، والعجائز والشيوخ المرضى الذين هم أكثر من يستحقون الاحترام والرحمة من بين أهل الإيمان، والأقارب الذين هم أكثر من يستأهلون الشفقة والخدمة والمحبة ويستحقونها من بين الشيوخ المرضى، والآباء والأمهات الذين هم أخلص الأصدقاء وأصدق الأحباب وأوفاهم بين الأقارب إذا ما وُجدوا في حالة الشيخوخة في بيت من البيوت؛ فيمكنك أن تقيس مدى كونهم وسيلة للبركة والرحمة، وسببًا لدفع البلية والمصيبة بسرّ "لَوْ لاَ الشّيُوخُ الرّكَّعُ لَصُبّ عَلَيْكُمُ البَلاَءُ صَبًّا"[2].


[1]  اسم إحدى تلك القطط عبد الرحيم؛ لأنها كانت تذكر الله بـ" يا رحيم، يا رحيم، يا رحيم" بصورة فصيحة واضحة بدلا من الْهَرير، وكانت تُسمِع الناس أذكار جميع القطط. (المؤلف)

 

[2]  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله "مهلا عن الله مهلا، لولا شبابٌ خُشَّعٌ وشيوخٌ رُكَّعٌ وأطفالٌ رُضَّعٌ وبهائمُ رُتَّعٌ لَصُبَّ عليكمُ العذابُ صَبًّا ثم لرُضَّ رَضًّا" رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم 7085.