الشعاع الخامس

387. صفحة

الشعاع الخامس

الشعاع الخامس لـ"اللمعة الحادية والثلاثين" من "المكتوب الحادي والثلاثين"

قد كُتبت قبل ثلاث عشرة سنة[1] عشرون مسألةً من مسائل أشراط الساعة، كسد ذي القرنين ويأجوج ومأجوج وما إلى ذلك من أشراطٍ أخرى، على صورة مسودة، لتكون تتمةً لما بحثناه في المحاكمات البديعية المطبوعة التي ألّفناها قبل ثلاثين عامًا، فبُيِّضت لأجل خاطر صديقٍ عزيز عليّ، وصارت "الشعاع الخامس".

تنبيه:

ينبغي أن تُقرَأ المسائل المذكورة أولا قبل المقدمة حتى يُفهم المقصد المذكور في المقدمة، ولا يجوز إظهار مسائل هذا الشعاع للجميع، بل هو سرّي، ولا أسمح بنشره لئلا يُفهم خطأ.

بســم الله الرحمن الرحيم

﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (محمد:18)

هذه الرسالة نكتةٌ لهذه الآية، وقد كُتبت لوقاية عقيدة عوام المؤمنين في هذا الزمان وللحفاظ عليها من الشبهات.

إن لبعض الأحاديث الشريفة المتعلقة بأحداث آخر الزمان معانِيَ عميقةً كما للمتشابهات القرآنية، ولا تُفسَّر مثل المُحكَمات، ولا يستطيع الجميع أن يعرفوها، بل يئولونها في أثناء تفسيرهم إياها، ولا تُفهم تأويلاتها ولا يُدرَك المرادُ منها إلا بعد وقوعه بسرّ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ﴾ (آل عمران:7)، بحيث يُظهِر الراسخون في العلم تلك الحقائق الخفية قائلين: ﴿آمَنّا بِهِ كلّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران:7).

لهذا الشعاع الخامس "مقدمة" و"ثلاث وعشرون" مسألة.


[1]  الآن مضى على ذلك أربعون عامًا. (المؤلف).




388. صفحة

المقدمة عبارة عن "خمس نقاط".

النقطة الأولى: لما كان الإيمان والتكليف امتحانًا وتجربة ومسابقة ضمن دائرة الاختيار؛ فلابد أن المسائل النظرية الغامضة العميقة المحتاجة إلى التدقيقات والتجارب لا تكون بديهيةً، ولا تكون ضروريةً إلى حدٍّ يَضطَرُّ الجميعَ إلى التصديق شاءوا أو أبوا، حتى يرتقي أمثال أبي بكرٍ إلى أعلى عليين، ويسقط أمثال أبي جهلٍ إلى أسفل سافلين.

فلو لم يكن الاختيار لما كان التكليف، ولهذا السر ولهذه الحكمة فالمعجزات تُمنح قليلا ونادرًا.

وعلامات القيامة وأشراط الساعة التي ستُشاهَد عيانًا؛ غامضةٌ في دار التكليف وقابلةٌ للتأويل كما لقسمٍ من المتشابهات القرآنية، إلا أن طلوع الشمس من المغرب هو في درجة البداهة، ويَضطَرُّ الجميعَ إلى التصديق، ومن ثم يُغلَق باب التوبة بعد، ولا تُقبَل عندها التوبة والإيمان، لأن أمثال أبي بكر يكونون متساوين مع أمثال أبي جهل في التصديق، بل إن نزول عيسى عليه السلام وأنه هو نفسه عيسى عليه السلام إنما يُعرَف بفراسة نور الإيمان، ولا يستطيع الجميع أن يعرفوا ذلك، وحتى الأشخاص المذهلين مثل الدجال والسفياني لا يَعرِفُون أنّهم هم أولئك الأشخاص.

النقطة الثانية: إن بعض الأمور الغيبية التي تُبيَّن للرسول عليه الصلاة والسلام إنما تُبيَّن بتفصيل، وهو لا يستطيع أن يتدخل ويتصرف في هذا القسم كمحكمات القرآن ومحكمات الأحاديث القدسية.

وقسمٌ آخر يُبيَّن بالإجمال، فتفصيله وتصويره يحوَّل إلى اجتهاد الرسول عليه الصلاة والسلام كالأحاديث المتعلقة بالحوادث الكونية والوقائع المستقبلية التي ليست ضمن المسائل الإيمانية، فهذا القسم يفصّله الرسولُ عليه الصلاة والسلام

389. صفحة

ويصوّره ببلاغته مستخدمًا التمثيلات، وموافقًا لسرّ حكمة التكليف، فمثلا: سُمع دويٌّ شديد من الأعماق في مجلسٍ من مجالسه ، فقال: "هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا[1]"، فبعد بضع دقائق من هذا الحدث العجيب جاء أحدهم وقال: يا رسول الله إن فلانا من المنافقين الذي بلغ السبعين من عمره مات، وصار إلى جهنم، فأظهر هذا الخبر العجيب تأويل قول الرسول عليه الصلاة والسلام البليغ الرفيع.

تنبيه: لا أهمية للحادثات المستقبلية الجزئية التي ليست من الحقائق الإيمانية في نظر النبوة.

النقطة الثالثة: وهي نكتتان.

أولاهما: بعض الأحاديث المروية على صورة التشبيهات والتمثيلات انقلبت بمرور الزمن إلى الحقائق في نظر العوامّ، لذا فلا تظهر موافقةً للواقع، ومع أنها عين الحقائق فإنها لا تبدو مطابقةً للواقع، فمثلا: الملكان اللذان هما في صورة الثور والحوت والمسميان بـ"الثور" و"الحوت" واللذان هما من حملة الأرض مثل حملة العرش قد تصوَّرهما الناسُ ثورًا ضخمًا هائلا وحوتًا عظيمًا جسيمًا.

الأخرى: بعض الأحاديث الشريفة مع أنها وردت من حيث أغلبية المسلمين، أو من حيث الحكومة الإسلامية أو مركز الخلافة فإنه ظُنّ أنها شاملةٌ للعالم أجمع، واعتُبرت كلِّيّةً وعامة مع أنها خاصّةٌ من جهة، فمثلا: ورد في الروايات أنه سيأتي زمانٌ لا يبقى فيه من يقول: الله، الله[2]، أي: ستُغلَق أماكن الذكر والزوايا، وسيؤذَّن للصلاة وإقامتها باللغة التركية.


[1]  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا. انظر صحيح مسلم2/2184، حديث رقم 2844، باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها، وما تأخذ من المعذبين.


[2]  عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ، اللهُ". انظر صحيح مسلم 1/131 حديث رقم 148 باب ذهاب الإيمان آخر الزمان.




390. صفحة

النقطة الرابعة: كما أن أمورًا غيبية كالموت والأجل قد ظلت مخفيةً باعتبار حِكَمٍ ومصالح كثيرة فإن القيامة التي هي سكراتُ الدنيا وموتُها، وأجلُ نوع البشر وجنس الحيوانات ووفاتهما؛ هي الأخرى ظلت مخفيةً من أجل حكمٍ ومصالح كثيرة.

أجل؛ لو كان وقت الأجل معينًا محددًا لقضى الناس نصفَ أعمارهم في غفلةٍ مطلقة، والنصفَ الآخر في رعبٍ وفزع مطلق بسبب تقدمهم كلّ يوم خطوةً خطوة نحو المشنقة، ولفسدت موازنةُ الخوف والرجاء الحكيمةُ ذات المصالح.

وكذلك؛ لو كان وقتُ القيامة التي هي سكرات الدنيا وأجلها معينًا محددًا لما تأثرت القرون الأولى والوسطى من فكرة الآخرة إلا قليلا، أما القرون الأخيرة فتكون في رعبٍ وفزع مطلق، وعندها ما كانت تبقى لذة للحياة الدنيوية ولا قيمة لها، ولما بقيت للعبودية -التي تقام في خوف ورجاء بالطاعة والاختيار- أهميةٌ وحكمةٌ.

كذلك؛ ولو كان معينًا محددًا لكان قسمٌ من الحقائق الإيمانية في عداد البديهيات، ولكان الناس كلهم يصدقونها شاءوا أو أبوا، ولفسد سر التكليف وحكمة الإيمان المرتبطان بالاختيار والإرادة.

 فلأمثال هذه الحكم والمصالح ظلّت أمورٌ غيبيةٌ كثيرةٌ مخفيةً مستورةً، ومن ثم يستطيع الجميع أن يعملوا للدنيا وللآخرة معًا؛ لأنهم يفكرون كلّ لحظةٍ وآن في أجلهم وبقائهم، كما أنهم يستطيعون أن يعملوا في فَناء الدنيا لآخرتهم وفي الوقت ذاته لعمارة دنياهم، وكأنهم لن يموتوا؛ لأنهم يستطيعون أن يفكروا كلّ عصر في قيام الساعة وفي بقاء الدنيا.

ولو كان وقت المصائب معينًا ومحددًا لعانى المصاب مصائب معنوية في وقت انتظاره لها ربما أكثر من عشرة أضعاف تلك المصيبة القادمة نفسها؛ لذا جعلتها الحكمة والرحمة الإلهية مخفيةً مستورة حتى لا يتألم المصاب من الانتظار. 


391. صفحة

ومن أجل وجود أمثال هذه الحكم في أكثر الأمور الكونية الغيبية قد مُنع الإخبار عن الغيب، وحتى الذين يخبرون بإذنٍ رباني عن الأمور الغيبية غيرِ المتعلقة بأمور التكليف والحقائق الإيمانية لم يخبروا عنها إلا بصورة الإشارة في ستر وغموض لكيلا يسيئوا الأدب مع دستور "لا يعلم الغيب إلا الله" ولا يخالفونه.

وحتى الأخبار والمبشِّرات المتعلقة بالرسول -عليه الصلاة والسلام- الواردة في التوراة والإنجيل والزبور وردت غامضة إلى حدٍّ ما؛ لذا فقسم من أتباع تلك الكتب أوّلوها ولم يؤمنوا به ، ولكن الإخبار عن المسائل المتعلقة بالعقائد الإيمانية بالتصريح والتكرار، والتبليغَ عنها بصورةٍ واضحة؛ هو من مقتضى حكمة التكليف؛ لذا فإن القرآن المعجز البيان، وترجمانه الكريم عليه الصلاة والسلام قد أخبرا عن الأمور الأخروية بالتفصيل، وعن الحادثات المستقبلية الدنيوية بالإجمال.

النقطة الخامسة: إن الخوارق المتعلقة بعصور الدجّالَيْن[1] وأزمنتهما قد رويت بصورة البحث عنهما وعما يتعلق بهما من ملابسات؛ لذا فقد ظُن وتُوهّم أن تلك الأمور ستصدر عنهما شخصيًّا، ومن ثم فتلك الروايات صارت متشابهةً، غامضة المعاني، كتجوال الدجال -مثلا- بالطائرة والقطار.

واشتهر أيضًا أنه إذا مات دجال العالم الإسلامي فالشيطان الذي يخدمه سيصرخ بهذا الخبر في "ديكيلي طاش" بإسطنبول ليُسمع العالم كله فسيسمع الجميع صوته، أي: سيُعلن ويُذاع ذلك بالمذياع العجيب جدًّا الذي يحير حتى الشياطين.

وإن أحواله الغريبة وإجراءاته الرهيبة المتعلقة بنظامه، وحكومته، وعصابته التي كوَّنها، قد رويت مرتبطةً بشخصه هو؛ لذا فقد اختفت معانيها، فمثلا: روي

[1]  يقصد السفياني والمسيح الدجال، وقد ورد ذكرهما في كتب الحديث.




392. صفحة

أنه قوي جدًّا، وغالب إلى حد لا يستطيع أن يقتله إلا عيسى عليه السلام، ولا يمكن ذلك بطريقة أخرى[1]، أي: سيظهر في عالم المسيحيين دينٌ سماوي سامٍ وخالصٌ قادر على فضح وقتل منهجه ونظامه الفاتك الشرس، وذلك الدين هو دينٌ عيسوي سيقتدي بالحقيقة القرآنية، وسيتّحِدُ معها بحيث يموت منهج الكفر والإلحاد بنزول عيسى عليه السلام ويزول، وإلا فإنه يمكن قتل شخصه بجرثومة أو زكام.

ثم إن بعض أحكام بعض الرواة وتفسيراتهم القابلة للخطأ قد تختلط بعبارات الأحاديث، ويُظن أنها من أصل الحديث، فيختفي المعنى، ولا يظهر تطابقه مع الواقع، فيكون بحكم المتشابهات.

ولأن فكرة الشخصية المعنوية للجماعات والمجتمع آنذاك لم تكن تأصلت أو تتطورت كما هو الحال الآن، وكان السائد هو الفكر الانفرادي، فكانت الصفات العظيمة والأفعال الكبيرة للجماعة تُنسب وتسند إلى رؤساء الجماعات وزعمائها، فهؤلاء الرؤساء والزعماء لم يكونوا جديرين بتلك الأوصاف الخارقة الكلية ولا مطابقين لها؛ لذا فكان من الضروري وجودُ جسمٍ عجيب وهيكلٍ هائل وقوةٍ خارقة واقتدارٍ عظيم لدى الرؤساء والزعماء أكبر وأضخم من أجسامهم وهياكلهم وقوتهم واقتدارهم الأصلي بمائة مرةٍ، فصوّروهم على هذا الوصف، ومن ثم فلم يتطابق هذا مع الواقع، فتكون الرواية متشابهةً.

ثم ولأن الدجالَيْن مختلفان في أوصافهما وأحوالهما أحدهما عن الآخر؛ فإن الروايات التي يرد الدجال فيها مطلقا تلتبس، ويُظن أحدهما الآخر.


[1]  جاء في صحيح مسلم 4/2221، باب في فَتْحِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى بن مَرْيَمَ في الحديث رقم2897:"... ينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم ... فإذا رآه عدو الله -أي الدجال- ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته".




393. صفحة

ثم إن أحوال المهدي الأعظم لا تتطابق مع الروايات المشيرة إلى المهديين السابقين، فالحديث يدخل في عداد المتشابه، فالإمام علي رضي الله عنه -مثلا- يتحدث عن دجال الإسلام فحسب.

انتهت المقدمة، فنخوض في المسائل.

سيبيَّن حاليا بالتوفيق الرباني، بصورةٍ مختصرة جدًّا "ثلاث وعشرون مسألة"، من بين مئات من أمثلة تلك الحادثة الغيبية التي تنشر وتشاع من قبل الملحدين، بغية إفساد عقيدة العوام، فنرجو من التوفيق الرباني ألا تكون هذه المسائلُ مضرةً كما كان يتوقعها الملحدون، وأن تكون سببًا مهمًّا لتقوية عقيدة عوام المؤمنين بإثبات تأويلاتها الحقيقية وإظهارها، وأضرع إلى ربي الرحيم أن يعفو ويغفر خطيئاتي وزلاتي.

المقام الثاني من الشعاع الخامس، ومسائلُه

قد كتبنا "المسألة الأولى"-التالية- وبعد مدةٍ مديدة من وقت تأليفها ظهرت حادثةٌ فأظهرت تأويلَها بصورة واضحة، وذلك أنه قد ورد أن السفياني سيشرب ماءً وستُثقَب يدُه، أي: إنه سيشرب كثيرًا الخمر الذي هو ماءٌ نوعا ما كشربه الماءَ، وسيكون بطنه كزِقّ الماء، وبسبب هذا المرض سيجري من يده المال الكثير الذي يبلغ الملايين، والذي كان جمعه بالظلم والنصب لشفائه كجريان الماء، وسيدخل هذا المال في حلقوم الأطباء الإفرنج، وقد ظهر في عصرنا حسبما سمعت- إنسانٌ أنفق لعلاجه بتبذيرٍ ما يقرب من ثلاثة ملايين ليرة، فقال بلسان حال حياته: أبصروا تأويل هذا الحديث عليَّ!

وبوفاته أعلن مدى حكمة وإعجاز وعلو وجامعية الكلام القدسي الذي مفاده "أنه سيشرب ماء وستُثقَب يدُه"، ورحل.


394. صفحة

بســم الله الرحمن الرحيم

"المسألة الأولى" من المسائل العشرين: قد ورد في الروايات أن يد السفياني الذي هو من الأشخاص الخطيرين في آخر الزمان ستُثقَب.

وأحد وجوه تأويله والله أعلم: أنه يسرف في اللهو والسفاهة ويبذّر، فلا يُبقي في يده أموالا، فيجريها كلها في السرف، وقد ورد في الأمثال: "فلانٌ يده مثقوبة"، أي: إنه مسرف مبذّر.

فهذا الحديث يذكّر بأن السفياني بترويجه الإسرافَ يثير حرصًا شديدًا[1] وطمعًا قويًّا لدى الناس، ويضع يده على على هذا الوتر الحسّاس، ومن ثم يسخّرهم لِذاته.

المسألة الثانية: قد ورد في الروايات أن شخصًا خطيًرا مذهلا من أشخاص آخر الزمان يصبح وإذا بجبينه مكتوبٌ: هذا كافرٌ[2].

وتأويله، والله أعلم بالصواب: أن السفياني يضع قبعة الإفرنج على رأسه، ويفرض لبسها على الجميع بالجبر والقانون، ولكن تلك القبعة لسجودها لله تعالى تهتدي إن شاء الله؛ ولا يكون أحد كافرًا إذا لبسها مكرهًا.

المسألة الثالثة: قد ورد في الروايات أنه توجد جنةٌ وجهنم كاذبة لحكام آخر الزمان المستبدين، ولاسيما الدجال[3].


[1]  نعم؛ إنه قد جمع خلال خمس عشرة سنةٍ، سبعة عشر مليون ليرة من شعبٍ فقير كلهم خمسة عشر مليون نسمة، وابتلعها بحرصٍ وطمع، فليُفهم من هذا كيف أنه كان يثير الحرص والطمع! (المؤلف).


[2]  في صحيح البخاري 6/2608 باب ذكر الدجال، حديث رقم 6712: "ما بُعِثَ نَبِيٌّ إلا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ ألا إنه أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ ليس بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بين عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ".


[3]  في صحيح البخاري 3/1215 حديث رقم 3160: "عن أبي سَلَمَةَ سمعت أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عن الدَّجَّالِ ما حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ إنه أَعْوَرُ وَإِنَّهُ يجئ معه بِمِثَالِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَالَّتِي يقول إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كما أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ.




395. صفحة

وأحد وجوه تأويله، والعلم عند الله: هنالك مدرسةٌ ثانوية حكومية وقبالتها سجن حكومي، أحدهما تقليدٌ مشين للحور والغلمان، والآخر موضع العذاب والزنزانة.

المسألة الرابعة: قد ورد في الروايات أنه لا يبقى في آخر الزمان من يقول: الله الله.

وأحد وجوه تأويله، ولا يعلم الغيب إلا الله: ستُغلَق التكايا والزوايا وأماكن الذكر والمدارس والمعاهد الدينية، وسيذكر في الأذان والإقامة اسمٌ آخر غير اسم الله[1]، ولا يعني هذا أن الناس كلهم سيقعون في الكفر المطلق؛ لأن إنكار وجود الله بعيدٌ عن العقل كإنكار وجود الكون، لا يقبل العقل وقوعه في أغلب الناس، ناهيك عن جميعهم، والكفار لا ينكرون الله، ولكنهم يخطئون في صفاته.

ووجه آخر من وجوه تأويله: هو أن أرواح المؤمنين تُقبض قبيل قيام القيامة حتى لا يشعروا بهول القيامة ودهشتها، فتقوم القيامة على رءوس الكفار.

المسألة الخامسة: قد ورد في الروايات أن قسمًا من الأشخاص في آخر الزمان كالدجال سيدّعون الألوهية، ويجعلون الناس يسجدون لهم[2].

وأحد وجوه تأويله، والله أعلم: كما أن قائدًا بدويًّا ينكر السلطان يتوهم في نفسه وفي القواد الآخرين سلطنةً صغيرة حسب سلطتهم؛ كذلك فإن الأشخاص الذين يقودون مذهب المادية والطبيعية يتخيلون في ذواتهم ربوبيةً نوعا ما حسب

[1]  بين عامي 1933م و 1950م كان يؤذن للصلاة في تركيا باللغة التركية وليس باللغة العربية.


[2]  أخرج الحاكم في المستدرك 4/554، ك الفتن والملاحم حديث رقم 8551:"عن هشام بن عامر الأنصاري رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رأس الدجال من ورائه حَبَك حَبَك، وإنه سيقول: أنا ربكم، فمن قال: أنت ربي، افتتن، ومن قال: كذبت، ربي الله وعليه توكلت وإليه أنيب، فلا يضره، أو قال: فلا فتنة عليه".




396. صفحة

قوتهم، ولأنهم أقوياء فيجعلون رعاياهم ينكسون رءوسهم أمامهم وأمام تماثيلهم وكأنهم يتعبدونهم، ويجعلونهم يركعون أمامهم.

المسألة السادسة: قد ورد في الروايات أن فتن آخر الزمان شديدة مذهلة بحيث لا يستطيع أحد بسهولة أن يثبت أمامها[1]؛ لذا فإن الأمة برمتها استعاذت من تلك الفتنة خلال ألف وثلاثمائة سنة بناءً على الأمر النبوي، وقد صار دعاء "مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ" و"مِنْ فِتْنَةِ آخِرِ الزَّمَانِ" وِردَ الأمّةِ بعد الاستعاذة من عذاب القبر[2].

وأحد وجوه تأويله، والله أعلم بالصواب: تلك الفتن تجذب النفوس إليها، وتجعلها مفتونةً بها، فالناس يرتكبونها باختيارهم، بل يتذوقونها ويتمتعون بها، فمثلا: الروس يستحمّون في الحمامات العامة عرايا مختلطين رجالا ونساء.

ولأن النساء خلقن بفطرتهن ميَّالاتٍ إلى إظهار جمالهن فإنهن يقعن في تلك الفتنة عن حبٍّ ورضًا فيَغْوَيْنَ، والرجال المولعون بالجمال بالفطرة هم أيضًا يُغلبون أمام نفوسهم، ويسقطون مسرورين في تلك النار وكأنهم سكارى فيحترقون؛ فلهويات ذلك الزمان وكبائره وبدعه كالرقص والمسرح تجذب عبّاد الهوى والنفس حولها كالفراشة، وتسكرهم، وإلا فلو كانت بالجبر المطلق لما بقي الاختيار، ولا يكون ذنب.


[1]  أورد الحاكم في مستدركه 3/ 611، باب ذكر النعمان بن بشير رضي الله عنهما، حديث رقم 6263: "عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعناه يقول إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أقوام خلاقهم فيها بعرض من الدنيا يسير، قال الحسن والله لقد رأيناهم صورا بلا عقول أجساما بلا أحلام فراش نار وذبان طمع يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين يبيع أحدهم دينه بثمن العنْز".


[2]  جاء في صحيح البخاري 1/463 باب التعوذ من عذاب القبر حديث رقم 1311:"عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال كان رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو اللهم إني أَعُوذُ بِكَ من عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ".




397. صفحة

المسألة السابعة: قد ورد في الروايات أن السفياني سيكون عالما كبيرًا، وسيقع في الضلال بالعلم، وسيتبعه علماء كثيرون. 

وأحد وجوه تأويله والعلم عند الله: على الرغم من أن السفياني لا يملك كما يملك الملوك الآخرون وسائلَ السلطنة؛ كالقوة والقدرة، أو القبيلة والعشيرة، أو الشجاعة والثروة؛ فإنه يحرز ذلك الموقع بذكائه وعلومه ودهائه السياسي، ويسخّر بعقله عقول كثيرٍ من العلماء، ويجعلهم مُفتين له، ويجعل كثيرًا من المعلمين والمدرّسين منحازين له، ويتخذ المعارف المجرَّدة من الدين مرشدًا، ويحاول جاهدًا تعميمها.

المسألة الثامنة: قد ورد في الروايات أن فتنة الدجال المذهلة الخطيرة ستظهر بين المسلمين؛ إذ الأمة بأسرها استعاذت منها.

وأحد وجوه تأويله، ولا يعلم الغيب إلا الله: للمسلمين دجالٌ غير دجال الكفار، حتى إن قسمًا من أهل التحقيق قالوا كما قال الإمام علي رضي الله عنه: دجال المسلمين هو السفياني، سيظهر في العالم الإسلامي، وسينجز إنجازاته بالمكر والخداع، ولكن دجال الكفرة مختلفٌ؛ لأن الذي لا يخضع لجبروت الدجال الكبير وإرغامه سيُستَشهَد، والذي يطيعه مرغمًا مجبرًا لا يكون كافرًا، بل لا يكون مذنبًا.

المسألة التاسعة: قد صُوِّرت الأحداث السفيانية والوقائع المستقبلية في الروايات ووُصفت على أنها ستحدث في أطراف الشام وفي الجزيرة العربية.

وأحد وجوه تأويله، والله أعلم: لأن مركز العالم الإسلامي كان في العراق والشام والمدينة المنورة في قديم الزمان؛ فالرواة أولوها، وكأن مركز الإسلام باقٍ في تلك الأماكن حسب اجتهادهم، فصوَّروها ووصفوها قرب مركز الحكومة الإسلامية، وتحدثوا عن حلب ودمشق، إذ فصّلوا أخبار الحديث المجملة حسب اجتهاداتهم.


398. صفحة

المسألة العاشرة: قد ذُكر في الروايات أن لأشخاص آخر الزمان الخطيرين قدرات فوق العادة.

وأحد وجوه تأويله والعلم عند الله: هذا كنايةٌ عن الشخصية المعنوية التي يمثلها هؤلاء الأشخاص، بحيث العظمة الهائلة للشخص المعنوي تعرض في صورة ممثل تلك الشخصية، وفي التماثيل العظيمة الهائلة له، كما رُسمت قديمًا صورةُ القائد الأعلى لليابان الذي هزم روسيا؛ إحدى قدميه على البحر المحيط، والقدم الأخرى على قلعة "بورت آرطور".

أما اقتدارهم الخارق فوق المعتاد؛ فلأن معظم إجراءاتهم تخريباتٌ ومغريات؛ فإنهم يُظهرون وكأن لهم اقتدارًا خارقًا فوق العادة؛ لأن التخريب سهلٌ، فعود كبريت واحد يمكنه أن يحرق قريةً كاملة، وأما المغريات ولأن النفوس تميل إليها؛ فإنها تنتشر وتسري سريعًا.

المسألة الحادية عشرة: قد ورد في الروايات أن في آخر الزمان يكون لأربعين امرأة قيم واحد[1].

ولهذا تأويلان، والله أعلم بالصواب:

أحدهما: النكاح المشروع يقل في ذلك الزمان، أو يزول كما في روسيا، والرجال يهربون من الارتباط بامرأة واحدة، فيكون الرجل راعيًا لأربعين امرأة سائبة شقية.

تأويله الثاني: هو كنايةٌ عن هلاك أغلب الرجال في الحروب التي تنشب في زمان تلك الفتنة، وعن أن أكثر الولادات تأتي بإناثٍ، لأن تحرر النساء تحررًا تامًّا

[1]  في صحيح مسلم 4/2056 حديث رقم2671: "عن أَنَسِ بن مَالِكٍ قال ألا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي سَمِعَهُ منه إِنَّ من أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَفْشُوَ الزِّنَا وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ وَتَبْقَى النِّسَاءُ حتى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ".




399. صفحة

يثير ويلهب شهواتهن الأنثوية بشدة فتغلب المرأة بفطرتها على رجُلها، فتتسبب في نزوع طفلها إليها هي، فتكثر البنات بالأمر الإلهي.

المسألة الثانية عشرة: قد ورد في الروايات أن اليوم الأول للدجال سنةٌ، وأن يومه الثاني شهرٌ، وأن يومه الثالث أسبوع، وأن يومه الرابع يومٌ واحد[1].

ولهذا تأويلان، ولا يعلم الغيب إلا الله:

أحدهما: كنايةٌ عن ظهور الدجال الكبير في محيط القطب الشمالي، وإشارةٌ إليه؛ لأن السنة في القطب الشمالي عبارة عن يومٍ وليلة، ولو سافرت من الشمال إلى جهة الجنوب بالقطار فسترى أن الشمس لا تغرب في الصيف خلال شهرٍ كامل، ولو تقدمت يومًا بالسيارة نحو الجنوب فسترى الشمس لمدة أسبوع كامل، ولقد كنت في أثناء أسري في روسيا قريبًا من ذلك الموقع، إذن إن الروايات تخبر بشكلٍ معجز أن الدجال الكبير سيغزو من الشمال إلى جهتنا نحن في الجنوب.

أما تأويله الآخر فهو: هنالك ثلاثة أيام للدجال الكبير ولدجال المسلمين، مما يعني أن لهما ثلاث مراحل للاستبداد، والرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم أخبر أمته ببلاغة عالية؛ أنه في يومه الأول، أي: في فترة حكومته الأولى يقوم بإجراءاتٍ هائلة لا يمكن القيام بها حتى في ثلاثمائة سنة، وفي يومه الثاني، أي: في دوره الثاني يقوم في سنة بأمور لا يمكن القيام بها حتى في ثلاثين سنة، وفي يومه الثالث، أي: في عهده الثالث يقوم في سنة بتغييرات لا يمكن القيام بها حتى في عشر سنين، أما يومه ودوره الرابع فهو عادي، فلا يستطيع أن يقوم بأمرٍ يذكر، بل يحاول الحفاظ على حاله فحسب.

المسألة الثالثة عشرة: قد ورد في رواية صحيحة قاطعة أن عيسى عليه السلام سيقتل الدجال الكبير ولهذا أيضًا وجهان، والعلم عند الله:


[1]  جاء في صحيح مسلم 4/2252 باب ذكر الدجال وصفته وما معه حديث رقم 2937 من حديث النواس بن سمعان:"... قُلْنَا يا رَسُولَ اللهِ وما لَبْثُهُ في الأرض قال: أَرْبَعُونَ يَوْمًا يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ".




400. صفحة

أحدهما: لا يستطيع أن يقتل ذلك الدجال المذهل الخطير الذي يحافظ على نفسه بواسطة الخوارق الاستدراجية كالسحر والتنويم المغناطيسي وتحضير الأرواح، وتسخير الناس، ولا يستطيع أن يغير منهجه ونظامه إلا من يملك الخوارق والمعجزات والقبول لدى الجميع، وهو عيسى عليه السلام الذي له علاقة بأكثر الناس وهو نبي أغلب البشر.

الوجه الآخر: الذين سيقتلون الهيكلَ العظيم الهائل والشخصيةَ المعنوية للمادية والإلحاد والكفر الشديد المذهل الذي أسّسه وشكّله الدجال المقتول بسيف عيسى عليه السلام، ويزيلون فكره الكفري الذي هو إنكار الألوهية؛ ليسوا إلا الروحانيين العيسويين، حيث سيمزجون حقيقة الدين العيسوي بالحقيقة الإسلامية، وبهذه القوة سيدمرونه وسيقتلونه معنى، حتى إن الرواية التي تفيد بأن عيسى عليه السلام يأتي ويقتدي بالمهدي في الصلاة ويتبعه، تشير إلى هذا الاتفاق وإلى متبوعية الحقيقة القرآنية وحاكميتها.

المسألة الرابعة عشرة: قد ورد في الروايات أن أهم قوة للدجال هم اليهود، فاليهود يتبعونه عن حب ورضا[1].

فيمكننا القول، والله أعلم: إن تأويل هذه الرواية قد ظهر في روسيا إلى حدٍّ ما، وذلك أن اليهود الذين عانوا الظلم من الحكومات كلها قد اجتمعوا بكثرةٍ في ألمانيا، ولعبوا دورًا مهمًّا في تأسيس النظام الشيوعي، وجاءوا برجلٍ يهودي خطير يدعى "تروجكي[2]" ونصبوه رئيس الأركان للجيش الروسي، ونصبوه فيما بعد رئيسًا للحكومة الروسية بعد مرشدهم ومربيهم لينين المشهور، ومن ثم دمّروا روسيا وأحرقوا محاصيلها التي حصدتها خلال ألف سنة، وأظهروا أنهم عصابة

[1]  جاء في صحيح مسلم 4/2266 بَاب في بَقِيَّةٍ من أَحَادِيثِ الدَّجَّالِ حديث رقم 2944: "عن أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: قال يَتْبَعُ الدَّجَّالَ من يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عليهم الطَّيَالِسَةُ".





401. صفحة

الدجال الكبير وقد قاموا بقسم من إجراءاته، وتسبّبوا عند سائر الحكومات أيضًا في القلاقل والاضطرابات المهمة وأفسدوها.

المسألة الخامسة عشرة: بينما وردت أحداث يأجوج ومأجوج في القرآن مجملة؛ فإنها وردت في الروايات بشيء من التفصيل[1]، ولكن تلك التفاصيل ليست من المحكمات كما في مجمَلات القرآن الأخرى، بل تُعَدّ من المتشابهات إلى حدٍّ ما، وتتطلب التأويل، بل تحتاج إلى التعبير لسبب اختلاط اجتهادات الرواة فيها.

أجل؛ إن أحد وجوه تأويل ذلك، ولا يعلم الغيب إلا الله: أن قبائل المانجور والمغول الذين يُطلَق عليهم يأجوج ومأجوج على لسان القرآن السماوي، كما أنهم قادوا قديمًا معهم من الصين قسمًا من التتار وتوغلوا مرات عديدة في أواسط آسيا وأوروبا وخرّبوا البلاد ودمّروها؛ كذلك فإنهم سوف يدمّرون العالم في الأزمنة القادمة؛ إذ الرواية كناية عن هذا الأمر وإشارة إليه، حتى إن الأفراد المهمين الخطيرين للإرهاب الشيوعي الحالي منهم.

أجل؛ قد ظهرت وتولدت الاشتراكية من بذرة التحرر التي بذرت في الثورة الفرنسية وأطلق شعارها فيها، ولما كانت الاشتراكية تخرب قسمًا من المقدسات، فالفكر الذي تنشره قد انقلب إلى البلشفية فيما بعد، والبلشفية هي الأخرى كانت تفسد كثيرًا من المقدسات الأخلاقية والقلبية والإنسانية؛ لذا فإن البذور التي نثروها وبذروها ستؤتي حتمًا محصول الإرهاب الذي لا يعرف أي نوع من الحدود والقيود، ولا يعترف بأي نوع من الحرمات والمقدسات؛ لأن الرحمة والاحترام إذا تركَا قلبَ الإنسان، فالعقل والذكاء يجعلان الناس وكأنهم وحوشٌ ضارية لا ترحم، ولا يمكن إدارتهم بالسياسة.


[1]  انظر مثلا صحيح البخاري 6/2609، باب يأجوج ومأجوج، وصحيح مسلم 4/2207، باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج.




402. صفحة

أما الأماكن المناسبة لنشوء فكرة الإرهاب فستكون القبائل الهمجية البربرية المضطهدة ذات الكثافة السكانية العالية والمتخلفة عن الحضارة والنظام الإداري الحكومي، والذين ينطبق عليهم هذه الشروط هم قبائل المانجور والمغول وقسم من القيرغيز والتتار الذين تسببوا في بناء سد الصين الذي يعد من عجائب الدنيا السبع؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام الذي يفسر مجمل القرآن قد أخبر بهم بشكل معجز ومحقق.

المسألة السادسة عشرة: قد ورد في الروايات أن عيسى عليه السلام حينما يقتل الدجال سيكون طول الدجال فوق العادة، كبيرًا هائلا، أطول من مئذنة، أما طول عيسى عليه السلام مقابل ذلك فسيكون قصيرًا جدًّا.

إن أحد وجوه تأويله، ولا يعلم الغيب إلا الله: هو إشارة إلى أن عدد جماعة المجاهدين الروحانيين الذين عرفوا عيسى عليه السلام بنور الإيمان واتبعوه سيكون قلةً قليلةً جدًّا بالنسبة لجيوش الدجال المدرسية العلمية والعسكرية المادية، وكناية عنه.

المسألة السابعة عشرة: قد ورد في الروايات أنه يوم يظهر الدجال يسمعه العالم أجمع، ويجول العالم في أربعين يومًا، وله حمار خارق للعادة[1].

وتأويل تلك الروايات بشرط أن تكون صحيحة، والله أعلم: أن هذه الروايات تخبر بإعجازٍ أن وسائل الاتصال والسياحة ستتطور في وقت ظهور الدجال إلى حدٍّ سيُسمع معه حادث واحد في يومٍ واحدٍ في جميع أنحاء العالم؛ إذ يصرخ بالراديو -مثلا- فيسمعه الشرق والغرب، ويُقرأ في الجرائد كلها، وتخبر هذه الروايات

[1]  جاء في صحيح ابن حبان 15/ 223: "إِنَّ الأَعْوَرَ الدَّجَّالَ مَسِيحَ الضَّلالَةِ يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فِي زَمَانِ اخْتِلافٍ مِنَ النَّاسِ وَفُرْقَةٍ فَيَبْلُغُ مَا شَاءَ اللهُ مِنَ الأَرْضِ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا اللهُ أَعْلَمُ مَا مِقْدَارُهَا اللهُ أَعْلَمُ مَا مِقْدَارُهَا مَرَّتَيْنِ وَيُنَزِّلُ الله عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَيَؤُمُّهُمْ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَتَلَ اللهُ الدَّجَّالَ وَأَظْهَرَ الْمُؤْمِنِينَ".




403. صفحة

أن شخصًا يدور حول العالم في أربعين يومًا، ويرى سبع قارات وسبعين حكومة ويزورها، فبهذا تخبر عن البرقية والهاتف والمذياع والقطار والطائرة بشكلٍ معجز قبل ظهورها بعشرة قرون.

ثم إن الدجال لا يُسمَع بكونه دجالا، وإنما بصفته ملكًا طاغية مستبدًّا، وسفره ليس للاستيلاء على الأماكن كلها، بل لإثارة الفتنة وإغواء الناس وإضلالهم.

أما دابته وحماره الذي يركبه فهو إما القطار الذي إحدى أذنيه ورأسه تنور النار كجهنم، وأذنه الأخرى أُثثت بشكلٍ فاخر كجنة كاذبة؛ ويرسل أعداءه إلى الجهة النارية، وأصدقاءه إلى الجهة المفروشة، وإما سيارة مذهلة، أو طائرة، أو...علينا السكوت!

المسألة الثامنة عشرة: قد ورد في الروايات: إذا استقامت أمتي فلها يومٌ، أي إنها ستستمر ألف سنة بقوةٍ وسطوة كاملة بسر: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (السجدة:5)، وإن لم تستقم فلها نصف يوم[1]، أي: إنها تحافظ على هيمنتها وغالبيتها لمدة خمسمائة سنة.

هذه الرواية، والله أعلم، لا تخبر عن القيامة، وإنما عن هيمنة الإسلام في قوةٍ وغلبة وعن سلطنة الخلافة؛ إذ ظهرت -كما قال - حقيقة محضة ومعجزة غيبية؛ لأن أهل السياسة في أواخر الخلافة العباسية قد فقدوا الاستقامة؛ لذا فقد عاشت خمسمائة سنة تقريبًا، ولكن ولأن الأمة عامةً حافظت على استقامتها فالخلافة العثمانية أمدتها، فاستمرت بهيمنة الأمة حتى سنة ألف وثلاثمائة، ثم بعد ذلك فالساسة العثمانيون هم أيضًا لم يستطيعوا الحفاظ على الاستقامة، فلم يستطيعوا المعايشة مع الخلافة إلا خمسمائة سنة، فالخلافة العثمانية بوفاتها قد صدَّقت

[1]  جاء في سنن أبي داود 4/125 حديث رقم 4350: "عن سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال إني لأَرْجُو أَنْ لا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ قِيلَ لِسَعْدٍ وَكَمْ نِصْفُ ذلك الْيَوْمِ قال خمسمائة سَنَةٍ.




404. صفحة

الإخبار المعجز لهذا الحديث الشريف، ولأننا قد بحثا هذا الحديث في رسائل أخرى فنقتصر هنا على هذا القدر.

المسألة التاسعة عشرة: قد ورد في الروايات أخبارٌ مختلفة عن السيد المهدي الذي هو من آل البيت ومن علامات آخر الزمان، وقسمٌ من أهل الولاية قديمًا حكموا بظهوره.

أحد تأويلات هذه الروايات المختلفة، والله أعلم بالصواب: إن للمهدي الأعظم وظائف كثيرةً، وكما أن له إجراءاتٍ في دوائر كثيرة في عالم السياسة، وفي عالم الديانة، وفي عالم السلطنة، وفي عالم الجهاد؛ كذلك فإن كلّ عصر أيضًا يحتاج إلى نوع من المهدي الذي يقوي القوة المعنوية فيه في أوقات اليأس، أو إلى احتمال مجيء المهدي لإمداد الناس في تلك الأوقات؛ فإن مهديًّا نوعًا ما من آل البيت قد ظهر في كلّ عصر بالرحمة الإلهية، فحافظ على شريعة جده وسنّته.

مثلا: إن أشخاصًا قاموا بقسمٍ من وظائف المهدي الأعظم؛ كالمهدي العباسي في عالم السياسة، والشيخ الجيلاني والشاه النقشبندي والأقطاب الأربعة والأئمة الاثني عشر في عالم الديانة، فهؤلاء الأشخاص هم أيضًا مدار النظر المحمدي في تلك الروايات؛ لذا فقد اختلفت الروايات، حيث قال قسمٌ من أهل الحقيقة: إن المهدي الأعظم قد ظهر.

وعلى كلّ حال فإن هذه المسألة قد بُحثت في رسائل النور؛ لذا فنحيلها إليها ولكن نقول هنا:

ليس في الدنيا آلٌ متساند وقبيلةٌ متوافقة وجمعيةٌ وجماعة متنوِّرة تبلغ درجة آل البيت وقبيلته وجمعيته وجماعته من حيث التساند والتوافق والتنور.

أجل؛ إن آل البيت الذين ربّوا مئات من الأبطال القدسيين ووضعوا آلافًا من الأبطال القياديين المعنويين على رئاسة الأمة، وتغذوا بعصارة الحقيقة القرآنية

405. صفحة

ونورِ الإيمان وشرفِ الإسلام وتكمّلوا، لاشك أن إعلان آل البيت هؤلاء أمام العالم حقانيةَ وكمال عدالة المهدي الأعظم الذي صار قائدَهم الأعلى بإحياء الشريعة المحمدية والحقيقة الفرقانية والسنة الأحمدية وإعلانها وإجرائها وتطبيقها في آخر الزمان؛ معقولٌ جدًّا، بل لازمٌ وضروري جدًّا، وهو من مقتضى الدساتير في الحياة الاجتماعية الإنسانية.

المسألة العشرون: وهي طلوع الشمس من المغرب، وظهور دابة الأرض من الأرض[1].

أما طلوع الشمس من المغرب فهو علامة القيامة بدرجة البداهة، ولبداهته صار حادثةً سماوية تُغلِق باب التوبة التي هي مرتبطةٌ باختيار العقل؛ لذا فمعناه ظاهرٌ، ولا يحتاج إلى التأويل، إلا أننا نقول بهذا القدر، والله أعلم:

 السبب الظاهري لذلك الطلوع هو أن الكرة الأرضية تكون مجنونةً غير مستقيمة بسبب خروج القرآن -الذي هو بمنزلة عقلها- من رأسها، فتضرب رأسها بكوكبٍ آخر بإذنٍ إلهي، فترتدّ من حركتها، وتغير سياحتها التي كانت من الغرب إلى الشرق، بإرادةٍ ربانية من الشرق إلى الغرب فتعود تشرق من الغرب.

أجل؛ إذا انقطعت القوة الجاذبية للقرآن الذي هو حبل الله المتين الذي يربط الأرضَ بالشمس والفرشَ بالعرش ربطًا وثيقًا؛ تنحل عرى الكرة الأرضية، فتكون دائخةً سائبةً، وتتحرك حركة عكسية غير منتظمة فتطلع من الغرب، وهنالك تأويل آخر مفاده بأن القيامة تقوم بأمرٍ إلهي بعد المصادمة.

أما دابة الأرض فوردت في القرآن إشارةٌ إليها في غاية الإجمال، وورد في لسان حاله عبارةٌ وكلام عنها في غاية الاختصار.


[1]  جاء في صحيح مسلم 4/2260 حديث رقم 2941: "عن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو قال حَفِظْتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا لم أَنْسَهُ بَعْدُ سمعت رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ من مَغْرِبِهَا وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ على الناس ضُحًى وَأَيُّهُمَا ما كانت قبل صَاحِبَتِهَا فَالأُخْرَى على إِثْرِهَا قَرِيبًا".




406. صفحة

أما تفاصيلها فلا أعرفها حاليا معرفةً قاطعة كما أعرف المسائل الأخرى، إلا أنني أقول هنا، ولا يعلم الغيب إلا الله:

كما أنه تسلطت آفة الجراد والقمل على قوم فرعون، وطيور الأبابيل على قوم أبرهة الذين حاولوا هدم الكعبة؛ كذلك فستخرج من الأرض دابةٌ وستتسلط على البشر الذين يقعون عن حبٍّ ورضا وعلم في العصيان والطغيان بفتن السفياني والدجّالين، والذين انساقوا إلى الفساد والوحشية وسقطوا في الإلحاد والكفر والكفران بإرهاب يأجوج ومأجوج وستجعلهم شذر مذر لحكمة دفعهم إلى رشدهم وصوابهم.

وهذه الدابة، والله أعلم نوعٌ؛ لأنها إن كانت فردًا واحدًا كبيرًا فإنها لا تقدر على الوصول إلى جميع الأماكن وإلى جميع البشر، إذن فستكون طائفةً حيوانية مذهلة رهيبة.

وربما ذلك الحيوان هو أرضة الخشب التي تسمى بدابة الأرض بإشارة الآية: ﴿إِلّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ (سبأ:14) ستقضم عظام البشر كالشجر، وستعشش في جسم الإنسان من أسنانه حتى أظفاره، أما المؤمنون فسينجون منها بفضل تجنبهم للسفاهة وسوء الاستخدام ببركة الإيمان، وللإشارة إلى هذا استنطقت الآيةُ ذلك الحيوانَ عن الإيمان.

رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ


407. صفحة

ثلاث مسائل صغيرة

تتمةً للمسائل العشرين السابقة

المسألة الأولى: قد ورد في الروايات أن الدجّالَيْن سُمّيا بالمسيح كما سمي عيسى عليه السلام بالمسيح.

وورد في جميع الروايات: مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فما حكمة ذلك، وتأويله؟

الجواب: حكمة ذلك، والله أعلم، هي: كما أن عيسى عليه السلام رفع بعض التكاليف الشاقة التي كانت في شريعة موسى عليه السلام، وأحلَّ بعض المشتهيات كالخمر بالأمر الإلهي؛ كذلك فإن الدجال الكبير أيضًا يرفع بإغواء الشيطان أحكام الشريعة العيسوية ويفسد الروابط الاجتماعية المسيحية التي تنظم حياتهم الاجتماعية، وبذلك يمهد أرضية صالحة للإرهاب وليأجوج ومأجوج؛ كذلك فالسفياني، وهو دجال المسلمين، يسعى لإلغاء قسم من أحكام الشريعة المحمدية الخالدة بدسائس النفس والشيطان، ويفسد الروابط المادية والمعنوية للحياة الاجتماعية، ويطلق النفوس السخيفة الطائشة المتمردة الثائرة، وبذلك يَحُلّ السلاسل النورانية كالرحمة والاحترام، ويطلق حرية هي في حقيقتها جبرٌ أصلا، ويعطي حرياتٍ هي عين الاستبداد من أجل التهاجم في أوحال الرغبات المتعفنة وبذلك يفسح مجالا لإرهابٍ مخيف، وعندها لا يمكن ضبط الناس إلا باستبدادٍ شديد رهيب.

المسألة الثانية: قد ذُكرت في الروايات إجراءاتٌ خارقة للعادة لكلا الدجّالَيْن، وبُحث عن اقتدارهما وهيبتهما الهائلة غير المعتادة، وحتى عن نسبة قسم من الأشقياء إليهما ألوهيةً نوعا ما، فما سبب هذا؟


408. صفحة

الجواب، والعلم عند الله: أما كون إجراءات كلا الدجالَيْن عظيمةً خارقة فوق العادة، فلأن أكثرها تخريبٌ وسَوْقٌ إلى الهوى والرغبات؛ فإنهما يقومان بأمور خارقة بسهولة، إذ ورد في روايةٍ أن يومهما سنة كاملة، أي: إنهما يقومان بأعمال في خلال سنة واحدة لا يمكن القيام بها حتى في ثلاثمائة سنة.

أما ما يبدو من أن اقتدارهما خارق هائل، فله "أربعة أسباب ووجوه":

أولها: إن الترقيات والتطورات والمحاسن التي تحصل بفعاليات الجيوش الشجعان والأمم النشطة الفعالة في حكوماتهم العظيمة المستبدة كأثرٍ للاستدراج تُسنَد وتنسب إليهما -أي إلى الدجاليْن- فهذا الأمر يتسبب لتوهّم قوة آلاف الأشخاص في ذوات هؤلاء، ولكن هناك حقيقة وقاعدة هي أن كلّ ما يحصل من ترقياتٍ وتطورات إيجابية ومحاسن وشرف وغنائم بفعاليات جماعةٍ وحركاتها يوزَّع على تلك الجماعة، ويعطى لأفرادها ويُنسَب إليهم، أما السيئات والتخريبات والخسائر والضياع فيُنسَب إلى سوء تدبير الرئيس وأخطائه وقصوراته.

فمثلا: إذا فتحت كتيبةٌ قلعةً ما فالغنيمة والشرف يعودان إلى حِراب العساكر، فإذا كانت هنالك تدابير خاطئةٌ وخسائر بشرية ومالية فهي تعود إلى قائدهم، ولكن هؤلاء الرؤساء الخطيرين الرهيبين الذين يستحقون النفور العام منهم أصلا ينالون محبةً عامةً من أهل الغفلة من حيث الاستدراج؛ وذلك بإسناد الترقيات والتطورات الإيجابية والمحاسن إليهم، وإسناد التصرفات السلبية والمساوئ إلى أمتهم المسكينة، بخلاف دستور الحقّ والحقيقة كليًّا.

السبب الثاني والوجه الثاني: ولأن كلا الدجالين سيتحركان باستبدادٍ أشد وبظلمٍ أعظم وبشدةٍ مذهلة وقسوةٍ متناهية فسيظهر عليهم اقتدارٌ في غاية العظمة.

أجل؛ إن لهم استبدادًا عجيبًا حيث يتدخلون في ضمائر الجميع ومقدَّساتهم- حتى ملابسهم- تحت ستار القوانين، وأظن أن عشّاق الحرية ودعاتها من الأتراك

409. صفحة

والمسلمين قد أحسوا بهذا الاستبداد الرهيب بحسٍّ مسبَق في العصر الأخير، فأطلقوا رماحهم عليه وهاجموه، إلا أنهم انخدعوا إلى حدٍّ كبير، واستهدفوا هدفًا خطأ وهاجموا جبهة خطأ.

وإن لهم ظلمًا واستبدادًا بحيث يخربون ويدمرون مائة قريةٍ، ويعاقبون ويهجّرون مئاتٍ من الأبرياء ويلقونهم في البؤس والشقاء، بسبب رجلٍ واحد.

السبب الثالث والوجه الثالث: كلا الدجالين يكتسبان مساندة منظمةٍ سرية يهودية تضمر حقدًا شديدًا للإسلام والمسيحية، ومعاونة منظمةٍ أخرى رهيبة تعمل تحت ستار حرية المرأة، حتى إن دجال الإسلام يخدع المنظمات الماسونية ويكتسب دعمهم؛ لذا فهما يظنان أن عندهما اقتدارًا هائلا.

ثم إنه يُفهم بواسطة استنباطات بعض أهل الولاية أن الدجال السفياني الذي سيرأس الدولة الإسلامية يجد وزيرًا قديرًا وعبقريًّا نشيطًا لا يود الرياء والظهور، ولا يهتمّ بالصِّيت والشهرة الشخصية، ويجد قائدًا عامًّا شجاعًا قديرًا قويًّا فعَّالا نشيطًا لا يبالي بالرياء والشهرة، ويسخّرهما، وينسب إجراءاتهما الخارقة العبقرية إلى ذاته مستفيدًا من عدم مبالاتهما للرياء.

وبهذه الطريقة ينسب إلى نفسه وذاته التطورات الحاصلة بدافع احتياجٍ شديد ناجمٍ عن تجدد الجيش العظيم والحكومة الكبيرة وتغيرهما بسبب الحرب العالمية، ويشيع بواسطة مداحيه أن له اقتدارًا خارقًا عجيبًا جدًّا في ذاته وفي شخصه.

السبب الرابع والوجه الرابع: إن للدجال الكبير خصائصَ مسخِّرةً من نوع التنويم المغناطيسي، وفي إحدى عيني دجال الإسلام أيضًا مثل هذا النوع من التأثير المغناطيسي، حتى إن الروايات التي تقول "إنه أعور"، تجذب الانتباه إلى إحدى عيني الدجال، وتقول إن إحدى عيني الدجال الكبير عوراء لا تبصر، وإحدى عيني الآخر -السفياني- ممسوحة كالعوراء بالنسبة لعينه الأخرى، وبذلك

410. صفحة

تشير الروايات إلى أنهما كافران كفرًا مطلقا، فلهما عينٌ واحدة لا تستطيع أن ترى إلا هذه الدنيا فحسب، ولا يملكان عينًا ترى العقبى والآخرة. 

ولقد رأيت في عالمٍ معنوي دجال الإسلام، ورأيت رأي العين قوة تسخيرية مغناطيسية في إحدى عينيه، ووجدته منكرًا إنكارًا كليًّا، وهو بهذه الجرأة والجسارة النابعة من هذا الإنكار المطلق يهجم على المقدسات، وعوام الناس ولأنهم لا يعرفون حقيقة الأمر فإنهم يظنون أن لديه اقتدارًا خارقًا للعادة وجسارة فوق المعتاد.

ثم إن أمةً مجيدة بطلة ولأنها تجد في وقت هزيمتها مثل هذا القائد المكّار الدسّاس المحظوظ ذي الاستدراج الذي حظي بالأبهة والتوفيق والنجاح، فهي بدافع عرق البطولة، تنحاز إليه وتشيد به بغض النظر عن ماهيته الرهيبة الخفية، وتجعله تاج رأسها وتعزه وتجعله زعيمًا، وترغب في ستر سيئاته.

ولكن يُفهم من الروايات أن الجيش البطل المجاهد والشعب المتدين الملتزم بالدين سيرى حقيقة الأمر بفضل نور الإيمان وضياء القرآن الكامن في روحه، وسيحاول تعمير تخريبات ذلك القائد الرهيبة المذهلة وإصلاحها.

المسألة الثالثة الصغيرة: وهي عبارة عن "ثلاث حوادث" ذات عبر:

الحادثة الأولى: لقد أرَى الرسولُ الأكرم عليه الصلاة والسلام ذات يومٍ عمرَ رضي الله عنه أحد صبيان اليهود الذين يلعبون، وقال: هذا صورته، فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنقه، فقال: لو كان هذا دجال الإسلام -السفياني- لما استطعت أن تقتله، ولو لم يكن هو السفياني، فليس لك أن تقتله بمجرد شَبهه لصورة الدجال[1].

فهذه الرواية تشير إلى أن صورته ستظهر في أشياء كثيرة في زمن حكمه، كما أنه سيولد بين اليهود.


[1]  عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ صَيَّادٍ: خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئَا، قَالَ: الدُّخُّ، قَالَ: اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ، قَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ: دَعْهُ، إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلاَ تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ. انظر صحيح البخاري 6173.




411. صفحة

ومن الغريب أن عمر رضي الله عنه الذي كان يضمر له حقدًا وعداوة إلى حد قتل صبي يحمل صورته، قد صار ممدوح السفياني؛ يعجب به، ويقدره، ويذكره بالمدح والثناء كثيرًا.

الحادثة الثانية: لقد نقل كثيرون أن دجال الإسلام هذا كان يرغب في معرفة معنى: ﴿والتين الزيتون﴾ ويسأل عنه كثيرًا، بينما جملة ﴿إن الإنسان ليطغى﴾ في سورة ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ التي تلي سورة التين؛ هي التي تشير بمعناها وبحساب الجفر إلى زمانه بالضبط وإلى شخصه، كما أنها تشير إلى أنه سيعتدي على المساجد وعلى أهل الصلاة بالطغيان.

إذن إن ذلك الرجل ذا الاستدراج يحس بأن سورة قصيرة لها علاقة به، ولكنه يخطئ فيطرق باب جارتها.

الحادثة الثالثة: لقد ورد في إحدى الروايات أن دجال الإسلام سيظهر بجوار خراسان.

وأحد وجوه تأويل هذه الرواية، والله أعلم: إن قوم الترك الذين هم أشجع وأقوى أقوام الشرق وأكثرهم عددًا، وأشد جيوش الإسلام بسالةً وإقدامًا، كانوا بجوار خراسان آنذاك في وقت الرواية، ولم يكونوا قد استوطنوا الأناضول بعد؛ لذا فالرواية بذكرها موطنه آنذاك تشير إلى ظهور الدجال السفياني فيهم.

وعلى الرغم من أن قوم الترك كانوا سيفًا ألماسيًّا بارقًا عزيزًا بيد الإسلام والقرآن لمدة سبعمائة سنةٍ، فغريبٌ، بل غريب جدًّا أن السفياني يحاول فترة من الزمن أن يستغل قوم الترك وفكرة القومية التركية ضدّ قسمٍ من شعائر الإسلام، إلا أنه -حسبما يُفهم من الروايات- لا يفلح ولا ينجح، بل يتراجع، بل سيخلص الجيش زمامه من يد السفياني.

وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

وَلَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ