الشعاع الثالث

1. صفحة

الشعاع الثالث

رسالة المناجاة

المقدمة

إن رسالة الشعاع الثالث هذه التي هي الحجة الإيمانية الثامنة كما أنها تدل على وجوب وجوده سبحانه ووحدانيته؛ فكذلك تدل على إحاطة ربوبيته، وعظمة قدرته بدلائل قطعية، وتدل على إحاطة حاكميته وشمول رحمته، وتثبتهما، وتُثبت أيضًا إحاطة حكمته وشمول علمه كل أجزاء الكون أي: إن هناك "ثمانيَ نتائج لكل مقدمة من مقدمات هذه الحجة الإيمانية الثامنة، وكل مقدمة من تلك المقدمات الثمانية تُثبت تلك النتائج الثمانية بدلائلها، ومن هذه الناحية فإن هناك مزايا عالية لهذه الحجة الإيمانية الثامنة.

المناجاة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 164)

يا إلهي ويا ربي، إنني أرى بنظر الإيمان وبتعليم القرآن ونوره، وبدرس الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وبإراءة اسم الحكيم أنه ما من دوران وما من حركة في السماوات إلا وتشير بانتظامها هذا إلى وجودك وتدلّ عليه.

وما من أجرام سماوية إلا وتشهد على ربوبيتك ووحدتك وتشير إليهما بسكونها وبنهوضها بالوظائف بدون ضجيج وضوضاء، وبقيامها بلا عَمَدٍ.


2. صفحة

وما من نجمة إلا وتشير إلى عظمة ألوهيتك ووحدانيتك، وتشهد عليها بخلقتها الموزونة وبوضعها المنتظم، وبتبسّمها النوراني، وبختم المماثلة والمشابهة مع جميع النجوم.

وما من كوكب سيار من الكواكب السيارة الاثنى عشر إلا ويشهد على وجوب وجودك، ويشير إلى سلطنة ألوهيتك بحركاته الحكيمة، وبِمُسخَّريته في الطاعة، وبوظائفه المنتظمة وبتوابعه المهمة.

نعم، يا خالق السماوات والأرض، كما أن السماوات تشهد شهادة ظاهرة على وجوب وجودك مع سكانها وكل واحد منها بمفرده، كذلك تشهد مع هيئة مجموعها بالبداهة.

ويا من يدبِّر الذرات بمركباتها المنتظمة، ويديرها، ويا من يُجري تلك النجوم السيارة مع توابعها المنظومة، ويطوِّعها ويُخضِعها لأوامره، إنها تشهد جميعها على وحدتك وأحديتك شهادة قوية، حتى إن البراهين النورانية والأدلة الباهرة بعدد نجوم السماوات تُصدِّق تلك الشهادةَ. 

وكذلك تدل تلك السماواتُ الصافيةُ الطاهرةُ الجميلة مع أجرامها الضخمة الهائلة والسريعة للغاية -من حيث إظهارها حالة جيش منتظم، وأسطولَ السلطنة المزين بمصابيح كهربائية- دلالةً ظاهرةً باهرةً على عظمة ربوبيتك، وعظمة قدرتك التي تُوجِد كل شيء، وتشير إشارة قوية إلى سعة حاكميتك المحيطة بما لا حد له من السماوات، ورحمتك المُحتضنة كل ذي حياة، وتشهد -بلا شك- على إحاطة علمك بكل شيء، ذلك العلم الذي يتعلق بكل أمور وكيفيات المخلوقات السماوية جميعها، والذي يمسكها بقبضته وينظمها، وعلى شمول حكمته كلَّ شيء، وإن تلك الشهادة والدلالة ظاهرة وباهرة حتى وكأن النجوم كلمات الشهادة للسماوات الشاهدة، وأدلتها النورانية المبتسمة.


3. صفحة

وأما النجوم في ميدان السماوات وفي بحرها وفضائها فتُظهر أبهة سلطنة ألوهيتك بأحوالها الشبيهة بأحوال الجنود المطيعين، والسفن المنتظمة والطائرات البديعة والمصابيح العجيبة، وقسم من تلك النجوم التي هي سائر زميلات الشمس تتوجه وتنظر إلى عوالم الآخرة بدلالة وتذكير وظائف شمسنا -التي هي فرد من أفراد ذلك الجيش- في الكواكب السيارة، وفي كرتنا الأرضية، وهي ليست بلا وظيفة، بل هي شموس العوالم الباقية.

يا واجب الوجود، يا واحد يا أحد، إن هذه النجوم البديعة وتلك الشموس والأقمار العجيبة قد سُخّرت ونُظّمت ووُظّفت في مُلكك وفي سماواتك بأمرك وقوتك وقدرتك وإدارتك وتدبيرك، وإن جميع تلك الأجرام العُلوية تُسبّح وتُكبّر الخالقَ الواحدَ الأحد الذي خلقها ويُدوّرها ويديرها، وتقول بألسنة أحوالها: سبحان الله، الله أكبر، وأنا بدوري أقدسك بجميع تسبيحاتها.

يا قدير ياذا الجلال يا من احتجب لشدة ظهوره، واختفى لعظمة كبريائه، ويا قادر ويا ذا القدرة المطلقة، إنني فهمت بدرس قرآنك الحكيم وبتعليم رسولك الأكرم عليه الصلاة والسلام أنه: كما أن السماوات والنجوم تشهد على وجودك ووحدتك؛ فكذلك جوُّ السماء مع سحبه وبروقه ورعوده ورياحه وأمطاره يشهد على وجوب وجودك ووحدتك.

نعم؛ إن السحاب الجامد الذي لا وعي ولا شعور له لا يَبعث المطرَ -الذي هو ماء الحياة- لإمداد ذوي الحياة المحتاجين إلاّ برحمتك وحكمتك، ولا يمكن للمصادفة العشوائية أن تتدخّل في هذا الأمر.

وأما البرق -الذي هو أعظم كهرباء، والذي يحثّ على الاستفادة منها مشيرا إلى فوائد التنوير للكهرباء- فينوِّر قدرتك المتجلية في الفضاء على أحسن صورة.

وأما الرعود التي تبشّر بقدوم المطر، والتي تُنطق الفضاء الكبير الهائل وتجلجل السماوات بأصداء تسبيحاتها؛ فتقدِّسك ناطقة بلسان قالها، وتشهد على ربوبيتك. 


4. صفحة

وأما الرياح التي هي أكثر الأرزاق ضرورة لمعيشة ذوي الحياة، وأسهلها استفادة، والتي كُلفت بوظائف كثيرة جدا كمنح الأنفاس وترويح النفوس، فكما أنها تشير إلى نشاطات وإجراءات قدرتك وتشهد على وجودك بتحويلها الجوّ -بناء على حكمة ما- إلى لوح المحو والإثبات، أي كأنه سَبورة تُكتب عليها وتبيَّن ثم تُمحى، فكذلك الرحمة -أي المطر- التي تُدَرُّ[1] من السحب برحمتك وتُرسَل إلى ذوي الحياة؛ فتشهد بكلمات القطرات الموزونة المنتظمة على سعة رحمتك وشفقتك.  

يا متصرف يا فعّال يا فياض يا متعال، كما أن كل واحد من السحب والبروق والرعود والرياح والأمطار يشهد على وجوب وجودك؛ فكذلك تشير بهيئة مجموعها إشارة قوية إلى وحدتك وأحديتك من حيث الاتحاد والمعية والتداخل والمعاونة على وظائف بعضها البعض، مع أن كل واحدة منها بعيدة عن الباقي من حيث الكيفية، وضد بعضها من حيث الماهية، وكما أن كل واحدة منها تشهد على عظمة ربوبيتك التي تجعل الفضاء الكبير الهائل محشر العجائب، والتي تملأها وتُفرغها عدة مرات في بعض الأيام، وعلى عظمة قدرتك التي تتصرف في الجو الواسع الشاسع وكأنه لوحٌ يُكتب عليه ويُبدَّل ويُمحى ما فيه، وإسفنجةٌ تعصرها وتسقي بها روضة الأرض، وبأنها تشمل كل شيء، فكذلك تدل على السعة المطلقة لرحمتك وحاكميتك اللتين ترعيان الأرضَ كافةً والمخلوقاتِ جميعَها تحت حجاب الجو، وتديرانها، وعلى أنهما تدركان كل شيء، والهواء في الفضاء يُستخدم في وظائف حكيمة، والسحب والأمطار تُستعمل في فوائد استعمالا ينم عن علم؛ بحيث لو لم يكن هناك علم محيط بكل شيء، وحكمة شاملة تشمل كل شيء؛ لما كانت تلك الاستعمالات والاستخدامات.

يا فعّالا لما يريد، إن قدرتك التي تقوم بنشاطات في جو الفضاء كإراءة نماذج الحشر والقيامة كل لحظة، وتحويل الصيف إلى الشتاء والشتاء إلى الصيف خلال

 



5. صفحة

ساعة واحدة، والإتيان بعالم وإرسال الآخر إلى الغيب، تشير إلى أنها ستحوّل الدنيا إلى الآخرة، وستظهر الشئون السرمدية فيها.

يا قدير يا ذا الجلال، إن الهواء والسحاب والمطر والبرق والرعد في جو الفضاء مسخرون وموظفون في ملكك بأمرك وحولك وقوتك وقدرتك، وإن مخلوقات هذا الفضاء -التي كل واحد منها بعيد عن الآخر من حيث الماهية- تقدس آمرها وحاكمها الذي يجعلها تطيع الأوامر السريعة الفورية للغاية، والتحكمات السريعة العاجلة، وتمدح رحمته وتثني عليها.

يا خالق الأرض والسماوات يا ذا الجلال، إنني آمنت وعرفت وعلمت بتعليم قرآنك الحكيم، وبدرس رسولك الأكرم -عليه الصلاة والسلام- أنه كما أن السماوات تشهد مع نجومها وجوّ الفضاء مع ما فيه على وجوب وجودك وعلى أحديتك ووحدتك؛ فكذلك الأرض مع جميع مخلوقاتها وأحوالها تشهد على وجودك ووحدتك وتشير إليهما شهادات وإشارات بعدد موجوداتها.

نعم؛ ما من تحوّل في وجه الأرض، وما من تبدّل -كليًّا كان أو جزئيًّا- في أشجارها وحيواناتها كتغيير ملابسها كل سنة، إلا ويشير بانتظاماته إلى وجودك ووحدتك.

وما من حيوان إلا ويشهد على وجودك ووحدتك بمنح رزقه له برحمة حسب درجة ضعفه واحتياجه، وبإعطائه الأجهزة الضرورية لحياته بحكمة.

وما من نبات وحيوان يوجَد ويخلَق كلَّ ربيع أمام أعيننا إلا ويعرِّفك بصنعته العجيبة، وزينته اللطيفة، وتميزه التام الكامل، وانتظامه وموزونيته.

وإن خلق المخلوقات -التي تملأ وجه الأرض والتي تسمى بالنباتات والحيوانات والتي هي بدائع ومعجزات قدرتك- خلقًا بديعا بلا خطأ، ومزيَّنًا ومميَّزا بعلامات فارقة من البيضات والبويضات والقطرات والحبات والحُبَيْبَات 

6. صفحة

والنويات المحدودة المتشابهة والتي موادها واحدة؛ لشهادةٌ قويةٌ على وجود صانعها الحكيم ووحدته وحكمته وقدرته التي لا حد لها وهي أقوى وأسطع من شهادة الضياء على الشمس.

وما من عنصر كالهواء والماء والنور والنار والتراب إلا ويشهد على وحدتك ووجودك بنهوضه وبأدائه الوظائف بإتقان ينم عن شعور ووعي مع أنه ليس له شعور أو وعي، وبإتيانها بالثمار والمحاصيل المتنوعة البديعة للغاية من خزانة الغيب مع أنها بسيطة ومستولية وغير منتظمة ومبعثرة هنا وهناك.  

يا فاطر يا قادر يا فتّاح يا علاّم يا فعّال يا خلاّق! كما أن الأرض مع جميع سكانها تشهد على أن خالقها واجب الوجود؛ كذلك تشهد بالبداهة على وحدتك وأحديتك يا واحد يا أحد يا حنّان يا منّان يا وهّاب يا رزّاق بسكّتها الموجودة على وجهها، وبالسكك الموجودة على وجوه سكانها، ومن حيث الوحدة والاتحاد والتداخل والتعاون فيما بينهم ووحدة أسماء الربوبية وأفعالها التي تتوجه إليها وترعاها، بل تشهد بعدد الموجودات.

وكما أن وجه الأرض يدل على هيبة وعظمة ربوبيتك ونفوذ قدرتك في كل شيء، بكونه في وضع المعسكر والمشهر ومحل التدريب، وبإعطاء الأجهزة المختلفة المتباينة بانتظام لأربعمائة ألف نوع من الأمم الموجودة في فرق النباتات والحيوانات، كذلك فإن إعطاء الأرزاق المختلفة المتباينة لجميع ذوي الحياة غير المحدودين من تراب يابس بسيط في وقتها المناسب تمامًا وبصورة رحيمة وكريمة، وإطاعة هؤلاء الأفراد غير المحدودين لأوامرك الربانية بكمال المسخَّرية يُظهران أن رحمتك تشمل كل شيء، وحاكميتك تحيط بكل شيء.

ويدل على إحاطة علمك وحكمتك عدم إمكانية سَوْقِ وإدارة قوافل المخلوقات المتغيرة دائمًا في وجه الأرض، وعدم مناوبة الموت مع الحياة، وعدم إدارة وتدبير الحيوانات والنباتات، إلاّ بعلم يتعلق بكل شيء، وبحكمة غير محدودة يسري حكمها على كل شيء. 


7. صفحة

وإن منح اهتمام بالغ في هذه الدنيا -التي هي محل التدريب وفي هذه الأرض التي هي المعسكر المؤقت، وفي هذا المعرض المؤقت- للإنسان الذي يقوم بوظائف لا حد لها في الأرض في وقت قصير، والذي جُهّز بأجهزة معنوية واستعدادات وكأنه سيعيش وقتًا لا نهاية له، والذي يتصرف في موجودات الأرض، وصَرْفَ هذا القَدْرِ من المصروفات غير المحدودة، وتجليات الربوبية غير النهائية، وهذه الخطاباتِ السبحانيةَ غيرَ المحدودة، وتلك الإحساناتِ الإلهيةَ غيرَ المحدودة؛ لا شك أن كل ذلك لا ينحصر في هذا العمر القصير الحزين الكئيب، وفي هذه الحياة المشوَّشة المكدَّرة، وفي تلك الدنيا الفانية ذات البلايا، بل يشير إلى الإحسانات الأخروية الموجودة في عالم البقاء من حيث كونها مُنحت لعمر آخر أبدي، ولدار سعادة باقية، بل يشهد عليها.

يا خالق كل شيء، إن مخلوقات الأرض كلّها في ملكك وفي أرضك تدار وتسخّر بحولك وقوتك وقدرتك وإرادتك وعلمك وحكمتك، وإن الربوبية التي تُشاهد نشاطاتها وإجراءاتها على وجه الأرض تبدو محيطة وشاملة، وإن إدارتها وتدبيرها وتربيتها رائعة وحساسة، وإجراءاتها في كل مكان تكون ضمن وحدة واتحاد وتشابه؛ بحيث تدل على أن هنالك تصرفًا وربوبية في حكم "كلّ" لا يقبل التجزئة وفي حكم "كلّي" لا يمكن انقسامه، وإن الأرض تقدّس وتسبِّح خالقها مع جميع سكانها بألسنة لا حد لها أوضح من لسان المقال، وتحمد رزّاقها ذا الجلال وتمدحه وتثني عليه بألسنة أحوال نعمه التي لا حد لها.

يا من هو الأقدس الذي اختفى لشدة ظهوره، واحتجب لعظمة كبريائه، إنني أقدسك بكل تقديسات الأرض وتسبيحاتها عن كل القصور والعجز والشركاء، وأحمدك وأشكرك بجميع تحميداتها وثناءاتها.

يا رب البر والبحر، إنني فهمت بدرس القرآن وتعليم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام أنه: كما أن السماوات والفضاء والأرض تشهد على وحدتك

8. صفحة

ووجودك؛ فكذلك البحار والأنهار والعيون والغدران[1] تشهد بالبداهة على وجوب وجودك ووحدتك.

نعم؛ ما من موجود، بل ما من قطرة ماء في البحار التي هي في حكم مراجل[2] للبخار، والتي هي منبع العجائب لدنيانا هذه إلاّ ويعرّف خالقه، بوجوده وانتظامه ومنافعه وأوضاعه.

وما من مخلوق من المخلوقات الغريبة التي تُعطى أرزاقُها من الرمل البسيط ومن الماء البسيط على أكمل وجه وصورة، وما من حيوان من الحيوانات البحرية التي خُلقت في غاية الإبداع والإتقان، وبالأخص الأسماك التي واحدة منها تعمّر وتزيِّن البحار بمليون من بويضاتها إلاّ ويشير إلى خالقه، ويشهد على رزّاقه بفطرته ووظيفته، وإدارته وإعاشته، وتدبيره وتربيته.

وما من جوهرة من الجواهر القيمة النفيسة المزيَّنة ذات الخواص المميزة في البحار إلاّ وتُعرِّفك بحسن خلقتها وفطرتها الجذابة وخواصها النافعة.

وكما أن كل واحد من هؤلاء يشهد على وحدتك بمفرده؛ فكذلك يشهد بهيئة مجموعه من حيث المعية والتداخل والوحدة في سكة الخلقة، والسهولة في الإيجاد وكثرة الأفراد، ويشير إلى وجودك، وإلى أنك واجب الوجود إشارات بعدد موجودات مجموعه، ويشهد عليهما من حيث جعْل هذه الكرة الأرضية مع برها وبحارها المحيطة بها معلقةً في الفضاء، وجعْلها تجري حول الشمس بلا انسكاب ولا تشتّت والحيلولة دون استيلاء البحار على البر، وخلْق الحيوانات المتنوعة والجواهر المختلفة المتنوعة البديعة من مائها ورمالها البسيطة، وإدارة أرزاقها وسائر أمورها بصورة كلية وكاملة، وتدبير أمورها، وعدم وجود أية جنازة من الجنائز غير المحدودة التي من المفترض وجودها على وجهي البر والبحر.




9. صفحة

وكما أن كل هذه المخلوقات تدل دلالة ظاهرة جدا على عظمة وهيبة سلطنة ربوبيتك، وعظمة قدرتك المحيطة بكل شيء؛ فكذلك تدل على ما لا نهاية له من سعة رحمتك وحاكميتك التي تصل إلى كل شيء وتحكم كل شيء بدءًا من النجوم العظيمة البديعة الموزونة للغاية فوق السماوات، وانتهاءً إلى الأسماك الصغيرة جدًّا والمرزوقة بانتظام في أعماق البحار، وتشير إلى علمك المحيط بكل شيء، وحكمتك الشاملة لكل شيء، بانتظاماتها وفوائدها وحِكمها وميزانها وموزونيتها.

وإن وجود أحواضٍ للرحمة كهذه في دار ضيافتك -الدنيا- لضيوفك المسافرين، وكونها مسخَّرة لسير وسياحة الإنسان ولسفينته ولاستفادته؛ ليُشير إلى أن الذي يُكْرِمُ بهذا القدر من الهدايا البحرية ضيوفه الذين يمكثون ليلة واحدة في فندق شُيِّد على الطريق لا شك أنه قد وفّر بحار رحمة أبدية في مقر سلطنته الأبدية؛ بحيث إن هذه نماذج فانية وصغيرة لتلك.

أجل؛ إن وجود البحار حول الأرض بصورة رائعة كهذه بشكل عجيب، وإدارة وتربية مخلوقات البحار إدارةً وتربيةً في غاية الانتظام والإتقان؛ ليدل بالبداهة على أنها مسخَّرة لأمرك في مُلكك بقوتك وقدرتك وإرادتك وتدبيرك أنت وحدك، وأنها تقدِّس خالقها بألسنة أحوالها، وتقول: الله أكبر. 

يا قدير يا ذا الجلال يا من جعلتَ الجبال أوتادًا ذات كنوز لسفينة الأرض،

لقد فهمت من تعليم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ومن درس قرآنك الحكيم أنه مثلما تَعرِفُك البحار وتُعرِّفك بعجائبها؛ فالجبال كذلك تَعرفك وتُعرِّفك بحكمها وخدماتها التي تؤديها من أجل سكون الأرض وثباتها أمام تأثير الزلازل، وسكوتها أمام عواصف الانقلابات الداخلية التي تحدث في جوفها، وتخلصها من استيلاء البحار عليها، وتصفية الهواء من الغازات المضرة، والحفاظ على الماء وادِّخاره، وتخزين المعادن الضرورية لذوي الحياة.


10. صفحة

أجل؛ ما من نوع من أنواع الأحجار في الجبال، وما من قسم من أقسام الموادّ التي هي دواء لمختلف الأمراض، وما من نوع من أنواع المعادن المتنوعة جدًّا والتي هي ضرورية جدًّا لذوي الحياة ولا سيما الإنسان، وما من نوع من أنواع النباتات التي تُزيِّن الجبال والصحارى بأزهارها وتُبهِجها بأثمارها إلا ويشهد بالبداهة على وجوب وجود صانع قدير مطلق، وحكيم مطلق، ورحيم مطلق وكريم مطلق، بحِكَمه وانتظاماته، وحسن خَلْقِه، ومنافعه التي لا يمكن نسبتها إلى المصادفة، وخاصة باختلاف طعم المعادن اختلافًا كبيرًا مع أنها تتشابه في صورتها كالملح وملح الليمون والسلفات والشب[1]، وبالأخص بأنواع النباتات المختلفة الناشئة من تراب بسيط، وبأزهارها وثمارها المتغايرة، وتشهد أيضًا على واحدية الصانع وأحديته بما في مجموعها من وحدة الإدارة ووحدة التدبير، ومن حيث الوحدة في المنشأ والمسكن والخلقة والصنع والإبداع والرخص واليسر والكثرة والسرعة في الخلق.

وكما أن صنع المصنوعات التي على سطح الجبال وفي جوفها، وكلِّ نوع من الأنواع المنتشرة في أرجاء الأرض كلها، في الوقت نفسه وبالطريقة نفسها، وبلا خطأ وفي منتهى الإبداع والسرعة، وإيجادها بلا خلط مع أنها مختلطة بالأنواع الأخرى، ودون أن يمنع فعل فعلاً؛ نقول كما أن كل ذلك يدل على عظمة ربوبيتك وعلى عظمة قدرتك التي لا يصعب عليها شيء؛ كذلك فإن ملء سطح الجبال وجوفها بالأشجار والنباتات والمعادن البديعة المنتظمة المتقنة بشكل يوفر الحاجات غير المحدودة لجميع ذوي الحياة من المخلوقات الموجودة على سطح الأرض، بل حتى يشبع أذواقها المختلفة وشهياتها المتباينة، بل حتى يشفي أمراضها المتنوعة، وتسخيرَ تلك الأشجار والنباتات والمعادن للمحتاجين؛ ليدل على سعة رحمتك التي لا حد لسعتها، وعلى سعة حاكميتك التي لا نهاية لسعتها، وإن إحضارها الأشجار والنباتات والمعادن أيضا حسب الحاجات بعلم وبصيرة



11. صفحة

وانتظام وبلا سهو ولا خطأ مع أنها مخفية، وفي ظلمات واختلاط تحت طبقات التراب ليدل على إحاطة علمك الذي يتعلق بكل شيء، وعلى شمول حكمتك -التي تنظم كل شيء- جميع الأشياء، وإن إحضار الأدوية وادخار المواد المعدنية كذلك يشير إشارة واضحة، ويدل دلالة ظاهرة على محاسن تدابير ربوبيتك التي تتم بالرحمة والكرم، وعلى اللطائف المحاطة بعنايتك.

وإن كون الجبال الضخمة مستودعات احتياطيّة متقنة للأشياء الضرورية للمسافرين الضيوف في فندق الدنيا هذا واحتياجاتهم المستقبلية، وكونها مخازن للأجهزة، ومخزنًا بديعًا لودائع كثيرة ضرورية للحياة، ليشير بل يدل بل يشهد على أنه لا بد من أن لهذا الصانع الكريم والمحب للضيوف إلى هذه الدرجة، والحكيم المحب للشفقة إلى هذا القدر، والقدير المحب للربوبية إلى هذا الحد؛ خزائن أبدية لإحساناته الأبدية في عالم أبدي لأولئك الضيوف الذين يحبهم حبًّا جمًّا[1]، فالنجوم هناك تؤدي تلك الوظائف بدلا من الجبال هنا.

يا قادرًا على كل شيء، إن الجبال وما فيها من مخلوقات مسخراتٌ ومدخرات في ملكك أنت بقوتك وقدرتك وعلمك وحكمتك أنت، وهي تقدّس وتسبّح خالقها الذي وظَّفها وسخَّرها على هذه الصورة.

يا خالق يا رحمن، ويا رب يا رحيم، لقد فهمتُ بتعليم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وبدرس قرآنك الحكيم أنه كما أن السماء والفضاء والأرض والبحر والجبل تَعرِفك وتُعرِّفك بجميع ما تحتويه وبمخلوقاتها، فإن جميع الأشجار والنباتات التي في الأرض تُعرِّفك وتَعرِفك بالبداهة بأوراقها وأزهارها وثمارها، وكل ورقة من أوراق كل الأشجار والنباتات التي تهتزّ ذاكرة في جذبة، وكل زهرة من أزهارها التي تصف وتعرّف بزينتها أسماء صانعها، وكل ثمرة من الثمار المتبسمة من لطافتها ومن تجلي الرحمة عليها؛ كما أنها تشهد على وجوب




12. صفحة

وجود صانع رحيم كريم لا نهاية لرحمته وكرمه بدرجة البداهة، وبما لا يمكن نسبته إلى المصادفة بأي وجه من الوجوه من نظامها الذي تضمن الإبداع الرائع، وما في ذلك النظام من ميزان، وما في ذلك الميزان من زينة، وما في تلك الزينة من نقوش، وما في تلك النقوش من روائح طيبة مختلفة متنوعة، وما في تلك الروائح من طعوم مختلفة ومتنوعة للثمار؛ فإنها تشهد بالبداهة كذلك مجتمعةً على واحدية وأحدية الصانع الذي هو الواجب الوجود من حيث اتحادها، ووحدتها، وتشابه بعضها مع بعض، وتشابهها في ختم الخلق، وتناسبها في التدبير والإدارة، وبتوافقها في أفعال الإيجاد والأسماء الربانية التي تتعلق بها، وإدارتها لما لا حد له من الأفراد المتداخلة لمائة ألف نوع بلا خطأ ولا سهو معًا.

ثم مثلما أنها -تلك الموجوداتِ المذكورةَ- تشهد على وجوب وجودك ووحدتك؛ فإنها تدل كذلك بإعاشة وإدارة أفراد لا حد لهم في جيش ذوي الحياة المكوَّن من أربعمائة ألف أمة على وجه الأرض إدارة وإعاشة رائعة بمئات الآلاف من الطرز والأشكال بلا سهو ولا خلط على عظمة ربوبيتك في الوحدانية، وعلى عظمة قدرتك التي توجِد الربيع في سهولة كإيجاد زهرة واحدة، وعلى تعلقها بكل شيء، وتدل أيضًا على السعة المطلقة لرحمتك التي تحضر لحيواناتك التي لا تعد وللإنسان الأنواعَ المختلفة لأطعمة لا حد لها في كل مكان على وجه الأرض الضخمة الهائلة.

وإن جريان تلك الأمور بكمال الانتظام والإنعامات والإدارة والإعاشة والإجراءات التي لا حد لها، وإطاعة كل شيء وانقياده وخضوعه -حتى الذرات- لتلك الأوامر والإجراءات لَيَدُل دلالة قاطعة على السعة المطلقة لحاكميتك، وإن صنعَ كل شيء وكل أمر بعلم وبصر لكل ورقة ولكل زهرة ولكل ثمرة ولكل جذر وغصن وفرع من تلك الأشجار والنباتات حسب مراعاة الفوائد والمصالح والحكم ليدل دلالة ظاهرة جدًّا ويشير إشارة بما لا حد له من الأصابع على إحاطة علمك بكل شيء، وشمول حكمتك كل شيء، ويثني ويمدح بألسنته غير 

13. صفحة

المحدودة جمال صنعتك الذي هو في منتهى الكمال، وكمال نعمتك الذي هو في منتهى الجمال.

وإن ما تُقدم لنا بأيدي الأشجار والنباتات في هذه الدار المؤقتة والمَضِيف الفاني، وفي زمن قصير وعمر قليل إلى هذا الحد من أنواع الإحسان والإنعام، والمصروفات القيمة الثمينة إلى هذا الحد، وأنواع الإكرام التي لا مثيل لها ليشير بل يشهد على أن الرحيم القدير الكريم الذي يُقدِّم هنا لضيوفه هذه الأنواع من الرحمة، وهذه المصروفات القيمة الثمينة إلى هذا الحد؛ لا شك ولا بد من أنه قد أعد لعباده الذين سيُخلِّدهم في عالم أبدي وفي مملكة خالدة في جناته الخالدة من خزائن رحمته الأبدية أشجارًا مثمرة، ونباتات مزهرة خالدة تليق بالجنة، حتى لا يحوِّل نتائج التحبيب والتعريف إلى ضدها، أي حتى لا تقول المخلوقات ولا يجعلها تقول: إنه أذاقنا ولكنه أعدمنا قبل أن يسمح لنا بالأكل، ولكي تحول دون سقوط سلطنة ألوهيته، ولكيلا يُنكِر رحمته المطلقة، ولا يجعل الآخرين ينكرونها، ولكيلا يحوِّل جميع أحبته المشتاقين إلى أعداء بحرمانهم من تلك النعم، لأن النعم التي هنا ما هي إلا نماذج معروضة أمام الزبائن.

ثم إن جميع الأشجار والنباتات كما أنها تقدسك وتسبح لك وتحمدك بكلمات جميع أوراقها وأزهارها وثمارها؛ فإن كل كلمة من تلك الكلمات هي الأخرى تقدسك بذاتها، ولا سيما لب الثمار البديعة وصنعتها المختلفة جدًّا ونواتها العجيبة جدًّا، وتسبيحاتها التي هي لسان مقالها من حيث إرسال موائد الطعام البديعة الصنع المتقنة تلك إلى ضيوفه الأحياء بإيداعها في يد الأشجار، ووضعها على رُءوس النباتات، فترتفع إلى منزلة لسان المقال من حيث الظهور.

كل تلك مسخرات في ملكك أنت، وبقوتك وقدرتك أنت، وبإرادتك وإحسانك أنت، وبرحمتك وحكمتك أنت، ومطيعات لكل أوامرك.


14. صفحة

يا صانع يا حكيم، ويا خالق يا رحيم، ويا من اختفى لشدة ظهوره، ويا من تستر واحتجب لكبرياء عظمته، إنني أقدسك عن القصور والعجز والشريك بألسنةِ وبعدد جميع أوراق جميع الأشجار والنباتات وأزهارها وثمارها، وأحمدك وأثني عليك.

يا فاطر يا قدير، يا مدبر يا حكيم يا مربي يا رحيم، لقد فهمت بتعليم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وبدرس القرآن الحكيم وآمنتُ بأنه كما أن النباتات والأشجار تَعرفُك، وتعرِّف صفاتك القدسية وأسماءك الحسنى؛ كذلك فما من فرد من البشر والحيوانات الذين هم القسم ذو الروح من ذوي الحياة، إلا ويشهد على وجوب وجودك، وعلى تحقق صفاتك بأعضاء جسمه الداخلية والخارجية التي تعمل وتُستخدَم بمنتهى النظام كالساعات، وبما في بدنه من آلات وحواس أدرجت وركبت وجمعت بنظام في منتهى الدقة، وبميزان في غاية الحساسية، وبفوائد مهمة جدًّا، وبأجهزته البدنية التي أدرجت وأودعت في جسمه في صُنع في غاية الإبداع وفي فرش في منتهى الحكمة، وفي ميزان في غاية الدقة؛ لأنه لا يمكن للقوة العمياء، والطبيعة التي لا شعور لها، والمصادفة العشواء أن تتدخل البتة في الصنعة اللطيفة الدقيقة التي تتسم بالبصيرة إلى هذا الحد، والحكمة الدقيقة التي تشف عن الشعور، والتوازن التام الذي يتسم بالتدبير، ولا يمكن لهذه الأمور أن تكون من فعلها أبدًا.

أما تشكلها بنفسها فهو محال فيه محالات كثيرة؛ لأن كل ذرة من ذراتها في هذه الحالة ستعلم وترى وتستطيع أن تعمل كل شيء يخصها وكل أمر من أمورها، وتشكل جسدها، بل كل شيء تتعلق به في هذه الدنيا، ويكون لها علم وقدرة محيطان وكأنها إله، ثم بعد ذلك يمكن أن يحال إليها تركيب وتشكيل الجسد، ويقال إنها تتشكل بنفسها.

وما من كيفية في مجموعها من وحدة التدبير ووحدة الإدارة ووحدة النوع ووحدة الجنس، ومن الوحدة في ختم الفطرة المشاهد بالاتفاق في وجوه الجميع 

15. صفحة

من عين وأذن وفم، والاتحاد في ختم الحكمة المشاهد في ملامح وجه كل فرد من أفراد كل نوع، والاشتراك في الإعاشة والإيجاد، ومن تداخل بعضها في بعضها الآخر؛ إلا ويشهد شهادة قاطعة على وحدانيتك، ويشير إلى أحديّتك في الواحديّة بوجود تجلي جميع الأسماء التي تتوجه إلى الكون في كل فرد من أفراده.

ثم إن مائة ألف نوع من الحيوانات المنتشرة على كل وجه الأرض مع الإنسان كما تدل على درجة عظمة الربوبية بتجهيزها وتدريبها وإطاعتها وتسخيرها وكأنها جيش منظم، وبجريان أوامر الربوبية بانتظام في كل شيء ابتداء من أصغره وانتهاء إلى أكبره، وكذلك تدل على درجة عظمة القدرة بخلقها وجعلها مخلوقًا بديعا ذا قيمة مع كثرتها الكاثرة، وبإيجادها في منتهى السرعة مع الإتقان الكامل، وبنشرها في منتهى السهولة مع الإبداع الخارق، فإنها تدل أيضا على السعة المطلقة لرحمتك التي توصل أرزاق كل تلك المخلوقات إليها بدءًا من الجرثومة وانتهاء إلى الكركدان، ومن أصغر ذباب إلى أكبر طير، تلك التي انتشرت من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، ويدل أداء كل واحد منها وظيفته الفطرية كالجندي الممتثل للأوامر، وكونُ سطح الأرض معسكرًا لجيش جُنّد مرة أخرى في كل ربيع بدل الذين سرّحوا في فصل الخريف دلالةً قاطعة على السعة غير المتناهية لحاكميتك.

ثم إنه كما أن صنع كل واحد من الحيوانات الذي هو نسخة صغيرة ومثال مصغر للكون، بعلم عميق جدًّا، وبحكمة دقيقة جدًّا، وبلا خطأ ولا سهو ولا نقص، من غير خلط الأجزاء المختلطة المتداخلة، ومن غير التباس الصور المختلفة المتميزة لجميع الحيوانات؛ يشير بأعدادها إلى إحاطة علمك بكل شيء، وشمول حكمتك لكل شيء؛ فكذلك صنع كل واحد منها يشير بخلقه خلقًا بديعًا متقَنًا -لدرجة أنه أصبح معجزة صنعة وخارقة حكمة- إلى كمال حسن صنعتك الربانية وجمالها الفائق لتلك الصنعة التي تحبها حبًّا شديدًا وتريد أن تعرضها، وكل واحد منها يدل بإشارات لا حد لها على جمال عنايتك اللطيف جدًّا، ولا سيما بتغذية الصغار تغذية لطيفة رقيقة جدًّا، وبإشباع رغبتها وآمالها.


16. صفحة

يا رحمن يا رحيم يا صادق الوعد الأمين ويا مالك يوم الدين، لقد أدركت بتعليم رسولك الأكرم r وبإرشاد قرآنك الحكيم ما يلي:

 بما أن أعظم نتيجة منتخَبة للكون هي الحياة، وأن أعظم خلاصة مختارة للحياة هي الروح، وأن أكثر الأقسام انتخابا من ذوي الروح هم ذوو الشعور، وأن أجمع ذوي الشعور هو الإنسان، وأن الكون قاطبة مسخر للحياة ويسعى من أجلها، وأن ذوي الحياة مسخرون لذوي الروح، ومن أجلهم يرسَلون إلى الدنيا، وأن ذوي الروح مسخرون للإنسان ويساعدونه، وأن الإنسان يحب خالقه بفطرته حبًا صادقًا، وأن خالقه يحبه ويحبب نفسه إليه بكل الوسائل، وأن استعداد الإنسان وأجهزته المعنوية متوجه إلى عالم آخر باق، وإلى حياة أبدية أخرى، وأن قلب الإنسان ومشاعره يريدان البقاء والخلود بكل قوتهما، وأن لسانه يتضرع إلى خالقه بما لا حد له من الأدعية من أجل الخلود؛ فلا شك ولا ريب أنه لا يمكن جرح شعور الناس المحبّين والمحبوبين بعداوة أبدية بإماتتهم إماتة لا بعث بعدها، مع أنهم خُلقوا من أجل محبة أبدية، بل أُرسلوا إلى هذه الدنيا بحكمة من أجل أن يعملوا حتى يفوزوا بحياة سعيدة في عالم أبدي آخر، وتجليات الأسماء التي تتجلى على الإنسان في هذه الحياة الفانية القصيرة تشير إلى تجلياتها الأبدية التي ستتجلى على الناس الذين سيكونون مرايا لها في العالم الباقي.

أجل؛ إن الخليل الصادق للخالد السرمدي الباقي يكون خالدًا سرمديًا باقيًا، ولا بد أن تكون مرآة الباقي ذات الشعور باقية.

وإنه يفهم من الروايات الصحيحة أن أرواح الحيوانات ستبقى خالدة، وأن بعض الأفراد الخاصة من الحيوانات سترحل إلى العالم الباقي بأرواحها وأجسادها مثل هدهد سليمان ونمله، وناقة صالح، وكلب أصحاب الكهف، وأنه سيكون لكل نوع جسد واحد ليستعمله ذلك النوع أحيانًا، فضلا عن أن الحكمة والحقيقة والرحمة والربوبية تقتضي ذلك.


17. صفحة

يا قادر يا قيوم، إن جميع ذوي الحياة وذوي الروح وذوي الشعور قد وُظِّفوا في مملكتك بوظائف فطرية، وسخّروا لأوامر ربوبيتك بقوتك وقدرتك أنت وحدك، وبإرادتك وتدبيرك ورحمتك وحكمتك أنت وحدك، وقسم منها سخر للإنسان من قبل الرحمة ليس عن قوة الإنسان وغلبته بل لضعفه وعجزه فطرة، وكل واحد منها يؤدي عباداته الخاصة به مقدِّسا صانعه ومعبوده عن القصور والشريك، وشاكرا وحامدا له على نعمه بلسان حاله ولسان مقاله.

سبحانك يا من هو الأقدس الذي اختفى لشدة ظهوره، ويا من تستر واحتجب لعظمة كبريائه، إنني أقدسك بتسبيحات جميع ذوي الأرواح، وأنوي وأقول: سُبْحَانَكَ يَا مَنْ جَعَلَ مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.

يا رب العالمين، ويا إله الأولين والآخرين، ويا رب السماوات والأرضين، لقد فهمت بتعليم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وبدرس القرآن الحكيم وآمنت أنه مثلما تعرفك السماء والفضاء والأرض والبر والبحر والشجر والنبات والحيوان بأفرادها وأجزائها وذراتها، وتشهد وتدل على وجودك ووحدانيتك وتشير إليهما؛ فإن الأنبياء والأولياء والأصفياء الذين هم خلاصة الإنسان الذي هو خلاصة ذوي الحياة الذين هم خلاصة الكون يشهدون ويخبرون بوجوب وجودك ووحدانيتك وأحديّتك بمشاهدات قلوبهم وعقولهم -التي هي خلاصتهم- وكشفياتها وإلهاماتها واستخراجاتها إخبارًا قاطعًا بقوة مئات الإجماعات ومئات التواترات، ويثبتون إخباراتهم بمعجزاتهم وكراماتهم وببراهينهم اليقينية.

أجل؛ ما من خاطر غيبي في القلوب يتوجه إلى من يلهم الخواطر وراء حجب الغيب، وما من إلهام صادق يلفت الأنظار إلى من يُلهم، وما من اعتقاد يقيني يكشف صفاتك القدسية وأسماءك الحسنى كشفًا بحق اليقين، وما من قلب نوراني في الأنبياء والأولياء يشاهد أنوار الواجب الوجود بعين اليقين، وما من عقل منور في الأصفياء والصديقين يصدق بعلم اليقين ويثبت آيات وجوب وجود خالق 

18. صفحة

لكل شيء وبراهين وحدانيته؛ إلا ويشهد على وجوب وجودك وصفاتك القدسية، ووحدتك وأحديّتك، وأسمائك الحسنى، ويدل عليها ويشير إليها، ولا سيما ما من معجزة باهرة تصدق إخبار الرسول الأكرم r الذي هو إمام جميع الأنبياء والأولياء والأصفياء والصديقين ورئيسهم وخلاصتهم، وما من حقيقة عالية تدل على أنه حقّ، وما من آية توحيدية قاطعة، وما من مسألة إيمانية قدسية للقرآن المعجز البيان الذي هو خلاصةُ خلاصةِ جميع الكتب المقدسة الحَقّة؛ إلا وتشهد على وجوب وجودك وصفاتك المقدسة، وعلى وحدتك وأحديتك وأسمائك الحسنى وتدل عليها وتشير إليها.

وكما أن جميع هؤلاء المخبرين الصادقين الذين يبلغون مئات الآلاف يشهدون على وجودك ووحدانيتك مستندين إلى معجزاتهم وكراماتهم وحججهم؛ فإنهم يعلنون ويخبرون ويثبتون أيضا بالإجماع والاتفاق مدى عظمة ربوبيتك الجارية ابتداء من إدارة الأمور الكلية للعرش الأعظم المحيط بكل شيء وانتهاء إلى علم أخفى خواطر القلب وآماله ورغباته وأدعيته وأكثرها جزئية، وسمعها وإدارتها، ويعلنون ويخبرون ويثبتون مدى عظمة قدرتك التي تُوجِد ما لا حدَّ له من الأشياء المختلفة أمام أعيننا دفعة واحدة، والتي تخلق أكبر شيء بسهولة خلق أصغر ذباب من دون أن يمنع فعل فعلاً.

وكما أنهم يخبرون عن السعة المطلقة لرحمتك التي جعلت هذا الكون كله قصرًا بديعا لذوي الروح ولا سيما الإنسان، وأعدت الجنة والسعادة الأبدية للجن والإنس، والتي لا تنسى أصغر ذي حياة، والتي تسعى إلى إشباع وتلطيف أعجز قلب، ويثبتونها بمعجزاتهم وحججهم، والذين يخبرون عن السعة غير المتناهية لحاكميتك التي أخضعت لأوامرها وسخرت ووظّفت جميع أنواع المخلوقات بدءًا من الذرّات وانتهاء إلى الكواكب، ويثبتونها؛ فإنهم يشهدون ويدلون بالإجماع والاتفاق على إحاطة علمك بكل شيء ويشيرون إليه، ذلك العلم الذي جعل الكون كتابًا كبيرًا فيه رسائل بعدد أجزائه، والذي سجل وكتب جميع ما سيحدث 

19. صفحة

لجميع الموجودات في "الإمام المبين" و"الكتاب المبين" اللذين هما سجلاّ اللوح المحفوظ، والذي سجل فهارس جميع الأشجار وبرامجها في جميع النوى والبذور، والذي سجل بدقة وإتقان تاريخ حياة ذوي الشعور في القوة الحافظة في رءوسهم بدون خطأ، ويشهدون ويدلون على شمول حكمتك القدسية لكل شيء، ويشيرون إليها، تلك الحكمة التي قلدت كل موجود كثيرًا من الحكم، حتى إنها جعلت كل شجرة تؤتي نتائج بعدد ثمارها، والتي راعت في كل كائن حي مصالح بعدد أعضائه بل بعدد أجزائه وخلاياه، بل حتى زودت لسان الإنسان بموازين صغيرة للتذوق بعدد أذواق الأطعمة، مع أنها وَظَّفت هذا اللسان بوظائف كثيرة، ويشهدون ويدلون كذلك على أن تجليات أسمائك الجلالية والجمالية التي تشاهد نماذجها في هذه الدنيا ستستمر في أبد الآباد أيضًا بأسطع صورة، ويشيرون كذلك إلى استمرار وبقاء إحساناتك المشاهدة نماذجُها في هذا العالم الفاني استمرارًا بصورة أكثر بهاء وعظمة في دار السعادة، وإلى مرافقة المشتاقين الذين شاهدوها في هذه الدنيا ومصاحبتهم لها في عالم الأبد كذلك.

ثم إن جميع الأنبياء الذين هم أصحاب الأرواح النيرة، والأولياء الذين هم أقطاب القلوب النورانية، والأصفياء الذين هم أرباب العقول المنورة -وعلى رأسهم الرسول الأكرم r مستندًا إلى مئات من معجزاته الباهرة، والقرآن الحكيم مستندًا إلى مئات من آياته الجازمة- يبشرون بالسعادة الأبدية للجن والإنس مستندين إلى وعدك ووعيدك الذي كررته كثيرًا في جميع الصحف والكتب المقدسة، ومعتمدين على صفاتك وشئونك المقدسة كالقدرة والرحمة والعناية والحكمة والجلال والجمال، وعلى عزَّتك وجلالك وسلطنة ربوبيتك، يبشرونهم بكشفياتهم ومشاهداتهم واعتقادهم بعلم اليقين، ويخبرون ويعلنون عن وجود جهنم لأهل الضلالة، يؤمنون بهذا كله ويشهدون عليه.

يا قادر يا حكيم، ويا رحمن يا رحيم، ويا صادق الوعد الكريم، ويا قهار يا ذا الجلال ويا ذا العزة والعظمة والجلال، إنك مقدس كل التقديس ومنزه 

20. صفحة

ومتعال تنزها وعلوًّا كبيرًا عن تكذيب هذا الكم من أوليائك الصادقين ووعودك وصفاتك وشئونك المقدسة، وعن ردّ ما تقتضيه قطعًا سلطنةُ ربوبيتك، وردّ ما لا حد له من أدعية ودعوات ما لا حد لهم من عبادك البررة الصالحين المقبولين الذين تحبهم وهم يحببون أنفسهم إليك بتصديقك وطاعتك، وعن تصديق أهل الضلالة وأهل الكفر -في إنكارهم الحشر- الذين يتعرضون لعظمة كبريائك، ويتعرضون لعزتك وجلالك، يتعرضون لهيبة وعظمة وعزة ألوهيتك، يتعرضون لشفقة ربوبيتك بكفرهم وعصيانهم وتكذيبهم إياك في وعدك، إنني أقدس عدالتك وجمالك ورحمتك المطلقة عن مثل هذا الظلم والقبح المطلقين، وأريد أن أتلوَ الآية ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 43) بعدد جميع ذرات جسمي.

بل إن رسلك الصادقين وأنبياءك الذين هم دعاة سلطنتك الصادقين يشهدون بحق اليقين وعين اليقين وبعلم اليقين على وجود خزائن رحمتك الأخروية، وعلى كنوز إحساناتك في عالم البقاء، وعلى التجليات الجميلة البديعة لأسمائك الحسنى التي تتجلى تجليا تاما في دار السعادة، يشهدون عليها ويشيرون إليها ويبشرون بها، ويؤمنون بأن أعظم شعاع لاسم الحقّ الذي هو مرجع جميع الحقائق وشمسها وحاميها هو حقيقة الحشر الأكبر هذه، ويدرّسونه لعبادك.

يا رب الأنبياء والصديقين، إن هؤلاء جميعًا مسخرون وموظفون في ملكك أنت، بأمرك وقدرتك أنت، وإرادتك وتدبيرك أنت، وعلمك وحكمتك أنت، وقد أظهروا بالتقديس والتكبير والتحميد والتهليل الكرةَ الأرضية كأعظم محل للذكر، وهذا الكونَ كمسجد كبير.


21. صفحة

يَاربي، وَيَا رَبَّ السَّماواتِ والأرضين، يَا خَالِقي، وَيا خَالِقَ كل شئ،

بحقِّ قدرتك وإرادتك وحكمتك وحاكميتك ورحمتك التي سخَّرَت السّمَوات بنجومها، والأرضَ بما اشتملت عليها، وجميع المخلوقات بجميع كيفياتها؛ سَخّر لي نفسي، وسخّر لي مطلوبي، وسخّر قلوب الناس لـرسائل النور، من أجل خدمة القرآن والإيمان، وهب لي ولإخواني الإيمان الكامل وحسن الخاتمة.

وكما سخرت البحر لموسى عليه السّلام، والنار لإبراهيم عليه السلام، والجبَالَ والحديد لداوُد عليه السلام، والإنس والجنّ لسليمان عليه السلام، وسخرت الشّمس والقمر لمحمدٍ r؛ فسخّر القلوب والعقول لـرسائل النور.

واحفظني واحفظ تلاميذ رسائل النور من شرّ النفس والشيطان ومن عذاب القبر ومن نار جهنم، وأسعدنا في جنات الفردوس، آمين، آمين، آمين.

﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ

﴿وَآخِرُ دَعوَاهُم أنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ

إن هذا الدرس الذي تلقيته من القرآن الكريم ومن الجوشن الكبير الذي هو مناجاة نبوية، أقدمه لبابك يا ربي الرحيم كعبادة فكرية، فإن كنت قد قصرت في هذا، فأرجو من رحمتك العفو عني مستشفعًا بالقرآن الكريم والجوشن الكبير.

سعید النورسي