تقريظات

412. صفحة

باسمه سبحانه

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)

قصيدة لحسن فيضي عن رسائل النور

لما كانت رسائل النور التي هي مرآةٌ لذلكم الرحمة للعالمين، وتفسيرٌ حقيقي للحقيقة القرآنية في هذا العصر من حيث الوراثة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام ومن حيث المعنى الإشاري؛ تجليًا من تجليات تلك الرحمة الكلية ونموذجًا لها، فإني لم أمسّ هذه القصيدة المشرقة الساطعة بدافع أن بعضًا من صفات الحقيقة المحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- يمكن منحها بالمعنى المجازي لوارثٍ جزئي لها، إلا أنه قد أضيفت بعض الكلمات إشارةً إلى الفرق بين الحقيقة المحمدية وبين مرآتها.

العالم يجد الطمأنينة بك اليوم

يا رحمة للعالم في هذا العصر، يا رسائلَ النور

والعالم يجد السرور بك اليوم

يا رحمةً للعالم في هذا العصر، يا رسائل النور


بئيسة تلك القلوب المريضة منذ أمد بعيد

فإن كان عندك دواء من لقمان الحكيم

فتعالي وقدمي الشفاء أيتها المحبوبة العظيمة

يا تجلي رحمة للعالمين، يا رسائل النور

ألا من نهاية لهذه القصة الطويلة

ألا تنقضي هموم هذا الليل النادب الحزين

كم ازداد عويلنا! وكم نفد صبرنا

يا تجلي رحمة للعالمين، يا رسائل النور

لقد نزل فخر العالم على هذه الأرض

وجاء سلطانًا للأولياء راكبًا الدلدل

وسُمّي ذو فقاره بعد اليوم بالنور

يا رحمة للعالمين في هذا الزمان، يا رسائل النور


طريقنا هو هذا الطريق النوراني

وكلنا أصبحنا عبيدًا لهذا النور

فيا سعد من يسلك طريق النور

يا مثال رحمة للعالمين، يا رسائل النور

413. صفحة

ينبع النور في جبال نورس النورانية

تغرد البلابل في حدائقها وجنانها

وليتنا نكون غبارًا في أقدامه الطاهرة

يا تجلي رحمة للعالمين يا رسائل النور

دواء للأدواء أنت، محبوبة القلوب أنت

جامعة للأسماء الحسنى والقرآن أنت

ونعمة علينا من نور الحق وإحسان أنت

يا رحمة للعالمين يا رسائل النور

لست مادة، بل أنت لبّ في هذا العالم

وعين باصرة تنظر من خلال كل ذرة

ووجه مشرق يبهر الكون ويحيره

يا مثال رحمة للعالمين يا رسائل النور

أنت منبع العسل والسكر

أنت بحر كل العلوم والمعارف

ولم يأت العالم مثيل لهذا الأثر

يا مرآة رحمة للعالمين يا رسائل النور

أنت أسمى من الأقمار والشموس

وخالدة كاملة ليست لك نهاية

فليظهر نور جمالك شارقًا باهرًا

يا مَظهَر رحمة للعالمين يا رسائل النور

كنا نصيح بمرارة خافضين رقابنا

وكنا نمسح من عيوننا دموع الدم

وكنا نسأل الحقّ أن نراك

يا مثال رحمة للعالمين يا رسائل النور

أنت في هذا العصر تجلّي رحمة للعالمين

وأنت الآن وارثُ شفيع المذنبين

أنت دعاء "أغثنا يا غياث المستغيثين

يا شعلةَ رحمة للعالمين يا رسائل النور

لتُشفى جروحنا قليلا الآن

ولتكن بضاعتنا رائجةً رابحة

انثري أنوارك ليصبح سوادنا بياضًا

يا ضياء رحمة للعالمين يا رسائل النور

نحترق في تنور نار ذنوبنا

ونصرخ ونولول من شدة الداء

اسمحي لنا نحن عشاقك أبدًا دائمًا

يا نور رحمة للعالمين يا رسائل النور


لا ميل لنا إلى دنيا كاذبة خادعة

ونحن قضينا على البدع والرياء

ولا ننخدع بالأحلام الوردية

يا حقيقة رحمة للعالمين يا رسائل النور

414. صفحة

لا نحلم بتأسيس عصابة

ولا شغف لنا في مسلك طريق آخر

لسنا إلا عشاق النور ومجاذيب النور

يا رحمة للمهمومين في العالم يا رسائل النور


قد سبقنا الدراويش في الطرق

وطرحنا مثل هذا التشويش من قلوبنا

حسبنا شمس هذا النور المشرق

يا معكس رحمة للعالمين يا رسائل النور

تجاوزنا كل مدح وثناء

وأعرضنا عن الثروات والغنى

نسأل النور قبل الرحيل من هذا الفناء

يا رحمة للعالمين في هذا العصر يا رسائل النور

منذ أن شربنا من يد النور

حوَّلْنا العذاب إلى العذوبة

وتحولنا نحن إلى تراب المحبوب

يا رحمة للعالمين يا رسائل النور

صراخ العشاق الصاعد إلى العرش

يُبكي الأجدادَ ذوي الأرواح الطاهرة

فأغيثينا ناشدناك بالله

يا رحمة للعالمين وللمحتاجين يا رسائل النور

أطلقت السماء البلايا، وأخرجت الأرض الرزايا

والعويل المرّ والأنين قد هزّ الآفاق

فارحمي العالم يا نور المولى

يا تجلي رحمة للعالمين يا رسائل النور

هنا سيول تجري وهناك دماء تسيل

ونار هذه البلايا تحرق العالمين

وهؤلاء البشر الباكون يرمقونك

يا مثال رحمة للعالمين يا رسائل النور

وهذه الدنيا أحيطت بالنار

والبحر يغلي غليان الجحيم

الغوث الغوث يا سيد الأولياء

يا رحمة للعالمين في هذا الزمان يا رسائل النور

نورك يطفئ كل حريق

ونورك يحول كل مكان إلى حديقة الورود

ويَقتل الدجال يومًا لاشك

يا نور الرحمة في العالم يا رسائل النور

تصولين وتجولين على الزندقة والكفر

كشفت الغموم عن القلوب

وغمستنا في بحر النور

يا رحمة للمساكين في العالم يا رسائل النور

415. صفحة

لا يقدر أحد أن يرفع يده في وجهك

وكلنا نعلق عليك الآمال

فأنت الرجاء للعوالم والأمل

يا ضياء الرحمة في العالم يا رسائل النور

لا تؤسسين جيشًا بالجنود والعتاد

ولا تحاربين بالقنابل والخناجر

فضمي إليك هذا العصر بنورك

يا رحمة للعالم الآن يا رسائل النور

فلينته هذا الطوفان المرعب المفزع

وليُفتح عهدٌ سعيد مشرق

ولتحتفل الثمانية عشر ألف عالم بالعيد

يا رحمة لأهل القرآن في العالم يا رسائل النور


تجابهنا ظلمة وتتحدانا

ولكن أنت الرحمة للعالم اليوم

ستغمرينها بنورك لاشك

يا رحمة للعالم يا رسائل النور

لا يدخلن التنين الأحمر عشنا

ولا تصل يده السامّة إلى تلابيبنا

فليصده نورك ولا يتركنه

يا سيف الرحمة للعالم يا رسائل النور

ولينقشع الدخان الأسود من فوقنا

ولينطفئ اللهيب الأحمر وليُفِق العالم

وليُذكَر انتصارُك إلى يوم المحشر

يا ذا الفقار يا رحمة للعالمين يا رسائل النور

من تلك الأرومة الذين يفجعون الأرواح

ومن ذلك الأصل الذين يهدمون البيوت والمساكن

ومن ذلك النسب الذين ينظرون إليك نظرة حقد

يا حجة رحمة للعالمين يا رسائل النور

هم الذين يمصون دماء المظلومين

ويسبقون أمثال أبي جهل والنماردة

ويختارون أية موتة يموتونها

يا رحمة للعالم الآن يا رسائل النور

جرثومة تقضم الأكباد

وتتغذى بدمائنا

وتلوث الوطن الطاهر وتوسخه

يا صيدلية رحمة للعالمين يا رسائل النور

معسكر المجاهدين والفاتحين

ومخيم السادة والقادة

مرقد الشهداء هذا الوطن

يا تجلي رحمة للعالمين يا رسائل النور

416. صفحة

لقد احمر كفن ذلك الشهيد

وجثته كالورد يفوح منها المسك

وتقبّل الملائكة نعشه النوراني

يا نموذج رحمة للعالمين يا رسائل النور

يقول القرآن إنهم لم يموتوا

وكل واحد منهم أسد الله

تهز الأفئدةَ مراقدُهم

يا مرآة رحمة للعالمين يا رسائل النور

أنت هدية للأمة وعطية

ولن نسقط في الذل ولو ليومٍ واحد

خذينا إلى الدولة المجيدة العظيمة

يا مثال رحمة للعالمين يا رسائل النور

فليصولوا وليجولوا بنورك دومًا

ولتنل المجدَ بالانتصارات هذه الأمةُ

ولترسل الضياء غربًا وشرقًا هذه الدولة

يا رحمة لنا في العالم يا رسائل النور

لك جناحان من النور وساعدان قويان

ولك طريق نور يؤدي إلى الحق

ولتقبلي عبدك التافه هذا"فيضي"

يا رحمة للعالم في هذا العصر، يا رسائل النور



يا سيدي العزيز، يا أستاذي

لقد كتبت بهذه الصورة ذرةً من النور الذي اقتبسته بفضل نورك من أنوار

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وعرضتها على مقام حضرتك المبجلة، وأرجو قبولها، وأقدم تحياتي، وأقبل يديك الطيبتين المباركتين يا سيدنا.

تلميذك العاجز حسن فيضي

(رحمة الله عليه أبدًا دائمًا)


لقد نَظَمَ حسن فيضي درس الحقيقة الذي تلقاه من رسائل النور مشيرا إليها، وأرجو إلحاقه بكتاب الملاحق

سعيد النورسي


417. صفحة

أحسن القراءة! فكل ذرة فيها معنى جياش

ففي هذا المعنى لأهل الهمة باعث على الإنعاش

لإدخال النور في بيت القلب المغموم

 فانظر هناك جلاءً فوق كل جلاء

إذا تناولتَهُ بِرَوِيّةٍ وتَعَمُّقٍ

وجدت فيه للأرواح الضعيفة أغذية كالجبال

إن كنت طالبا لرأسمالٍ وثروةٍ لا تنفد

فافتح عينيك وانظر إلى الأنوار[1] ففيها غناك كالطوفان

وفي كل نفَسِ رحمةُ ربنا ونداء منه لنا

بأن اعرفني يا عبدي وسر وتقدم

إذا كنت سامعا لهذا النداء من لسان كل ذرة

فأبشر فلك سعادة تسمى الجنة

لا تنظر إلى البعيد بل انظر إلى الأنوار وسر فالعالم مرآته

ألا ترى في كل وجه منه ضياء بنفس اللون

تتجلى شمس في كل ذرة وتسطع فيها

ألا تعلم فيك صفة من تلك الصفة

وسر رافعا يديك واستقِ اليوم نورا من رسائل النور وارتوِ منه ارتواء

ففي كل ذرة تتبع العشق وترتوي من النور نجاة

ليس من المهارة جعل الصديق عدوا والحبيب غريبا

فاجعل الغريب صديقا، فلا وفاء إلا من الصديق

[1]   يقصد رسائل النور.




418. صفحة

إنما المهارة أن تجعل الورقة أطلسا والتراب ألماسا

فانظر فلا للورقة ولا للتراب بقاء

لا تحول البحر إلى قطرات بقصر نظرك

ففي كل قطرةٍ بحرٌ خفي في الحقيقة

أنت أصلك قطرة ولكنك تتجاوز الجبال

وتكشف السماوات، فمنك أيها النور هذا الذكاء

فاجعل الذرة عالَما وكن لهذا العالم سيدا

ففي كل ذرة منك بقدر الشمس ذكاءُ

كل ذرة كعبتها قلبها

وتأمل فكل واحدة منها الرحمن

فاحذر يا فيضي أن تحول نظرك عن وجه الحق

فالحقائق التي ترى الحق لها بقدر حقها عطاءُ

بطل دنيزلي المرحوم

حسن فيضي رحمة الله عليه


419. صفحة

باسمه سبحانه

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

رثاء الإمام النورسي

السلام عليكم ورحمة الله

رثاء كتبه حسن فيضي باسم تلاميذ رسائل النور الخواص في دنيزلي وسجنها ومن حواليها منهم بمناسبة وصية شيخه ومرضه الشديد نتيجة التسمم، وقد بكى قلمه وكأنه سمع خبر وفاته، وأرجو إلحاقه بكتاب الملاحق.

سعيد النورسي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد علم الله

"فداك أبي وأمي ونفسي يا شيخي"

منذ بضعة أيام بلغتنا أخبار سوداء موجعة تزيد آلامنا سما وتطعن أكبادنا بالأسياخ والخناجر وتحول دموعنا إلى أنهار حمراء، هل يتعرض القمر المبارك الذي كنا نبحث عن دواء لأدوائنا تحت ضوئه للخسوف في النهاية؟ وهل يرحل عنا شيخنا الذي نور بنوره هذا الوطن وأضاءه وألا يرجع مرة أخرى ويختفي عنا؟ واخليلاه!

هل الوصية التي أمرت بنشرها وتعميمها إشارةٌ لليأس والمأتم تخبر عن مثل هذا الخبر الأسود حقا؟ أم هي بشارة نجاة للمسلمين الذين لا حامي لهم والذين يبكون ويئنون في الأرض منذ سنوات؟ أرسل إلينا خبرا فإن كان بشارةً مثل هذه أمسكنا عن الدموع التي نسكبها منذ سنوات، وعرفنا وتعلمنا الفرح والابتسامة قليلا، فهل هذا يمنحنا عيدا يؤيد توقعاتنا ويقويها أم يورثنا يأسا يفجر الدموع ويجعلها بحرا معاذ الله؟ فهل هي وصية أم تهنئة؟ أم كتبت رثاءك بنفسك يا شيخي قائلا: "إنني محروم من الولد والأسرة، وربما لا يندبني أحد ولا يكتب رثاء لي".


420. صفحة

يا شيخي لك أسرة كبيرة يتجاوز عدد أفرادها مئات الآلاف، فهم مستعدون ليضحوا بحياتهم من أجلك إن أردت، ويندبك ثلاثمائة وخمسون مليونا ويبكون عليك، بل يبكي عليك الأقمار والشموس، ويقرأ عليك الملائكة قصائد الرثاء ويكتبون، وتبكي عليك يا شيخي الليالي والأيام التي تذكر معك "لا إله إلا الله" دائما، فأي ميت له الملايين من النادبين والقارئين لقصائد الرثاء وأفراد أسرة كهذه حتى الآن ؟

إنك ترحل إلى الرفيق الأعلى وقد أهديتنا ميراثا لا يتركه السلاطين ولا الملوك، وكنزا نفيسا عظيما جدا، أي رسائل النور التي لن تموت، ليَرْضَ الله عنك دائما يا شيخي.

 فهل سنزيل غمومنا برسائل النور ونحيل إليها جميع مشكلاتنا ونجد بها العزاء ليل نهار بعد هذا؟ وهل تريد أن تبين أن موتك خير لنا مثلما كانت حياتك خيرا ومنورا لنا بقولك "حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ"، فربما لا تريد أن تقبل كتاباتي هذه لأنها تخصك أنت، ولكن أرجو أن تقبلها؛ لأنني لا أمدحك ولا أثني عليك، بل أحيل مدحك ووصفك إلى القرآن دائما، فليست لي تلك اللغة ولا تلك القدرة والمهارة أصلا، ولا أكتب إلا قطرة واحدة مما بعثتْها إلينا حادثة الموت والرحيل من الآلام وما أمطرتْها علينا من الأحزان، وقد سميناك حتى الآن الغوث، والـمنْجي، والقطب، فلم تقبل أي واحد منها، وسميناك الولي، والحضرة فلم تلتفت إليها أبدا، بل أردت دائما أن تنسى اسمك وصورتك ولقبك ومجدك وتنسيه، وأهنت نفسك وازدريتها، وأصبحت آخر أبي تراب، وتلك الخطبة الأزلية تمدحك وتصفك بأنك خادمٌ للقرآن فكيف نمدحك نحن العاجزون، ونعرّفك ونصفك ؟ بما أن القرآن وصفك بـ "سعيد" فأنت سعيد بلاشك، وأنت سعيد اسما وحقيقة، وبما أن القرآن وصفك "صعيدا" فلاشك أن ظاهرك وباطنك نقي طاهر، وبما أن قصيدة الجلجلوتية وصفتك "بديعا"، فهل هناك مدح أجمل وأعلى وأزكى من هذا؟ وأنت قائد الهداية في هذا العصر أتيت متسما بمثل هذه الأوسمة

421. صفحة

والمكارم، أما نحن فلم نعرف قدرك وقيمتك، ولكن العصور الآتية ستقدر قدرك وشأنك العظيم وهي التي ستكتب مناقبك الحقيقية ورثاءك، آه، ليتني كنت بين يديك وعندك أخدمك في هذه اللحظات التي تلفظ فيها أنفاسك المعدودة، وأسمع كلامك الأخير ووصيتك الأخيرة، وأقدم في فمك المبارك الذي جف من الحرارة فنجانا من الشاي الساخن وقطرات من الماء، وأمسك بيديّ ذراعيك المباركتين اللتين تتألمان وأدلكهما.

يا شيخي إنك ترحل إلى الخلود وإلى الرفيق الأعلى وإلى الله وقد أتممت تأليف رسائل النور ووفرت ونظمت أسباب انتشارها وتركتها لتلاميذك نحن العاجزين، فلا تنسنا إذا فاضت روحك إلى عالم الأرواح! وأبلغ سلامنا لأخينا الكبير وهو الشهيد الموقر العزيز الحافظ عليّ ولجميع الإخوة والآباء والأجداد ولأرواح الأولياء، واشفع لنا في حالة النزع والبرزخ ويوم الجزاء والمحكمة الكبرى.

آه، هل ينال هؤلاء المتآمرون مرادهم ؟! فهل يحرم علينا وجهك الجميل؟ آه، ما كنا نريد أن نرى يوما أسود كهذا يبكي فيه الأحباب ويفرح فيه الأعداء، بل كنا ننتظر النجاة ونبحث عنها دائما، ألهم العيد ولنا المأتم ؟! ماذا نقول للأصدقاء ولمن يسألوننا عنك؟ ألا نستطيع أن نراك بعد هذا بأعيننا هذه في هذه الدنيا، فهل انقلب اللقاء إلى حنين؟ فإن كان كذلك فلتظهر لنا في الرؤيا إذن، وسامحنا، وابعث فينا العزاء في عالم الخيال والمنام.

لقد كنا نرجو إطلاق سراحك وحريتك، ولكن ليس بتذكرة الموت هكذا؟ أم فكرت أن طير الروح الذي طار من قفص الجسم سيكون أكثر سعادة وأكثر حرية وأن سيف الروح الذي ينسل من غمد البدن سيكون أصقل وأحدّ وأنه سيكون أرأف وأرحم بنا وخير منقذ لنا ومن ثم تمنيت الموت يا شيخي؟! لأنك رضيت من قبل بإرسال الحافظ علي بدلا منك وفعلت ذلك، ولكنك لا تقبل هذه المرة

422. صفحة

أي بدل ولا تقبل أي فداء، فترفض عرض حبيب مثل خسرو بأن يموت بدلا عنك، فهل الرحيل والانتقال مؤكد إذن يا شيخي؟!

فهل يخيم على رءوسنا المسكينة نموذج لذلك الحال الصعب الذي أبكى سيدنا عليا رضي الله عنه وأذهل سيدنا عمر رضي الله عنه وأحزن أهل البيت وأظلم المدينة المنورة ؟! أليس الوقت غير مناسب!؟ وأليس ذلك مبكرا يا شيخي؟! إنني أرتجف بأن رسالتي هذه هل ستكون آخر رسالة أكتبها إليك؟! فمع أنك تقول "لا حاجة إلى مراسلة وإلى شخص ولا إلى كلام، لا بعد ولا قرب لنا، فلو أن أحدنا في الشرق والآخر في الغرب أو في القبر فإننا يمكن أن نلتقي متى ما أردنا"، نعم هذا صحيح ونصدق ذلك، ولكن ماذا سيفعل العميان وحديثو العهد مثلي يا شيخي؟

هل هذه حقيقة ما كتبته قبل ثلاثين سنة في اللوامع "وأصبح الثمانون شاهدَ القبر وكلها تبكي[1] معًا لضياع الإسلام"، فهل كانت تتجلى على هذا النحو؟ وهل كان هذا وقت بلوغ روحك العزيزة إلى المحبوب وورود الجمال؟ هل كان خلاصك ونجاتك مما تعاني منه من المحن منذ خمس وعشرين سنة سيحدث بالموت والفراق هكذا؟ وهل كانت راحة قلبك المبارك الذي عانى المرارة وتحمل الأوجاع وشرب السموم ستكون رقادا في التراب الأسود؟ كم هو موجعٌ موتك وحيدا في منطقة نائية دون أن يكون أحدنا حاضرا عندك ودون أن نراك بأعيننا! وكم هو محزن! وكم هو أليم يا شيخي أن نسمع ذات يوم فجأة صوتا يقول "آه، مات شيخنا" أو استلام رسالة من بضعة أسطر تخبرنا بموتك، أو الاستيقاظ على نعيك بالقلق والانهيار بعد رؤيتك في المنام !

إننا رأينا وصيتك المباركة وقرأناها وأنه وردت أخبار مخيفة ومقلقة ولكننا لا نصدق أن وقوع الرحيل والموت سيحدث قريبا، بل إننا نؤوله ونفسره بالخير بأن ذلك علامة النجاة من الأذى والتعذيب والأسر وبدء حياة جديدة.


[1]   انظر كتاب الكلمات للإمام النورسي ص 464.




423. صفحة

أجل؛ بما أن الآية ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ موجودة، فنحن نعلم أنك ستموت يوما، ولكن ليس وحيدا غريبا مسموما مغموما تحت التعذيب وفي وقت غير مناسب هكذا، ألن تفرح أبدا هذه القلوب التي عانت ألم الفراق والتي كانت تبحث عنك في المنافي وفي المناطق النائية طوال خمس وعشرين سنة؟ ألن يراك أبدا هؤلاء المهمومون والمساكين واليتامى بأعينهم في حرية ولو لبضع سنوات بل سنة واحدة؟ فهذه الأرض التي سمحت للأفاعي والعقارب السامة بل للكفار الهمجيين أن يعيشوا بحرية حرام عليك أنت وحدك؟ وهل مياه الأنهار والجداول العذبة الباردة المباحة والحلال لكل ذي روح والتي تجري وتنبع منذ خلق الأرض، والحدائق والبساتين والجنان وأزهارها وثمارها المتنوعة ممنوعة عليك أنت وحدك؟! ولا يمكن إصلاح ومداواة أكبادنا المثقوبة مئاتٍ من مواضعها بسبب المعاناة وليس كبدك أنت فحسب، فلقد كنا على ثقة واعتقاد أن دموع البشر الذين يبكون دائما ستسكن بك، أي برسائل النور، وأن القلوب التي تتألم وتئن ستجد السلوان برسائل النور التي أنت خادم لها، فأين ندفنك إذا وقع أمر الله الحق، أفي جوار مولانا جلال الدين رحمه الله في قونيا ؟ أم في جوار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه؟ أم في مقبرة المعلاة أم في البقيع؟ أخبرنا صراحة؟!

كلا شيخي، تعال ندفنك في قلوبنا باسم مؤلف رسائل النور، فنراك ونلتقي هناك دائما، ونحبك ونتحابب ونتحاور، أم أنك تركت هذا الوجه إلى الحديث الشريف "مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ[1]" فلم تبينه ولم تصرح به في وصيتك؟ فإن كان كذلك فإنه يتبين من هذا اختيارُك وانتخابك أميرداغ[2].

 آه، من أميرداغ، لم نستطع أن نفهم ما هو هذا الجبل، ولم نستطع أن نحل الأسرار التي فيه حتى الآن، فهذا الجبل في الحقيقة "جبل الأمير" أم "جبل الأسر"؟

[1]   رواه الترمذي باب ما جاء في دفن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 1018.


[2]   أمير داغ بلدة تابعة لمحافظة أفيون غربي تركيا، ومعنى داغ هو الجبل.




424. صفحة

لقد أصبح هذا الجبل كَيًّا لنا، فالكي الذي كواك به هذا الجبل كوانا نحن، وكوانا مكواه، وأحرقنا كيه وألهبنا، وهذا الجبل ضرب آلاف الكي فوق كينا، وأحرقنا بحزن وألم، آه، لقد قصد هذا الجبل ترك مئات الآلاف من إخواني أيتاما، وكوانا ونحن أحياء، وباختصار دمّرك هذا الجبل وأحرقنا نحن يا شيخي.

يا شيخي، يجب أن نسمي هذا الجبل جبل المص[1]، أو جبل الأجل، ونطلق على هذا الجبل الذي ينزعك من بيننا ويمصك ويجذبك إليه جبل المصّ.

يا شيخنا الذي يُبعث من جديد بالنفس الرحماني ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ....﴾ (الأنعام:122)، هل يصدقنا الناس إن قلنا مات سعيد، فهل يموت سعيد أصلا؟ أليس الذي يموت شقي وحيوان؟ بل الموت كما قلت تبديل مكان وفراق مؤقت، ولكنه موجع جدا لنا.

يا سيدنا ويا شيخنا إننا نسكب الدموع ونبكي قائلين: وا أسفاه وا كربتاه، كمثل أمنا السيدة فاطمة الزهراء التي بكت قائلة: واأبتاه، ونقول أيضًا كما قالت: "صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبُ لَوْ أَنَّهَا صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ صِرْنَ لَيَالِيَا[2]".

آه يا شيخنا الكريم، كم من المصائب خيمت علينا وصبت، لو أنها صبت على هذه الأيام المشمسة اللطيفة ونزلت لاسودت الأيام وصارت ليالي، فإن بقي شيء يمكن أن نقوم به فهو أن نبكي ونبكي دائما قائلين: "لقد رحل شيخكم الذي شرب السموم وعانى الهموم إلى الخلود، وداعا لكم يا إخواني وأصدقائي الذين يحنون إليه"!

يا شيخي إنك لم تذق ملذات الدنيا، ولم تمد يديك في حياتك إلى زهرة الحياة ولو مرة واحدة، ولم تنم على أسرة دافئة مريحة ولو لساعة واحدة، وفي

[1]   يقصد أنه يمص عمرك ويذيبك.


[2]   البيت جزء من قصيدة قالتها السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دفنه، حيث وقفت على قبره وأنشأتها رضي الله عنها.




425. صفحة

النهاية تترك ذلك وترحل! كيف نصدق بهذا الموت دون حَجّة الوداع؟ وكيف نطيق فراقا دون خطبة الوداع؟

يا درّة من النور لفخر العالم عليه الصلاة والسلام، ويا مُنْجِي أهل الإسلام، نقدم لك ألف بدل هذه المرة وليس بدلا واحدا، حتى يتأجل هذا الرحيل والفراق والهجرة بضع سنوات، فنبلغ أرض الحجاز معا، ونمسح وجوهنا بالكعبة، فتصعد بنا إلى عرفات، ثم تنطق كلماتك الأخيرة لجميع المسلمين وجميع العشاق وجميع القلوب الحزينة القادمة من الهند واليمن والعراق وأفغانستان ومن كل أنحاء العالم والمجتمعة في تلك البقاع المباركة والمقدسة، وتكرر لنا "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ" و"فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ" ومن هناك تفيض روحك إلى عالم الغيب والأرواح، ونأخذ جسدك الطاهر المبارك إلى الحرم الشريف ونغسله بماء زمزم، ونغتسل نحن بدموعنا التي تسيل بلا توقف ونتطهر، ونلف جسدك المبارك عدة مرات بالكفن المصنوع من رسائل النور ونطيبه بالمسك والعنبر، ثم نضعه في التابوت المصنوع خصيصا من شجرة العود، ونقبل يديك للمرة الأخيرة، ونغطيك بكسوة الكعبة المعظمة السوداء، ونحملك إلى الحجر الأسود، فتؤمّ روحُك العزيزةُ مئاتِ الآلاف من أهل الإيمان وملائكة الأرض والسماء الذين اجتمعوا في ساحة الكعبة واصطفوا كالدوائر فنصلي صلاة جنازتك، ونجيب جميعا على سؤال: كيف تعرفونه!؟" الذي يسمع من العرش ومن هاتف غيبي:

هذا درة من النور لفخر العالم صلى الله عليه وسلم

هذا المنقذ الكبير لأهل الإسلام

نقول معا كما قال في شأنه القرآن المجيد

﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ

ونحملك فوق رءوسنا وأصابعنا وننطلق من هناك حفاة حاسرين بأصوات التكبير والتهليل وبأصوات مأتم وندب يُصدرها الملائكة تهتز لها أرض الحجاز

426. صفحة

وترتجف، ونصل إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم والروضة المطهرة، ونقول: "الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ"، ونقدمك لفخر العالم صلى الله عليه وسلم ونقول: ها هي أمانتك يا رسول الله، وها هو بطل رسائل النور، وها هو شيخنا المبارك المذكور في قرآنك "سعيد" وفي حديثك "سيد"، وتسحب يدا محبوبنا محمد صلى الله عليه وسلم النورانيتان اللتان تمتدان من وراء الحجب الخضراء النورانية تابوتك إليه وإلى قبره الشريف، وفي أثناء ذلك نطلق نحن صيحة "الله" ويغشى علينا دون أن نفيق ونسقط في الروضة المطهرة، ونكون ﴿ إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾، ونسلم أرواحنا للمحبوب ونبلغ سرّ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.

كنت أنشدتك سيدي قصيدة الفراق من هنا

سينسحب نور الهداية وسيكون سجن مرة أخرى

سيكون فراق وحنين وخسران تارة أخرى

فاسكبي يا عيني دما لا دموعا وابكي

فقلبي المليء بالفراق سيمتلئ بالفراق مرة أخرى

ولا تخبرنَّ المجنون[1] أن هناك رحيلا

فسترى حينها مأتمًا وصراخًا وعويلاً

ربما وردة التوحيد المتفتحة ذبلت واصفرت

وكعبةُ العلم ستغلق وتكون خراباً

علمت أن الحبيب سيكون غدا غريبا

فما أعظم الجرح ومن سيكون له دواء!؟

فَلِمَنْ أشكو هذا الهم الأليم الكبير

من يسمع أنيني سيئن مثلي دائما





427. صفحة

إذا سحبت أنوارك الباعثة للشفاء

فمن سيمدني بالنور ومن سيكون لي لقمانًا

نفَسك الطاهر ماء باعث للحياة لهذه الصحراء

لا تبعده، فكل فرد منه سيرتوي رَيَّان

فمن أصابه نورك الشريف

ولو كان ذرة صغيرة سيصبح قمرا منيرا

فكلما أقبّل اليد الكريمة المحسنة هذه:

سيفرح قلبي الصغير الحزين مرة أخرى

لا أطيق عن باب فيضك بعدًا

كما نذرت فروحي لك الفداء[1]

فلو نظرك بالغ رأس الغريب أيا نور الله

فسيصبح العبد الحقير اليوم بحرا

فمهما حجبتْ وجهك هذه العناصرُ

فأنت على الحق بشهادة القرآن

من قاب قوسين تلقيت دروسي وعيانا علمت

وسيكون هذا النور الجميل البديع سلطانا

فحذار أن تفاتح العاجز فيضي

فسيكون متيّما تارة أخرى باكيا

تلميذك العاجز

حسن فيضي


[1]   لقد خففت الأدعية القوية لتلاميذ رسائل النور الأبطال المضحين كمثل هذا الأخ الشهيد من وطأة هذا السم، وأصبحت سببا في تأخير حكم تلك الوصية. (المؤلف).




428. صفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا اَللهُ يَا رَحْمٰنُ يَا رَحِيمُ يَا فَرْدُ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا حَكَمُ يَا عَدْلُ يَا قُدُّوسُ

بحق اسمك الأعظم وبحرمة القرآن المعجز البيان وبشرف الرسول الأكرم أنعم على خسرو الذي استنسخ بقلم واحد آلاف النسخ، وأنعم على معاونيه وأصدقائه من تلاميذ رسائل النور السعادة الأبدية في جنات الفردوس، آمين، ووفقهم في خدمة الإيمان والقرآن دائما، آمين، واكتب في صحف أعمالهم ألف حسنة لكل حرف من حروف هذا الكتاب، آمين، وارزقهم الثبات والمثابرة والإخلاص في نشر رسائل النور، آمين، آمين، آمين.

يا أرحم الراحمين، أسعد جميع تلاميذ رسائل النور في كلتا الدارين، آمين، واحفظهم من شر شياطين الإنس والجن، آمين، وتجاوز عن تقصيراتِ هذا العبد العاجز المسكين سعيد. آمين، آمين، آمين.

 

باسم جميع تلاميذ رسائل النور

ســعيد النورسي